1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2009
    عضو
    المشاركات: 104
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية؛ وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويوم جاءها الإسلام مبنياً على قاعدته الكبرى : « شهادة أن لا إله إلا الله » . . شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس ، وهو يسأله : « ما الذي جاء بكم؟ » فيقول : « الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام » . . وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلهاً خالقاً للكون؛ ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة؛ ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع ، فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه؛ فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد ، ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - ( وهي الأديان ) . . إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام .
    لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله . فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد ، وإلى جور الأديان؛ ونكصت عن لا إله إلا الله ، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن : « لا إله إلا الله »؛ دون أن يدرك مدلولها ، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها ، ودون أن يرفض شرعية « الحاكمية » التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد ، أو كتشكيلات تشريعية ، أو كشعوب .فالأفراد ، كالتشكيلات ، كالشعوب ، ليست آلهة ، فليس لها إذن حق الحاكمية . . إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية ، وارتدت عن لا إله إلا الله . فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية . ولم تعد توحد الله ، وتخلص له الولاء . .
    البشرية بجملتها ، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات : « لا إله إلا الله » بلا مدلول ولا واقع . . وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة ، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد - من بعدما تبين لهم الهدى - ومن بعد أن كانوا في دين الله!فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلاً أمام هذه الآيات البينات!
    ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء :
    { قل : أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض ، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل : إني أمرت أن أكون أول من أسلم ، ولا تكونن من المشركين } . .
    ذلك لتعلم أن اتخاذ غير الله ولياً - بكل معاني « الولي » . . وهي الخضوع والطاعة ، والاستنصار والاستعانة . . يتعارض مع الإسلام ، لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس . . ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير الله هو تقبل حاكمية غير الله في الضمير أو في الحياة . . الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء . ولتعمل أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؛ وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات . .وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية :
    { قل : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ، وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } . .
    فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها ، وبإعراضها وعنادها ، وبالتوائها وكيدها ، وبفسادها وانحلالها . . ما أحوج من يواجه هذا الشر كله ، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذا المشاعر . . مخافة المعصية والولاء لغير الله . ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة . . واليقين بأن الضار والنافع هو الله . وأن الله هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه . إن قلباً لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف « إنشاء » الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية . . وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال!ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته؛ وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر .
    ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى . وأن تقول ما أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية ، بما قذف به في وجهها الرسول الكريم ، تنفيذاً لأمر ربه العظيم :
    { قل : أي شيء أكبر شهادة؟ قل : الله ، شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل : لا أشهد . قل : إنما هو إله واحد ، وإنني بريء مما تشركون } . .
    نه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض ، من الجاهلية التي تغمر الأرض ، هذا الموقف . لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية ، قاطعة فاصلة ، مزلزلة رهيبة . . ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شيء قدير ، وأنه هو القاهر فوق عباده . وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب ، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحداً إلا بإذن الله ، وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
    ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتمكين في الأرض ، قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق . وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت ، وقبل أن تشهد على الجاهلية هذا الإشهاد ، وتنذرها هذه النذارة ، وتعلنها هذا الإعلان ، وتفاصلها هذه المفاصلة ، وتتبرأ منها هذه البراءة .
    إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي؛ إنما جاء منهجاً مطلقاً خارجاً عن قيود الزمان والمكان . منهجاً تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن . وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماماً؛ وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشىء الإسلام في الأرض إنشاء . . فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين . والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره . والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله . . لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة . . والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين
    منقول من الظلال لسد قطب

  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    عضو جديد
    المشاركات: 21
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده
    وبعد

    رحم الله الإمام المجدد سيد قطب رحمة واسعة

    فلقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين ، وعاد الدين غريباَ كما جاء
    غريباً في أصله وقاعدته التي يقوم عليها

    فبعد أن كان معروفاَ أن التشريع والحاكمية (حكماً وتحاكماً) حق خالص لله عز و جل لا ينازعه فيه أحد ، وأن التحاكم لغير شرعه كفر بإجماع كل مسلم ، صار هذا الأصل باهتاً حتى في حس أشد المتدينين تحمساَ لهذا الدين ..

