بسم الله الرحمن الرحيم
اَلتَّحْذِيرُ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَى الطَّاغُوتِ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ لَهُ
أولا: يجب أن نفهم لماذا يكون التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عبادةً لله سبحانه وتعالى، فإذا ثبت أنه عبادة فقد ثبت أن من صرفها لغير الله فهو مشرك.
ولقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه بين التوكل على الله والمحاكمة إليه وغيرِهما: عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ(صحيح البخاري)
قال الله تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) (الأنعام)
وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار (194/1):أي لا أرضى إلا بحُكمك مثل قوله أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا
وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (1023/1): [ وبكَ حاكَمْتُ ] أي رَفَعْتُ الحُكم إليك فلا حُكم إلاَّ لك اهـ
فلا شكّ أن الذي يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أي يطلب الحكم منهما فهو يتقرب بذلك إلى الله تعالى، وهذا لا يكون إلا بالانقياد والتسليم. قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) (النساء)
وقال ابن كثير في تفسيره (349/2): { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: { ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة اهـ
فمن يتحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهذه قُربة إلى الله لأنها عبادة له تعالى، وأما من تحاكم إلى غيرهما فقد صرف هذه العبادة لغير الله والعياذ بالله تعالى من سوء العذاب يوم القيامة فإنه عزيز ذو انتقام. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) (النساء)
قال ابن كثير في تفسيره (346/2): هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا
وقال عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (صـ 379): فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ومن كان يحكم بهما فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده وخرج عما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه و سلم وأنزله منزلة لا يستحقها وكذلك من عبد شيئا دون الله فإنما عبد الطاغوت- إلى أن قال - وكل من عبد غير الله فقد جاوز به حده وأعطاه من العبادة ما لا يستحقه. قال الإمام مالك رحمه الله الطاغوت ما عبد من دون الله
وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ورغب عنه وجعل لله شريكا في الطاعة وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما أمره الله تعالى به في قوله : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }وقوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه و سلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله أو طلب ذلك اتّباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان في عنقه وإن زعم أنه مؤمن فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكْذَبهم في زعمهم الإيمانَ لما في ضمن قوله : { يزعمون } من نفى إيمانهم فإن { يزعمون } إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها يحقق هذا قوله : { وقد أمروا أن يكفروا به } لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه كما أن ذلك بين في قوله تعالى: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } الآية وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به
وقال سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (229/2): لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه مشتملاً على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان، ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنًا واحدًا في قوله: "بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا".
نبّه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد، واستلزمه من تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النّزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا اللّه، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن،فإن من عرف أن لا إله إلا اللّه، فلا بد من الانقياد لحكم اللّه والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فمن شهد أن لا إله إلا اللّه، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النّزاع، فقد كذب في شهادته
- إلى أن قال - وتعلّل تصديره سبحانه الآية منكرًا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله اللّه على رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويتحاكم إليه عند النّزاع وفي ضمن قوله: يزعمون نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: ألم تر إلى الذين آمنوا، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولم يقل فيهم يزعمون فإن هذا إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، أو منَزل منْزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها. قال ابن كثير: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا.وقوله تعالى :{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مُنافٍ للإيمان مُضَادٌّ له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن باللّه.
وقال السعدي في القول السديد في مقاصد التوحيد (صـ 35): ووجه ما ذكره المصنف ظاهرٌ فإن الرب والإله هو الذي له الحُكم القدريّ، والحكم الشرعيّ، والحكم الجَزائِيّ، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعا لطاعته، فإذا اتخذ العلماء والأمراء على هذا الوجه وجعل طاعتهم هي الأصل وطاعة الله ورسوله تبعا لها فقد اتخذهم أربابا من دون الله يتألههم ويحاكم إليهم ويقدم حكمهم على حكم الله ورسوله، وهذا هو الكفر بعينه فإن الحكم كله لله كما أن العبادة كلها لله
والواجب على كل أحد أن لا يتخذ غير الله حكما وأن يرد ما تنازع فيه الناس إلى الله ورسوله وبذلك يكون دين العبد كله لله وتوحيده خالصا لوجه الله، وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب، فالإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه وفي كل الحقوق كما ذكره المصنف في الباب الآخر، فمن حاكم إلى غير الله ورسوله فقد اتخذ ذلك ربا وقد حاكم إلى الطاغوت اهـ
وقال محمد بن إبراهيم في الفتاوى والرسائل (157/6): ولعلك أن تقول : "لو قال من حكم القانون : أنا أعتقد أنه باطل". فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع ، كما لو قال أحد : أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل اهـ
فالعبادة تكون عبادةً وإن لم يستحلها فاعلها، فمن يعبد غير الله فهو مشرك لأنه قد جعل لله شريكا وهذا يعم جميع أنواع الشرك الأكبر ومن يشرك بالله فليس بمسلم. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (282/14): وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ وَحْدَهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَابِدًا لِغَيْرِهِ . يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَيَكُونُ مُشْرِكًا . وَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ قِسْمٌ ثَالِثٌ . بَلْ إمَّا مُوَحِّدٌ ، أَوْ مُشْرِكٌ
مواقع النشر (المفضلة)