النتائج 1 إلى 18 من 18

المشاهدات : 5438 الردود: 17 الموضوع: قضية التحاكم إلى الطاغوت

إخفاء / إظهار التوقيع

  1. #1

    افتراضي قضية التحاكم إلى الطاغوت
    ��� ������� �������

    --------------------------------------------------------------------------------

    السلام عليكم أما بعد ..
    كثر الجدل فى السنوات الأخيرة عند الموحدين حول قضية التحاكم إلى الطاغوت، هل هو كفر مخرج عن الملة أو معصية يجب التوبة عند فعلها أو أو الخ من الشبهات حول القضية المهمة التي نعيشها فى هذا الزمن الذي اختلط فيه كل شيء..
    إنه آخر الزمان من دون شك وبعده الساعة لأني لا أعتقد أنه يوجد أفضع أو أقبح من هذا الزمان الذي أصبح يسب فيه الله صباحا و مساءا و علانية دون أي مراعاة أو خوف من العقاب
    إننا نعيش في مجتمعات متوحشة يأكل قويها الضعيف وغنيها فقيرها، جاهلية بمعنى الكلمة، عندما يحيد الإنسان عن المهمة التي من أجلها خلق وهي عبادة الله وحده والحكم بشريعته المنزلة على الرسول -عليه السلام- عندما تصبح القوانين الوضعية ندا لشرع الله العظيم وتحكم من دون الرجوع إلى حكم الله فسلام على الدنيا

    اما بعد.. إن الطاغوت هي كلمة على وزن فعلوت، يعني طغى الشيء، يعني زاد عن حده والطاغوت في القرآن هو الشيطان يعني أن الانسان إما أن يعبد الله وحده أو الشيطان، يعني الباطل، فكل ما هو طاغوت يعني شريعة مزيفة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان..

    أما السؤال المطروح هل نكفر المسلم الموحد عند تحاكمه إلى قوانين وضعية شركية ؟
    إن الله يقول: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون و الفاسقون و الظالون و الحكم بما أنزل الله يعني الحكم في الأرض بشريعة الله المنزلة على الرسول -عليه السلام- يعني توحيد و طاعات و نواهي و ندب و مكروه و مستحب..

    نبدأ بالتوحيد الذي بدونه لا يكون الإنسان مسلما و لا تكون لاعماله وزن و لا قيمة عند الله والتوحيد هو الإقرار في النفس أن الله هو الخالق الواحد والمعبود الوحيد يعني أن الألوهية والربوبية لا تكون إلا لله ونفي كل ما يعبد من دون الله سواء كان حجر أو شجر أو إنسان أو قبر أو حيوان أو قانون أو أو ... الخ وتكفير كل واحد يخالف هذا الإعتقاد كما يسميها الكفار حرية الرأي
    ثم الطاعات وهي العبادات المفروضة والنواهي يعني اجتناب المعاصي بشتى أنواعها هذا مجمل الاسلام.

    إن التحاكم إلى غير الله كفر إن كان فاعله مستحلا أو معتقدا أن حاكمية البشر أفضل أو أصلح من حكم الله سواء كان الفاعل عارفا أو جاهلا لأنه لا يعذر الجاهل في الشرك، لأن الله خلق الناس على الفطرة السليمة وبعث الله الأنبياء للبشر و أعطى الناس عقلا وسخر لهم كل ما في الأرض لكن تمردوا على الحق واختاروا الشرك فضلهم الله وختم على قلوبهم وأبصارهم وسمعهم غشاوة فأصبحوا كالحيوانات لا تعقل الحق إنما تعقل الباطل..

    أما المسلم الذى يعلم أن حكم البشر باطل ويتحاكم لسبب ما لا يكفر. إن فعله ذنبا كبيرا لا يخرج عن الملة لأنه لو كان المسلم المتحاكم إلى غير شرع الله يكفر فشارب الخمر أو السارق أو الزاني الخ... من الكبائر التي يكفر كذلك صاحبها لأنه لم يحكم شرع الله في حياته لأن الله أمره أن يجتنب الكبائر، وهذا قول الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي لأن فاعلها لم يحكم بشرع الله وهذا خطأ، فالصواب أن لا شيء يخرج عن الإسلام إلا الإستحلال، أما غير ذلك فهي معاصي يجب التوبة عند فعلها والعزم على عدم العودة لها لأنها ممكن تهلك صاحبها يوم القيامة وهذا موضوع آخر

    فخلاصة الموضوع أن كل شيء مخالف لشريعة الله فهو باطل و فاعله مخالف لشرع الله ومخطىء إن لم يستحل فعلته ويجب عليه التوبة من قريب، أما المستحل فهذا أمره واضح لا نقاش فيه والسلام عليكم

    التوقيع 

    من مواضيع :


  2. #2

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اذا تقرر لديك أن التحاكم عبادة فلا تصرف الا لله فمن صرفها لغير الله يشرك بالله اما اذا لم يتقرر لديك الامر بذلك فهذا مرده الى ان تفهم الدليل من النبع الصافي لا من تدليس اهل ابليس والعياذ بالله قال الله عز وجل " ألم تر الى الذين يزعمون أنهم امنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالا بعيدا " . وقال سبحانه " إن الحكم الا لله امر الا تعبدوا الا اياه " وغير ذلك من الايات .

    والعبادة لا تكون موافقة للقصد والارادة وانما تكون موافقة للامر الرباني وكيفما اراد الله عز وجل وقد بين الله عز وجل ان التحاكم لا يكون الا الى حكم الله سواء في وجود تنفيذ حكم الله ام لا فلا عذر لمن تحاكم الى الطاغوت لا سترداد حقه ان حكم الله غير منفذ وهذا عذر أقبح من ذنب لان من اقر ان التحاكم عبادة لايمكن ان يقول بانه يجوز في وقت ولا يجوز في وقت اخر فهذا من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الاخرة .

    فكل من له قلب نافذ البصيرة وعقل ساطع الفهم وذلك لا يكون الا بفهم لا اله الا الله فيعلم يقينا انه لو ذهبت دنياه باكملها ما تحاكم لغير شرع الله ......


    هدانا الله واياك الى الحق ...

  3. #3

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    الحمد لله و الصلاة على رسول الله و بعد
    كاتب الموضوع قد سب الزمان في موضوعه و هذا كفر فحبذالو استغفرالله جنبنا الله جميعا الكفر

  4. #4

    تاريخ التسجيل Dec 2009
    المشاركات 24

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    [بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. يتضح من كلام (الانسان) أن التحاكم إلى شرع الطاغوت لا يكون كفر الإ فى حالة الإستحلال فقط فهل يعنى هذا أن التحاكم إلى الطاغوت فى أى حال من الأحوال ليس فيه شيئ مادام الإنسان لم يستحله أرجو ممن يقول بهذا القول أن يأتى بدليل من كتاب الله أو من سنة النبى صلى الله عليه وسلم أو من أقوال علماء السلف بأن التحاكم إلى الطاغوت يكون معصية ما لم يستحله كما ذكرت .. أما قول (بشراكم إذا نطقت ) أن من سب الزمان يكفر فما الدليل على أنه كفر ؟؟ إن الله عزوجل يقول (يؤذينى بن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدى أقلب الليل والنهار ) أرجو الإفادة جزاكم الله خيرًا.

    التوقيع 

    إن كنت تغدوا في الذنوب جليـداً وتخاف في يـوم المعـاد وعيـداً


    فلقد اتاك مـن المهيمـن عفـوه وأفاض من نعـمٍ عليـك مزيـداً


    لا تيأسن من لطف ربك في الحشا في بطن أمـك مضغـةووليـداً


    لو شاء أن تصلى جهنـم خالـداً ما كـان الهـم قلبـك التوحيـدا

    من مواضيع :


  5. #5

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن سب الدهر من الشرك الاصغر وليس من الشرك الا كبر فلا يكفر فاعله الا اذا استحله وهذا كلام العلماء .

    قال الله تعالى (يؤذيني ابن آدم ) أي يقول في حقي ما أكرهه ( يسب الدهر ) وهو اسم لمدة ( العالم من مبدأ تكوينه إلى انقراضه ( وأنا الدهر ) أي مقلبه ومدبره فأقيم المضاف مقام المضاف إليه أو بتأويل الداهر ( بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ) أي أذهب بالملوك والمعنى أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الحوادث فإذا سب الدهر معتقد أنه فاعل ذلك فقد سبني .

    يؤذيني ابن آدم: أي يخاطبني من القول بما يتأذى به من يجوز في حقه التأذي، والله سبحانه منزه عن أن يصل إليه الأذى، وإنما هو من التوسع في الكلام، والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله، قاله القرطبي.
    …يسب الدهر: إذا أصابه مكروه يقول: يا خيبة الدهر، ويا بؤس الدهر. وأنا الدهر: قال الخطابي: ( معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إليه، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور، وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر، فقالوا: بؤسا للدهر، وتبا للدهر).

    ولا يكفر الا من سب الدهر معتقدا انه المصرف للحوادث اما اذا سبه معتقدا ان الله هو المصرف للحوادث فهذا من الشرك الاصغر .
    التعديل الأخير تم بواسطة الغريبه ; 2010-03-03 الساعة 22:19 سبب آخر: تم دمج المشاركات بدون المساس بمحتواها

  6. #6

    تاريخ التسجيل Oct 2009
    إعجاب مرسل: 0
    إعجاب متلقى: 1
    المشاركات 515

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سبّ الدهر هو من المكفّرات، فالسابّ إما أن يعتقد أن الدهر نفسه له فعلٌ فيدبر الأمر فهذا شرك أكبر اعقادي، وإما أن يقرّ بأن الله يدبّر الأمر فيسب تقدير الله وسبه على الله عائدٌ ومن يسبّ الله فليس من أهل التوحيد في شيء. وسأقتصر على بيان كفر من يعتقد أن الله تعالى يدبّر الأمر فيسب الدهر، ثم يليه التنبيه إلى كون التحاكم إلى الطاغوت عبادة له إن شاء الله.

    وأما الفقير إلى الله فإنما هو غيري، ولم أكن أنا الذي كتب أن سب الدهر قد لا يكون مكفرا، بل من تعمد على السب فقد كفر وإن لم يعتقد أن للدهر فعلٌ، هذا إذا تعمد على السب وإن لم يتعمد على أن يكفر، وأما الذي لم يتعمد على السبّ أصلا فلم يكفر، قال النبي صلى الله عليه وسلم:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (صحيح مسلم)

    فقال البيهقي في سننه الكبرى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أحمد بن سلمان الفقيه ثنا الحسن بن مكرم ثنا عبد الله بن بكر ثنا هشام عن محمد هو بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أخرجه مسلم في الصحيح من حديث هشام بن حسان وغيره

    قال الشافعي في رواية حرملة وإنما تأويله والله أعلم أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف أو غير ذلك فيقولون إنما يهلكنا الدهر وهو الليل والنهار وهما الفتنتان والجديدان فيقولون أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر فيجعلون الليل والنهار اللذين يفعلان ذلك فيذمون الدهر فإنه الذي يفنينا ويفعل بنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تسبوا الدهر على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبوا الله تبارك وتعالى فإن الله فاعل هذه الأشياء قال الشيخ وطرق هذا الحديث وما حفظ بعض رواته من الزيادة فيه دليل على صحة هذا التأويل اهـ

    والتأويل بمعنى التفسير ها هنا. فمن سبّ الدهر فقد سبّ تقدير الله وهذا ينافي الاستسلام له بالكلية. قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (499/10): فإذا سببتم الدهر وهو لا يفعل شيئًا فقد وقع السب على الله .

    وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (صـ 223): وقد حكى الله عز و جل عن أهل الجاهلية ما كانوا عليه من نسب أقدار الله عز و جل وأفعاله إلى الدهر فقال وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصايب ولا تنسبوها إليه فإن الله عز و جل هو الذي أصابكم بذلك لا الدهر فإذا سببتم الفاعل وقع السب بالله عز و جل

    ألا ترى أن الرجل منهم إذا أصابته نائبة أو جائحة في مال أو ولد أو بدن فسب فاعل ذلك به وهو ينوي الدهر أن المسبوب هو الله عز وجل وسأمثل لهذا الكلام مثالا أقرب به عليك ما تأولت وإن كان بحمد الله تعالى قريبا كأن رجلا يسمى زيدا أمر عبدا له يسمى فتحا أن يقتل رجلا فقتله فسب الناس فتحا ولعنوه فقال هم قائل لا تسبوا فتحا فإن زيدا هو فتح يريد أن زيدا هو القاتل لأنه هو الذي أمره كأنه قال إن القاتل زيد لا فتح وكذلك الدهر تكون فيه المصايب والنوازل وهي بأقدار الله عز و جل فيسب الناس الدهر لكون تلك المصايب والنوازل فيه وليس له صنعٌ فيقول قائل لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر

    وقال الأصفهاني في مشكل الحديث وبيانه (صـ 276): وإنكم إذا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر وقع السب على فاعل ذلك وهو الله تعالى ألا ترى أن الرجل منهم إذا أصابته جائحة من مال أو ولد أو بدن سب فاعل ذلك وتوهمه الدهر فكان المسبوب هو الله جل ذكره
    ومثاله في الكلام أن يكون رجلا يسمى زيدا وله عبد يسمى بكر فأمر بكرا أن يقتل رجلا فقتله فسب الناس بكرا فقال لهم قائل لا تسبوا بكرا فإن زيدا هو بكر يريد أن زيدا هو القائل لأن الذي أمره كأنه هو القاتل كذلك.

    التوقيع 

    [FONT=Traditional Arabic][SIZE=5]قال الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (ص 114): متى كان في ملكه ما لا يريده بطلت الربوبية وذلك مثل أن يكون في ملكه ما لا يعلمه تعالى الله علوا كبيرا
    [/SIZE][/FONT][CENTER][SIZE=5][URL]http://www.dinullah.110mb.com[/URL][/SIZE]


    [/CENTER]

    من مواضيع :


  7. #7

    تاريخ التسجيل Oct 2009
    إعجاب مرسل: 0
    إعجاب متلقى: 1
    المشاركات 515

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اَلتَّحْذِيرُ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَى الطَّاغُوتِ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ لَهُ

    أولا: يجب أن نفهم لماذا يكون التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عبادةً لله سبحانه وتعالى، فإذا ثبت أنه عبادة فقد ثبت أن من صرفها لغير الله فهو مشرك.

    ولقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه بين التوكل على الله والمحاكمة إليه وغيرِهما: عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ(صحيح البخاري)

    قال الله تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) (الأنعام)

    وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار (194/1):أي لا أرضى إلا بحُكمك مثل قوله أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا

    وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (1023/1): [ وبكَ حاكَمْتُ ] أي رَفَعْتُ الحُكم إليك فلا حُكم إلاَّ لك اهـ

    فلا شكّ أن الذي يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أي يطلب الحكم منهما فهو يتقرب بذلك إلى الله تعالى، وهذا لا يكون إلا بالانقياد والتسليم. قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) (النساء)

    وقال ابن كثير في تفسيره (349/2): { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: { ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة اهـ

    فمن يتحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهذه قُربة إلى الله لأنها عبادة له تعالى، وأما من تحاكم إلى غيرهما فقد صرف هذه العبادة لغير الله والعياذ بالله تعالى من سوء العذاب يوم القيامة فإنه عزيز ذو انتقام. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) (النساء)

    قال ابن كثير في تفسيره (346/2): هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا

    وقال عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (صـ 379): فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ومن كان يحكم بهما فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده وخرج عما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه و سلم وأنزله منزلة لا يستحقها وكذلك من عبد شيئا دون الله فإنما عبد الطاغوت- إلى أن قال - وكل من عبد غير الله فقد جاوز به حده وأعطاه من العبادة ما لا يستحقه. قال الإمام مالك رحمه الله الطاغوت ما عبد من دون الله

    وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ورغب عنه وجعل لله شريكا في الطاعة وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما أمره الله تعالى به في قوله : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }وقوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }

    فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه و سلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله أو طلب ذلك اتّباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان في عنقه وإن زعم أنه مؤمن فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكْذَبهم في زعمهم الإيمانَ لما في ضمن قوله : { يزعمون } من نفى إيمانهم فإن { يزعمون } إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها يحقق هذا قوله : { وقد أمروا أن يكفروا به } لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه كما أن ذلك بين في قوله تعالى: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } الآية وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به

    وقال سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (229/2): لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه مشتملاً على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مستلزمًا له، وذلك هو الشهادتان، ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنًا واحدًا في قوله: "بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا".

    نبّه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد، واستلزمه من تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النّزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا اللّه، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن،فإن من عرف أن لا إله إلا اللّه، فلا بد من الانقياد لحكم اللّه والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فمن شهد أن لا إله إلا اللّه، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النّزاع، فقد كذب في شهادته

    - إلى أن قال - وتعلّل تصديره سبحانه الآية منكرًا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله اللّه على رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير اللّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويتحاكم إليه عند النّزاع وفي ضمن قوله: يزعمون نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: ألم تر إلى الذين آمنوا، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير اللّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولم يقل فيهم يزعمون فإن هذا إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، أو منَزل منْزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها. قال ابن كثير: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا.وقوله تعالى :{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مُنافٍ للإيمان مُضَادٌّ له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن باللّه.

    وقال السعدي في القول السديد في مقاصد التوحيد (صـ 35): ووجه ما ذكره المصنف ظاهرٌ فإن الرب والإله هو الذي له الحُكم القدريّ، والحكم الشرعيّ، والحكم الجَزائِيّ، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعا لطاعته، فإذا اتخذ العلماء والأمراء على هذا الوجه وجعل طاعتهم هي الأصل وطاعة الله ورسوله تبعا لها فقد اتخذهم أربابا من دون الله يتألههم ويحاكم إليهم ويقدم حكمهم على حكم الله ورسوله، وهذا هو الكفر بعينه فإن الحكم كله لله كما أن العبادة كلها لله

    والواجب على كل أحد أن لا يتخذ غير الله حكما وأن يرد ما تنازع فيه الناس إلى الله ورسوله وبذلك يكون دين العبد كله لله وتوحيده خالصا لوجه الله، وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب، فالإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه وفي كل الحقوق كما ذكره المصنف في الباب الآخر، فمن حاكم إلى غير الله ورسوله فقد اتخذ ذلك ربا وقد حاكم إلى الطاغوت اهـ

    وقال محمد بن إبراهيم في الفتاوى والرسائل (157/6): ولعلك أن تقول : "لو قال من حكم القانون : أنا أعتقد أنه باطل". فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع ، كما لو قال أحد : أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل اهـ

    فالعبادة تكون عبادةً وإن لم يستحلها فاعلها، فمن يعبد غير الله فهو مشرك لأنه قد جعل لله شريكا وهذا يعم جميع أنواع الشرك الأكبر ومن يشرك بالله فليس بمسلم. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (282/14): وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ وَحْدَهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَابِدًا لِغَيْرِهِ . يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَيَكُونُ مُشْرِكًا . وَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ قِسْمٌ ثَالِثٌ . بَلْ إمَّا مُوَحِّدٌ ، أَوْ مُشْرِكٌ

  8. #8

    ajal رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    عنوان الكتاب
    الرد علي أهل الإفراط في قضية التحاكم للطاغوت
    لابي عبد السلام الفقير إلي الله
    الحمد لله الذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله, وكفى بالله شهيدا, أحمده سبحانه حمد عبد معترف بما له جل وعلا من الآلاء والنعم…، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا.
    أما بعد:
    فأسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم جميعا ممن أصلح قوله وعمله, وجعل حياته زيادة في كل خير ونعوذ به جل وعلا من الخذلان، كما نسأله أن يُلزمنا كلمة التقوى وطريقة السلف الصالح التي هي أولى.
    قال ابن القيم رحمه الله: أن كل واحد منا مأمور بأن يصدق الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره، ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها. وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها. فما خراب العالم إلا بالجهل، ولا عمارته إلا بالعلم. وإذا ظهر العلم في بلد أو محلة، قل الشر في أهلها. وإذا خفي العلم هناك، ظهر الشر والفساد، ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نوراً.
    قال الإمام أحمد: لولا العلم كان الناس كالبهائم. وقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثاً، والعلم يحتاج إليه كل وقت أ.هـ (1)
    وبعد