    فقد قرر رب العالمين هذا الأصل أكمل تقرير وبينه أوضح بيان وذكر المبررات التي تجعله حقاً خالصاً له سبحانه وتعالى وأن ادعاء الغير هذا الحق هو أبطل الباطل
    فقد تناولت أول السور نزولاً بمكة - سورة الأنعام - هذا الأصل وبينته بمقدمات قبل ذكر تشريعات الجاهلية وماتصرفوا فيه ، ثم تعقيبات بعدها وفي كل هذا تقرير لمن يجب أن يكون له التشريع والتصرف

    ففي هذه المقدمات يذكر المولى عز وجل فلق الحب والنوى والإصباح وإخراج الحي من الميت والميت من الحي وخلق أجرام الكون من الشمس والقمر تسخير النجوم للإهتداء وخلق الأزواج وإنزال الماء من السماء وإخراج النبات باختلاف أنواعه وغير ذلك من آيات ربوبيته في الكون

    إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

    هذه المقدمات ساقها القرآن لبيان من يكون له حق التشريع، الذي خلق وبرأ أم من لم يكن له من ذلك شئ

    وهذه القاعدة - قاعدة العبودية الكبرى - حين قررها القرآن ناقشها من مخاطبته للواقع الذي أُنزل فيه ومناسبتها الحاضرة تصرفات الجاهلية حينها في التحليل والتحريم وهو الجزء الذي كان يُمارس يومئذ وينقض هذه القاعدة

    ويسوق القرآن التشريعات التي شرعها المشركون بغير إذن الله
    وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ، فقالوا : هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا ...
    وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم
    وقالوا : هذه أنعام وحرث حجر ، لايطعمها إلا من نشاء - بزعمهم -
    وأنعام حُرِّمت ظهورها ( وهي البحيرة والسائبة والحام )
    وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها
    وقالوا : مافي بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ! ومحرم على أزواجنا !
    وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء !!

    هذه التشريعات التي كانوا يزاولونها كانوا في كل ذلك ينسبونها إلى الله ويتكلمون باسم الدين ليكون الأمر نافذ ، فلم تكن الجاهلية الأولى لتقبل تشريع إلاّ أن يكون منسوباَ لله وهذا ما كان يفعله رجال الدين فيهم
    ولم تكن الجاهلية الأولى بتبجح وجراءة الجاهلية الحديثة بحيث تُشرِّع من عندها وترفض الدين جملة أو تحصره في زوايا ضيقة بعيدة عن التشريع في حياة البشر

    وفي التعقيبات على تشريعات الجاهلية الأولى التي شرعوها وتصرفاتهم يُذكِّر المولى عز وجل بربوبيته وخلقه للأنعام والزروع التي تصرفوا فيها تحليلاً وتحريماَ
    وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

    هذه الزروع والنبات أما الحيوان :

    وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ

    ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

    وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

    ثم يذكر سبحانه وتعالى بعض تشريعاته وبيان حلاله وحرامه
    قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

    فوبخهم سبحانه على نقضهم لقاعدة العبودية بتشريعاتهم وتصرفاتهم فيما لم يُوجدوه ولم ينشئوه من عدم ، وبيّن أن هذا الحق خالص له بمقتضى ربوبيته وخلقه لما تصرفوا فيه تحليلاً وتحريماً
    فالذي يُنشئ ويخلق هو الأحق بالتصرف فيما يخلق ، بداهةً

    " ألا له الخلق والأمر "