    ويشمل الرد علي ثلاث فصول
    الفصل الاول تفسير قوله تعالي (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) [يوسف : 25 - 30]
    أولا-المدعي عليه ليس متحاكما بل هو مدافع عن نفسة في قضية مبنية من الداعي و مع انها قضية وحكم لكن المدعي عليه لا دخل له بها كما جاء في تفسير الاية({ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي })الآية
    جاء في تفسير الطبري - (16 / 53)
    (مكذِّبًا لها فيما قذفته به ودفعًا لما نسب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها ، بل هي راودتني عن نفسي. (1))ا هـ
    و تفسير ابن كثير - (4 / 383)
    (فعند ذلك انتصر يوسف، عليه السلام، بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، وقال بارا صادقا (4) { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي })ا هـ
    و تفسير البغوي - (4 / 234)
    { قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي } يعني: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت.
    وقيل: ما كان يريد يوسف أن يذكره، فلما قالت المرأة: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا؟ ذكره، فقال: هي راودتني عن نفسي.
    { وَشَهِدَ شَاهِدٌ } وحكم حاكم، { مِنْ أَهْلِهَا } )ا هـ
    و تفسير الألوسي - (8 / 487)
    { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } أي طالبتني للمواتاة لا أني أردت بها سوءاً كما زعمت وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عن التهمة ودفع الضرر عنها لا لتفضيحها)ا هـ
    و تفسير الألوسي - (8 / 487)
    (وذلك أن الإثنين إذا وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم : لي على هذا كذا : فيقول المدعى عليه : هو يعلم أنه لا حق له علي ، فالضمير في هو إنما هو لحضور مدلوله حسالاً لقوله : لي كما هو المتبادر إلى الأفهام ، وأيضاً يرد على ما ذكره في ضمير)ا هـ
    و تفسير البحر المحيط - (7 / 5)
    (ولا ينافي هذا قول قتادة ، كان رجلاً حليماً من أهلها ذا رأي يأخذ الملك برأيه ويستشيره . وقيل : كان حكماً حكمه زوجها فحكم بينهما)ا هـ
    و تفسير فتح القدير - (4 / 21)
    { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } أي : من قرابتها ، وسمي الحكم بينهما شهادة لما يحتاج فيه من التثبت والتأمل ، قيل : لما التبس الأمر على العزيز احتاج إلى حاكم يحكم بينهما ليتبين له الصادق من الكاذب . قيل : كان ابن عمّ لها واقفاً مع العزيز في الباب .)ا هـ
    وتفسير الرازي - (9 / 29)
    واعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه السلام احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال : { هي راودتني عن نفسي })ا هـ
    وتفسير نظم الدرر للبقاعي - (4 / 245)
    { إلا أن يسجن } أي يودع في السجن إلى وقت ما ، ليحكم فيه بما يليق { أو عذاب أليم } أي دائم ثابت غير السجن؛ والجزاء : مقابلة العمل بما هو حقه ، هذا كان حالها عند المفاجأة ، وأما هو عليه الصلاة والسلام فجرى على سجايا الكرام بأن سكت ستراً عليها وتنزهاً عن ذكر الفحشاء ، فكأنه قيل : فماذا قال حين قذفته بهذا؟ فقيل { قال } دافعاً عن نفسه لا هاتكاً لها { هي } بضمير الغيبة لاستيحائه عن مواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب { راودتني عن نفسي } وما قال ذلك إلا حين اضطرته إليه بنسبته إلى الخيانة )ا هـ
    و تفسير البيضاوي - (3 / 144)
    { قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } طالبتني بالمؤاتاة ، وإنما قال ذلك دفعاً لما عرضته له من السجن أو العذاب الأليم ، ولو لم تكذب عليه لما قاله)ا هـ
    و تفسير الكشاف - (3 / 162)
    (وقيل : العذاب الأليم الضرب بالسياط . ولما أغرت به وعرّضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه فقال : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } ولولا ذلك لكتم عليها)ا هـ
    و تفسير النكت والعيون - (2 / 253)
    { قال هي راودتني عن نفسي } لأنها لما برأت نفسها بالكذب عليه احتاج أن يبرىء نفسه بالصدق عليها ، ولو كفت عن الكذب عليه لكف عن الصدق عليها .
    { وشهد شاهد من أهلها } لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد يعلم به صدق الصادق منهما من الكاذب ، فشهد شاهد من أهلها ، أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس شهادة )ا هـ.
    الدر المنثور - (5 / 397)
    (أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { وشهد شاهد . . . } قال : حكم حاكم .)ا هـ
    تفسير الخازن - (4 / 12)
    هي راودتني عن نفسي { وشهد شاهد من أهلها } يعني وحكم حاكم من أهل المرأة)ا هـ
    و تفسير الثعالبي - (2 / 257)
    (ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء)؛ا هـ
    و تفسير التحرير والتنوير - (7 / 259)
    (وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه السّلام على سيدته أو دحضه . وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قُبُل)ا هـ
    وتفسير ابن عبد السلام - (2 / 467)
    { هِىَ رَاوَدَتْنِى } لما كذبت عليه دافع عن نفسه بالصدق ولو كفت عن كذبها لكف عن الصدق)ا هـ
    و تفسير تنوير المقباس –لابن عباس (1 / 249)
    { وَشَهِدَ شَاهِدٌ } حكم حاكم { مِّنْ أَهْلِهَآ } وهو أخوها ويقال ابن عمها)ا هـ
    و تفسير المنتخب - (1 / 383)
    (قال يوسف يدافع عن نفسه : هى طلبتنى ، وحاولت أن تخدعنى عن نفسى ، وتخاصما فى الاتهام ، فحكم حكَم من أهلها)ا هـ
    و تفسير الوجيز للواحدي - (1 / 359)
    { قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد } وحكم حاكمٌ ، وبيَّن مبيِّنٌ { من أهلها } وهو ابنُ عمِّ المرأة)ا هـ
    و تفسير أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن - (2 / 324)
    يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين ، وكذب الآخر . لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب . لأن كون القميص مشقوقاً من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها ، وهي تنوشه من خلفه ، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها ، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها )ا هـ
    وتفسير القرطبي - (9 / 172)
    (شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد ليعلم الصادق من الكاذب، فشهد شاهد من أهلها. أي حكم حاكم من أهلها، لأنه حكم منه وليس بشهادة.)،ا هـ
    وتفسير المنار - (12 / 237)
    (آيَاتُ تَحْقِيقِ زَوْجِهَا فِي الْقَضِيَّةِ) :
    هَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ فِي تَحْقِيقِ الْقَضِيَّةِ وَعِلْمِ زَوْجِهَا بِهِ بَرَاءَةَ يُوسُفَ وَثُبُوتَ خَطِيئَتِهَا ، وَبُدِئَ بِبَيَانِ جَوَابِهِ الصَّرِيحِ الْمُنْتَظَرِ بَعْدَ اتِّهَامِهَا إِيَّاهُ بِالتَّلْمِيحِ وَهُوَ :
    (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) فَامْتَنَعْتُ وَفَرَرْتُ كَمَا تَرَى . فَصَارَتِ النَّازِلَةُ أَوِ الْقَضِيَّةُ بِاخْتِلَافِ قَوْلَيْهِمَا مَوْضُوعُ بَحْثٍ وَتَحْقِيقٍ وَتَشَاوُرٍ بَيْنَ زَوْجِهَا وَأَهْلِهَا لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا التَّنْزِيلُ تَفْصِيلَهُ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِصَّةِ فِيهِ بَيَانُ نَزَاهَةِ يُوسُفَ وَفَضَائِلِهِ لِلْعِبْرَةِ لَهَا . وَإِنَّمَا عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا وَقَعَ بِالْفِعْلِ)ا هـ
    تفسير المنار - (12 / 266)
    لقوله تعالي(َالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)) يوسف 50
    (وَمِنْهَا) وُجُوبُ الدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ وَإِبْطَالُ التُّهَمِ الَّتِي تُخِلُّ بِالشَّرَفِ كَوُجُوبِ اجْتِنَابِ مُوَافَقَتِهَا . (وَمِنْهَا) مُرَاعَاتُهُ النَّزَاهَةَ بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى النِّسْوَةِ ، وَتَرْكُ أَمْرِ التَّحْقِيقِ إِلَى الْمَلِكِ يَسْأَلُهُنَّ مَا بَالُهُنَّ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَيَنْظُرُ مَا يُجِبْنَ بِهِ . (وَمِنْهَا) أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَيِّدَتَهُ مَعَهُنَّ وَهِيَ أَصْلُ الْفِتْنَةِ وَفَاءً لِزَوْجِهَا وَرَحْمَةً بِهَا ؛ لِأَنَّ أَمْرَ شَغَفِهَا بِهِ كَانَ وِجْدَانًا قَاهِرًا لَهَا ، وَإِنَّمَا اتَّهَمَهَا أَوَّلًا عِنْدَ وُقُوفِهِ مَوْقِفَ التُّهْمَةِ لَدَى سَيِّدِهَا وَطَعْنِهَا فِيهِ دِفَاعًا عَنْ نَفْسِهِ ، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بُدٌّ مِنْهُ )ا هـ.

    ثانيا من التفاسير السابقة للآية يتضح أمور جلية
    1- أن قضية يوسف عليه السلام قضية وحكم لا كما يقول البعض أنها مجرد تنازع لم يرفع لحاكم لكنه تنازع بين يوسف وزوجة العزيز رفعته زوجة العزيز إلي العزيز والشاهد الذي حكم مع العزيز كما جاء في تفسير البغوي - (4 / 234)
    { وَشَهِدَ شَاهِدٌ } وحكم حاكم)ا هـ‘
    و تفسير البحر المحيط - (7 / 5)
    (وقيل : كان حكماً حكمه زوجها فحكم بينهما)ا هـ
    وتفسير فتح القدير - (4 / 21)
    (وسمي الحكم بينهما شهادة لما يحتاج فيه من التثبت والتأمل ، قيل : لما التبس الأمر على العزيز احتاج إلى حاكم يحكم بينهما ليتبين له الصادق من الكاذب)
    وتفسير النكت والعيون - (2 / 253)
    ( فشهد شاهد من أهلها ، أي حكم حاكم من أهلها لأنه حكم منه وليس شهادة )ا هـ.
    وتفسير الدر المنثور - (5 / 397)
    (أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { وشهد شاهد . . . } قال : حكم حاكم .)ا هـ
    تفسير الخازن - (4 / 12)
    { وشهد شاهد من أهلها } يعني وحكم حاكم من أهل المرأة)ا هـ
    تفسير الثعالبي - (2 / 257)
    (ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء)؛ا هـ
    وتفسير التحرير والتنوير - (7 / 259)
    (. وهذا من القضاء بالقرينة البينة)ا هـ
    وتفسير تنوير المقباس - (1 / 249)
    { وَشَهِدَ شَاهِدٌ } حكم حاكم
    وتفسير المنتخب - (1 / 383)
    وتخاصما فى الاتهام ، فحكم حكَم من أهلها)ا هـ‘
    وتفسير الوجيز للواحدي - (1 / 359)
    وحكم حاكمٌ
    يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة
    و تفسير القرطبي - (9 / 172)
    (فشهد شاهد من أهلها. أي حكم حاكم من أهلها، لأنه حكم منه وليس بشهادة.)ا هـ
    و تفسير المنار - (12 / 237)
    (آيَاتُ تَحْقِيقِ زَوْجِهَا فِي الْقَضِيَّةِ)ا هـ
    2- بعد هذا السرد علم بذلك ما لا يدع مجال للشك
    - أنها قضية وحكم
    - المدعي الذي طلب ورفع الدعوي زوجة العزيز وهي التي ينطبق عليها قوله تعالي(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) [النساء : 60])
    - وأما المدعي عليه فهو يوسف عليه السلام وهو المدافع عن نفسه وليس متحاكما حقيقتا ولم يكن مكرها في الدفاع عن نفسه ولا ينطبق عليه الآية السابقة لكونه مدافع عن نفسه لم يبتدئء في رفع القضية كما جاء في التفسيرات الأتية للآية (هي راودتني عن نفسي } الآية
    تفسير الألوسي - (8 / 487)
    (لتنزيه نفسه عن التهمة)اهـ
    تفسير الألوسي - (8 / 487)
    (وذلك أن الإثنين إذا وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم : لي على هذا كذا : فيقول المدعى عليه : هو يعلم أنه لا حق له علي)اهـ
    و تفسير نظم الدرر للبقاعي - (4 / 245)
    { قال } دافعاً عن نفسه)
    و تفسير البيضاوي - (3 / 144)
    ،( وإنما قال ذلك دفعاً لما عرضته له من السجن أو العذاب الأليم)اهـ
    وتفسير الكشاف - (3 / 162)
    (ولما أغرت به وعرّضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه )ا هـ
    وتفسير النكت والعيون - (2 / 253)
    (لأنها لما برأت نفسها بالكذب عليه احتاج أن يبرىء نفسه بالصدق عليها)ا هـ
    و تفسير ابن عبد السلام - (2 / 467)
    (لما كذبت عليه دافع عن نفسه بالصدق)ا هـ
    وبعد هذا يتبين الأمر بما لايدع مجال للشك أن يوسف هو الطرف المدعي عليه في القضية المقامة ضده فلا يسمي متحاكما حقيقتا ولا يندرج ضمن الآية (يريدون أن يتحاكمواإلي الطاغوت)الاية
    لذلك يقول الشيخ حلمي هاشم في كتاب النصيحة والبيان
    (و[المدعي عليه] في هذا لموقف هو (المصال عليه) وهو المطالب بالدفاع عن نفسه أو ماله أو عرضه
    وهو وإن سماه البعض (متحاكما) فإنما ذلك علي سبيل المقابلة لا الحقيقة ، كما سنبين ذلك لاحقا ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخري : فقد دلت الأدلة علي أنه ما عليه في ذلك من سبيل ،
    فهما نقطتان أساسيتان :
    الأولي: أنه ليس متحاكما علي الحقيقة يقينا
    والثانية : أنه مما رفع عنه الإثم والحرج في ذلك
    ولكن نعرضهما ضمن برنامج علمي يتناول تفاصيل وزوايا نحتاج إليها يتضمن التعريف بـأحكام (ا هـ
    ثم يقول الشيخ حلمي
    حقائق شرعية هامة :
    أولا ـ كيف كان تسمية الدفع عدوانا أو إثما أو ظلما أو تحاكما:

    فلعل مما يلفت النظر في البيان السابق وما أوردناه من نصوص أباحت الدفع أو رد العدوان ومع ذلك قد نصت وبصريح اللفظ علي أن ذلك من :
    ـ من العدوان كما قال  :فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْالبقرة :(194)
    ـ أو من السيئة كما قال :  وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا الشوري: 42
    ـ أو من العقوبة كما في قوله تعالي : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ  النحل
    أو غير ذلك ..
    وهكذا ما ذهب اليه البعض من تسمية (المدافع) عن دينه أو نفسه أو عرضه أو ماله أمام الطواغيت من حكام أو من ينوب عنهم من ولاه وقضاه وغيرهم يصرون علي وصف ذلك الدفع والدفاع (بالمتحاكم) كشأن من التجأ إليهم ومن ثم فهو داخل في مسمي الإثم بل الشرك من جنس هذه المسميات الواردة بالنص من غير إدراك حقيقي بدلالة اللفاظ النصوص ،)ا هـ
    ثم يقول الشيخ حلمي هاشم في نفس الكتاب
    (وفي زاد المسير في علم التفسير قال جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفي : 597هـ) :قوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } قال ابن عباس : من قاتلكم في الحرم فقاتلوه . وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداءً ، لأن صورة الفعلين واحدة ، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية . قال الزجاج : والعرب تقول : ظلمني فلان فظلمته ، أي : جازيته بظلمه . وجهل فلان عليَّ ، فجهلت عليه . وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة أ.هـ
    ثم يقول
     كما قال ابن كثير في تفسير سورة البقرة 194: وقد أطلق هاهنا الاعتداء على الاقتصاص، من باب المقابلة، كما قال عمرو بن أم كلثوم:
    ألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ...أ.هـ
     وفي التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي قال:
     فاعتدوا عَلَيْهِ  تسمية للعقوبة باسم الذنب ---أ.هـ
    وقال في قوله تعالي : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ  النحل :
    المعنى إن صنع بكم صنع سوء فافعلوا مثله ولا تزيدوا عليه ، والعقوبة في الحقيقة إنما هي الثانية ، وسميت الأولى عقوبة لمشاكلة اللفظ ، أ.هـ
     وقد قال القرطبي في تفسيره للآية من سورة الشوري : وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها؛ فالأول ساء هذا في مال أو بدن، وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضا؛ وقد مضى هذا كله في "البقرة" مستوفي.أ.هـ
    وفي تفسير قوله تعالي من سورة البقرة :  فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ:(194)
    قال القرطبي : الرابعة : سمى الله تعالى الإذايات في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية، وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول، هذا بعكس قوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] وقوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] فإن الثاني هنا هو المجاز والأول هو الحقيقة؛ قاله ابن عطية.
    الخامسة : قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} عموم متفق عليه، إما بالمباشرة إن أمكن، وإما بالحكام. أ.هـ
    فهذا ما نحن فيه ....أن الشريعة جاءت بتقرير الأحكام تنزيلا علي الأوصاف الشرعية المقصودة لا علي ما يشاكلها من صفات أو أوصاف لم يعول عليها وإنما جاءت هذه الأوصاف علي غير الحقيقة لاعتبارات أخري غير تلك التي كانت موضع عناية الشارع عند تقرير هذه الأحكام :
    أ ـ كما ذكر أهل العلم في تفسير ما سبق ، وأن تسمية الدفع أو الانتصار بالعدوان أو السؤ أو الظلم أو ما شابه ذلك إنما جاء علي سبيل المقابلة لا الحقيقة. وأن الظالم حقيقة هو من بدأ بالظلم وأن المنتصرين، { مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } بعقوبة ومؤاخذة. كما قال البغوي وغيره :{ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ } يبدؤون بالظلم، { وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } يعملون فيها بالمعاصي، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } . أ.هـ
    ب ـ أو أن يجئ الوصف علي سبيل التأنق أو مراعاة لمعاني شرفية أو أدبية ، كأولئك الذين يسمون الدفاع (بالقضاء الواقف ) في مقابلة منصب القضاة الذين يطلقون عليهم مصطلح ( القضاء الجالس) وقد علم الجميع ـ وفي مقدمتهم أهل الاختصاص ـ أن هذا الدفاع لا ولاية له ولا سلطان ولا حكما ولا إلزام كي يعد قضاء )، ا هـ

    الفصل الثاني قضايا أخري في نفس سورة يوسف

    1- القضية الاخري وهي قضية تبع للاولي وهي
    إنابة المدعي عليه غيره في الدفاع عن نفسه
    كما في قوله تعالي(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) [يوسف : 42 ، 43]
    جاءفي تفسير الطبري - (16 / 109)
    (اذكرني عند ربك) يقول: اذكرني عند سيدك ، وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم)ا هـ
    وتفسير البغوي - (4 / 243)
    { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } يعني: سيدك الملك، وقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما طال حبسه.)ا هـ
    جاءفي تفسير زاد المسير - (3 / 430)
    { اذكرني عند ربك } أي : عند صاحبك ، وهو الملك ، وقل له : إِن في السجن غلاماً حُبس ظلماً . واسم الملك : الوليد بن الريّان)ا هـ
    وتفسير الرازي - (9 / 48)
    والمعنى : اذكر عنده أنه مظلوم من جهة إخوته لما أخرجوه وباعوه ، ثم إنه مظلوم في هذه الواقعة التي لأجلها حبس ، فهذا هو المراد من الذكر )ا هـ
    وتفسير البيضاوي - (3 / 156)
    (اذكر حالي عند الملك كي يخلصني.)ا هـ
    وتفسير الخازن - (4 / 18)
    { اذكرني عند ربك } يعني سيدك وهو الملك الأكبر فقل له إن في السجن غلاماً محبوساً مظلوماً طال حبسه)ا هـ
    وتفسير حقي - (6 / 103)
    { قضى الامر } اذ لو بنى جوابه على التعبير لما قال قضى لان التعبير على الظن والقضاء هو الالزام الجازم والحكم القاطع الذى لا يصح ابتناؤه على الظن { اذكرنى عند ربك } اى سيدك وقل له فى السجن غلام محبوس ظلما طال حبسه لعله يرحمنى ويخلصنى من هذه الورطة)ا هـ
    جاءفي تفسير تنوير المقباس - (1 / 251)
    { اذكرني عِندَ رَبِّكَ } عند سيدك الملك أني مظلوم عدا عليَّ إخوتي فباعوني وأنا حر وحبست في السجن وأنا مظلوم)ا هـ
    و تفسير السعدي - (1 / 398)
    ( أي: اذكر له شأني وقصتي، لعله يرقُّ لي، فيخرجني مما أنا فيه)ا هـ
    و جاءفي تفسير الوجيز للواحدي - (1 / 362)
    (وقل له : إنَّ في السِّجن غلاماً محبوساً ظلماً)ا هـ

    2- القضية الثالثة قضية السرقة
    كما جاء في تفسير قوله تعالي (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) [يوسف : 70/78])

    جاء في تفسير البيضاوي - (3 / 174)
    { قَالُواْ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله واسترقاقه ، هكذا كان شرع يعقوب عليه الصلاة والسلام . وقوله { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } تقرير للحكم وإلزام له ، ،)ا هـ
    وتفسير النسفي - (2 / 81)
    فَهُوَ جَزَاؤُهُ } تقرير للحكم أي فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير ، أو { جزاؤه } مبتدأ والجملة الشرطية كما هي خبره { كذلك نَجْزِى الظالمين } أي السراق بالاسترقاق)ا هـ
    و جاء في تفسير الكشاف - (3 / 199)
    { قَالُواْ جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ } أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله ، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة ، فلذلك استفتوا في جزائه . وقولهم { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } تقرير للحكم ، أي : فأخذ السارق نفسه وهو جزاؤه لا غير)ا هـ
    و جاء في تفسير النكت والعيون - (2 / 276)
    { وما كنا سارقين } يحتمل وجهين :
    أحدهما : ما كنا سارقين من غيركم فنسرق منكم .
    والثاني : ما كنا سارقين لأمانتكم فنسرق غير أمانتكم . وهذا أشبه لأنهم أضافوا بذلك إلى عملهم
    قوله عز وجل : { قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } أي ما عقوبة من سرق منكم إن كنتم كاذبين في أنكم لم تسرقوا منا .
    { قالوا جزاؤه مَن وُجِدَ في رحلِه فهو جزاؤه } أي جزاء من سرق إن يُسْترق .
    { كذلك نِجزي الظالمين } أي كذلك نفعل بالظالمين إذا سرقوا وكان هذا من دين يعقوب )ا هـ
    وتفسير الخازن - (4 / 38)
    { لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا مسرفين } قال المفسرون : إن أخوة يوسف حلفوا على أمرين :
    أحدهما : أنهم ما جاؤوا لأجل الفساد في الأرض والثاني أنهم ما جاؤوا سارقين وإنما قالوا هذه المقالة لأنه كان قد ظهر من أحوالهم ما يدل على صدقهم وهو أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير والطاعة والبر حتى بلغ من أمرهم أنهم شدوا أفواه دوابهم لئلا تؤذي زرع الناس ومن كانت هذه صفته فالفساد في حقه ممتنع .
    وأما الثاني : وهو أنهم ما كانوا سارقين فلأنهم قد كانوا ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ولم يستحلوا أخذها ومن كانت هذه صفته فليس بسارق فلأجل ذلك قالوا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين فلما تبينت براءتهم من هذه التهمة { قالوا } يعني أصحاب يوسف وهو المنادي وأصحابه { فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } يعني فما جزاء السارق إن كنتم كاذبين في قولكم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين .)ا هـ.
    و تفسير السعدي - (1 / 402)
    { أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } ولعل هذا المؤذن، لم يعلم بحقيقة الحال.
    { قَالُوا } أي: إخوة يوسف { وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ } لإبعاد التهمة، فإن السارق ليس له همٌّ إلا البعد والانطلاق عمن سرق منه، لتسلم له سرقته، وهؤلاء جاءوا مقبلين إليهم، ليس لهم همٌّ إلا [ ص 403 ] إزالة التهمة التي رموا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال: { مَاذَا تَفْقِدُونَ } ولم يقولوا: "ما الذي سرقنا" لجزمهم بأنهم براء من السرقة.
    { قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } أي: أجرة له على وجدانه { وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } أي: كفيل، وهذا يقوله المؤذن المتفقد.
    { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ } بجميع أنواع المعاصي، { وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } فإن السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض، وإنما أقسموا على علمهم أنهم ليسوا مفسدين ولا سارقين، لأنهم عرفوا أنهم سبروا من أحوالهم ما يدلهم على عفتهم وورعهم، وأن هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتهموهم، وهذا أبلغ في نفي التهمة، من أن لو قالوا: " تالله لم نفسد في الأرض ولم نسرق "
    { قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ } أي: جزاء هذا الفعل { إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ } بأن كان معكم؟
    { قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ } أي: الموجود في رحله { جَزَاؤُهُ } بأن يتملكه صاحب السرقة، وكان هذا في دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكا لصاحب المال المسروق، ولهذا قالوا: { كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }.)ا هـ
    اوقال القرطبي في تفسيره للآية:
    الثامنة عشرة- قوله تعالى: { أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } ولعل هذا المؤذن، لم يعلم بحقيقة الحال.
    { قَالُوا } أي: إخوة يوسف { وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ } لإبعاد التهمة، فإن السارق ليس له همٌّ إلا البعد والانطلاق عمن سرق منه، لتسلم له سرقته، وهؤلاء جاءوا مقبلين إليهم، ليس لهم همٌّ إلا [ ص 403 ] إزالة التهمة التي رموا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال: { مَاذَا تَفْقِدُونَ } ولم يقولوا: "ما الذي سرقنا" لجزمهم بأنهم براء من السرقة)ا هـ



















    الفصل الثالث مناط الكفر في قوله تعالي(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) [النساء : 60])
    1- التحاكم بالاختيار والاتفاق كأن يتفق المتخاصمان علي إختيار حكم يحكم بينهما كما في قوله تعالي(فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء : 35]ففي مثل هذه الحالة من الاتفاق إذا كان الحكمين أو الحكم الذي تم إختياره مشرك طاغوت يكون من أختاره يندرج تحت الاية(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) كما في التفاسيرالاتية
    تفسير الطبري - (8 / 508)
    (قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية:"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك" حتى بلغ"ويسلموا تسليمًا)ا هـ
    وتفسير القرطبي - (5 / 263)
    (فلما اختلفا أجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم امنوا بما أنزل إليك) يعني المنافق)ا هـ.
    وتفسير البغوي - (2 / 242)
    ( قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرّشوة ولا يميل في الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم، فاتفقَا على أن يأتيَا كاهنًا في جُهينة فيتحاكما إليه، فنزلت هذه الآية ) ا هـ





    2- ترك حكم الله والتحاكم إلي غيره
    تفسير ابن كثير - (2 / 346)
    (هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا؛)ا هـ
    وفي تفسير أبي السعود - (2 / 105)
    (عن الشعبي : أن المنافقَ دعا خصمَه إلى كاهن من جُهَينةَ فتحاكما إليه . وعن السدي : أن الحادثةَ وقعت في قتيلٍ بين بني قُريظةَ والنَّضِير ، فتحاكم المسلمون من الفريقين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبى المنافقون منهما إلا التحاكمَ إلى أبي بُرْدةَ الكاهنِ الأسلميِّ ، فتحاكموا إليه ، فيكون الاقتصارُ حينئذ في معرِض التعجيبِ والاستقباحِ على ذِكر إرادةِ التحاكمِ دون نفسِه مع وقوعِه أيضاً للتنبيه على أن إرادتَه مما يقضي منه العجَبَ ، ولا ينبغي أن يدخُلَ تحت الوقوعِ فما ظنُّك بنفسه وهذا أنسبُ بوصف المنافقين بادّعاء الإيمانِ بالتوراة فإنه كما يقتضي كونَهم من منافقي اليهودِ يقتضي كونَ ما صدَرَ عنهم من التحاكم ظاهِرَ المنافاةِ لادعاء الإيمانِ بالتوراة )ا هـ
    تفسير السعدي - (1 / 184)
    ({ قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ } فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك)ا هـ
    أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن - (3 / 328)
    (ومن أصرح الأدلة في هذا : أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون ، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب . وذلك في قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً } [ النساء : 60 ] .
    وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور : أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيكان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم ، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته ، وأعماه عن نور الوحي مثلهم ).ا هـ
    3- من يرفع الدعوي وهو الجاني أو المدعي ٌ هو من يريد التحاكم ويطلبه أو من يريده ولم يصل إليه بالفعل فهو كمن تحاكم إليه حتي في حالة عدم وجود شرع الله كما هو الحال الان فليس هناك محاكم شرعية يمكن التحاكم إليها
    فالذي طلب التحاكم وبدء به ورفع الشكوي إلي الطاغوت هو الذي يسمي متحاكما حقيقتا وشرعا ويقع عليه قوله تعالي(يريدون أن يتحاكموا إلي الطاغوت )الآية

    يقول ابن القيم رحمه الله في طريق الهجرتين:ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت وقد أمر أن يكفر به ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده كما هو كذلك في نفس الأمر .أهـ
    وفي فتح المجيد - (1 / 368)
    وفي قصة عمر رضي الله عنه وقتله المنافق الذي طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي دليل على قتل من أظهر الكفر والنفاق)ا اهـ.

    و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في كتابه (تيسير العزيز الحميد 419) (( وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى لطاغوت الذي هو ما سوى الكتاب والسنة من الفرائض , وأن المتحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم )) .

    وجه الدلالة الثاني من الآية : أن من تحاكم إلى الطاغوت لم يكفر به . ومن لم يكفر بالطاغوت فقد آمن به . يقول العلامة محمد جمال الدين القاسمي - رحمه الله- في تفسيره المعروف (محاسن التأويل ) عند قوله تعالى : {ألم تر إلى الذين يزعمون . . .} الآية . قال رحمه الله : ( أنه تعالى قال : {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيماناً به. ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله . كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله )ا هـ
    إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد - (3 / 208)
    فدلّ هذا على أن إرادة التحاكُم إلى غير كتاب الله وسنة رسول الله- مجرّد الإرِادة- يتنافى مع الإيمان، فكيف إذا فَعل؟، كيف إذا تحاكَم إلى غير كتاب الله وسنّة رسوله؟، إذا كان مَن نوى بقلبه واستباح هذا الشيء ولو لم يفعل أنّه غير مؤمن، فكيف بمن نفّذ هذا وتحاكَم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله في أموره كلها، أو في بعضها؟.)ا هـ الدرر السنية في الكتب النجدية - (3 / 298)
    قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ([النساء: 60] لما ذكر ما قيل: إنها نزلت في من طلب التحاكم، إلى كعب بن الأشرف، أو إلى حاكم الجاهلية، وغير ذلك، قال: والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل؛)ا هـ
    الدرر السنية في الكتب النجدية - (23 / 206)
    (والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه)ا هـ
    جاء في إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد - (3 / 232)
    فهذا اليهودي طلب التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لعلمه أن الرسول لا يأخذ الرشوة لأن الرشوة سُحْتٌ وحرام وباطل، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالحقّ والعدل بين الناس.
    وأما المنافق- مع أنه يزعُم الإيمان- طلب أن يتحاكم إلى اليهود لعلمه أنّ اليهود يأخذون الرشوة)ا هـ قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره :
    وقوله: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان، الذي وضع لهم اليَساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله . ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله  فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون.)ا هـ

    وفي النهاية نسأل الله أن يعصمنا من مضلات الفتن ويختم لنا بخاتمة السعادة اللهم أمين
    وصلي الله علي محمد وعلي آله وسلم تسليما كثيرا أنتهي الكتاب
    أبو عبد الله

  9. #9

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    انا لم اقصد ان اسب الزمان انما هو تعبير مجازى يعنى الناس الدين موجودون فى هادا الزمان لكن اضنك انك لا تفقهين اللغة لان مراد الجملة التى استعملتها كانت توحى الى البشرية الموجودة الان و ما دخل الزمان و لا المكان ان كل شىء مصخر للخدمة الانسان كالشمس و القمر و النجوم و الدواب و الزمان الخخخخخ لكن الانسان هو المفترى و المنقلب على عاقبيه .

    التوقيع 

    من مواضيع :


  10. #10

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    الحمدلله والصلاة و السلام على رسول الله و بعد
    بالنسبة لشاهد يوسف هل يظن عاقل أن العزيز نصب محكمة يفضح فيها عرضه ام ان هذا الحكم المتوصل اليه كان من باب التوصل اليه في تداولات سرية بين الاهل و الاقارب أو شهادة الرضيع في المهد التي لايظل معها شبهة لاظهار براءة نبي سيدعو الناس الى الاسلام ودين الله فأين هذا من المحاكم الطاغوتية اليوم
    وهل أحد ينكر على احد رد تهمة على نفس أو عرض في أي مكان حتى لو في مركز شرطة مالم يقم دعوى قضائية أويستجيب لمحكمة طاغوتية
    ضعوا الامور في نصابها وأنزلوا الاحكام تنزيلا شرعيا
    هدانا الله جميعا للحق

  11. #11

    تاريخ التسجيل Sep 2009
    إعجاب مرسل: 1
    إعجاب متلقى: 2
    المشاركات 144

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    الذي يقول ان سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام تحاكم لشرع البشر في حادثة امرءة العزيز
    فانه لا يفقه في دين الله شيئ ولم يشم رائحة الفقه والعلم ابدا.....

  12. #12

    تاريخ التسجيل Oct 2009
    إعجاب مرسل: 0
    إعجاب متلقى: 1
    المشاركات 515

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت


    بسم الله الرحمن الرحيم
    تنزيه يوسف عليه السلام عن الإيمان بالطاغوت

    من الناس من لا ينزّه يوسف عليه السلام عن الإيمان بالطاغوت. فمنهم من يقول أنه - حاشاه -طلب منه الحكم، ومنهم من يقول أنه طلب منه استئناف الحكم فيحكم بينه وبين غيره مرةً أخرى. ولم يستدلوا بدليل قاطع صحيح، وإنما استدلوا بما لا يدل بوضوحٍ على ما ذهبوا إليه. وقد أخبر الله تعالى أن يوسف الصدّيق عليه السلام قال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39 مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿40(يوسف)

    فيوسف الصديق بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام لم يدعُ إلا إلى الإيمان بالله وحده، وقد أعلمَ صاحبَي السجن بأن الله الواحد القهار خيرٌ من أرباب متفرقين، وأنهم يعبدون أسماءً سمّوها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان. وأعلمهما بأن الحكم لله وحده لا شريك له، وبأنه الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولم يتحاكم إلى الطاغوت قط، لا قبل هذا ولا بعده، وهو بريء مما يشركون. وأيضا لم يطلب منه استئناف الحكم قط، فإنه من يطلبه منه فقد تحاكم إليه، لأنه يسأله عن أن يحكم بينه وبين غيره مرة ثانية.فالآيات الدالّة على أنّ مَن يتحاكم إليه فليس بمسلم هي كلها عامّةٌ. ومن يدّعِ استثناءً فلا سبيل إليه إلا بدليل قطعيّ وإلا فقد قوّل على الله ما لم يقُلْه، تعالى الله علوا كبيرا.

    قال الشوكاني في نيل الأوطار (61/7):والمحتمل لا تقوم به الحجة

    وفيه أيضا (44/2):ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال

    وقال الشاطبي في الاعتصام (ص 181):...لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهراً في نفسه، ودالاًّ على غيره؛ وإلا احتيج إلى دليل عليه؛ فإن دلَّ الدليل على عدم صحته؛ فأحرى أن لا يكون دليلاَّ اهـ

    والدليل على أن المحتمل لا يُستدل به هو: أن مراده لم يتبين لمن أراد الاستدلال به، ومن عرف أنه لم يتبين له بعدُ وأنه يحتمل معنيين فإنْ قال من تِلقاء نفسه أن المراد به هو أحد المعنيين دون الآخر فلم يكن إلا مفتريا على الله كافرًا. ذلك، لأنه يعرف أن معنى الآية أو الحديث لم يتبين له، ثم يقول: قد تبيّن المعنى فهو كذا وكذا. فهو يقول على الله ما لا يعلم،فقد شهد على نفسه بأنه يقوّل عليه ما لا يعلم أنه قاله، وهذا كفر محض ومعاندةٌ لربه عظيمةٌ.قال الله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿60(الزمر)

    وقال تعالى: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿60(يونس)

    وقال تعالى:هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿7 رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿8 رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿9(آل عمران)

    قال ابن كثير في تفسيره (6/2): يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ }أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه اهـ

    وأيضا فكل من يقول أن يوسف عليه السلام قد طلب الحكم من الطاغوت فلا يحقق أصل الدين ولو كان يظن أنه يحسن صنعا، لأنه من معنى لا إله إلا الله أن لا يسأل بشرا مثله عن أن يُشرِك نفسَه بالله رب العالمين. ومن يسأل بشرا مثله عن أن يحل له ما حرمه الله أو يحرم عليه ما أحله الله فقد قال له "أشرِكْ نفسَك بالله"، والعياذ بالله من النار التي وقودها الناس والحجارة. فمن يشرك غيرَه بالله فليس بمسلم وإنما هو مشرك، ومن يشرك نفسه بالله فليس بمسلم وإنما هو مشرك طاغوت.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا(صحيح مسلم)

    وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (282/14): وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَابِدًا لِغَيْرِهِ. يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَيَكُونُ مُشْرِكًا، وَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ قِسْمٌ ثَالِثٌ، بَلْ إمَّا مُوَحِّدٌ، أَوْ مُشْرِكٌ اهـ

    فقد ثبت بالدلائل القويّة أن من يتحاكم إلى الطاغوت فليس بمسلم، ويحتجّ من لم ينزّه يوسف الصديق عليه السلام عمّا لا يليق به ببعض الآيات، وهم يظنون أنها تدلّ على أنه طلب من الطاغوت أن يحكم بينه وبين غيره. فسأذكرها ثم أبين إن شاء الله أنها لا تدل عليه.

    قال الله تعالى:وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿25 قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿26 وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿27 فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴿28 يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴿29(يوسف)

    وهؤلاء - هدانا وإياهم - يقولون أن هذه الآيات تدلّ على أنه طلب من الطاغوت أن يحكم بينه وبين امرأة العزيز كما أنها هي طلبته منه أيضا. ولكن يوسف عليه السلام لم يطلب منه الحكم ولم يشترك في المحاكمة إلى الطاغوت بل لم تقع هذه المحاكمة إلى الطاغوت أصلا، فلم يتحاكم يوسف عليه السلام إليه ولم تتحاكم امرأة العزيز إليه.ومن يقرأ هذه الآيات فإنه يرى:

    1أنهما يجدان سيدها عند الباب
    2أنها تقول: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
    3أنه يقول: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
    4أنه يشهد شاهدٌ من أهلها

    التوقيع 

    [FONT=Traditional Arabic][SIZE=5]قال الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (ص 114): متى كان في ملكه ما لا يريده بطلت الربوبية وذلك مثل أن يكون في ملكه ما لا يعلمه تعالى الله علوا كبيرا
    [/SIZE][/FONT][CENTER][SIZE=5][URL]http://www.dinullah.110mb.com[/URL][/SIZE]


    [/CENTER]

    من مواضيع :


  13. #13

    تاريخ التسجيل Oct 2009
    إعجاب مرسل: 0
    إعجاب متلقى: 1
    المشاركات 515

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    لكن أين التصريح بالمحاكمة؟

    وهناك مثالٌ آخر لعله يبيّن لك أن مثل هذا ليس من المحاكمة في شيءٍ. أرأيتَ لو أن كافرا أتى بيت كافرٍ آخر في غيابه ليلتقي مع زوجته؟ والعياذ بالله...فهذا الكافر يختلف عن يوسف عليه السلام كثيرا جدا بلا شك، ولكنه لا بد مِن مثال واضح، لعل الأمر يتبين لمن يقول أن يوسف عليه السلام تحاكم إلى الطاغوت.

    فلو أن الرجل الآخر التقى مع زوجته في غيابه ثم رجع زوجها فرآهما ثم قالت أنه أراد بها سوءًا وقال الرجل أنها راودته عن نفسه... فهل هذه محاكمة؟ هل هذه محاكمة أم لا؟

    فإن قلتَ أنها محاكمة فلا بد من دليل قاطع على أن كل من يسأل زوجته "ماذا حدث؟" يحكم بينها وبين الآخر بالكفر.وإن قلتَ أنها ليست محاكمة فقد أقررتَ بأن ليس كل تخاطبٍ وتساؤلٍ تحاكمًا. فهو يسألهما عمّا حدث. ولو عزم على أن يعذّبه ففعَله فلم يحكم بالكفر، وإنما التعذيب عزمٌ منه وقرارٌ منه.

    فهذا الكافر لم يصرح بأنه سوف يحكم بينه وبينها بالكفر، وأيضا لم يكونوا في المحكمة.ومن كان يصرح به أو كان في المحكمة فقد تبيّن أنه يريد أن يحكم بالكفر، وأما غيره فلا. فمجرد العزم على الأفعال كالتعذيب وغيره ليس كفرا. يعني: ليس كفرا في مثل هذه الحالات. وأما الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات كفعل أصحاب الأخدود فكفرٌ أكبر بلا نزاع.لو قالت له زوجته: "أريد منك أن تعذّبه" فليس تحاكمًا، ولو قال الرجل للزوج: "أريد منك أن لا تعذّبني" فليس تحاكمًا.


    وإن قال قائل أنه تحاكمٌ يطالَب بالدليل عليه. فالزوج لم يصرح بأنه سيحكم بينهما بالكفر، ولم يكونوا في المحكمة. فمن يسأل غيره - في غير المحاكمة - عن أن يفعل شيئا من المباح أو المعاصي غير المكفّرة أو أن يتركه فلا يكفر.فمن يطلب من الكفار ما هو مباحٌ فهذا مباح، فلو سأل كافرًا "هل تريد أن تشتري مني هذه البضائع" فأجاب الكافر بـ (نعم) أو (لا) فليس من الكفر في شيءٍ. والأمر بالمعصية غير المكفرة ليس مكفرا وإنما هو معصية. والذين استدلوا بهذه الآيات على أنه تحاكمَ إلى الطاغوت فقد تركوا مُحكَم القرآن واتّبعوا المتشابه والله المستعان.

    ويقول بعض الناس أن يوسف عليه السلام طلب من الطاغوت استئناف الحكم فيحكم بينه وبين المرأة مرة ثانية. قال الله تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴿50 قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴿51 ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴿52(يوسف)

    وقد تقدّم أن التخاطب والتساؤل بين العزيز ويوسف عليه السلام وامرأة العزيز لم يكن محاكمةً.فلم يتحاكما إليه من قبل، واستئناف الحكم لا يكون إلا بعد التحاكم إلى الطاغوت أول مرة. ولو قلنا أن استدلال هؤلاء على أنهما تحاكما إليه من قبل ضعيفٌ فإنّ استدلالهم على أنه طلب منه أن يحكم بينهما مرة ثانية أضعف. وهل كل من يقول "مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ" يتحاكم إلى الطاغوت؟ لو فرضنا أنه تحاكم إليه من قبل فإنما سؤاله هذا تذكيرٌ بفعل النساء اللاتي قطعن أيديهن وسؤالٌ عنهن. والفرق بين هذا السؤال وبين "احكم بيننا" كبير جدا.

    فلو فرضنا أنه تحاكمَ إليه قبل هذا فالغاية أن الملك يسألهن ليعلم قولهن في يوسف عليه السلام. ولا تدل ظواهر هذه الآيات على أنه حكم بينهن بالكفر، وإنما تدل على أنه سألهن، وقد تقدّم أن ليس كل تساؤلٍ تحاكمًا. وقد قال الله تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿42(يوسف)

    فيوسف عليه السلام سُجِن بعد أن ظلمتْه امرأةُ العزيز ثم لبث في السجن بضع سنين ثم قال "مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ". والحاصل أن هؤلاء أصّلوا قواعد باطلة لم ينزل الله بها من سلطان. فقالوا أولا أن هذه الآيات تدل على صحة قولهم، ثم إذا سُئِلوا عن وجه دلالتها عليه لم يحسنوا الجواب. وكأنّ منهم من لا يقول أنها تدلّ عليه إلا لأن الذين يقلدهم يقولونه، أسأل الله أن يهدينا وإياهم آمين.

    فلا يتم استدلالهم أبدا إلا بالدليل القاطع على أن كل تخاطبٍ وتساؤلٍ تحاكمٌ، وبالدليل على أن كل من يذكّر غيرَه بالنساء اللاتي قطعن أيديهن ولم يصرح بأنه يطلب منه الحكم فقد طلب منه الحكم. ولا تخفى استحالةُ إقامة الدليل عليه.

    فلو أن أحدا يُسجَن اليوم ثم يلبث في السجن بضع سنين ثم يسأل القاضيَ بعد ذلك: "ما بال الذي اتّهمني بالسوء من قبل؟" أو "كيف حال الذي اتّهمني بالسوء من قبل؟" فهل هذا من التحاكم إلى الطاغوت؟ فهو ربما لا يريد إلا معرفة بعض المعلومات عنه. والقاضي قد يقول له أنه بلغه أنه قد انتقل إلى مدينة أخرى، أو يقول له أنه قد مات، وليس السؤال عن أحوال الأشخاص تحاكمًا.

    التوقيع 

    [FONT=Traditional Arabic][SIZE=5]قال الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (ص 114): متى كان في ملكه ما لا يريده بطلت الربوبية وذلك مثل أن يكون في ملكه ما لا يعلمه تعالى الله علوا كبيرا
    [/SIZE][/FONT][CENTER][SIZE=5][URL]http://www.dinullah.110mb.com[/URL][/SIZE]


    [/CENTER]

    من مواضيع :


  14. #14

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    رسالة (أضــواء على قضـية التحـاكم)

    لشيخ أبو الطيب نور كينَ ديدي
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

    بسم الله الرحمن الرحيم
    (أضــواء على قضـية التحـاكم)
    (أولا) تعريف الطاغوت:
    الطاغوت: مشتقٌّ من الطغيان.ويُطلقُ على العبد المتجاوز لحدّهِ بإدِّعاءِ حقٍّ من حُقوقِ الألوهية.
    قال عمر رضي الله عنه: الطاغوت الشيطان.
    وقال جابر عن الطواغيت: كهان ينـزل عليها الشيطان.
    وقال أبوالعالية: الطاغوت الساحر.
    وقال الإمام الطبري بعد ذكره لهذه الأقوال:
    "والصوابُ من القولِ عندي في الطاغوت أنّهُ كُلُّ ذي طغيانٍ على الله فعُبدَ من دونهِ إمّا بِقهرٍ منه لمن عبَده وإمَّا بطاعةٍ ممن عبدهُ له، إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً أو وثناً أو صنماً أو كان ما كان من شئٍ"- [تفسير الطبري: 3/19].
    وعندما يُقالُ للصنم أو الوثن: هو "طاغوت" ليس معنى ذلك أنّهُ دعا إلى عبادته أو قهَر النّاسَ لعبادتهِ لأنَّهُ من الجمادات، وإنَّما المعنى أنَّ النَّاس اتّخذوهُ معبوداً من دون الله أي: اتّخذوهُ طاغوتاً.
    .................................................. ......................................

    (ثانيا) أشكالُ الطغيان التي تُمَارِسُهَاْ الطواغيت:
    (1) طُغيان الشيطان:
    الشيطانُ طاغُوت لأنَّهُ يدعوا إلى الضلال فَيُطاعُ في الكفرِ وفي المعاصي، فهو متمرِّدٌ علي اللهِ معبودٌ من دون الله، وإن كان غالبُ عُبَّادِهِ لا يشعرون ولا يعترفون بأنّهم عُبَّاد الشيطان. ولكنّهم في الحقيقة ما هم إلّا عُبَّاده، وسوف يتبرَّاُ منهم يوم القيامة قائلاً: "إنِّي كفرتُ بما أشركتُمونِ من قبل" أى بما عبدتموني مع الله.
    ويقول الله تعالى لعُبَّادِ الشيطان يومَ القيامةِ: "ألم أعهد إليكم يابني آدم ألّا تعبدوا الشيطان إنَّه لكم عدوٌّ مبين. وأن اعبدوني هذا صراطٌ مُستقيم" –[يـس:60ـ 61].
    وحقيقة هذا العدوّ وكيفية إضلالِه من علم الغيب الذى أخبرنا الله عنه، فهو عدوٌّ يري الإنسانَ ولا يَراه الإنسانُ، وينتظر غفلتهُم ليُوسوس في صدورهم، وليس له سُلطان عليهم . وهو لا ينفَعُ من أطاعَهُ ولا يضرُّ من عصاهُ، ولذلك فالتبعة في الحقيقةِ على المُستجيب لدعوتِهِ لأنَّهُ أطاع باختياره وإرادتهِ وغَفل عن توجيهات الله وتذكيرهِ ومواعظهِ، ولذلك فإنّ من أطاعَ الشيطان في الكفر والشِرك فهو كافرٌ مشرِكٌ ومن أطاعه في الفسقِ الذى دون الكفرِ فهو فاسقٌ عاصٍ.

    (2) طغيان الكاهن:
    الكاهنُ "طاغُوتٌ" متجاوزٌ لحدّ العبد لأنَّه:
    (أولاً) يدّعى علم الغيب الذى لا يعلمه إلا الله فيكون متبوعاً بالباطل يسألُه النّاسُ عن أمور الغيب، ومن سأله وصدقهُ بما يقولُ [فقد كفر بما أنزل على محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم] كما جاء في الحديث.

    (ثانياً) صار متبوعاً بالباطل ويأتيه النَّاس للحكم بينهم وفصل النـزاع عنده. وكان العربُ قبل الإسلام يتحاكمون إلى الكُهان.
    وقد سُئل جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن الطواغيت التي يتحاكمون إليها فقال: "كان في جُهيْنة واحد وفي أسلم واحد وفي كلِّ حيٍّ واحد وهي كُهان ينـزل عليها الشيطان".(الطبري)
    ومن قولِ الصحابيّ الذى رواهُ الطبريُّ فى تفسيره، يظهرُ لك أنَّ العربَ كانت تتحاكم إلي الكُهان، وما ذلك إلَّا لأنَّهم يظنُّون بهم علماً وإطِّلاعاً للغيب.
    ومما يُذكرُ في كُتُبِ التواريخ والسير اتّفاقُ زُعماءُ قريش على التحاكم إلى كاهنةِ بنى سعد لما طلبوا من عبدالمطلب أن يُشركهم في بئر زمزم فأبى هو ذلك.
    ويُذكر كذلك قصة ذهابِ "عتبة بن ربيعة" بابنتة "هند بنت عتبة" لما رموها بالفاحشة وشكُّوا في أمرها ومعها نسوة كثيرات فقال الكاهنُ عنها: "إنَّها بريئة وستلدُ ملكاً".

    (3) طُغيان السّاحِر:
    والسّاحرُ طاغوت مُتجاوز لحدّ العبد وذلك :
    (أولاً) لإدّعائه القُدرة الخارقة للعادة بالسحر.
    (ثانياً) لأنّه صار متبُوعاً بالباطل تخافهُ العامّةُ وتتحاكمُ إليه لأنّهُ ـ كما تظنُّه العامَّةُ - يعلمُ مالا يعلمون ويقدرُ على مالا يقدرون هم عليه. والسحر كان يُعتبرُ عند أهلِ الجاهلية أو عند بعضهم نوعاً من أنواع العِلمِ.قال الإمامُ الطبريّ في تفسير قوله تعالى: "وقالوا ياأيها الساّحرُ":
    "قيل: إنَّ الساحِرَ كانَ عندهم معناه: "العالم", ولم يكن السّحرُ عندهم ذمّاً، وإنَّما دعوه بهذا الإسم لأنَّ معناهُ عندهم كان: "ياأيُّهَا العالم"-(الطبري:13/80).

    (4) طُغيان السَّادِن:
    والسَّادِنُ طاغوتٌ مُتجاوزٌ لحدّ العبد لأمور:.
    (الأول) يدعوا النَّاس إلى عبادة الآلـهة التي يقومُ بسدانتها، فهو من هذه النّاحية "شيطان"، والشيطان طاغوت.
    (الثاني) يدّعى أنَّهُ يعلَمُ سرَّ الآلـهة وما تُريدُه، وطريقةَ إرضائها.
    (الثالث) يقومُ بالتحليلِ والتحريم الذي ما أنزل اللهُ به مِن سُلطان.
    كما في قوله تعالى: "وكذلك زيَّن لكثير من المشركين قتل أو لا دهم شركاؤهم"-[الأنعام].
    والمراد بالشركاء السدنَةُ الذين كانوا يمارسون التحليل والتحريم في الأنعام والثمار.
    (الرابع) ولهذه العِلاقَةِ بالآلـهةِ التي يدّعيها كانت العامَّةُ تظنُّ به العلم وتتحاكمُ إليه، ويستقسمون بالأزلام عندهُ طلباً لإصابة الخير والإبتعادُ عن الشرِّ.

    (5) ساداتُ القبائل وحُكَماؤُها:
    وسيِّدُ القبيلةِ وحكيمُها إذا لم يكن مُسلِماً يرجِعُ إلى الدّين الحقِّ في كُلِّ الشؤون فإنَّهُ يصيرُ مُتجاوزاً لحدِّ العبد، وطاغوتاً من الطواغيت لأنَّهُ:
    (أولاً) يكون متبُوعاً بالباطل يأمُرُ وينهى ويَصْدُرُ القرارات المُخالفة للحقِّ فيطاع.
    (ثانياً) يرجع إليه النَّاس في الخصومات ويتَحاكَمُوْنَ إليه فيفصلُ في القضايَاْ بغير ما أنزل اللهُ.
    وغالباً ما تكونُ القبائلُ البدوية مُنقادة لأحكامٍ من وضع البيئة إذ تعتبرُ الحِكَمَ والأمثال الموروثة أو المأخوذة من أفواهِ الشعراء والحُكماء كحقائق علمية تعتمدُ عليها في الخصومات والمنازعات.
    كما يُذكرُ عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"كانَ الشعر علمَ قومٍ لم يكن عندهم علمٌ أصحَّ منهُ"
    وكان عربُ الجاهليةِ يتحاكمون إلى الرجال الذين يُظنُّ فيهم الحكمة والتجربة والإنصاف، وكان الخُصوم يتفقُون على الإنقيادِ بحُكمهِ قبل مجيئهم إليه، فالنِفارُ الذي هو التحاكم إلى رَجُلٍ مُجرَّبٍ عندما يتنازعُون في الشرف والسيادة أو في غير ذلك كانَ من مقاطِعِ الحقِّ عندهم حتى قال قائلهم وهو زُهير: "فإنَّ الحقَّ مقطعُه ثلاثٌ يمينٌ-أو نفارٌ- أو جلاء-".
    وتوجدُ في الأخبار والسير حوادثٌ كثيرة من هذا النوع، منها:
    1- الحادثة المشهورة: لما وقعت الخصومة بين قُصيّ بن كلاب وخزاعة ومعها بنوبكر في من يتولَّى أمور الكعبـة والحرم تَحاكمُوا بعد قتال إلى "يعمر بن عوف " فقضى لِقصيّ وأنَّ ما أصابهُ من دم موضوعٌ شدخُهُ تحت قدميه، وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية فسُمّي من يومئذٍ "يعمر الشدَّاخ". –[الروض الأنف:1/148].

    2- وذكر إبن إسحاق أنَّ جرير بن عبدالله البجليّ نافر قبل إسلامه الفُرافصة الكلبيّ إلى "الأقرع بن حابس" التميـميّ. قال السهيليّ: "ينافر: أي يحاكم" قال قاسم بن ثابت: لفظ المُنافرة مأخوذة من النَّفر، وكانوا إذا تنازَع الرجلان وادّعى كلّ واحد منهم أنَّه أعزُّ نفراً من صاحبه تحاكموا إلى العلّامة فمن فضل منهما قيل: نفره عليه أي فضّل نفره علي نفر الآخر: فمن هذا أخذت المنافرة.
    قال زهير: فإنَّ الحقَّ مقطعه ثلاث يمين أو نِفارٌ أو جلاء.

    3- ويُذكر كذلك أنّ أمية بن عبد شمس نافر هاشم بن عبد مناف إلى رجلٍ من العرب ففضَّل هاشماً..
    4- وأنَّ عامر بن الطفيل نافر علقمة بن علاثة إلى رجلٍ من العرب ففضّل عامراً. إلى غير ذلك من الأخبار.
    5- وفي زمن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أراد رجلٌ منافق في خصومة بينه وبين يهوديّ التحاكم إلى "كعب بن الأشرف" وكان سيداً من سادات يهود. فأنزالله تعالى:"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنُوا بما أُنزل إليك وما أنُزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به"-[النسـاء:60].

    (6) طُغيان الملوك ورؤسـاء الدول:
    والملوك والرؤساء الذين لا ينقادون لأمرِ الله متجاوزون لحدّ العبد فصاروا بذلك من الطواغيت فهم:.
    (أولاً) يدّعون أنّ لهم السيادة والعلو ويجب أن يُذعن النّاس لسلطانهم فيدّعون حقّ الله تعالى في الربوبية، في القهر والسلطان.
    (ثانياً) يدّعون أنهم مشرّعون وأنّ شريعتهم تهدى إلى الحقّ والخير فيدّعون حقّ الله تعالى من جانب آخر من جوانب ربوبيته،وهو التشريع والتحليل والتحريم.
    (ثالثاً) يدّعون أنهم يُجازون المطيع ويعاقبون العاصى الخارج عن شريعتهم ، فنصبوا أنفسهم أربابا من دون اللّه تعبد بالخوف و الرّجاء والطاعة.
    (رابعاً) يوجبون التحاكم إليهم أو إلى نوابهم ومحاكمهم التي تعمل بتشريعاتهم الوضعية وتحكم بغير ما أنزل الله في الدماء والفروج والأموال، وهذا كذلك اعتداءٌ على حقوق الله يصيّرهم طواغيت متمرّدة على الله.

    فممّا تقدَّم تعلم أنَّ من فسر الطاغوت بالكاهن ليس مخالفاً لمن فسره بالسَّاحر أو الشيطان أو كعب بن الأشرف. لأن الجميع طواغيت، وكلّ منهم قد ذكر صورة من صور الطغيان ولم يرد الحصر كما بيّن ذلك قولُ الطبريّ المتقدّم.
    وقال الإمام مالك: "الطاغوت هو كل ما يُعبدُ من دون الله عز وجل "-[ابن كثير].
    وقال الإمام إبن تيمية: "ولهذا سُمّي من تحوكم إليهم من حاكم بغير كتاب الله طاغوتاً"-[الفتاوى: 28/201].
    وقال الإمام إبن القيّم: "فطاغوت كلّ قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله"-[أعلام الموقعين:1/40].
    وقال لإمام محمّد بن عبد الوهاب: "الطواغيت كثيرة ورؤسهم خمسـة.
    (الأول) الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله تعالى والدليل قوله تعالى : "ألم أعهد إليكم ـ مبين"-[يـس].
    (الثاني) الحاكم الجائر المغيّر لأحكام الله تعالى والدليل قولـه تعالى: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ـ أن يكفروا به"-[النسـاء:60].
    (الثالث) الذي يحكم بغير ما أنزل الله. قال الله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنز الله فأولئك هم الكافرون"-[المـائدة].
    ومراد الشيخ هو: "كلّ من لا يحكم بين النّاس بما أنزل الله وإن لم يكن حاكماً عامّاً أو ملكاً".
    (الرابع) الذي يدّعى علم الغيب من دون الله تعالى. قال الله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً"-[الجـنّ].
    (الخامس) الذي يُعبدُ من دونِ الله وهو راضٍ بالعبادة. والدليل قوله تعالى: "ومن يقُل منهم إنّي إله ـ نجزى الظالمين"-[الأنبياء]. [مجموعة التوحيد: الرسالة الأولى: (1/15)].

    وقال الإمام عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: "فتحصل من مجموع كلامهم –رحمهم الله- أنَّ إسم الطاغوت يشمل كل معبودٍ من دونِ الله وكلّ رأسٍ في الضلالِ يدعوا إلي الباطل ويُحسِّنُه، ويشمل أيضاً كلّ من نصبَهُ النّاسُ للحكم بينهم بأحكام الجاهليةِ المضادَّة لحكمِ الله ورسوله، ويشمِلُ أيضاً الكاهن والساحر وسدنة الأوثان إلى عبادة المقبورين وغيرهم"-[مجموعة التوحيد:1/173].
    وقال سيّد قطب: "وليس الطريق أن يتحرَّر النَّاسُ في هذه الأرض من طاغوت رومانيّ أو فارِسيّ إلى طاغوت عربيّ، فالطاغوت كلّه طاغوت. إنَّ النّاس عبيدٌ لله وحدهُ ولا يكونون عبيداً لله وحده إلّا أن ترتفع رايةُ أن لا إله إلّا الله – لا إله إلا الله كما يُدركها العربيُّ العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلّا لله ولا شريعة إلّا من الله ولا سُلطان لأحدٍ على أحدٍ، لأنَّ السُّلطان كلّه لله" -[معـالم في الـطريق:28].
    .............................................

    (ثالثا) الطواغيت البشرية الحاكمة:
    إنّ من الأمور الفطرية المعلومة لدى جميع الأمم على اختلاف الأديان والعقائد حُسن العدلِ والإنصاف وقبحُ الجور والظلم. وكل إنسانٍ إذا قصده من يريد إزهاق نفسه يعلم أنّه ظالم يعتدي عليه بدون حقٍّ، ويعلم كذلك: أنّه إن دافع عن نفسه وقتل الظالم قبل أن يقتله أنّه مصيبٌ وعلى صراطٍ مستقيم . ويعلم كذلك: كما أنّه لا يرضى لنفسه أن تُزهق ظلماً فكذلك كلّ إنسانٍ لا يريد لنفسه ذلك، وأنَّ من أراد قتل إنسانٍ بريءٍ بدون حقّ ظالمٌ معتدٍ يستحقّ العقوبة.
    ويعلم الإنسان كذلك -على أيّ دين كان- أنّ من قصده لأخذ ماله بالقوّة ظالِمٌ له معتدٍ، وأنّ الدفاع عن المال لا بُدّ منه إذا كان قادراً على ذلك. ويعلم كذلك: كما أنّه لا يرضى لنفسه السلبَ فإنّ كلّ إنسان لا يرضى لنفسه ذلك، وأنّ من اعتاد سلب الناس وأخذ أموالهم بالقوّة ظالم يستحقّ العقوبة.
    ويعلم الإنسان كذلك -على أيّ دين كان- أن من قصد أخته أو ابنته ليفجر بها أنّه ظالم معتدٍ، وأنّ الدفاع عن النسوة الأقارب لا بُدّ منه إذا كان قادراً على الدفاع. ويعلم كذلك: أنّ من اعتاد الغصب والفجور في المجتمع ظالم يستحقّ العقوبة.
    فمحبّة العدل وإعطاء كل ذي حقٍّ حقّه أمرٌ فطريٌّ يُدركه الإنسان من حال نفسه، وكذلك بغض الظلم والجور قبل الرسالات السماوية وبعدها. فالأمم الجاهلية لم تكن جاهلة بأنّ العدل حسن وأنّ حفظ النفوس والأموال والأنساب والأعراض من حقوق الإنسان التي يجب الاعتناء بِها، وكذلك لم تكن جاهلة بأنّ الظلم قبيح وأنّ الاعتداء على النفوس والأموال والأنساب والأعراض جريمةٌ تستحقّ المقاومة.
    ويعلم الأفراد والجماعات -على أيّ دين كانوا- من الحياة الواقعيّة أنّه إذا انتشر الظلم والقتل والغصب والسلب فإنّ الحياة تؤذّن ببوارٍ، وأنّ الأمن والاستقرار ينتهي .. ومن أجل هذا العلم ظهر الاعتناء بالقيم و الشرائع التي على أساسها يُعرف الظالم المجرم ويُعرف ما يستحقّه من عقوبة في حياة الناس.
    ومن كان مؤمناً برسالة الله فإن الرسالة تكفيه عن وضع القيم والشرائع للحياة وما عليه إلاّ أن يتّبع تنْزيل العليم الخبير. ومن كان لا يؤمن بالرسالات أو يؤمن بِها ولكن لم تبلغه إلاّ محرّفةً ناقصةً لا تفي بحاجات الإنسان يضطرّ إلى وضع القيم والشرائع وهو يعتمد على عقول الرجال وتجاربهم.
    فكما أنّ كلّ إنسان يريد "الطعام" و"الشراب" و"المسكن" و"النكاح" وهم مع ذلك على قسمين: قسمٌ يطيع الله تعالى في طريقة نيل هذه المطالب. وقسم يكفُر بالله ويعصيه في طريقة نيل مطالبه. فكذلك كلّ البشر يريدون القيم والشرائع التي تحقّق العدلَ وتؤدي الحقوق إلى أهلها، ولكنّهم ينقسمون إلى قسمين: قسم يطيع الله في القيم والشرائع وقسم يتمرّد على الله ويريد أن يضع القيم والشرائع من عند نفسه متجاهلاً أو جاهلاً بأنّه بفعله ذلك ينصبُ نفسهُ إلهاً، ويطلب حقوق الله التي لا يجوز أن يطلبها العبد الفاني الفقير إلى ربِّه.
    فإذا عرفتَ أن كلّ من أنكر اتّباع شريعة الله كافرٌ بالله، وكلّ مجتمع لا ينقاد للقيم الإسلامية وشرائعه مجتمعٌ جاهليٌّ، فاعلم أنّ المجتمعات الجاهلية على درجاتٍ من ناحية التزام واتّباع قيمها وشرائعها الجاهلية:
    الدرجة الأولى:
    وهي أحطّ الدرجات، ويمثلها المجتمعات التي لم تتوحّد فيها سلطة مركزية حيث ينقسم المجتمع إلى فئات متعادلة من ناحية القوّة، ولا تقدر فئةٌ منها على أخذ أيدي الظلمة من الفئات الأخرى، وتنشب الحروب بين الفئات لأحقر الأسباب. وهذه البيئات تكون في الغالب عُرضة للغزو الأجنبي الذي يستعبدها.
    وأهل الجاهلية يعدُّون هذه الدرجة همجيةً وفوضى لا تليق بالإنسان، وهم عندما يقولون ذلك لم ينظروا بمنظار إسلاميّ، ولكن نظروا نتائجها المضرّة للحياة، لأنّها تئول بالأمّة إلى الضعف والذلِّ بوقوعها تحت أقدام الأمم القويّة التي لا ترحمها.

    الدرجة الثانية:
    ويمثلها المجتمعات التي توحّدت سلطتها المركزية وتجاوزت مرحلة الفوضى وتعادل القوى، إلاّ أنّها وقعت في قبضة قادة لا قيم لهم ولا تشريع يحترمه الجميع، ويكون القائد في حرية تامة في أن يفعل ما يريد، يقتل من يشاء عندما يشاء ،ويأخذ مال من يشاء، ويعاقب البريء ويُكرم الفاجر الظالم، وقد أصبحت مقالته شرعاً شفوياً متغيراً، يجب على الناس أن يتّبعوا دائماً القول الجديد منه. وقد يكون هذا المجتمع قوياً نوعاً ما وعلى مستوى "الدولة" ولكنّه من ناحية "العدل" وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم يُعتبَر حتى عند كثير من أهل الجاهلية دولة همجية مُنحطّة.
    لقد كان عرب الجزيرة قبل الإسلام يمثلون الدرجة الأولى لعدم وجود وحدة سياسية تعصمهم من التقاتل والتفرّق، وكان "المناذرة" في العراق و"الغساسنة" في الشام يُعتبرون أحسن حالاً من عرب الجزيرة لأجل ما كان لهم من وحدةٍ سياسية، ولكن كان ملوكها جائرين ظالمين في أحيان كثيرة كـ "عمرو بن هند" الذي سُمِّي بمضرّط الحجارة لأجل شدّته على الرعية، والذي أراد أن يُهين سادة القبائل بأن تخدم أمهاتهم أمه فكان ذلك سبباً لموته.
    وكـ "النعمان بن المنذر" الذي قيل: إنه كان له يومان، يوم الرضى الّذى يُكرم فيه ويعطي من يأتيه، ويوم الغضب الذى يقتل فيه من يأتيه.

    الدرجة الثالثة:
    ويمثلها كل مجتمع يسير وفق قيم وشرائع يقتنع بضرورة التزامها، سواءً كان سبب الالتزام ظنّه أنّها شريعة إلهية يخشى إذا أخلّ بها عقوبة الله، أو كان لمجرّد اقتناعه بضرورة التشريع للحياة، ولظنّه أنّها أفضل للإنسان من غيرها.
    والحاكم أو الملك الذي يحرص على تحقيق العدل ونفي الظلم، ولكنّه لا يتّخذ شريعة الله هادية إلى الحقّ في كلّ الشئون والقضايا. لم يخرج من طغيان الطواغيت لأنّه يأمر وينهى ويعاقب ويجازي ويحلِّل ويحرِّمُ بغير إذن من الله، فهو يتصرّف في أرض الله وماله وعبيده من دونه ، فهو "طاغوت" متمرّدٌ كافرٌ بالله ..
    غير أنّ الطواغيت البشرية لا تكون على درجةٍ واحدة في محبَّة العدل ونفي الظلم الذي تطلبه الرعيَّةُ منهم، وبعضهم أرفق بالناس وأعدل من بعضٍ. و"الطاغوت" الذي له شريعة مدونة يلتزمها وتعرف الرعية منها ما يحبُّ وما يكره، ما يأمر وما ينهى عنه، أرفق بالناس ممن شرعُه ما خطر بباله في يومه ولا يدري الذي يأتيه أيقتله أم يُكرمه.
    .................................................. .......

    (رابعاً) حُكمُ التَّحاكم إلى الطاغُوت:
    1ـ التحاكم:هو إسنادُ القضاء إلى حاكم، والرضى بفصلِ النزاع القائم بين النَّاس بحُكمه.
    والتحاكم إلى الطاغُوت:هو إسنادُ القضاء إلى الطاغُوت، والرضى بفصلِ النزاع بحُكمه.

    2ـ والتحاكُم إلى الطاغُوت كُفرٌ يزولُ به الإيمان والتَّوحيد، لأنَّ الحُكم والأمر لله، ومن أفرد ذلك لله وانقاد لأوامره وأحكامه فهُو المُسلمُ المُوحِّد، الَّذي على دين الله القيّم، ومن قدَّم حكم غير الله على حُكم الله فقد أشرك في عبادة الله.
    قال الله تعالى: "إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدِّينُ القيِّمُ ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمُون"(يوسف:40)
    وقال:" إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين " (الأنعام:57)
    وقال: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة:44)
    وقال: " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء:65)
    3ـ ويكفرُ المرء المُسلم بمجرَّد إرادة التَّحاكم إلى الطاغُوت، ويصيرُ إيمانُهُ زعماً لا حقيقة له.
    قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا" (النساء:60)
    ومن أراد وتحاكم بالفعل أولى بالذَّمِّ والتكفير ممن أراد ولم يفعل.

    4ـ ولا يُشترطُ للمُتحاكم اعتقادُ أنَّ شريعةَ الطاغُوت أفضلُ من شريعة الله أو أنَّها واجبة الاتِّباع، بل يصيرُ مُتحاكماً بفعل التَّحاكُم، ويكفُر بمجرَّد الإرادة، ولو لم يقصُد أن يكفُرَ.
    قال الإمام ابن تيمية في الصَّارم المسلُول: "وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفَرَ بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً؛ إذ لا يقصد الكفر أحدٌ إلا ما شاء الله" (اهـ).
    وقال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى "فَإِن تَنَـ?زَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ?للَّهِ وَ?لرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ":
    قال: "أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم "إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِ?للهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر"

    5ـ ومن كان في الظاهر مُسلماً، فظهرت إرادتُهُ للتحاكم إلى الطاغُوت، صار مُنافقًا إذا كان يُبدي الرجُوع ، ويعتذرُ باعتذارات كحُسن القصد. أمَّا المُصرُّ المُتمادي فهو يرتدُّ بذلك:
    قال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا" (النساء:62ـ63)
    ........................................

  15. #15

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    ..............................................

    (خامساً) تصحيحات:
    هُناك أخطاءٌ علمية دخلت في عقائد بعض المُوحِّدين المُتحمِّسين في باب التَّحاكم، فأردتُ التنبيه عليها, وتبيينَ ما يُخالفُ الحقَّ من الأفكار الَّتي قد زلَّت بها أقدامٌ،وحارت فيها عُقُولٌ، ليتوقَّاها ويتجنَّبَها طُلَّاب الحقِّ، وأهمُّها ما يأتي:
    (الخطأ الأول) في تعريف التَّحاكم والمُتحاكم.
    إنَّ نقصَ معرفة بعض النَّاس بتعريف التَّحاكم والمُتحاكِم جعلتهم يُوسِّعُون الدائرة، ويظنُّون بعض الحالات أنَّها من صُور التَّحاكم، فكفَّرُوا لأجل ذلك من لا يستحقّ التكفير.
    والتحاكم:هو إسنادُ القضاء إلى حاكم، والرضى بفصلِ النزاع القائم بين اثنين أو أكثر بحُكمه.
    والتحاكم إلى الطاغُوت:هو إسنادُ القضاء إلى الطاغُوت، والرضى بفصلِ النزاع بحُكمه.
    والمُتحاكمُ إلى الطاغُوت: هو من تحاكم أي: أظهر رضاهُ بفصل النزاع بحُكم الطاغُوت سواء كان مُدعياً أو مُدعياً عليه.
    هذا هُو التعريف المُوافق للُّغة و لسبب نزول الآية الّذي ذكرهُ المُفسِّرون.
    قال الطبري في تفسيره: "وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهان ليحكم بينهم ورسول اللـه صلى اللـه عليه وسلّم بين أظهرهم".
    ثُمَّ ذكر عن عامر الشَّعبي أنَّهُ قال في هذه الآية: "أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو?ا إلَى ?لطَّـ?غُوتِ" قال: "كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهينة، فأنزل اللـه فيه هذه الآية: "أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ" . حتى بلغ: "وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".(اهـ)

    وقال ابن كثير في تفسيره: "هذا إنكار من الله عز وجل على من يدَّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين ، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف . (اهـ)
    وقال: "وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة. وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، ولهذا قال:" يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو?ا إِلَى ?لطَّـ?غُوتِ" إلى آخرها".(اهـ)
    إنَّ كونَ التَّحاكم إلى الطاغُوت كُفراً, أخذ من نصِّ الكتاب، وهو أيضاً مُفسَّرٌ ومعلُومٌ، وهو خصُومة بين طرفين وجهةٌ ثالثةٌ لا تحكمُ بالكتاب والسنَّة يرضى بها الخصمان لفصل النزاع بينهما. وهذه الصُّورة نقطعُ أنَّها تُخرجُ المُتحاكم من الملَّة ،لأنَّها منصُوصةٌ، ولأنَّ فعلُ ذلك إعراضٌ عن حُكم الله، واعترافٌ بشرعيّة حُكم الجاهليَّة.
    أمّا ما عدا هذه الصُّورة، مما هو في عُرف الجاهلية من صُور التحاكم، فلسنا نقُولُ إنّها تحاكمٌ مُخرجٌ من الملَّة إلا بدليل واضح كالشمس لأنَّ التقدُّم بين يدي الله ورسُوله في إصدار الأحكام من أقبح الضلال.
    ولذا فإنَّ من لم تظهر منهُ إرادتُهُ ورضاهُ بفصلِ النزاع بحُكم الطاغُوت، ولم يرفع إلى الطاغُوت طلباً لفصل القضاء، ولم يدعُ خصمهُ إلى ذلك، فليس مُتحاكماً وإن جيء به إلى جلسة الحُكم وتكلَّم بالحقِّ. ومن جعلهُ مُتحاكماً فلم يقُل ذلك عن دليل ثابت من الكتاب والسنَّة، بل قال ذلك من رأيه، والرأيُ يُخطئُ ويُصيبُ.
    ومن النَّاس من يُقرُّ بالتعريف الصحيح للتَّحاكم، ويقُولُ:"التحاكم إلى الطاغُوت:هو إسنادُ القضاء إلى الطاغُوت، والرضى بفصلِ النزاع بحُكمه"، ولكنَّهُ يهجُرُ هذا التعريف أو ينساهُ حينما يتحدَّثُ عن قضيَّة التَّحاكم، فيقُولُ:"من دعاهُ أو دعتهُ المحكمةُ يكفُرُ بالذِّهاب، وهو مُتحاكمٌ" أو يقُولُ: "من جيء به إلى مجلس حُكم الطاغُوت فتكلَّم ودافع عن نفسه كفر، وهو مُتحاكم".
    والأفضلُ الأقربُ إلى الصِّدق لهؤلاء أن يقُولُوا:" التَّحاكمُ إلى الطاغُوت: هو حضُورُ مجلسِ حُكم الطاغُوت" أو "هو التكلُّمُ في مجلس حُكم الطاغُوت"، ثُمَّ يُقيمُوا البراهين على صحَّة تعريفهم. أمَّا أن يقولُوا:"التحاكمُ هو إسنادُ القضاء إلى حاكم والرضى بفصل النّزاع بحُكمه"، ثمّ يُكفِّروا من لم يشملهُ هذا التعريف ، ولم يدخُل فيه، ويجعلُوهُ مُتحاكماً، فتناقُضٌ سيئٌ يجبُ التنزُّه عنهُ.
    .................................................. ......

    (الخطأ الثاني) اعتبار ما لم يعتبرهُ الشرع:
    من أوليات الحقائق الدينية الَّتي يُعلِّمُنا الإسلام أن نعلم:"أنَّ في هذا العالم شريعةً واحدةً هي شريعةُ الله وما عداها فهُو الهوى"
    قال تعالى: " ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (الجاثية:18)
    وقال:" بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم:29-30)
    والإنسانُ إذا لم يتَّخذ كتاب الله هادياً، فكُلُّ الأوامر والنَّواهي الَّتي يُشرِّعُها، ويضعُها لتنظيم حياته لا تكُونُ إلا صُورة من صُور "الهوى". فإن صاغُوها على شكل منظُومة شعرية، أو على شكل مواد قانُونيّة ثابتة، أو تركُوها غير مُدوَّنة وتُؤخذُ من أفواه الطواغيت شفويّاً، فكلُّ ذلك سواءٌ ولا تخرجُ عن كونها من "هوى البشر".
    وعندما نتكلَّمُ عن أبواب التَّحاكم، يجبُ أن نضعَ كلَّ صُور "الهوى" في كفة، وشريعة الله في كفة، وأن لا تجتذبُنا النظرةُ الجاهليَّة إلى التَّحاكم، و بريقُ المحاكم العصرية والقوانين العصرية، فنظنُّ أنَّها شيءٌ جديدٌ مُخالفٌ للأهواء القديمة، ويحتاجُ منَّا إلى اجتهادات وأحكام جديدة، بينما هي في الحقيقة لا تعدُوا أن تكُون صُورة من صُور "الهوى" الَّذي ذكرهُ اللهُ في كتابه مُنذُ زمن بعيد.
    وقد لاحظتُ في أفكارِ بعض الَّذين أخطأوا في فهم جوانب من قضية التَّحاكم، تضخيمهم السُلطان الجاهلي، وتأثُّرهم بعُرف البيئة ونظرتها الجاهلية إلى أمُور التحاكم من حيث لا يشعُرون، وأنَّهُم يضعُون شرائع الجاهلية ومحاكمها موضعا خاصّا من نفُوسهم ،فوق منزلتها الحقيقية، كأنَّها ذات سُلطان من الله، ويجعلُون لها أحكاماً خاصّة بها.
    إنَّ هناك لفرقاً كبيراً بين القضاء الإسلامي والقضاء الجاهلي، فالأولُ من أمر الله، ويستمدُّ سُلطانهُ وشرعيَّتهُ من الله. ويجبُ على المُسلم الإنقيادُ لما يقضي به القاضي المُسلم لقطع النّزاعات والخُصُومات . وذلك إذا لم يُخالف نصّاً مُحكماً لا اختلاف في مدلُوله، أو إجماعاً. وهُو مُجتهدٌ يُخطئُ و يُصيب، ومأجُورٌ في الحالتين. ومن حُكم له شيءٌ يعلمُ أنَّهُ لا يستحقُّهُ، لايحلُّ لهُ أخذُهُ بحُجَّة أنَّ القاضيَ حكم لهُ.
    وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال: "ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيتُ له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها"
    ولذلك قال كثيرٌ من السَّلف: "لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم"
    والقضاءُ الجاهليُ ليس كالقضاء الإسلامي، ولا يُقاسُ عليه، لأنَّ القضاء الجاهلي اعتداءٌ وطُغيان ولا يقُومُ على إذن وسُلطان من اللهِ. وليس للقاضي الجاهليّ شرعيَّةٌ تُوجبُ تصحيحَ ما يقضي به بين النَّاس لقطع النّزاعات والخُصُومات. فهُو والرجلُ العادي الَّذي لا أتباع لهُ ولا جُنُود سواءٌ في باب التَّحاكم، ولا يكُونُ قضاءُ أحدٍ منهما نافذاً في ميزان الشرع.
    فإذا تنازع -مثلا- مُسلمٌ ومُشركٌ في شيء، فذهب المُشركُ إلى رجُلٍ على دينهِ من العامّة، وقال لهُ: بينى وبين فُلان نزاعٌ، وأنا راضٍ بحُكمك، فادعُهُ لتفصل ما بيني وبينهُ. فاتَّصل هذا بالمُسلم ، وقال:"جاءني فُلانٌ متحاكماً إليّ، وأريدُ أن أحكُم بينكُما، فتعال إلى منزلي يوم كذا وكذا".
    فإن ذهبَ المُسلمُ إليه, وهُو يُريدُ أن يُخبرهُ بأنَّهُ لا يصلُحُ أن يكُون حكماً في هذه القضيّة، لأنَّ أحد طرفي النّزاع لا يتحاكمُ إلا إلى الشريعة الإسلامية. فهل يصيرُ المُسلمُ بالذهاب إلى منزله كافراً؟. وهل يكفُرُ بمُجرَّد الكلام؟. وهل دُخُولُ منزله دخُولٌ في مجلس عباده؟. لا أظُنُّ أنَّ عاقلاً شمَّ رائحة العلم يقُولُ أنَّهُ يكفُرُ بالذهاب أو بالدُخُولِ أو بالكلام.
    ثُمَّ إذا قال بعد سماعه لقول المُسلمِ وعلمهِ بأنَّهُ لا يرضى بحُكمه:"ارض أو لا ترضَ فقد حكمتُ في القضية وهي عليك لا لك". فإذا انصرف المُسلمُ من هذا المجلس، بعد أن ردَّ على الطاغُوت الصغير، ولم يَبدُ منهُ ما يدلُّ على الرضى بحُكمه، فهل يحلُّ لنا أن نقُولَ: "لقد كفرَ المُسلمُ بحُضُورهِ في مجلس قضاء جاهلي!! " أو نقُولَ:"كفرَ بوقُوع حُكمِ الطاغُوت عليه!!". لا أظُنُّ أنَّ عاقلاً يقُولُ بذلك.
    وذلك أنّ شريعة الله تعتبرُ النِّيَّة في التحاكم، وقد علمنا رفضَهُ للتحاكم إلى الرجل، وعدم قبوله لشرعه، فشهدنا لهُ بصحة موقفه ، واستقامته على الحقِّ. والرجلُ المُريد لأن يحكُم ليس لهُ من الله حجَّة وسُلطان ،فهو يُريدُ أن يتصرَّف فيما ليس له فيه حقٌّ، فصار ظالماً مُفسداً، واللهُ لا يُصلحُ عمل المُفسدين. ولذلك فإنَّ نيَّة المُسلم مُقدَّمةٌ وغالبةٌ على نيَّة القاضي المُدَّعي الكاذب. فليس المجلسُ في حقِّ المُسلمِ مجلسُ حُكمٍ وعبادة، وبالتالي لا يضرُّهُ وجُودُهُ فيه.
    وإذاً فالسُؤالُ الهامُّ المطروحُ هُو: مالَّذي جعل كلامَ الرجُلِ لغواً مع رضى أحد الخصمين بحُكمه؟.
    والجوابُ الصحيح هُو: قد صار كلامُ الرجُلِ لغواً, لأنَّهُ ليس قاضياً مُسلماً يستمدُّ السُلطان من دين الله، وليس رجُلاً مُسلماً رضي بحُكمه الطرفان المُتخاصمان, ويستمدُّ سُلطانهُ من رضاهما، ومن إذن الشريعة في الفصل بينهما.
    وإذا كان ذلك كذلك، فهل تتغيَّرُ الأحكامُ إذا جاء الرجُلُ بجُنُود،وقد سُمِّي بالقاضي، ودعا المُسلمَ ليفصل بينهُ وبين خصمة في القضية السَّابقة. وهل يكفُرُ المُسلمُ بالذهاب وهو على نيَّته السَّابقة؟. وهل يتحوَّلُ مجلسُ الرجُل إلى مجلس عبادة يكفُرُ كُلُّ من دخله، لأجل جُنُوده؟. وهل قولُ الرجُل: "قد انتهت القضيّة وحكمتُ بينكما بكذا وكذا".. يضرُّ بالمُسلم إذا انصرف وهو لم يقبل منه حُكماً؟.
    أقُولُ:إنَّ الطاغُوت الصغير الّذي لا جُنُود لهُ، ويُريدُ أن يحكمَ بين خصمين بغير ما أنزل اللهُ، والطاغُوت الكبير ذا الجنُود والأعوان سواءٌ في باب التحاكم. وأحكامُ الإثنين من اللغو والباطل ، لأنَّهما لا يستمدَّان السُّلطان والشرعيَّة من دين الله. فلا ينفسخُ بقولهما نكاحٌ، ولا تنتقلُ ملكية شيء من يد إلى أخرى بقولهما, لكُفرهما واتِّباعهما للهوى ،وما لم ينزل به اللهُ من سُلطان.
    ولا يجُوزُ أن نقُولَ في كلا الرجُلين إنَّ نيَّتهُما غالبةٌ على نيَّةِ المُسلمِ، وأنَّهُ إذا قال الكافرُ: "سأحكمُ بينكُما"، وقال المُسلمُ:"لا أرضى بحُكمك" لا يجُوزُ أن نقُولَ:"القولُ قولُ الكافر، والمجلسُ مجلسُ قضاء وعبادة، وقد كفر المُسلمُ بالحُضُور، ولا وزنَ لنيَّته وقولهِ"
    من قال بذلك فقد اعتبر ما لم يعتبرهُ الشرعُ، وأنزلَ القاضي الجاهلي الكافر منزلة أعلى من منزلته في ميزان الشرع ،وقدَّم نيَّةَ الكافر المُتمرِّد على الله على نيَّة المُؤمن الكريم. وقدَّم قولَ مردودِ الشَّهادة على قول مقبُول الشَّهادة، وهذا من أردإ المذاهب وأفسدها.
    وقد أوقع أصحابَ هذا القول في ذلك انبهارُهم بالواقع الجاهلي، واعتبارُهم لعُرف البيئة الجاهلية, الَّتي تُقدِّسُ المحكمة وشريعتها الوضعية، وتجعلُ أحكامَ قاضي المحكمة نافذةً طوعاً وكرهاً .ففقدوا توازنهم، فأصَّلُوا أُصُولا لا يُقرُّهُ عقلٌ ولا نقلٌ.
    إنَّ فُقهاءَ الإسلامِ عندما يجعلُون "العُرفَ" مرجعاً لمعرفة بعض الأحكام، فهم إنَّما يقصدون عُرف المُجتمع المُسلم العامل بشريعة الله لا الكافر. بل إنَّ العُرف الجاهليَّ من الأرباب المعنوية المُزيَّفة، الّتي يجبُ الكُفرُ بها.
    والطاغُوتُ ذو الجُنُود وغيرُهُ إنسانٌ يجُوزُ الذهابُ إليه لأسباب كثيرة، وإنَّما يكفُرُ من تحاكم إليه، وهو من أظهر رضاهُ بذلك بالقول أو الفعل. وليس كلُّ ما تقُولُه الجاهليةُ إنَّهُ تحاكم، يُلحقُ بالتحاكم الَّذي ذكرهُ القُرآن وكفَّر من فعله. لأنَّ للتَّحاكم الشرعيِّ تعريفٌ جامعٌ مانعٌ لايتقلَّبُ ولا يضطرب.
    وخُلاصة القول: أنَّ من قال:"مجلسُ التَّحاكم عند الطاغُوت لهُ أركانٌ ثلاثة:الحاكم والمُدَّعي والمُدَّعى عليه فمن صار أحد هذه الأركان فقد كفر، ومن أُكرهَ على الحُضُورِ فتكلَّم صار كافراً". فهو مُخطِئٌ يظهرُ خطؤهُ من وجُوه:
    (الأول) ليس الدخولُ على الطاغُوت كُفراً في ديننا، وليس الكلامُ عنده كُفراً كذلك، وإنَّما الكُفرُ التَّحاكم إليه، وقد بيَّنَّا تعريف التَّحاكم، وأنَّهُ إسنادُ القضاء إليه، والرضى بقطع النّزاع بحُكمه. فمن لم يكُن على ذلك، لا يكُونُ مُتحاكماً بقول الحقِّ وشُهُود المجلس.
    ولو كان قولُ الحقِّ وشُهُود المجلس كُفراً مُستقلا، لبيَّنها الكتابُ والسنَّةُ، وما وُكل ذلك إلى آراء الرجال القابلة للخطأ والصواب. والواجبُ على المُؤمن المُخلص أن لا يُجاوز الحدَّ، ولا يخترع ديناً ما أنزل اللهُ به من سُلطان.
    (الثَّاني) إذا اضطرَّ المُسلمُ الى إجابة دعوة الطاغُوت ، وحضر مجلسهُ، وهو لا يُريدُ ولا ينوي التَّحاكُم إليه، فليست نيَّةُ الطاغُوت وقولُهُ مُقدَّمةً على نيَّةِ المُسلمِ وقوله. وليست أوامرهُ مُلزمةً على المُسلم، بل هي لغوٌ وباطلٌ، وما يُنفذُهُ بسُلطانه فهو جورٌ يستحقُّ به عقاب الله.
    وإذا دعا أحدُ الطواغيت مسلماً، وأخبره بأنّه مُدّعى عليه بحقوق أخذها من أهلها، فتكلّم المسلم وزيّف الدعوى وبيَّن بُطلانها، فإنّه يُعتبر في ميزان الشرع قائلاً بالحقّ، والله لا يعذّب أحداً بقول الحقّ. فالقولُ بأنَّ:"من حضر مجلس الطاغُوت وتكلَّم صار كافراً" لا يجُوز أخذُهُ ـ كحُكمٍ دينيٍّ ـ إلَّا بحُجَّة واضحة من الكتاب أو السُّنَّة.
    والطاغوتُ بعد سماعه لكلام المُسلم قد يقول: "أنا ملكُ البلاد وقد عرفتُ أنّك بريءٌ فاذهب لوجهك"، كما فعل النَّجاشي. أو يقول: "نحنُ نحبسك ".كما قالُوا ليُوسف عليه السَّلام. وقد يقول الطاغوت إذا كان قاضياً - نائب الملك - ولم يكن الملك: "حكمتْ المحكمةُ بأنّك بريءٌ". أو "حكمتْ المحكمةُ بأنّك ظالمٌ مُجرمٌ".
    ولا فرق عند المسلمِ بين قول الطاغوت الملك وبين قولِ الطاغوت القاضي، لأنّ كليهما يقُولُ لغواً، ويتصرّف بسلطانٍ لم يأذن به الله، ويصدر أحكاماً ما أنزل الله بها من سلطان، والأحكام الشفوية الباطلة كالأحكام المدوّنة الباطلة.
    فإن قيل: "قد تغيّر الحال في هذا العصر، والعُرف السائد فيه هو أنّ من ذهب إلى المحكمة بعد دعوة القاضي فهو متحاكم".
    أقُولُ: "إنّ العُرف الجاهلي لا ينسخ شريعة الله ولا يجعل الحلال حراماً، فإذا كان الذهاب إلى الطاغوت بعد دعوته جائزاً في شريعة الله ما لم يكن في نية الذاهب تحاكمٌ ورضىً بفصل القضاء الصادر منه، فإنّ تغيّر العُرف وآراء الناس لا ينسخ الإباحة إلى التحريم".
    (الثالث) ولو كان من ابتُلي باتِّهام الطاغُوت وادُّعي عليه بالباطل يجبُ عليه السُكوت، لسكت يُوسُف عليه السَّلام، ولما قال لمّا ادَّعت عليه امرأةُ العزيز: ?هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي? [يوسف: 26]
    وقد سجنهُ حُكام البلد ـ الطواغيت ـ مع معرفتهم ببراءته ، وكان للقضيّة ثلاثة أركان: طاغُوت حاكمٌ ومُدَّعي ومُدَّعىً عليه، فلم يكفُر المُدَّعى عليه ،لأنَّهُ لم يكُن مُتحاكماً ،بل كان يُبرِّئُ نفسهُ من التُّهمة.
    وقد كان بين الصَّحابة وبين المُشركين خُصُومةٌ في الدِّين فذهبُوا إلى النَّجاشي وذكروا الصَّحابة بالسُّوءـ وكان يرى أنَّهُ صاحبُ الحقِّ في الفصل بين النَّاس ـ فدعا الصَّحابة، فجاؤا إليه، وقد كانُوا على علمٍ بسبب الدعوة. فلما استمع إلى حجج الفريقين، نصر الصحابة، وأصدر قرارهُ ،وقال لهم ما معناهُ:"اذهبُوا حيث شئتم فأنتُم آمنُون".
    وقد كان للقضيّة ثلاثة أركان: حاكمٌ غير مُسلمٍ ومُدَّعي ومُدَّعىً عليه ـ وهم الصَّحابة ـ ولم يكفُر الصحابة لأنَّهم لم يكُونوا مُتحاكمين ،بل كان يتكلَّمُ خطيبُهم لإظهار الحقِّ وإبطال الباطل.
    وعلى هذا إذا قالُوا للمُسلم: أنت متّهم "بالسرقة" أو "بالقتل" أو "بالظلم" أو "بذنب آخر"، فعليه أن يقول الحقّ، ويقول: أنا بريء من هذه التّهمة، ولستُ بسارقٍ أو قاتلٍ أو ظالمٍ .. إلخ.
    كما قال يوسف عليه السلام، وكما قال جعفر رضي الله عنه.
    وتبرئة النفس من التّهم الباطلة من الدِّين، وقد فعلها رسل الله أمام المتبوعين بالباطل، أي أمام الطواغيت، ولا حرج على المسلم إذا برّأ ذلك من نفسه. والقول بأنّ هذه التبرئة تصحّ أمام الرئيس والوزير وسيّد القبيلة، ولا تصحّ أمام القاضي الكافر، فهو تفصيل لم يقم عليه دليلٌ ثابت من الكتاب والسنّة، ولا يدلّ عليه كذلك العقل الصريح، لأنّ القاضي الكافر ليس أعظم طغياناً من الذي جعله "قاضياً" وولاّه الوظيفة.

    (الرابع) جاء في السِّيرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمر أصحابَه بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: "إنَّ بِهَا مَلِكًا لا يُظْلَمُ النَّاسُ بِبلاَدِه ، فَتَحَرَّزُوا عِنْدَه حَتَّى يَأتيكُم اللَّهُ بِفَرَجٍ مِنْه"
    فظاهرٌ من الخبر جواز الاستفادة من عدل المُلُوك الَّذين يكرهُون الظُّلمَ. وهو ردٌّ على من يظنُّ أنَّ من جيء إلى مجلس حُكمه فتكلَّم بالحقِّ يكفُر.
    وإذا كان الملكُ الكافرُ لا يُستعانُ به في استرداد الحقِّ، وكان المُدَّعى عليه إذا دعاهُ الملكُ لا يجُوزُ لهُ أن يقُول الحقَّ أمامه، لكان الملكُ العادل كالظالم ، ولم يكُن للذّهاب إلى النَّجاشي معنى.
    ................................................
    (الخطأ الثَّالث) التفريق بين الطواغيت في التَّحاكم وفي استرداد الحُقوق:
    هناك من لا يرى "التحاكم إلى الطاغوت" أصلاً، وهو المطلوب من كل مسلم ولكنّه يقول: "لا يجوز الذهاب لاسترداد الحقّ إلى من نصب نفسه لفضّ النّزاع وينتظر التحاكم، ولكن يجوز الذهاب إلى رجلٍ كافرٍ له سلطةٌ ووجاهةٌ لاسترداد الحقّ". وحجّته أنّ الأول طاغوت وأن الثاني ليس بطاغوت.
    جاء في رسالة "ميراث الأنبياء": "ومن هُنا لابدَّ أن نُفرِّق بين من يذهبُ إلى أصحاب الوجاهة وأصحاب السُّلطة الَّذين ليسُوا بطواغيت فيستعينُ بهم على ردِّ مظلمته أو يطلُبُ منهم الحماية ، وبين من يذهبُ هُو وخصمُهُ إلى القُضاة الطواغيت الَّذين نصبُوا أنفُسهم معبُودين في الأرض يحكمون النَّاس بأحكام الطواغيت فيتحاكمُ إليهم ويفضُّ النّزاع عندهم"(اهـ)

    أقُولُ:
    (أولا) لا شكَّ أنَّ من يذهبُ هُو وخصمُهُ إلى القُضاة الطواغيت فيتحاكمُ إليهم ويفضُّ النّزاع عندهم أنَّهُ يكفُرُ بذلك. ولكن هذا التفريق الَّذي يجعلُ بعض أصحاب السُّلطة ممن تجُوزُ الاستعانة بهم في ردِّ المظالم ويجعلُ بعضهُم ممن لا تجُوزُ الاستعانة بهم في ذلك.. ليس بصحيح، لأمُور:

    (1) إنّ الرجل الكافر الذي له سلطة ووجاهة لا شكّ أنّه رجل متبوع، وكل متبوع بالباطل فهو طاغوت في اصطلاح الشرع. ولو كان رجلاً فرداً لا يتّبعه أحدٌ ما جاء إليه أحدٌ لردّ الحقوق.
    قال الإمام ابن تيمية: "والمطاع في معصية الله، والمطاع في إتباع غير الهدى ودين الحق ـ سواء كان مقبولاً خبره المخالف لكتاب الله، أو مطاعاً أمره المخالف لأمر الله ـ هو طاغوت؛ ولهذا سمي من تحوكم إليه، من حاكم بغير كتاب الله طاغوت، وسمي الله فرعون وعاداً طغاة" (الفتاوى:28\190)

    (2) إنّ "كعب بن الأشرف" الذي هو سبب نزول الآية لم يكن رجلاً له جنود وسجون ومبنى محكمة، وإنّما كان سيداً عادياً من سادات اليهود المتبوعين.

    (3) لم يكن في المجتمع العربي في ذلك الزمان نظامٌ وشريعةٌ تُحدِّدُ الذي يستحقّ أن يُتحاكم إليه، بل كان ذلك حقّاً للخصوم، فإن شاؤا ذهبوا إلى سيّد قبيلة أو كاهن أو سادن أو ساحر أو ملك من الملوك، بخلاف المسلمين فإنّهم لم يكونوا يرجعون إلاّ إلى الكتاب والسنَّة.
    والقصة المروية في سبب نزول آيات النساء تدلُّ على أنّ الخصمين اختلفا في الجهة التي يتحاكمون إليها، فقال اليهوديُّ: نتحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم- لعلمه بأنّه يقضي بالحقّ ولا يأخذ الرشوة. وقال المنافق: إلى "كعب بن الأشرف" لعلمه بأنّه يأخذ الرشوة.

    (4) ليس معنى الآية تحريم التحاكم إلى الطاغوت، وإباحته إلى غيره، لم يقُل ذلك أحدٌ من مُفسِّري الآية، بل المراد تحريم التحاكم إلى غير الكتاب والسنّة سواء كان الذي يُطلبُ منه فصل القضية وإنهاء الخصومة بإصدار الحكم رجلاً معروفاً بهذه الوظيفة، أو كان سيّداً له وجاهة، قد يحكم أحياناً بين الخصوم، أو كان رجلاً لم يحكم بين خصمين قط قبل الحادثة الواقعة الراهنة، فكل من يتصدّى للحكم بين الناس بغير ما أنزل الله فهو الطاغوت المذكور في القرآن، ولا عبرة بالزمن الذي مارس فيه هذه الوظيفة، فالسنة والشهرُ واليوم سواء.

    (ثانيا) كان الطواغيت الجبابرة وملُوك الأمم القديمة يتصرَّفُون في شُئون النَّاس، ويفصلُون بينهم ، ولم يَكُن أمراً مُستغرباً في المُجتمع أن يقُومَ الحاكمُ بثلاثة وظائف بنفسه وهي:
    1ـ النّظرُ في الشكاوي، وإحضار من ادُّعيَ عليه، وقبض الهارب.
    2ـ الفصلُ في القضايا، وإصدار الأحكام، وبيان العُقُوبات.
    3ـ التنفيذ وانزال العُقُوبات على المُستحقِّين في رأيه.
    ثُمَّ دلَّت الأدلَّةُ على جواز الإستعانة بالمُلُوك وذوي الوجاهة من المتبُوعين ـ مع طُغيانهم ـ في استرداد الحقُوق وتبرئة النَّفس من التُّهم . واستردادُ الحُقُوق لا تنحصرُ في الأموال، بل تشملُ الأعراض، والأمن ،والإقامة ،والعمل في الأسواق وغير ذلك. فمن خاف في البلد الَّذي وُلد فيه ، فطلب جوار رجُلٍ متبُوع، فإنَّهُ يُريدُ استعادة حقِّه من الأمنِ.
    ومن تلك الأدلّة:
    (1)ـ ما ورد في قصَّة يُوسف عليه السَّلام من قوله لعزيز مصر لتبرئة نفسه من التُّهمة: "هي راودتني عن نفسي"
    قال ابنُ كثير: "فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها "مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُو?ءًا" أي فاحشة "إِلا أَن يُسْجَنَ" أي يُحبس، "أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" أي: يُضرب ضرباً شديداً موجعاً. فعند ذلك انتصر يوسف عليه السلام بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و"قَالَ" باراً صادقاً :"هِىَ رَ?وَدَتْنِى عَن نَّفْسِى". وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه.

    (2)ـ وقوله:"ارجع إلى ربِّك فاسألهُ ما بالُ النِّسوة اللاتي قطعن أيديهُنَّ"
    قال الإمامُ الطبري: وقوله: (فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ) يقول: فلما جاءه رسول الملك يدعوه إلى الملك، (قالَ ارْجِعْ إلـى رَبِّكَ) يقول: قال يوسف للرسول: ارجع إلى سيدك (فاسألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ). وأبى أن يخرج مع الرسول وإجابة الملك حتى يعرف صحة أمره عندهم مما كانوا قذفوه به من شأن النساء، فقال للرسول: سل الملك ما شأن النسوة اللاتي قطَّعن أيدَيهن، والمرأة التي سُجِنتُ بسببها
    قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجة، �[/b][/size]

  16. #16

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    [size="4"][b]قال ابن عباس...... قبل أن يعلم الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول: هذا الذي راود امرأته(الطبري)

    وقال ابن كثير: فقال: "?ئْتُونِى بِهِ". أي: "أخرجوه من السجن وأحضروه"، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه، بل كان ظلماً وعدواناً، فقال:"?رْجِعْ إِلَى? رَبِّكَ" الآية.
    وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره، صلوات الله وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال "رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ?لْمَوْتَى?" الآية، ويرحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي.(اهـ)
    قُلتُ: وقولُهُ صلى الله عليه وسلّم: "لأجبت الداعي " نصٌّ في جواز إجابة دعوة الملك الكافر.

    (3)ـ ذكر القُرآنُ أنَّ إخوة يوسف برَّأُوا أنفُسهم من تُهمة السرقة، وقالُوا:" تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَـارِقِينَ " وكانُوا يرون يُوسُف أنَّهُ من الأسرة الحاكمة الكافرة . قال الإمام ابن تيمية:
    "ولهذا كان إخوة يوسف يخاطبونه قبل أن يعرفوا أنه يوسف ويظنونه من آل فرعون بخطاب يقتضي الإقرار بالصانع كقولهم:"قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ" [يوسف: 73]

    (4)ـ وموسى عليه السلام لما عابه فرعون بقتله النفس قائلاً: ?وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ? [الشعراء: 19]. أجاب: ?فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ? [الشعراء: 20-21]

    (5)ـ ما ورد في السيرة من طلب النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم جوار سهيل بن عمرو والأخنس بن شريق والمُطعم بن عدي ،فأجارهُ الأخيرُ وقال في الملأ من قُريش: "ألا إنِّي قد أجرتُ مُحمَّداً فلا يُهجهُ أحد". وكان سببُ طلب الجوار في مسقط رأسه، هو الخوف من أذى سُفهاء قُريش.

    (6)ـ إذنُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم لأصحابه أن يدخلُوا جوار النَّجاشي مللك الحبشة، وكانُوا نصارى. وقال: "إنَّ بِهَا مَلِكًا لا يُظْلَمُ النَّاسُ بِبلاَدِه ، فَتَحَرَّزُوا عِنْدَه حَتَّى يَأتيكُم اللَّهُ بِفَرَجٍ مِنْه"
    والمُلوك والرؤساء الطواغيت في هذا الزمن لا يزالُون يتولون من الأعمال ما كان يتولَّاهُ أمثالهم من المُلوك، إلَّا إنَّهم تطوَّرُوا في التنظيم وتوزيع الوظائف.
    فـ"البوليس": هم عينُ الطاغُوت السَّاهرة لحراسة الأمن. وهم يقبضُون من يُرادُ قبضُهُ، ممن اتُّهِم في جريمة أو ذنب. ثُمَّ يُحيلُونهُ إلى المحكمة.
    و"المحكمة" هي مؤسَّسة قضائية للطاغُوت، للتحقيق وتمييز المُذنب من البريء في شريعة الطاغُوت.فتقُولُ:"هذا مُذنبٌ بنصِّ مادَّةِ كذا وكذا، وعُقُوبتُهُ كذا وكذا بنصِّ مادَّة كذا وكذا". أو تقُولُ:"هذا بريء، يجبُ الإفراجُ عنهُ في شريعة البلد".
    و"قُواتُ التهذيب" هم سيفُ الطاغُوت وسوطه، فيُنفِّذون ما قرَّرتهُ المحكمةُ، فيقتُلُون المحكوم عليه بالإعدام، ويحرسُون المحكُوم عليه بالسِّجن مُدَّة سجنه.
    فترى أنَّ وظيفة الطاغُوت القديمة في الأمُور الداخلية، الَّتي هي القبضُ والمُحاكمةُ والتنفيذُ لم تتغيَّر، وإنَّما تغيَّر مُجرَّد طريقة تنظيم وتوزيع الأعمال. فما كان يقُومُ به رجلٌ واحدٌ في القديم، تقُومُ به في هذا الزمن مُؤسَّسات مُتعدِّدة. وكُلُّها على تفرُّقها تُشغلُ وظيفةً واحدةً هي:"وظيفةُ الطاغُوت".
    وإذا ثبت أنَّ التحاكم إلى الطاغُوت كان مُحرَّما في زمن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم، وكانت الإستعانةُ به في استرداد الحُقُوق مُباحةً، فلا شكَّ في أنَّ التحاكم إليه في هذا الزمن مُحرَّمٌ، والإستعانةُ به في استرداد الحُقُوق مُباحةٌ.
    وعلى ذلك فمن تحاكم إلى ضابط البوليس، أو قاضي المحكمة، أو ضابط قُوات التهذيب، أو غيرهم من أصحاب السُّلطة، أوغيرهم من العامّة، فقد كفر. وفي الجانب الآخر، من استعان بضابط البوليس، أو قاضي المحكمة، أو ضابط قُوات التهذيب، أو غيرهم من أصحاب السُّلطة، أوغيرهم من العامّة، في استرداد حقِّه لم يكفُر ولم يأثم.
    وهُنا نُقطةٌ لابُدَّ من التنبيهِ عليها، وهي أنَّ النَّاس قد اعتادُوا في هذه الجاهليَّة، أنَّ القاضي لا يُذهبُ إليه إلا عند التقاضي والتَّحاكم ،وصار ذلك عُرفَ البيئة الجاهلية، فإن قُلتَ:"تجُوزُ الاستعانةُ بالقاضي بدون تحاكم" يظنُّ بعضُ الغيورين المُتأثِّرين بعُرف البيئة، أنَّك تستحلُّ التحاكم إلى الطاغُوت، وتتحيَّلُ لذلك.وهذا قُصُورٌ وسُوءُ فهمٍ.
    هَبْ أنَّ مُسلماً ظُلمَ في دار كُفرٍ ،وأُخذ مالُهُ، ولا يعلمُ في البلدِ من يُعينُهُ إلا القاضي الأكبر، للقرابة الَّتي بينهما، وهذا القاضي يعلمُ عقيدةَ المُسلمِ، وأنَّهُ لا يتحاكمُ ولا يرفعُ شكوى إليهم ، فما الَّذي يمنعُ أن يذهبَ إليه المُسلمُ، ويُخبرَهُ بحاله، ويقُول لهُ:"أدرك مالي وهو عند فلان". أظنُّ لا أحدَ من العُلماء أو العُقلاء يشكُّ في جواز ذلك.
    فالقاضي وغيرُهُ سواءٌ في تحريم التَّحاكُم إليهم، وسواءٌ في جواز الاستعانة بهم في استرداد الحقُوق المنهُوبة .

    (ثالثا) قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن لصاحب الحقّ مقالاً". [مُتَّفق عليه].
    وليس طلبُ استرداد الحقِّ والتحاكم مُتلازمان دائما، كما يظنُّهُ بعضُ النَّاس والسببُ أنَّهم لا يقدرون على التفريق بين "التحاكم إلى الطاغوت" وبين "مطالبة استرداد الحقّ عند الطاغوت" فيضعون هذه مكان تلك. وللتفريق بينهما أضربُ مثلاً لكلٍّ مِن المعنيين:

    المثل الأول: أخذ رجلٌ كافرٌ من مسلمٍ قدراً من المال ثم أبى أن يردَّه إليه، فلما ألحّ المسلمُ على الطلب قال له الكافرُ: "نذهب إلى الرئيس أو الوزير أو سيد القبيلة أو الكاهن أو الساحر أو رجلٍ آخر .. فإن حكم لك أعطيتك ما تطلب، وإن حكم لي تركتَ المطالبة". فيقول المسلم: "قد رضيتُ بذلك".
    فالأمر إذا وقع على هذا الشكل فلا شكّ أنّه تحاكم، وأنّ هذا الذي كان مسلماً قد ارتدّ بسبب رضاه بالانقياد لحكم الطاغوت، ردَّة صريحة أو ردّة نفاق.

    المثل الثاني: أخذ رجلٌ كافرٌ من مسلم مالاً وأبى أن يردّه إليه، فذهب المسلم إلى أبي الرجل الظالم ـ وهو الرئيس أو الوزير أو القاضي أو الكاهن أو الساحر أو سيّد القبيلة أو البدويّ ـ فقال له: "أُريد أن تأخذ لي حقِّي من ابنك". فذهب الوالد - مهما كان منصبه ولقبه- إلى ابنه الظالم فنَزع الحقّ منه وردّه إلى المسلم .
    فهنا قد استردّ المسلمُ حقَّهُ واستنجد بالطاغوت دون أن يرضى بحكمه . ومثلُهُ إذا لم يكن الكافر الظالم ابناً لأحدٍ من أولئك، ولكنّ المسلم استنجد بهِم لاسترداد حقّه، فأخذوا لهُ من الظالم، فيكون المسلم كذلك مستردّاً لحقّه بدون تحاكم إلى "طاغوت".
    ولكن يمكن أن يقول الرئيس أو الوزير أو القاضي أو سيّد القبيلة للرجل المسلم: "نحن لا ندري أيُّكم الصّادق وأيّكم الكاذب وللبلد شريعة ومحكمة فنريد أن نحيل القضية إلى "المحكمة"، فاكتب الشكوى في ورقةٍ وقدّمها إلى القاضي، وارض بما حكم".
    فإن قالوا ذلك لمسلم صحيح الدِّين، فإنّه لا بُدّ أن يرفض هذا، لأنّه دعوةٌ إلى التحاكم إلى الطاغوت، وفي التّحاكم إليه اعترافٌ بشرعيَّته. فلابُدَّ أن يقول: "إنّ حقّي واضحٌ ولا أشكُّ أنّ ابنكم أو أخاكم ظلمني، وإنّ ديني لا يُبيح لي التحاكم إلى مثل محكمتكم، ولا أرى باب الكلام إلاّ قد انسدّ".
    فإتيان الرجل إلى الطاغية للتحاكم وفصل الخصومة هو الممنوع، أما إتيانه للدعوة إلى الله أو لطلب ردّ الحقّ الذي يقدر عليه أو لتعاملٍ مباحٍ كالبيع والشراء وما إلى ذلك فليس بحرامٍ في شريعتنا الإسلامية.
    ومن الخطأ والجهل الاستدلال بالنُّصُوص المُحرَّمة للتَّحاكم إلى الطاغُوت، على تحريم الذهاب إليه مُطلقاً، أو على تحريم الذهاب إلى بعضهم دون بعضهم. وتعرفُ بذلك ما يأتي:
    (1)ـ إنّ الله تعالى قال: ?يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ? [النساء: 60]. فجعل إيمان من يريد التحاكم إلى الطاغوت زعماً، ولم يقل الله تعالى: "كلّ من أتى إلى الطاغوت كافرٌ بالله وإن لم يكن في قلبه نية التحاكم وفصل الخصومة بحكمه". ولا يحلُّ للمسلم أن يزيد في كتاب الله ما ليس منه من الأحكام ، وعليه أن يكون وقَّافاً عند نصِّ الكتاب والسنّة.

    (2)ـ قد بيّنا أن الطاغوت ليس القاضي الكافر وحده، بل يشمل اسم "الطاغوت" الرئيس والوزير وسيّد القبيلة وغيرهم من المتبوعين بالباطل، فإن صحّ هذا فلا يجوز أن نُفرِّق بين الطواغيت بآرائنا، ونقول: الذهاب إلى هذا كفرٌ، وإلى هذا ليس بكفرٍ، بدون حجّةٍ قاطعةٍ من الله ورسوله. بل الصواب أن نقول: "الذهاب إلى الجميع لأجل التحاكم وفصل النّزاع كفرٌ، والذهاب إلى أحدٍ منهم بدون نية التحاكم كإجابة دعوته ليس كفراً".

    (3)ـ إنّ رئيس الدولة أو الملك الكافر أبعدُ في "الطغيان" من القاضي، لأنّ القاضي ما هو إلاّ نائبٌ من نوابه، الذين ولاّهم التصرّف في الأمور من غير الرجوع إلى الكتاب والسنّة، فهو جعل على كلّ إقليم رجلاً ينوب عنه، ثم اتّخذ "وزير الزراعة" و "وزير الصناعة" و"الخارجية" و"الداخلية" و"الصحّة" و"التجارة" و"العدل" .. إلخ. وكل واحدٍ من أولئك النواب والوزراء والقضاة ما هو إلاّ خطيئة من خطايا الرئيس أو الملك الكافر. فكيف يكون الذهاب إلى الطاغوت الأكبر بدون نية التحاكم جائزاً ولا يكون الذهاب إلى الطاغوت الأصغر بدون نية التحاكم جائزاً.

    (4)ـ ثبت في الشريعة أنّ من وقع في الحرام يكون مذنباً يحتاج إلى تطهير، كمن شرب الخمر باختياره. وإن دعاه غيره إلى شرب الخمر بدون إكراه فشرب معه، فهو في حكم شارب الخمر، ولا يكون كافراً بهذه الطاعة في المعصية .
    ويدلُّ على ذلك كونُ كلّ مذنب مطيعاً للشيطان ومستجيباً لدعوته، وعدم كونه بهذه الطاعة وحدها كافراً لأنّه فعله باختياره واتّباعه لشهواته. وعلى ذلك فإنّ من فعل المباح أو دُعي إلى مباحٍ فأجاب لا يكون متجاوزاً لحدود الله بهذه الطاعة في المباح.
    ولم يحرّم اللهُ الذهاب إلى الطاغوت تحريماً عاماً يشمل من يريد منه التحاكم، ومن يريد منه الإسلام، ومن يريد منه ترك الظلم وردّ المظلمة إلى أهلها، بل نعلم بيقين أن رسل الله قد وقفوا بين يدي "نمرود" و"فرعون" و"أبي جهل" وأمثالهم ودعوهم إلى الله. ووقف الصحابة بين يدي "كسرى" و"هرقل" و"النجاشي" و"المقوقس" وأمثالهم، ودعوهم إلى الله ،كما هو ثابت في كتب الأحاديث والتواريخ.
    وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم "عثمان بن عفان" إلى مكّة ليُخبر طواغيتها المطاعة بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ لقتالٍ وإنّما جاء للعُمرة. وذهب "محمد بن مسلمة" وأصحابه إلى "كعب بن الأشرف" مرّتين بنية قتله. وذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي جهل ليأمره بردّ مظلمة الرجل الغريب كما ثبت في سيرة ابن هشام.
    فإذا كان ابتداء الذهاب إلى الطاغوت تُبيحه الشريعة، بل توجبه أحياناً فالقول بأنّ إجابة طلب الطاغوت بالمجيء كفرٌ أمرٌ يحتاج إلى دليل ثابتٍ، وليس ذلك مما يجوز فيه القول بالرأي.

    فالصواب أن نقول: "إذا كان ابتداءُ الذهاب مُباحاً فإجابة الطلب مباحة كذلك، كما أنّ ابتداء فعل المعصية وإجابة الداعي إليها سواء".
    أمّا الأمرُ الثابت الذي لا شكّ فيه فهو صحة تكفير من رفع النّزاع إلى من لا يحكم بالكتاب والسنّة، وانتظر منه الحكم لتنقطع الخصومة بعدها، لأنّ الأدلّة القرآنية دلّت على ذلك.

    (5) ثبت في سيرة ابن هشام أنّ طواغيت مكّة الذين كانوا يقودون قومهم إلى الضلال وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، والذين وصفهم الله تعالى بـ"أكابر المجرمين" في قوله تعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا? [الأنعام: 123].
    اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعضٍ: ابعثوا إلى محمّد فكلّموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه، فبعثوا إليه: إنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلّموك فأتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه سريعاً. [السيرة النبوية: 295]. (طبعة مؤسسة علوم القرآن).
    وجاء في هذا الخبر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ظنّ أنّهم يريدون الإسلام، ولكن لما جاءهم دعوه إلى ترك الدعوة وعابوا دينه، فأجابهم بالحقّ وانصرف عنهم. فمن ذلك تعرف:
    أنّ الكافر الطاغوت إذا دعا المسلم فإنّه قد يدعوه إلى الكفر والضلال، فإذا دعوا المسلم إلى ذلك فعليه أن يردّ عليهم بالحقّ، ويُظهر لهم ضلالهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة وغيرها.
    .......................................

    (الخطأ الرابع) التفريق بين المسائل في التَّحاكم:
    يبدوا من كلام بعض من كتب عن التَّحاكم أنَّهُ يُفرِّقُ بين المسائل، ويرى أنَّ من أجاب دعوة الطاغُوت يكفُرُ إذا كانت الخصُومة في مال أو دم أو عرض . ولا يكفرُ إذا كانت في عقيدة.
    وهذا التفريق لا تُؤيِّدُهُ الأدلَّةُ، ويظهرُ بُطلانهُ لمن نظر إلى أمرين:

    (الأول)ـ الطاغُوت يدّعي الربوبية والحاكمية، ويرى أنَّهُ صاحب الحقِّ في فصل القضاء، في كُلِّ المسائل، سواء تولَّى القضاء بنفسه ، أو ناب عنه القاضي أو غيرهُ . وتنُصُّ جميعُ الدساتير الوضعية الَّتي يضعُها الطواغيت في هذا الزمن على تقرير كثير من المسائل العقدية. فيقُولُون مثلا:"إنَّ الدِّين الرسمي للبلد هو كذا"،و"دولتُنا دولةٌ ديمقراطية"، و "المُواطن لهُ الحقّ والحُرِّية في اختيار الدِّين"،و"الزنا ليست جريمة إذا كانت تراضياً بين الطرفين"، و "لا يحلُّ الانتماء إلى جماعة مُنظَّمة". وغير ذلك.
    ومن المعلُوم أنَّهم لا يضعُون هذه المواد القانُونية إلَّا للاعتماد عليها في الفصل بين النَّاس في الخصومات ، والقضاء على المُعارضات والثَّورات. فمن رضي بحكم الطاغُوت في العقائد يكُونُ أشدُّ كُفراً ممن رضي بحُكمه في الدماء والأموال والأعراض.لأنَّ شأنَ العقائد أعظمُ من شأن الأحكام الفرعية كما هُو معلُوم.
    وإذا كان الَّذي لا يتحاكمُ إلي الطاغُوت في الخصومات الدينية، لا يكفُرُ بمُجرَّد إجابة دعوته إلى الحضُور والدخُول في النِّقاش الديني. فإنَّ الَّذي لا يتحاكمُ إليه في الخصومات المالية لا يكفرُ أيضاً بمجرَّد إجابة دعوته إلى الحضور والدُخُول في النِّقاش المالي، وهذه من البديهيات.

    (الثاني)ـ لا تُوجدُ من الأدلّة ما يُفرِّقُ بين قضيَّة وأخرى ،أي ما يُبيِّنُ أنَّ لهُ الحقَّ في الفصل بين النَّاس في القضايا الدينية، دون قضايا الدماء والأموال. لأنَّ الطاغُوت عبدٌ، وتجبُ عليه التَّوبة من الطُغيان، وأن يخضع وينقاد لأمر ربِّه، وليس لهُ الحقُّ في فصل القضاء ، ولا فرقَ بين قضيّة وأخرى في ذلك. ومن فرّق بين القضايا ،وأجاز التحاكُم إلى الطاغُوت في بعضها دون بعضها فعليه الدليل. بل الحقُّ أنّ الله وحدهُ هو الّذي لهُ الفصل في كلِّ قضيَّة اختلف فيها النَّاسُ.
    قال تعالى:"وما اختلفتُم فيه من شيء فحُكمُهُ إلى الله"(الشُورى)
    وقد جاء هذا النصُّ في معرض الحديث عن الاختلاف في الكُفر والإيمان.
    قال تعالى: " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ "(الشُورى:7ـ10)
    وعلى هذا إذا قال مُسلمٌ:"مُحمَّدٌ رسُولُ الله" أو "القُرآنُ كتابُ الله" فنازعهُ الكُفارُ من قومه، وقالُوا:"بل ضللتَ". ثُمَّ رضي المُسلمُ بالتحاكم إلى سيّد القبيلة وقطع التنازع بقوله، فإنَّهُ يرتدُّ بهذا التحاكم، بل بمجرَّد الإرادة.
    وإن تنازعُوا في دم أو مال أو عِرض فرضي المُسلمُ بالتحاكم إلى سيّد القبيلة وقطع التنازع بقوله، فإنَّهُ يكفرُ بهذا التحاكم، بل بمجرَّد الإرادة.
    قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (النساء:60)
    إلى قوله تعالى: " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء:65)
    ...............................

  17. #17

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت

    قوله تعالى: " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء:65)
    ...............................

    (الخطأ الخامس) عدمُ التفريق بين عابد الطاغُوت والكافر به:
    يقُولُ بعضُ النَّاس:"الحُكمُ عبادةٌ،ومجلسُ الطاغُوت مجلسُ عبادة، فكلُّ من أجاب دعوتهُ ودخل في مجلسه فهو كافرٌ وفي عبادة الطاغُوت، وإن كان مُسلما قبل مجيئه".
    أقُولُ هذا الإطلاق خطأ وخطرٌ كذلك.والطاغُوتُ ليس طُغيانُهُ في الزمن اليسير الَّذي يفصلُ فيه بين المُتخاصمين، وإنّما هو طاغُوت في كُلِّ ساعةٍ، مادام على باطله واستحلاله لقيادة البشر بهواهُ، وكذلك أتباعُهُ ليسُوا كُفاراً في أثناء الجلسة فقط، بل هم كُفارٌ مادامُوا باتِّباع شرعه راضين.
    والمُسلمُ كافرٌ بالطاغُوت، ولا يكُونُ بالدخُول إليه كافراً، إذا كان الدُخُولُ مأذوناً في شرع الله.
    وبالنَّظر إلى الأمثلة الآتية يتبيَّنُ لك خطأُ هذا الإطلاق و خطأ رمي الكُفر على كُلِّ داخل على الطاغُوت مُطلقاً أو على كُلِّ مُتكلِّمٍ في مجلس حُكمه:

    (الأول) أرسل طاغُوت مُتجبِّرٌ إلى رجُلين مُسلمين، قائلا لهما: بلغتني الشكاوي بأنّكما أنكرتُما دينَنا وعبادةَ صنمِنا ،وأريدُ منكما أن تأتُوا إلينا في الصباح الباكر لتعبُدوا معنا صنمنا ، وإن غبتما عن العبادة فسوف أجعلكما نكالا لغيركما. فاختلف الرجلان، فقال أحدهما: "أذهبُ وأقُولُ لهم الحقَّ"، وقال الآخرُ:"لا أدخُلُ مجلسَ عبادة لغير الله، بل أفرُّ بديني".
    فلمَّا ذهب الأولُ إليهم، ودخل مكان الاجتماع، طلبُوا منهُ الدخولَ في عبادة الصنم، فأنكر عليهم ودعاهم إلى التَّوحيد و البراءة من الشرك، فأسلمُوا، أو غضبُوا عليه وقتلُوهُ. فأيُّ الرجُلين أعلى مكانة في ميزانِ العقيدة!!؟
    أظنُّ لا اختلاف في كون الأول أعظمَ درجة، وأعلى مكانة من الثَّاني، لأنَّهُ وقف موقف الصدِّيقين، وأقام الحُجَّة على المُبطلين. وإذا فليس كلُّ دخُولٍ في مجلس عبادةِ غير الله يكونُ كُفراً مُخرجاً من الملَّة، وإنَّما الدُخُولُ على حسب نيَّة الداخل.

    (الثَّاني) نشر رجُلان عقيدة الإسلام فأغضب ذلك العامَّة الجاهلة، فتآمروا على الرجُلين، واتَّهمُوهما بالباطل ولفقُوا لهما الأكاذيب، وقدَّمُوها إلى الطاغية، فأرسل إليهما يطلُبُ مجيئهما في موعد مُعيَّن. فاختلف الرجلان، فقال الأولُ:"أذهبُ إليهم وأُبيِّنُ لهُم الحقَّ "، وقال الآخرُ: "لا أدخُلُ مجلس عبادة، بل أفرُّ بديني وأخرُجُ من البلد"
    فلمَّا ذهب الأولُ إليهم، وأتى المجلس ذكرُوا لهُ التُّهمة، فردّها وأظهر بُطلانها، فعرفُوا براءتهُ فتركُوهُ و صاحبَهُ. فأيُّ الرجُلين أعلى مكانة في ميزانِ العقيدة!!؟
    أقُولُ: "الأول أعظمَ درجة، وأعلى مكانة من الثَّاني، لأنَّهُ برَّأ دُعاةَ الإسلام من التُّهمة الباطلة، ولم يقُل إلا حقّاً"

    فإن قيل: كفرَ بإجابة الدعوة ودخُول المجلس. قُلتُ: لو كفر هذا لكفر الّذي دُعي إلى عبادة الصنم في المثال الأول. فإن قيلَ: هذا مُتحاكم.
    قُلت: المُتحاكمُ طالبٌ وهذا مطلُوب ولم يُطاوع ، ونيَّتُهُ مُقدَّمةٌ على نيَّةِ الكافرِ، وقد وقف موقف يُوسُف عليه السّلام، وجعفر بن أبي طالب و أصحابه. فإن قيل: هو مُتحاكم في العُرف. قُلتُ: هوغيرُ مُتحاكم في الشرع، والشرعُ أولى بالاتِّباع، والعُرفُ الجاهلي ليس مرجعاً للأحكام الدينية.

    فإن قيل: كانت قضيَّة الصحابة خصومة في الدِّين، وفي مثلها يجُوز المُثُول بين يدي الطاغُوت لإحقاق الحقِّ وإبطال الباطل.
    قُلتُ: الخصُومة في الدِّين، والخُصُومةُ في الأموال والدماء كلُّها خُصومات ونزاعات بين طرفين، والطاغُوت يُريدُ إصدار الحُكم لفصل الخصُومات كُلَّها، فمن وجد دليلا للتفريق بين الخُصُومات فليقُل به، ومن لم يجد فليتَّق الله ولا يُفرِّق بين الخُصُومات برأيه، ولا يزد في كتاب الله أحكاماً ما أنزل اللهُ بها من سُلطان.
    ...................................

    (الخطأ السَّادس) عدمُ التفريق بين مجالس الكُفر:
    يقُولُ بعضُ النَّاس:"مجلسُ الطاغُوت مجلسُ كُفرٍ، لا سيّما المحكمة، فيكُونُ الجالسُ كافراً مثلهم "،وهم في ذلك لا يُفرِّقُون بين مجالس الكُفر. و مجالس الكُفر ليست كلُّها على مُستوى واحد في نظر الإسلام، فينتُجُ من هذا القول المُطلق أن يُكفِّروا من لا يستحقّ التكفير. ومجالسُ الكُفر على نوعين:
    (الأول) مجلسٌ لا يحلُّ لمُسلم أن يجلس فيه، وهو الَّذي يُكفَرُ ويُستهزؤُ فيه بآيات الله، فمن جلس من غير إكراه أو نسيان ، ومن غير ردٍّ على الكافرين،ومن غير مصلحة شرعيّة تُبيحُ لهُ الجُلوس، صار مثلهم عند الله، أمَّا في أحكام الدُنيا،فقد يصيرُ مُرتدّاً مُصرّاً على ذلك، وقد يكُونُ مُنافقاً كمن تكرّرَ منهُ ذلك و لكنَّهُ في كُلِّ مرَّة يعتذرُ بحُسن القصد أو غير ذلك مما يعتذرُ به المُنافقُون."يحلفُون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا". وقد جاء النَّهيُ عن هذه المجالس في الآيات الآتية:
    قال تعالى:" وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الأنعام:68ـ69)
    وقال:"وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا" (النساء:140)

    (الثّاني) مجلسٌ يُكفرُ فيه بالله، ومع ذلك يحلُّ للمُسلم أن يجلس فيه ولو إلى وقت، و لهُ أمثلةٌ منها ما يأتي:
    1ـ مجلسُ الدعوة والمُناظرات: وفي القُرآن ذكرُ كثيرٍ مما جرى بين المُرسلين والمُشركين
    حيثُ يكفُرُ المُشركُون بالله ورسُله واليوم الآخر، والرُّسُلُ تنصحُهم وتردُّ عليهم بالحُسنى.

    2ـ مجلسُ المُفاوضات: وقد كان جائزاً للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يُفاوضوا الكُفّار، وأن يصطلحوا معهم على أُمور، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر، ويصرحون بعدم إيمانهم لرسالة الله، كما وقع في صُلح الحُديبية فإنَّهم رفضُوا كتابة "الرحمن" وكتابة "رسُول الله".
    وكان يتمّ التَّفاوُضُ والمسلمون غيرُ محاصرين ولا مكرهين، بل حملهم على المصالحة والمفاوضة مصالحٌ لهم راجحةٌ، كالحصول على فترة أمنٍ يؤدّون فيها العُمرة، أو يجدون فرصةً للدعوة أو للاستعداد لمعركةٍ فاصلة .

    3ـ مجلسُ التعامُل المُباح: المسلم قد يدخل في تعامل مع قوم كفّار كالبيع والشراء والإجارة والمعاهدات وقد ينكح الكتابية وقد يتسرّى بالمشركة بملك اليمين .. ولم يشترط الإسلام لصحة هذه العقود أن لا يتكلّم الكافر في أثناء العقد أو بعده بشيء من دينه الكفري.
    فالذي ينكح النصرانية يسمع منها وهي تدعو مخلوقاً من دون الله ويسمع وهي تقول: "ربّي عيسى"، وتؤمن بالصلب والفداء وغير ذلك، فلا يجوز له أن يضربها أو أن يهرب من منْزله بسبب كفرها، ولكن يحاول أن يجادلها بالتي هي أحسن حتى تقتنع بالإسلام في حريّة تامّة، ولا يدخل معها في خصومات يومية مستمرّة،ـ لأنَّهُ تزوَّجها وهُو يعلمُ كُفرها ـ وإنّما يتحيّن الفُرصة المناسبة للدعوة إلى الله.

    فما الذي يمنع أن يجلس المسلم مع الكفّار ليبرّئ نفسَه من تُهمٍ خطيرةٍ قد تذهب بنفسه أو تُلجئه إلى الفرار من بلده الذي فيه أهله و يقوم فيه بالدعوة إلى الله.
    وإذا جمع المجلسُ كفّاراً ومسلماً وكلّما تكلّموا بالباطل تكلّم بالحقّ وبيّن الصواب، وأنكر باطلهم، ولم يقبَل منهم شرعاً ولا حكماً، فقد أدّى ما عليه، وهم بالخيار أن يجوروا ويعتدوا عليه أو أن يتركوه.
    إنّ الكفّار يزعمون أنّهم في محكمةٍ شرعية مقدّسةٍ، والمسلمُ يعتقد أنّه أمام طاغوتٍ حقيرٍ قد كتب هواه أو هوى متبوعه في أوراقٍ وسمّاها شريعةً .. فهو لا يعترف بالقاضي ولا بأحكامه، ويتكلّم ويتصرّف في حدود الشريعة الإلهية.
    ومن القواعد الأصولية:"أنّ ما حُرّم لذاته تُبيحه الضرورة، وما حُرِّم لغيره تُبيحه الحاجة". والجلوس في مجالس الكفر حُرِّم حتى لا يتأثّر المسلم بباطلهم فيميل إليهم ويتابعهم على دينهم الباطل، ويدلّ على ذلك أنّ الجلوس لا يكون محرّماً على المناظر المجادل الذي يُبيّن لهم بُطلان دينهم.
    ...............................................

    (الخطأ السَّابع) عدمُ التفريق بين الأسير والطليق:
    يرى بعضُ النَّاس أنَّ من سجنهُ الطاغُوت وحكمَ عليه بسجن سنوات ،إذا كتب رسالة إلى الطاغُوت الأكبر والتمس منهُ أن ينظُرَ إلى أمره، وأنّهُ قد حُكم عليه حُكما مُخالفاً لشريعة البلاد، أنَّهُ يصيرُ بالكتابة كافراً مُؤمناً بشريعة الطاغُوت.

    أقُولُ:
    (أولا) لا يجُوزُ الإفتاء بذلك ، وليس هذا إيمانا بالباطل لأمور:
    (1)ـ شريعةُ الطاغُوت ليست إلا كلامَ الطاغُوت، والكلامُ المكتُوب المقروء كالشفويّ إذا كان حقَّاً أو باطلاً، فلا ينبغي أنْ نضع شريعةَ الطاغُوت منزلا من قُلُوبنا فوق منزلتها الحقيقيّة. ولذا إذا قال لك الطاغُوت الأكبر:"أنت آمِنْ في بلدي". ثُمَّ سجنكَ جُنُودُهُ، وقدرت على الإتِّصال به ، جاز لك أن تقُولَ لهُ: "إنَّك قد أعطيتني الأمان، وقد سجنني جُنُودك،وخالفُوا أمرك فهل أنت راضٍ بذلك". ولا تكُون بهذا القول كافراً مُؤمناً بشريعة الطاغُوت.
    ومثلُهُ إذا علمتَ بأنّ شريعة الطاغُوت المُدونةِ تُبيحُ دخُول الأجنبيّ في هذه البلاد لأجل التجارة، فدخلتها للتجارة فسجنُوك، وقدرت على الاتِّصال بالطاغُوت ، جاز لك أن تقُولَ لهُ: "إنّكم قد أبحتُم دخُول الأجنبيّ في هذه البلاد لأجل التجارة في شرعكم ثمّ سجنتمُوني أليس هذا ظُلما وتناقُضا منكم ".

    (2)ـ إنّ تذكير الكافر بشرعه الّذي خالفهُ جائزٌ للمصلحة ،كما جاء في قصّة عدي بن حاتم، وأنَّهُ جاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَا عَدِيُّ بنَ حَاتِمٍ أَسْلِمْ تَسْلَمْ" قلت: إني من أهل دين، قال: "أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ" قال: قلت: أنت أعلم بديني مني، قال: "نَعَمْ، أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ" قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نَعَمْ" قال: "أَلَسْتَ رَكُوسِيًّا؟" قلت: بلى، قال: "أَوَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟" قلت: بلى، قال:"أَوَلَسْتَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ" قلت: بلى، قال : "ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لَكَ في دِينِكَ" قال: فتواضعت من نفسي" (أحمد وابن أبي شيبة)

    (3)ـ إنَّ حُسن العدل و قبح الظلم مما تتَّفقُ عليه الأمم ، ومن ذكَّر للملك الكافر أنَّهُ مظلُوم، وطلب منهُ رفع الظُلم فقد قال حقَّا، ولا يُعدُّ مُتحاكماً في عُرف الشرع، لأنَّ طلبَ رفعِ الظُّلم شيءٌ والتحاكمُ شيءٌ آخر.
    وقد قال يُوسف عليه السَّلام لصاحبه في السجن:" ?ذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ". قال البغوي:"اذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ" يعني: سيدك الملك وقل له: "إن في السجن غلاماً محبوساً ظلماً طال حبسه"
    وقال ابن كثير في تفسيره: "?ذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ" يقول:"اذكر قصتي عند ربك، وهو الملك"
    وقال في "قصص الأنبياء": يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجياً منهما وهو الساقي: "اذْكُرْنِى عِندَ رَبّكَ" ، يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك. وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب.

    (4)ـ إنَّ التحيُّل والكذب ومُوافقة الكُفار في الظاهر للنجاة من شرِّهم في بعض الأحيان جائزٌ في شرعنا:
    روى النسائي في سننه ،باب:"الرجل يكون له المال عند المشركين فيقول شيئاً يخرج به ماله"
    عن أنسٍ ، قال: "لما افتتح رسول الله خيبر قال الحجاج بن علاطٍ: يا رسول الله: إنَّ لي بمكةَ مالاً وإنَّ لي بها أهلاً وأنا أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلتُ منك وقلت شيئاً فأذن له رسول الله فلما قدم على امرأته بمكة قال لأهله: اجمعي ما كان لك من مالٍ وشيءٍ فإني أريد أن أشتري من مغانم رسول الله وأصحابه فإنهم قد أبيحوا وذهبت أموالهم فانقمع المسلمون وظهر المشركون فرحاً وسروراً".(ورواهُ أحمد وغيره)

    قال ابن القيِّم: "ليس كل ما يسمى حيلة حراماً، قال الله تعالى: "إلا المُسْتَضْعَفِين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً" أراد بالحيلة التحيل على التخلص من بين الكفار، وهذه حيلة محمودة يُثَاب عليها، وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار، كما فعل نعيم بن مسعود يوم الخندق، أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحَجَّاج بن علاط بامرأته، وكذلك الحيلة على قتل رأسٍ من رؤوس أعداء الله كما فعل الذين قتلوا ابن أبي الحُقَيْقِ اليهودي وكعب بن أشرف وأبا رافع وغيرهم؛ فكل هذه حيل محمودة محبوبة لله ومرضية له. "
    وقال: ومنها: جواز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره، إذا لم يتضمن ضرَر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجاج بن علاط على المسلمين . حتى أخذَ مالَه من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين من ذلك الكذب، وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين من الأذى والحزن، فمفسدةٌ يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميلَ الفرح والسرور، وزيادةَ الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب، فكان الكذب سبباً في حصول هذه المصلحة الراجحة.
    ونظير هذا الإمام والحاكم يوهم الخصمَ خلافَ الحق ليتوصل بذلك إلى استعلام الحق، كما أوهم سليمان بن داود إحدى المرأتين بشَق الولد نصفين حتى توصل بذلك إلى معرفة عين الأم.(اهـ)

    (5) إنَّ المسجُون مُكرهٌ ولا خلاف بين العُلماء في الأمد الطويل:
    قال الحافظ ابن حجر: "واختلف فيما يهدد به فاتفقوا على القتل وإتلاف العضو والضرب الشديد والحبس الطويل، واختلفوا في يسير الضرب والحبس كيوم أو يومين".(فتح البارئ\ كتاب الإكراه)
    وقال أيضاً -في نفس المصدر- :"الإكراه هو إلزام الغير بما لا يريده، وشروط الإكراه أربعة:
    1ـ أن يكون فاعله قادراً على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار.
    2ـ أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
    3ـ أن يكون ما هدده به فورياً، فلو قال إن لم تفعل كذا ضربتك غداً لا يعد مكرهاً ويستثنى ما إذا ذكر زمناً قريباً جداً أو جرت العادة بأنه لا يخلف.
    4ـ أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره"(اهـ)

    وقال الإمام الشّافعي: في رجلٍ أُسر فَتَنَصَّرَ، وله امرأةٌ فَمَرَّ به قومٌ من المسلمين، فأَشرفَ عليهم وهو في الحصنِ، فقال: إنَّما تَنَصَّرْتُ بلساني، وأنا أُصَلِّي إذا خَلَوْتُ، فهذا مُكْرَهٌ، ولا تبين منه امرأته.(الأمّ)
    وإجراء كلمة الشرك على اللسان رخصة ، والامتناع هو العزيمة، فمن ترخص بالرخصة وسعهُ، ومن تمسك بالعزيمة كان أفضل له؛ لأن في تمسك المُسلم بالعزيمة إعزازُ الدين، وغيظُ المشركين، فيكون أفضل. وإن امتنع من ذلك حتى قتل لم يكن آثماً، بل هو مأجور فيه.

    (ثانياً) وأمَّا ما يُعرفُ بـ"استئناف الحُكم"، فإن كان معناهُ طلب إلغاء الحُكم السَّابق، وإعادة جلسة المحكمة، أو الإحالة إلى محكمة أُخرى لتحكم في القضية من جديد فلا شكَّ أنَّهُ طلبٌ للتحاكم ورضى به. ومن فعلهُ مُختاراً غير مُكره ولا مأسُور،فهُو يكفُرُ به.
    ولا أدري لماذا يُثارُ حولها الجدلُ مع وضُوحها، لأنَّ الَّذي تحاكم فحكمت المحكمة لصالح غيره، فقد كفر بهذا التحاكم، فإن طلب جلسةً أخرى فقد تمادى في الضلال. وإن كان قد تاب من الأول، ثمَّ طلب من المحكمة استئناف الحُكم، فقد عاد إلى الكُفر الَّذي تاب منهُ.
    ولا يصلُحُ قولُ يُوسف عليه السَّلام:"?ذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ"..الآية، للاستدلال به على جواز طلب "استئناف الحُكم"، إذ ليس فيه إلَّا أن تُذكر قصتهُ للملك، وأنَّهُ مسجُونٌ ظُلماً.
    قال ابن كثير:"?ذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ" يقول:"اذكر قصتي عند ربك، وهو الملك",ولكن في الآية. جوازُ استعانة المُلُوك في استرداد الحُقُوق.
    .................................................. ........

    (الخُلاصة)
    1ـ الطاغوت: مشتقٌّ من الطغيان.ويُطلقُ على العبد المتجاوز لحدّهِ بإدِّعاءِ حقٍّ من حُقوقِ الألوهية.
    2ـ من الطواغيت:الشيطانُ والكهنة والسحرة والسدنة والزعماء المتبُوعين والحُكام بغير ما أنزل الله.
    3ـ الأصنامُ والأوثانُ طواغيت مع كونها من الجمادات، بمعنى أنَّ النَّاس اتّخذوها طواغيت تُعبدُ من دون الله.
    4ـ والحاكم أو الملك الحريص على تحقيق العدل ونفي الظلم، ولاينقادُ لأمر الله، لم يخرج من الطواغيت الحاكمة.
    5ـ شريعة الطاغُوت المُدوَّنة، كأوامره الشفوية، وكُلٌّ من الهوى.
    6ـ التحاكم:هو إسنادُ القضاء إلى حاكم، والرضى بفصلِ النّزاع القائم بين النَّاس بحُكمه.
    7ـ التحاكم إلى الطاغُوت:هو إسنادُ القضاء إلى الطاغُوت، والرضى بفصلِ النّزاع بحُكمه.
    8ـ التحاكُم إلى الطاغُوت كُفرٌ يزولُ به الإيمان والتَّوحيد.
    9ـ يكفرُ المرء المُسلم بمجرَّد إرادة التَّحاكم إلى الطاغُوت، ويصيرُ إيمانُهُ زعماً لا حقيقة له.
    10ـ ولا يُشترطُ للمُتحاكم اعتقادُ أنَّ شريعةَ الطاغُوت أفضلُ من شريعة الله أو أنَّها واجبة الاتِّباع، بل يصيرُ مُتحاكماً بفعل التَّحاكُم.
    11ـ من قال أو فعل ما هو كفر كفَرَ بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً.
    12ـ المُتحاكمُ إلى الطاغُوت يرتدُّ ردَّة صريحة أو ردَّة نفاق.
    13ـ القضاء الإسلامي من أمر الله، ويستمدُّ سُلطانهُ وشرعيَّتهُ من الله.
    14ـ ويجبُ على المُسلم الإنقيادُ لما يقضي به القاضي المُسلم لقطع النّزاعات والخُصُومات .
    15ـ القاضي المُسلمُ مُجتهدٌ يُخطئُ و يُصيب، ومأجُورٌ في الحالتين.
    16ـ القضاء الجاهلي اعتداءٌ وطُغيان ولا يقُومُ على إذن وسُلطان من اللهِ.
    17ـ ليس للقاضي الجاهليّ شرعيَّةٌ تُوجبُ تصحيحَ ما يقضي به بين النَّاس لقطع النّزاعات.
    18ـ القاضي الجاهلي ورئيسه والرجلُ العادي الَّذي لا أتباع لهُ ولا جُنُود سواءٌ في باب التَّحاكم، ولا يكُونُ قضاءُ أحدٍ منهم نافذاً في ميزان الشرع.
    19ـ الشريعة تعتبرُ النِّيَّة في التحاكم، ونيَّةُ المُسلم مُقدَّمةٌ وغالبةٌ على نيَّة القاضي المُدَّعي الكاذب.ولا تلزمُهُ أوامرُهُ.
    20ـ المحكمة الجاهلية ليست لها مزيَّة وأحكام زائدة على مجالس الطواغيت في المنازل و الحدائق والطرقات.
    21ـ ليس مجلسُ الطاغُوت مجلسُ حُكمٍ وعبادة، إلَّا للمُتحاكمين إليه.
    22ـ للتحاكم الشرعيّ تعريفٌ جامعٌ مانعٌ لايتقلَّبُ ولا يضطرب. وليس كلُّ ما تقُولُه الجاهليةُ إنَّهُ تحاكم، يُلحقُ به.
    23ـ عُرْفُ المُجتمع المُسلم العامل بشريعة الله مُعتبرٌ، وعُرفُ المُجتمع الجاهليِّ من الأرباب المعنوية المُزيَّفة، الّتي يجبُ الكُفرُ بها.
    24ـ وتبرئة النفس من التّهم الباطلة من الدِّين، وقد فعلها رسل الله.
    25ـ دلَّت الأدلَّةُ على جواز الإستعانة بالمُلُوك وذوي الوجاهة من المتبُوعين ـ مع طُغيانهم ـ في استرداد الحقُوق وتبرئة النَّفس من التُّهم .
    26ـ استردادُ الحُقُوق لا تنحصرُ في الأموال، بل تشملُ الأعراض، والأمن ،والإقامة ،والعمل في الأسواق وغير ذلك.
    27ـ الذهابُ وإجابة دعوة الطاغُوت ليس كفراً في ذاته، إذا لم يكن في النيَّة تحاكمٌ أو غيره من الكُفر الأكبر.
    28ـ التحاكمُ إلي الطاغُوت المُحرَّم يشملُ الخصومات الدينية والدُنيوية.
    29ـ لا تُستردُّ الحقُوق بالتَّحاكم إلى الطاغُوت، لأنَّ زوالَ الدُنيا أهونُ على المُؤمن من الكُفر.
    30ـ مجالسُ الكُفر قسمان: مجلسٌ لا يحلُّ لمُسلم أن يجلس فيه، ومجلسٌ يحلُّ لهُ الجُلوس.
    31ـ لا يحلُّ لمُسلم أن يجلس مجلس كُفرٍ واستهزاء، من غير إكراه أو نسيان ، ومن غير ردٍّ على الكافرين، ومن غير مصلحة شرعيّة تُبيحُ لهُ الجُلوس.
    32ـ ويحلُّ لهُ الجلُوس إذا كان يُراعي مصالح شرعيّة، كالمُناظرات الدينيَّة والمُفاوضات السياسيَّة والتعامُل المُباح.
    33ـ المحكُوم بالسجن الطويل مُكرهٌ، ويحلُّ لهُ التكلُّمُ بالكُفر.
    34ـ إجراء كلمة الشرك على اللسان رخصة ، والامتناع هو العزيمة، فمن ترخَّص بالرخصة وسعهُ، ومن تمسك بالعزيمة كان أفضل له.
    35ـ الاستئناف الَّذي هُو طلبُ إلغاء الحُكم السَّابق، وإعادة جلسة المحكمة، أو الإحالة إلى محكمة أُخرى لتحكم في القضية من جديد، من التحاكم إلى الطاغُوت.
    36ـ لا يحلُّ التَّحاكُم إلى الطاغُوت فيما يُعلمُ أنَّهُ يحكُمُ فيه بالحقِّ، لأنَّنا مأمُورون باجتنابه، ولأنَّهُ ليس من أهل الحُكم والعدل.
    .................................................. .................

    انتهت الرسالة..

    والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم[/size][/b]

  18. #18

    تاريخ التسجيل Apr 2011
    إعجاب مرسل: 23
    إعجاب متلقى: 183
    المشاركات 324

    افتراضي رد: قضية التحاكم إلى الطاغوت


    نعم إن من الخطأ والجهل الإستدلال بالنصوص المحرمة للتحاكم إلى الطاغوت على تحريم الذهاب إليه مطلقا ،
    و كذلك اعتبار قبول المدعَى عليه حضور الجلسة وذهابه إليها اعترافا بشرعيته ورضى بتحكيمه ، واستجابة لدعوته فى فض النزاع ، وهذا وهم باطل مخالف لحقيقة الأمر ، وذلك لأن حضور المدعَى عليه الجلسات أو عدم حضوره ليس له تأثير لأن المحكمة لا تستمد شرعيتها من حضوره رضى أم لم يرضى فإنه و إن تغيب عن حضور الجلسة فإن للمحكمة أن تحكم عليه بحكم غيابى ، وكذلك إن حضر ولم يقدم دفاعا عما نُسب إليه فإن للمحكمة أن تصدر حكم عليه سواء كان هذا الحكم ابتدائى أو نهائى ،

    وهذا مما يبين انحصار دور المدعَى عليه فى الدفع دون الطلب ، وأن ليس قبوله حضور الدعوى وذهابه إليها يتوقف عليه ممارسة المحكمة لدورها الذى تقوم به بناءا على طلب المدعِى ، ولا بجاعل المدعَى عليه طالبا للحكم معترفا بشرعية الجهة الحاكمة وراضيا بما تحكم به ،
    فإن ذلك ليس كالتحكيم الذى يتساوى فيه الطرفان و يشترط فيه قبول ورغبة طرفى النزاع إجراء التحكيم ، ويعتبر فيه استجابة الدعوى والحضور رضى بالجهة الحاكمة واعترافا بشرعيتها وقبولا لفضها النزاع ،

    كما لا يصح - و كما جاء فى الكلام السابق - عدم التفريق بين مجالس الكفر ، و قياس الجلوس فى المحاكم بالجلوس فى مجالس الإستهزاء ، فكما سبق وأن قلت فى موضوع محل الخلاف فى قضايا الدفاع والإستئناف :

    إن استجابة المدعَى عليه لحضور الجلسات فى محاكم الطاغوت لا تعنى رضاه بأن تفصل محاكم الطاغوت بينه وبين خصمه ، فإن ما يباح فعله فى قسم الشرطة يباح فعله فى المحكمة أو فى أى مكان ، فإذا تقدم أحدهم بعمل محضر ضدك يثبت ملكيته لبيتك ، فذهابك بما يثبت ملكيتك لبيتك ليس إلا دفاعا عنه لا طلبا له ؛ وذلك لأنك لم تتصرف تصرف يدل على الطلب كما فعل المدعِى ، وإلا لكان الشاهد كافر وكل من يحضر الجلسة كافر لمجرد جلوسه بزعم أن ذلك كان دليلا منه على الرضى بأن تفصل محاكم الطاغوت بين عباد الله ،
    وإلا لكان أيضا كل من يحضر مجالس الكفار التى يمارسون فيها الكفر كافر ، وهذا لا يقول به عاقل ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام كانوا يُصلوا ويجلسوا عند الكعبة وحولهم أصنام تُعبد من دون الله ، ففرق بين هذا وبين المجالس التى يُستهزأ فيها بدين الله .



    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إسماعيل أبو بصير مشاهدة المشاركة
    (ثانياً) وأمَّا ما يُعرفُ بـ"استئناف الحُكم"، فإن كان معناهُ طلب إلغاء الحُكم السَّابق، وإعادة جلسة المحكمة، أو الإحالة إلى محكمة أُخرى لتحكم في القضية من جديد فلا شكَّ أنَّهُ طلبٌ للتحاكم ورضى به. ومن فعلهُ مُختاراً غير مُكره ولا مأسُور،فهُو يكفُرُ به.
    ولا أدري لماذا يُثارُ حولها الجدلُ مع وضُوحها، لأنَّ الَّذي تحاكم فحكمت المحكمة لصالح غيره، فقد كفر بهذا التحاكم، فإن طلب جلسةً أخرى فقد تمادى في الضلال. وإن كان قد تاب من الأول، ثمَّ طلب من المحكمة استئناف الحُكم، فقد عاد إلى الكُفر الَّذي تاب منهُ.
    [/size][/b]
    لا ليس معنى الإستئناف طلب حكم جديد ، فإن المتأمل لقضية الإستئناف للوقوف على حقيقتها يرى أنها وإن كانت نتيجة تصرف ناشئ عمن كان اسمه ووصفه مدعَى عليه مما يجعله يشبه المدعِى من هذا الوجه ، إلا أن هذا التصرف لا يعنى قيام المستأنف برفع دعوى جديدة يطلب فيها فصل النزاع القائم بينه وبين خصمه وإنما هو دفعا واعتراضا على الحكم المحكوم به من جهة المدعَى عليه لا من جهة المدعِى صاحب الدعوى ، و قد يترتب على دفاع المدعَى عليه الذى مازال إسمه ووصفه مدعَى عليه زوال الحكم السابق بالإدانة و الحكم بعدم الإدانة وهذا الذى يظهر لمن يتأمل الإجراءات التى هى التصرفات والأعمال الثابتة لا الصيغ والألفاظ المتغيرة و الغير معتبرة ، حيث أن اشتمال بعض صيغ الدفاع و الإستئناف - وغيرها من القضايا الغير داخلة فى التحاكم ابتداءا - على بعض الكلمات الدالة على الطلب لا يجعلهم ذلك طلبا فى الحقيقة ، كأن يأتى فيها طلب إعادة النظر أو طلب الحكم بالبراءة ،

    وقد ذكرت فى المشاركة رقم 5 من موضوع محل الخلاف فى قضايا الدفاع والإستئناف صور المعارضة والإستئناف وقلت بعدها :
    وهذه الصور – المعارضة أو الإستئناف أو المعارضة الإستئنافية أو النقض - إنما هى إستكمالا للدفاع وامتدادا له لا طلبا للحكم وفصل نزاع فالغرض منها ليس هو إدانة المدعِى أو أخذ شئ منه ، وإنما معارضة الحكم ودفعه والذى يترتب عليها إعادة نظر الدعوى بالنسبة للمدعَى عليه والتى ستنتهى إما بثبوت التهمة فى حقه و العقوبة المقررة لها أو زوال ملكيته لعين من الأعيان ، وإما إنتفاء التهمة عنه وعدم زوال ملكيته للعين التى طالب بها المدعِى ، ولا يمكن أن يُحكم عليه بحكم أشد مما حُكم عليه به كما لا يمكن أن يُحكم على المدعِى بأحكام لأنها ليست دعوى قام برفعها المدعَى عليه ضد المدعِى .
    وكونها يترتب عليها إعادة نظر الدعوى لا يجعلها هذا طلبا للحكم ، لأن الدعوى التى سيُعاد نظرها ليست دعوى جديدة وإنما هى التى قام برفعها المدعِى وقام بدفعها المدعَى عليه ، ومازال دور المدعَى عليه هو الدفاع ،

    فكما جاء فى إجراءاتها أن المحكمة الإستئنافية غير ملزمة بأن تسمع من الشهود إلا ما ترى هى لزوماً لسماعهم و إذن فإذا كانت المحكمة الإبتدائية قد سمعت شاهد الإثبات الذى حضر و تلت أقوال الشاهد الغائب و كذلك سمعت شاهد النفى الذى أعلنه المتهم و إكتفى المدافع عنه بذلك
    و ترافع فى الدعوى دون أن يتمسك بسماع شهود آخرين ، ثم لما إستأنف المتهم الحكم لم يتمسك أمام المحكمة الإستئنافية بسماع شهود فلا يكون له من بعد أن ينعى على المحكمة أنها أخلت بحقه فى الدفاع .

    وكذلك فإن عدم الإدانة وعدم زوال ملكية الشئ لا تُعد مطلب ، حيث أنه لا يصح أبدا جعل المدافع عن نفسه / المدعَى عليه : طالبا لمجرد كونه ينفى عن نفسه تهمة يترتب عليها عدم إدانته أو عدم زوال ملكيته للشئ ، ولو جوزنا تسمية المدعَى عليه طالبا فهو طالب للعدم ،

    بالإضافة إلى أنها مما يترتب على دفاع المدعَى عليه أو معارضة المستأنف و كلاهما ليسا طلبا لحكم وإنما دفعا ومعارضة له .

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 38
    آخر مشاركة: 2013-03-17, 18:36
  2. الرد الوافر على من أجاز التحاكم إلى الطاغوت
    بواسطة سيف الاسلام في المنتدى مسائل الحكم والحاكمية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 2010-08-30, 00:54
  3. رفع الإلتباس في قضية الحكم على الناس
    بواسطة ابن عمر الليبي في المنتدى الأبحاث والرسائل
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2010-03-12, 19:23
  4. التحاكم إلى الطاغوت إيمان به وكفر بالله
    بواسطة سيف الاسلام في المنتدى المناظرات
    مشاركات: 29
    آخر مشاركة: 2009-10-30, 01:53
  5. بيان أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به
    بواسطة ناقل الحوار في المنتدى مسائل الحكم والحاكمية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2009-09-23, 02:16

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى


Sitemap