    فكما أن الخلق له ، يجب أن يكون الأمر والتصرف كذلك

  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 288
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية؛ وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويوم جاءها الإسلام مبنياً على قاعدته الكبرى : « شهادة أن لا إله إلا الله » . . شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس ، وهو يسأله : « ما الذي جاء بكم؟ » فيقول : « الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام » . . وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلهاً خالقاً للكون؛ ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة؛ ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع ، فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه؛ فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد ، ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - ( وهي الأديان ) . . إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام .
    لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله . فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد ، وإلى جور الأديان؛ ونكصت عن لا إله إلا الله ، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن : « لا إله إلا الله »؛ دون أن يدرك مدلولها ، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها ، ودون أن يرفض شرعية « الحاكمية » التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد ، أو كتشكيلات تشريعية ، أو كشعوب .
    فالأفراد ، كالتشكيلات ، كالشعوب ، ليست آلهة ، فليس لها إذن حق الحاكمية . . إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية ، وارتدت عن لا إله إلا الله . فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية . ولم تعد توحد الله ، وتخلص له الولاء . .
    البشرية بجملتها ، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات : « لا إله إلا الله » بلا مدلول ولا واقع . . وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة ، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد - من بعدما تبين لهم الهدى - ومن بعد أن كانوا في دين الله!
    فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلاً أمام هذه الآيات البينات!
    ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء :
    { قل : أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض ، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل : إني أمرت أن أكون أول من أسلم ، ولا تكونن من المشركين } . .
    ذلك لتعلم أن اتخاذ غير الله ولياً - بكل معاني « الولي » . . وهي الخضوع والطاعة ، والاستنصار والاستعانة . . يتعارض مع الإسلام ، لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس . . ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير الله هو تقبل حاكمية غير الله في الضمير أو في الحياة . . الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء . ولتعمل أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؛ وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات . .
    وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية :
    { قل : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ، وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } . .
    فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها ، وبإعراضها وعنادها ، وبالتوائها وكيدها ، وبفسادها وانحلالها . . ما أحوج من يواجه هذا الشر كله ، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذا المشاعر . . مخافة المعصية والولاء لغير الله . ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة . . واليقين بأن الضار والنافع هو الله . وأن الله هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه . إن قلباً لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف « إنشاء » الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية . . وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال!
    ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم؛ وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته؛ وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر .
    . ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى . وأن تقول ما أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله؛ وأن تقذف في وجه الجاهلية ، بما قذف به في وجهها الرسول الكريم ، تنفيذاً لأمر ربه العظيم :
    { قل : أي شيء أكبر شهادة؟ قل : الله ، شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل : لا أشهد . قل : إنما هو إله واحد ، وإنني بريء مما تشركون } . .
    إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض ، من الجاهلية التي تغمر الأرض ، هذا الموقف . لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية ، قاطعة فاصلة ، مزلزلة رهيبة . . ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شيء قدير ، وأنه هو القاهر فوق عباده . وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب ، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله؛ وليسوا بنافعين أحداً إلا بإذن الله ، وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
    ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتمكين في الأرض ، قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق . وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت ، وقبل أن تشهد على الجاهلية هذا الإشهاد ، وتنذرها هذه النذارة ، وتعلنها هذا الإعلان ، وتفاصلها هذه المفاصلة ، وتتبرأ منها هذه البراءة . .
    إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي؛ إنما جاء منهجاً مطلقاً خارجاً عن قيود الزمان والمكان . منهجاً تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن . وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماماً؛ وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشىء الإسلام في الأرض إنشاء . . فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين . والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره . والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله . . لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة . . والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين . .

  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    عضو جديد
    المشاركات: 21
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    هذا الأصل - قاعدة العبودية ( إن الحكم إلاّ لله )- تناولته أول السور نُزولاً لأنه لايجوز تأخير البيان فيه

    فقد توهم بعض متدينة اليوم أن هذا الأصل تأخر بيانه حتى أواخر حياة الرسول -عليه السلام- عام إسلام الوفود لمَّا بيّن لعدي بن حاتم أن التشريع حق خالص لله وأنه عبادة تصرف لله كالصلاة والركوع والسجود ، وظنوا أن الشرع لم يتكلم عن هذا الأصل قبل ذلك

    والحقيقة أنه تناولته سور كثيرة غير سورة الأنعام -سورة التوحيد- منها ماهو مكي ومنها ماهومدني

    قال تعالى : "إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ماحرّم الله "
    وهو التحليل والتحريم في الأشهر
    قال قبلها المولى عز و جل : "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم "

    وقال تعالى : "ماجعل الله من بحيرة ولا سائبة ولاوصيلة ولا حام "

    وقال : "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون "
    أي : حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى أمر غيره فقدمتموه عليه فذلك هو الشرك

    وقال تعالى : " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام "

    " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً "

    " ولا يشرك في حكمه أحداَ "
    فكما لا يشركه في أمره القدري أحداً ، يجب ألاْ يشرك في أمره الشرعي أحداً

  5. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    عضو جديد
    المشاركات: 21
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ومن مقتضى حاكميته سبحانه التحاكم لشرعه دون شرع سواه ، لأنه عندما يستدل بربوبيته سبحانه ليبين أن حق التشريع له دون غيره يلزم منه وضع تشريعات للبشر ربانية تشمل جميع جوانب حياتهم ويكون فيها وإليها فصل خصامهم ، فهو العالم بما يصلحهم " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " " والله يعلم وأنتم لا تعلمون "

    وفي قوله تعالى : " ألا له الخلق والأمر "
    كما أن له الخلق والإيجاد ، فله الأمر والفصل في التنازعات


    "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وماأُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به "
    فجعل من الكفر بالطاغوت -وهو أول واجب على المُكلَّف - عدم التحاكم إليه

    " فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم "
    فلايحصل الإيمان إلاّ بتحكيم الرسول (الشرع) في كل صغير وكبير
    وبمفهومه أن ينتفي الإيمان بتحكيم غيره

    " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر "
    شرط الإيمان رد التنازع لله (كتابه) ورسوله (سنته)

    "إن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إياه ذلك الدين القيم "
    فالحاكمية لله ( حكماًوتحاكماً ) هي دينه القيم

    " ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وماأؤلئك بالمؤمنين "

    " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون "

    "أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله "
    والمتحاكم لغير شرع الله لايخرج عن هذه الحالات الثلاث إما لمرض في قلبه أو شك أو يخاف أن يظلمه الله ورسوله وكلها كفر ( انظر تفسير ابن كثير )

    "إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا "

    " وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله "
    وهذه الآية الأخيرة مكِْيَّة تبين وجوب رد الحكم حين الإختلاف إلى الله
    رداً على من يقول أن آيات التحاكم كلها مدنية

    يقول الإمام سيد قطب رحمه الله : إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك ، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك ،
    ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك ، إن هؤلاء لا يقرأون القرآن ، ولا يعرفون طبيعة هذا الدين ،
    فليقرأوا القرآن كما أنزله الله ، وليأخذوا قول الله بجد:
    (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) .

    أي أن الشرك في الحاكمية والتحاكم مثل الشرك في النسك
    فقد سمْى الله هذا وذاك شرك
    وسمّى هؤلاء وأولئك مشركين سواء

  6. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Nov 2009
    عضو جديد
    المشاركات: 21
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    والتشريع من معاني الربوبية

    فلفظ الرب يشمله

    " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله "
    " ولايأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباَ "
    " ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار "
    " ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله "

    هذه الآيات الكريمات توضح بجلاء أن لفظ " الرب " غير مقتصر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة ، إذ لايمكن حمل معنى "الرب" الوارد فيها على هذه المعاني ، وإنما يتعدى هذه المعاني ليشمل التصرف والتشريع

    وكلمة " الرب " في اللغة تشمل ذلك فيُقال رب البيت أي صاحبه والمتصرف الآمر الناهي فيه


    وقاعدة الحاكمية تشمل التشريع ( الذي هو كما ذكرنا من معاني الربوبية ) في حياة البشر ، والتشريع غير مقتصر على التحليل والتحريم فهذا جزء منه ، وإن كان هو مناسبته الحاضرة عند نزول القرآن المكي لتقرير قاعدة الحاكمية ( إن الحكم إلاّ لله )
    ولكن التشريع يشمل كل جوانب حياة البشر فهو يشمل :

    1- الشعائر التعبدية كالصلاة والحج ونحوها فهي تدخل تحت قاعدة التشريع ، فيُقبل فيها شرع الله وتحديده لهذه العبادات ، ويُرفض شرع سواه ، وإن كان هذا لا إشكال فيه نوعاً ما عند جاهلية اليوم

    2- الشرائع القانونية كحدود الجنايات من سرقة وقتل ونحوها ، والقوانين التي تنظم حياة البشر في تعاملاتهم فيما بينهم
    كل هذه يُقبل فيها شرع الله ويرفض ما سواه

    3- التوجيهات الأخلاقية كالأمر بمكارم الأخلاق من الصدق والعفاف والكرم ونحوها ، والنهي عن مساويها كالكذب والفجور والبخل والجبن
    فهذه أيضاً يجب أن يُقبل فيها أمر الله ويُرفض ماسواه
    فإن رفض أمر الله وردَّه هو الخروج عن عبودية الله والدخول في عبودية الهوى والأرباب الأخرى
    كمن يتمرد على أمر الله بالستروالعفاف ويصفه بأنه تخلف ورجعية ، وأن حرية المرأة في تحررها من كفن الحجاب !!

    وهذا يختلف عن العصيان في أمر الله ، فإن العاصي من يُخالف أمر الله ويقر بأن الله أمر بذلك ويقر بأنه عاصٍ مذنب مقصّر ، أمّا رد أمر الله فإنه كفر وإن كان في جزئية ، فإنها تنقض قاعدة العبودية ، ويدخل صاحبها في التكبر والتمرد على أمر الله

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : الإسلام الإستسلام لله بالتوحيد ، فمن استسلم لله ولغير الله كان مشركاً به ، ومن لم يستسلم لله كان مستكبراً عن عبادته ، وكلاهما كافر.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع