1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 5
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ذبيحة أهل الشرك اليوم


    بيـــن


    الإباحة والتحريم


    بسم الله الرحمن الرحيم:
    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم المبعوث رحمة للعالمين، محمد ابن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آلهِ وصحبه الطيبين، المختارين لنصرة هذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
    أتقدم إليك أخي القارئ بهذا البحث، فيما يخص (ذبيحة أهل الشرك التي ذكروا اسم عليها، ولم يقترفوا عند ذبحها شركا بالله)، وقد طال فيها الكلام، بين أهل التوحيد، وكثر الخلاف حولها، بل وقع العداء بينهم، رغم أن الخلاف موجود فيها قديماً بين السلف، كما ستقف عليه أخي القارئ في ثنايا هذا البحث، ولم يصل بهم الحد إلى ما وصلنا إليه نحن، فهذا يُرمى بالفسق، والآخر يُرمى بالكفر، والخروج من الدين، والذي حملني على أن أتقدم إليك أخي القارئ بهذا البحث، هو أنه نشأ خلاف بيني وبين بعض الإخوة في ما يخص الموضوع المذكور آنفاً، وكنت أظن أن ينتهي بنا المجلس إلى الاتفاق، أو على الأقل أن نتوصل إلى أن تبقى المسألة مسألة فقهية لا تضر بأصل الدين، لكن شاء الله تعالى أن يكون الأمر خلاف ذلك، فوقع حكم التكفير، رغم أن المسألة لا تتعلق بأصل الدين، ولو جاز لمن يحرم ذبيحة أهل الشرك، تكفير المخالف بحجة أنه استحل ما حرم الله، لجاز لمن يبيحها تكفير من يحرمها أيضا بحجة أنه حرم ما أحل الله، ولكن القضية كلها مسألة فرعية ليست من أصل الدين وقع فيها التأويل من هذا الطرف أو ذاك، وإلا لكفّر الفقهاء عبر الزمان بعضهم بعضا في كل مسألة اختلفوا فيها.
    ووصل الحد أيضا إلى ارتفاع الأصوات من كِل منا، فأحسست حينها بفقر في الأدب وسوء في الأخلاق، وإذا كان المسلم مأموراً شرعاً بالتخلق بالأخلاق الحميدة، فالداعية أولى بذلك، فأسوتنا في حمل أعباء الدعوة إلى الله تعالى، هو رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وقد علمه الله تعالى الحكمة في تبليغ دعوته فقال له:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).النحل/ 125.
    وقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم
    فقالت: "كان خلقه القرآن". رواه مسلم في صحيحه، من حديث قتادة. و وقد بُعث صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق:"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم:" إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ".، وفي رواية:"صَالِحَ الأَخْلاَقِ".، وفي رواية:" محاسن الأخلاق".وهو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره للطبراني عن جابر مرفوعاً: "إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال".، وعزاه الد يلمي لأحمد عن معاذ.،وقال الله تعالى في حقه:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
    هذا والله أسأل أن يرزقنا الحِكمة وحُسن الخُلق، فإننا أحوج ما نكون إليهما
    ..
    وقد كانت بداية هذا البحث، يوم السبت لخمس عشرة ليلة خلت من شهر شعبان:1438هــ . الموافق لـ: الثالث عشر من شهر ماي:2017م
    .

    وقبل ما ألج في المقصود لا يفوتني أن أقدم لك أخي القارئ بعض الآداب التي تتعلق بالمتحاورين، وعلى رأسها آداب النبي صلى الله عليه وسلم، مع عتبة بن ربيعة، ولعل البعض يتساءل فيقول: ما دخل موضوع الآداب هنا في موضوع ذبيحة أهل الشرك؟
    أقول: لقد ذكرتُ بعد قليل في مقدمة هذا البحث، أن سببه كان حوار ينقصه الأدب، ولذك أحببتُ أن نقدم لك أخي القارئ بالمناسبة، بعض هذه الآداب لعل الله ينفعنا بها جميعا
    : روى ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعة جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك، بأمر عظيم فرقت جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا الوليد أسمع ". حتى إذا فرغ عتبة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أفرغت يا أبا الوليد ؟." قال: نعم. قال: اسمع مني. قال: أفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم:( حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(4). حتى وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قوله تعالى:(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ). فصلت/ 13. فقام عتبة مذعورا، فوضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: أنشدك الله والرحم، وذلك مخافة أن يقع بهم ما وقع لعَادٍ وَثَمُودَ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. / أنظر مثلا سيرة ابن إسحاق، وسيرة بن هشام وغيرهما من السير.
    فكان من آداب النبي صلى الله عليه وسلم كما مربك أخي القارئ، أن يترك خصمه يتكلم حتى يفرغ من كلامه، ولم يقطع عليه كلامه، مع أنه كان يدعوه إلى الكفر، ثم يسأله أفرغت؟ ياله من آداب؟، هكذا يجب علينا أن نتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أدب الحوار، مع كل الناس مشركاً كان أو مسلماً
    .
    قال ابن عبد البر: ومن سوء الأدب في المجالسة أن تقطع على جليسك حديثه، وأن تبادره إلى تمام ما ابتدأ به منه خبراً كان أو شعراً تتم له البيت الذي بدأ به؛ تريه أنك أحفظ له منه، فهذا غاية في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلا منه. انتهى
    .
    وقال ابن جريج عن عطاء: إن الرجل ليحدِّثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد. انتهى
    . ومن سوء الآدب، القيام عن المتحدّث قبل أن يكمل حديثه فهذا من قلة الأدب، ومما ينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه، فهنا يجوز له، وفي نفس الوقت ينتفي المحذور.
    قال أبو مجلز: إذا جلس إليك رجل يَتَعَمَّدُك فلا تقم حتى تستأذنه. انتهى
    . وقال أسماء ابن خارجة: ما جلس إليَّ رجل إلا رأيت له الفضل عليَّ حتى يقوم عني. انتهى.
    ومن سوء الآدب أيضا في المجلس، المبادرة إلى تكذيب المتحدّث فمن الناس من إذا طرق سمعه كلامٌ غريب من متحدِّث ما بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحاً، أو تلميحاً، أو إشارةً باليد أو العين، وأن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب، فهذا العمل من الأمور المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة
    . فينبغي لمن استمع حديثاً من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستفصل من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته ثم إن تأكد من كذبه فلينصح له على انفراد؛ لئلا يعاود للكذب مرةً أخرى، فإن عاد إليه، واقتضت المصلحة أن يُبيَّن كذبه فلا بأس حينئذ من ذلك؛ حتى يتخلى عن تلك الخصلة الذميمة، ومن آداب الحوار، والمجلس أيضا، عدم الاستعجال بإصدار الأحكام، فمن المحاورين من يكون على عُجالة، فيصدر أحكامه في بداية حديثه، ويجهر برأيه الصريح في مستهل حواره، وهذا مما قد يسبب ردّ كلامه، والاعتراض عليه، والنفور منه ولو كان الحق معه. اننا نحتاج كثيرا لهذا الأدب في هذه الأيام، فالبعض منا يخرج من فمه كلمات مثل الحجارة تجرح المستمع، لا يكاد يسمعها، والمتكلم لا يقلي لها بالا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض". رواه البخاري.
    وقد ذكر لأحمد بن حنبل ما قاله حاتم الأصم لما سئل فقيل له: أنت رجل أعجمي وما ناظرك أحد إلا قطعته فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال: بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطاء، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوءه فقال: أحمد: ما أعقله من رجل
    . انتهى.أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا آمين.

    حكم ذبيحة أهل الشرك:

    القول بتحريم ذبيحة أهل الشرك، مما يبيعه الجزار ،أو ما يذبحه المشركون المنتسبون إلى الإسلام في يوم النحر، ليس عليه دليل من الكتاب ولا من السنة. قال الله تعالى:(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الأنعام / 145.
    وقال الله تعالى أيضا: (
    حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) المائدة / 3.
    وقال الله تعالى أيضا:( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)الأنعام/ 119. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الْهِسِنْجَانِيُّ، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل قال: نزل آدم بتحريم أربع: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم، عليه السلام، نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم عليه السلام وأحل لهم ما سوى ذلك فكذبوه وعصوه. انتهى.تفسير بن كثير سورة المائدة الآية /
    3.
    قال ابن كثير: أثره غريب. فقد تبين لنا من خلال هذه النصوص ما يجوز أكله من اللحم وما لا يجوز، ولم يتبين لنا أن ذبيحة أهل الشرك إن كانت للحم أوقر بانا لِلهِ مثلا حرام، وإنما تبين لنا أن ما ذبحه أهل الشرك لوثنهم أوذ كروا اسم غير الله عليه هو الذي لا يجوز، ولذلك جاء التفصيل في ذبيحة أهل الشرك فيما ذبحوه وأهلوا به لغير الله، ولم يأت التفصيل مثلا في شرب الخمر أو الزواج بالمشركين، بعد ما نزلت الآيات بتحريمهما، ولا يستقيم الفهم لو قلنا أن جميع ذبائح أهل الشرك محرمة إلا ما ذبحه أهل التوحيد، فذبيحة أهل التوحيد يجب أن تستثنى من ذبيحة جميع أهل الشرك لا من المحرمات، ولذلك أردف الله تعالى المحرمات بالمذبوحة على النصب، فاستثنى ما ذبحوه على النصب من المذبوحة المباحة أصلا، ولم يستثن ما ذبحه أهل الشرك مطلقا، بل ما ذبحوه على النصب، فما ذبحوه على النصب مستثنى من جملة ذبائح أهل الشرك، أي أن ذبائح أهل الشرك حلال إلا ما ذبحوه على النصب، فعندما نهى الله تعالى عن أكل ما أُهِلَّ لغيرِ اللَّهِ به، و ما ذبِح عَلَى النُّصُبِ، يفهم أن ما ذبحوه للحم وأهلوا به لله فهو جائز وحلال، وقد فهم البعض من قوله تعالى:( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) قالوا: وهذا الاستثناء يعود على ما ذبحه أهل التوحيد لا غير، وهوا دليل في المسألة.
    أقول: هذا غير مسلّم به، لأن الاستثناء هنا عائد على المحرمات المذكورة في الآية، أي ما أدركتموه حيا وذبحتموه هو الذي يجوز أكله، أما المنخنقة، والموقوذة والمتردية، والنطيحة، وما أكل السًبُعُ فهو حرام، وليس عائدا على الذابح أو المذكي، جاء في أحكام القرآن للجصاص: ولأنه لا خلاف أن سبعا لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردى شاة من جبل ولم يشف بها ذلك على الموت فذكاها صاحبها أن ذلك جائز مباح الأكل وكذلك النطيحة وما ذكر معها فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع المذكور. انتهى من أحكام القرآن / ج 3 ص 299.
    وجاء أيضا في تفسير الطبري قال: يعني جل ثناؤه يقول: "إلا ما ذكيتم" فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه من قوله: " وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع"ذكر من قال ذلك. حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "إلا ما ذكيتم"، يقول: ما أدركت ذكاته من هذا كله، يتحرك له ذنب، أو تطرف له عين، فاذبح واذكر اسم الله عليه، فهو حلال، أي هذا أدركت ذكاته فذكه وكل. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طرفت بعينها، أو ضربت بذنبها. حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: "إلا ما ذكيتم"، من هذا كله. فإذا وجدتها تطرف عينها، أو تحرك أذنها من هذا كله، فهي لك حلال. حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم وعباد قالا أخبرنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها. حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا معمر، عن إبراهيم قال: إذا أكل السبع من الصيد، أو الوقيذة أو النطيحة أو المتردية، فأدركت ذكاته، فكل. قلتُ: هذا من جهة ،ومن جهة أخرى فصاحب الشاة لا يشترط بالضرورة أن يكون من أهل التوحيد، ومن هنا نفهم أن الضمير عائد على جميع الناس مسلمهم، وكافرهم، لأن أهل الشرك لم يجيز الله لهم أيضا شُرب الخمر مثلا أو أكل الميتة، أو ما أكل السبع، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة، ثم خلصوها منه أكلوها، وإن ماتت، ولم يذكوها، ومن أجل ذلك نزل قول الله تعالى في تعداد المحرمات واحدة تلوى الأخرى، إلى أن وصل إلى قوله: ( وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ)،فعند ما قال الله تعالى:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)إلى قوله:( وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) لا يُفهم أنه مقتصر على أهل التوحيد دون غيرهم من أهل الشرك، فانتهاك حُرمات الله حرام على جميع الناس، إلا ما دعت إليه الضرورة، فالنهي عن مثل هذه المحرمات، يشمل جميع الناس مسلمهم ومشركهم، لأن الله تعالى لم يجيز لأحد من الناس أن ينتهك حرماته، سواء كان من اهل التوحيد، أو من غيرهم، قال ابن جرير الطبري: أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدون "الميتة" من الحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردي والانتطاح وفرس السبع. فأعلمهم الله أن حكم ذلك، حكم ما مات من العلل العارضة، وأن العلة الموجبة تحريم الميتة، ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به. انتهى. من تفسير الطبري جزء / 9 ص:507.
    وقال أيضا: حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: "
    والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، يقول: هذا حرام، لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدونه ميتا، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. فحرمه الله عليهم، إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح. انتهى. من المصدر السابق ص:507.
    ومما يؤيد هذا المعنى، أيضا أن العرب من قريش كانوا يطوفون بالبيت عُراة، فأنزل فيمن كان يطوف بالبيت عريانًا:(
    يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) إلَى آخر الآية. قال أبو جعفر الطبري: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرَّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرِّمه الله عليهم من حلال رزقه، تبرُّرًا عند نفسه لربه:(يا بني آدم خذوا زينتكم)، من الكساء واللباس: (عند كل مسجد وكلوا)، من طيبات ما رزقتكم، وحللته لكم: (واشربوا)، من حلال الأشربة، ولا تحرِّموا إلا ما حَرَّمْتُ عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك. حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة: وقال في موضع آخر: بغير ثياب: إلا أن تجعل المرأة على فرجها خِرقة، فيما وُصِف إن شاء الله، وتقول: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ قال: فنزلت هذه الآية:(خذوا زينتكم عند كل مسجد). انتهى. من تفسير ابن جرير الطبري. جزء / 12 ص: 389. ونزلت ـــ (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) ـــ الآيتان. رواه مسلم . وقد ثبت في الصحيح أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :َ "لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".، وقد روى أيضا: عن سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يوم الحج الأكبر، أن لا يطوف أحد بالبيت عريانا فَنُودِيَ بِهَا فِي الموسم. فنهاهم الله تعالى عن مثل هذا النوع من الحرام، كما نهانا أيضا نحن أهل التوحيد، رغم أنهم أهل شركِ وكفر، ولا يقال ربما كان أهل التوحيد يطوفون عُراة أيضا.
    أقول: هذا لم يفعله أبدا ولا واحد من الصحابة، ومما يؤيد هذا المعنى أيضا، قول الله تعالى:(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام الآية/138. فقد عاب الله تعالى على هؤلاء المشركين، في أنعام ذبحت على الأصنام، فإنها التي لا يذكرون اسم الله تعالى عليها، وإنما يذكرون عليها اسم الأصنام، ويمنعون أن يذكر اسم الله على بعضها عند الذبح، أو الركوب، أو لا يركبونها في الحج، لأن فيه ذكر اسم الله مع زعمهم، بأن هذا كله قد أمرهم الله به، والأنعام تشمل الإبل، والبقر، والغنم، ويضاف إليها الوحشي منها، كالبقر الوحشي، والحمر الوحشية إلخ. فتحريم الخمر مثلا لم يختص بها أهل التوحيد فقط، بل حرمها على كل الناس كافرهم ومسلمهم.
    واستدل البعض أيضا بقول الله تعالى:(
    الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)، وقالوا: أن الآية دليل أيضا في المسألة، لأنها استثنت أهل الكتاب بجواز أكل ذبائحهم، من دون غيرهم، من عبدة الأوثان.
    أقول: جاء في تفسير القرآن العظيم: وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس. انتهى. من تفسير ابن كثير./ج 3 ص: 41.
    فالعلة هنا في تحليل أكل ذبائح أهل الكتاب من قبلنا، هي فيما ذكروا اسم الله عليه، وإلا بقيت على أصلها وهو التحريم، قال تعالى
    :( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) .
    قال: حنبل سمعت أبا عبد الله قال: لا بأس بذبيحة أهل الكتاب إذا أهلوا لله وسموا عليه قال تعالى:(
    وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) إلى أن يقول: وأهل الكتاب يسمون على ذبائحهم أحب إلي. انتهى./أحكام أهل الذمة ــ الجزء الأول ص 282. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكرو اسم الله عليه. انتهى.
    فمن لم يذكر اسم الله على ذبيحته فهي حرام، سواء كان الذابح من أهل الكتاب، أو كان من أهل التوحيد، أو كان من غيرهما، جاء في أحكام أهل الذمة أيضا: وأما قولهم أن التسمية شرط في الحل فلعمر الله إنها لشرط بكتاب الله وسنة رسوله وأهل الكتاب وغيرهم فيها سواء فلا يؤكل متروك التسمية سواء ذبحه مسلم أو كتابي لبضعة عشر دليلا مذكورة في غير هذا الموضع. انتهى/ أحكام أهل الذمة: الجزء الثاني ص807.

    هذا وإن قلتم: أن آية الأنعام التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى:( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). منسوخة بآية المائدة، كما جاء في بعض الأثر عن مكحول، نقول: جاء في تحقيق التحقيق في أحاديث التعليق: وفي هذا الذي قاله مكحول نظر فإنه لا يلزم من إباحة طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله علي ذبائحهم وفي آنيتهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك من شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم بخلاف أهل الكتابين، ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء. انتهى./ المصدر السابق جزء/ 3 / ص: 222. ولذلك فإن الآية مازالت محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص فقد عمل بها أهل التوحيد منذ نزولها إلى يومنا هذا. وأيضا فأين نهانا الله إذاً عن أكل اللحم إذا لم يذكر اسمه عليه؟ فإن قلتم: أمرنا في آيتين من سورة الأنعام: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). وقوله أيضا:(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، والآيتان فيهما أمر، والأمر هنا يفيد الوجوب.
    نقول:
    نعم الأمر يفيد الوجوب، لكن هذا في حالة وجود ذبائح أخرى يذكرون عليها اسم غير الله، فمفهوم الآية، عندكم، وعلى حد قولكم، هو لا تأكلوا مما أهِل به لغير الله، وما ذبح على النصب فقط، أما ما دونهما، وإن لم يسم عليها فهو جائز وحلال لأن الآية عندكم منسوخة، وحكمها رُفع، وإن قلتم: أمرنا الله أيضا في سورة المائدة:( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ).نقول: هذه الآية جاءت لتعليم الناس أحكام الصيد، لأن الله تعالى ما فرط في الكتاب من شيء: حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي، عن عديّ قوله: "فكلوا مما أمسكن عليكمقال: قلت يا رسول الله، إن أرضي أرضُ صيد؟ قال:" إذا أرسلت كلبك وسميت، فكل مما أمسك عليك كلبُك وإن قتل. فإن أكل فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه". أخرجه البخاري في صحيحه، ورواه أحمد في مسنده.
    وأيضا إذا كانت الآية منسوخة، فما فائدة سؤال قوم للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن قَومنَا يأتوننا بلحمان لَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهَا أم لم يذكرُا أنأكل مِنْهَا أم لَا "؟ رَوَاهُ البُخَارِيّ.
    وما فائدة أيضا اختلاف السلف في المسلم إذا ترك التسمية ناسيا، ولم يتركها عمدا؟ لأن هناك خلاف بين علماء السلف في المسلم إذا تركها ناسيا، وأكثرهم يجيزها، بخلاف من تركها عمدا فإنهم يحرمونها مستدلين بقول الله تعالى
    :( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).
    والقول بأن قول الله تعالى:(
    الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) نزل لتأسيس حكم جديد، لا دليل عليه أصلا ،فالآية نزلت لتأكيد حكم ثابت أصلا وأمر معلوم مسبقا كان ومازال هو الأصل، ولم تنزل لتأسيس حكم جديد، فهذا المعنى أبعد ما يكون عن معناه الحقيقي وإلا متى كانت الطيبات، وطعامنا حرام؟ والدليل بأن ذبيحة أهل الكتاب كانت حلال قبل نزول الآية، هوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة في غزوة خيبر، وهي في شهر محرم من السنة السابعة قبل نزول سورة المائدة، وسورة المائدة، نزلت في السنة العاشرة من الهجرة، في حجة الوداع على ما ذكره الزمخشري في تفسيره لسورة المائدة : وقيل : أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ( يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم. قال جبير بن نفير: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت: "هل تقرأ سورة" المائدةفقلت: نعم، فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه". أخرجه الْحَاكِم من طَرِيق جُبَير بن مُغيرَة. هَكَذَا ذكره مَوْقُوفا قَالَ: الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَابْن حجر: لم نقف عَلَيْهِ مَرْفُوعا. وسورة المائدة، نزلت جميعا في حجة الوداع من السنة العاشرة، كما ذكرنا من قبل، والدليل هوما جاء عن أسماء بنت يزيد قالت: "نزلت "سورة المائدة" جميعًا، وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء. قالت: فكادت من ثقلها أن يُدَقَّ عضد الناقة، وفي رواية إن كادت من ثقلها لتكسر الناقة". رواه أحمد والطبري
    .

    يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــع


  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 5
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    الإجماع المُدعى:
    الاحتجاج بالإجماع المنعقد على مسألة ما ليس دليل شرعي ؟
    قال الله - تعالى:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الحشر/ 7، فلا يجوز شرعا أن نأتي في الدين بقول أو فعل غير قول أو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأن قوله وفعله حكم شرعي، وقد يغيب عن المسلم فهم الآية والحديث، حينها يجوز له أن يستعين بفهم العلماء للآية والحديث، كالصحابة مثلا وغيرهم، أما الاستدلال بقول الصحابة أو التابعين وهم علماء أيضا بدلًا من الكتاب والسنة، فهذا الذي لا يجوز أصلا، ولا يعد هذا طعنًا في الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من العلماء، والصحابة هم أسوتنا في الخير، وهم خير القرون كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم المبشرين بالجنة، لكن أن نقدمهم على الكتاب والسنة، ونجعلهم دليلا ثالثا بعدهما، فهذا هو المحظور الذي نُهينا عنه شرعا، أي لا نقدم قول كائن من كان بين يدي الله ورسوله، قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). /الحجرات 1.
    ولا نكون كالمشركين الذين يحتجون علينا، دوما بعلمائهم بدلا من الكتاب والسنة، ويقولون هم الذين أوصلوا لنا هذا الدين، وهم أعلم منا به، ولا يجوز تخطئتهم لأنهم علماء حملة هذا الدين، فنحاول نحن معشر أهل التوحيد أن نبتعد عن مثل هذه التصورات الخاطئة، ولا نتعب أنفسنا في اتباع العلماء بغير دليل، ومن احتجّ بالعلماء كائنا من كانوا، وجعلهم دليلا بعد الكتاب والسنة لم يأت بحجّة أصلا، لأن عقيدة التوحيد هي التي تلزمنا عند الاختلاف بالرجوع إلى الكتاب والسنة دون غيرهما، قال الله تعالى:(
    فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرُ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء/ 59. وقال أيضا قبلها:( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) النساء/ 59.
    فقد تبين من هذه الآية أن طاعة الله ورسوله مطلقة، لأنه قال في آية أخرى:(
    مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) النساء/ 80. وهذه الأخيرة جعلها الله تعالى للمعصوم فقط ،وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك لأحد غيره، وقيّد طاعة أولي الأمر سواء كانوا علماء أو حكاما بطاعتهم الله ورسوله، ولم يجعلها لهم مطلقة لأنهم غير معصومين.
    وقال تعالى أيضا في آية أخرى:(
    ا تَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) الأعراف / 3. جاء في تفسيرها: ثم قال تعالى مخاطبًا للعالم: ( اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كلّ شيء ومليكه، ( وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. انتهى./ تفسير ابن كثير. وعند الطبري: ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، ولا تتبعوا شيئًا من دونه يعني: شيئًا غير ما أنزل إليكم ربكم. انتهى.
    وجاء في فتح الرحمن في تفسير القرآن: وقيل لهم:(
    اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يعمُّ القرآنَ والسنَّةَ؛ لقولهِ تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). النجم:/ 3، 4 (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ) أي: دونِ اللهِ (أَوْلِيَاءَ) تطيعونهم في معصيةِ اللهِ. وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ الذِينَ تُنْذِرُهُمْ : اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَهُوَ وَحْدَهُ الذِي لَهُ الحَقُّ فِي شَرْعِ الدِّينِ لَكُمْ ، وَفَرْضِ العِبَادَاتِ عَلَيْكُمْ وَتَحْلِيلِ مَا يَنْفَعُكُمْ ، وَتَحْرِيمِ مَا يَضُرُّكُمْ ، لأَنَّهُ العَلِيمُ بِمَا فِيهِ الفَائِدَةُ أَوِ الضَّرَرُ لَكُمْ ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الشَّيَاطِينِ الذِينَ يُوَسْوِسُونَ إِلَيْكُمْ ، أَوْلِيَاءَ تُوَلُّونَهُمْ أُمُورَكُمْ ، وَتُطِيعُونَهُمْ فِيمَا يَرُومُونَ مِنْكُمْ مِنْ ضَلاَلِ التَّقَالِيدِ، وَالابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ. وَقَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ هُمُ الذِينَ يَتَذَكَّرُونَ وَيَتَّعِظُونَ ( أَوْ قَلِيلاً مَا تَتَّعِظُونَ بِمَا تُوعَظُونَ بِهِ).انتهى. أيسر التفاسير لأسعد حمود/ح1ص958.
    فعلى أية حال الآية عامة، ومطلقة في جميع الناس ولا يجوز لأي أحد أن يدخل فيها أناسا، أو يخرج منها آخرين، والقول بالرجوع إلى أسباب نزول الآية لا معنى له، فالحكم الذي نزلت الآية من أجله وبسببه ليس خاصاً بهذا الذي حصل منه السبب، وإنما هو عام، ولهذا فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحكم وإن كان سببه قصة معينة فإنه تشريع لأهل التوحيد، ولا يختص الحكم بأحد إلا إذا جاء ما يدل على اختصاصه به، مثل خزيمة بن ثابت الذي شهادته تعدل شهادة رجلين، وكذلك الذي ضحى قبل الصلاة ثم رخص له بالعناق
    وقال: "إنها لن تجزي عن أحد بعدك"، فإذا جاء شيء يدل على تخصيصه دل على تخصيصه، وإلا فإن الأصل هو تعميم الحكم، ولهذا فإن خطاب الله وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد هو خطاب للأمة كلها، ولا يختص به الحكم إلا إذا وجد ما يدل على الاختصاص.
    ثم إنهم قالوا أن الإجماع حجة في هذه المسألة، بعد أن لم يجدوا دليلا من الكتاب والسنة، لكنهم استدلوا ببعض أقوال الصحابة رضي الله عنهم، وعلماء التابعين في المجوس على عدم جواز أكل ذبائحهم ، وأطردوها إلى غيرهم، مع أن هذه الأقوال كلها في المجوس، وكأن الصحابة أو التابعين لا يعرفون من أهل الشرك إلا المجوس، وهذه أسماء من كره ذبائح المجوس من الصحابة نقلوها فقالوا:(وكره ذبائحهم ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس وابن مسعود وعن عبد الله ابن يزيد الخطمي وعن علي وجابر ابن عبد الله وعن أبي برزة وروي عن الحسن ابن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس لا تؤكل لهم ذبيحة).انتهى.،
    وقالو أيضا:(
    ـــ قلتفهؤلاء ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم القضاة والمفتون من بعده رضي الله عنهم كرهواـــ وهي للتحريم هنا إلى أن يقولوا: ولا يعلم لهم مخالف فهو إجماع لا يجوز مخالفته ولا تعديه).
    أقول: لو أنصفتم لقلتم لا يعلم لهم مخالف ولا موافق، فلا يوجد إجماع أصلا، ولو كان هناك إجماع لا يجوز مخالفته ولا تعديه كما تقولون، لم يختلف الصحابة وعلماء القرون الأولى في ما أهل لغير الله به وذكر اسم غيره عليه، لكن لما كان الإجماع عندهم ليس بدليل يلزمهم بالرجوع إليه وقع بينهم الخلاف أكثر مما وقعنا فيه، فبعضهم جوّز ذبيحة المجوسي وذبيحة أهل الكتاب إذا أهلوا لغير الله بها كما ستقف عليه أخي القري في ما بعد إن شاء الله، ولم نسمع أن أحدا منهم كفر أخاه بحجة أنه خالف الإجماع كما تفعلون، ثم ماهو الدليل بأن ستة من الصحابة إذا اتفقوا انعقد الإجماع الذي لا يجوز مخالفته على حد قولكم؟ مع أن عدد الصحابة ما يقارب مائة وأربعا وعشرين ألفا أو أكثر، هذ إذا سلمنا أن هؤلاء اتفقوا حقا في مسألة واحدة، مع العلم أنني لم أقف على اتفاق هؤلاء الستة، وإنما كل ما في الأمر هي أقوال متفرقة للعلماء، وقد صار الإجماع يروى من حين إلى آخر حتى في زماننا هذا.
    واستدلوا أيضا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس على عدم جواز أكل ذبائحهم، وهذا لفظهم فيه:
    وروي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس لا تؤكل لهم ذبيحة . انتهى. و
    الحديث بطوله هو: "
    أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْمَشَّاطُ قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِىٍّ الذهلي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ مِنْهُ وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ عَلَى أَنْ لاَ تُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ وَلاَ تُنْكَحُ لَهُمُ امْرَأَةٌ". رواه ابن أبي شيبه والبيهقي، وقال في السنن الكبرى والصغرى هَذَا مُرْسَلٌ وَإِجْمَاعُ أَكْثَرِ الأُمَّةِ عَلَيْهِ يُؤَكِّدُهُ. انتهى.
    أقول: إن صح الحديث فهو خاص في المجوس لا في عامة الناس من أهل الشرك، لأنهم يأكلون الميتة ويهلون بذبائحهم إلى غير الله، وهنا ألفت انتباه القارئ الكريم أن كل ما نُقل بتحريم الذبائح سواء كان من الصحابة أو التابعين أو حتى من النبي صلى الله عليه وسلم فهو في المجوس لا في عامة أهل الشرك، والمخالفون يعممون هذه الأُقوال الخاصة في المجوس ويجعلونها في عامة الناس من أهل الشرك، وكأن المجوس هم فقط من يعمرون الدنيا شرقاً وغرباً لا يوجد فيها سواهم من أهل الشرك الآخرين، وهذا يدل دلالة واضحة أن أي حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أو قول من أقوال الصحابة رضي الله عنهم أو التابعين، هو خاص في من جاء فيهم، لأنهم يعرفون واقعهم، ويعرفون واقع من دونهم من أهل الشرك، ولذلك صبت الأدلة والأقوال في المجوس لا في غيرهم، والفتوى تقع حسب واقع الناس والزمان، كما لا يخفى عليك أخي القارئ، ولذلك لم يرد أي نهي عن أكل ذبائح عبّاد الأصنام من العرب رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بينهم إلا ما كان ميتة أو ذبح على النصب، والكلام عن المجوس يجرنا للفائدة إلى أن نلقي عليهم نظرة شاملة مختصرة من خلال تفاسير بعض الصحابة والتابعين وغيرهم، لبعض الآيات آتية الذكر. قال الله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ). الحج/17.
    قال قتادة: الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون للقبلة، ويقرؤون الزبور. والمجوس: يعبدون الشمس والقمر والنيران. والذين أشركوا: يعبدون الأوثان. والأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. انتهى
    .
    وجاء في بعض التفا سير عند قول الله تعالى:(وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) قيل : هم: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت ، فلما حرمهن الله قالوا : فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنا ت الأخ والأخت./ النيسابوري. وجاء في مصنف عبد الرزاق عن علي ابن أبي طالب: شرب أمير المجوس الخمر فوقع على أخته فرآه نفر من المسلمين فلما أصبح قالت أخته إنك قد صنعت بها كذا وكذا وقد رآك نفر لا يسترون عليك فدعا أهل الطمع فأعطاهم ثم قال لهم قد علمتم أن آدم أنكح بنيه بناته فجاء أولئك الذين رأوه فقالوا ويلا للأبعد إن في ظهرك حدا فقتلهم وهم الذين كانوا عنده ثم جاءت امرأة فقالت له بلى قد رأيتك فقال لها ويحك لبغي بني فلان قالت أجل والله لقد كنت بغية ثم تبت فقتلها ثم أسري على ما في قلوبهم وعلى كتبهم فلم يصبح عندهم شيء. انتهى. من مصنف عبد الرزاق لأبي بكر الصنعاني جزء / 10 / ص:327. باب هل يقاتل أهل الشرك حتى يؤمنوا. وأنظر التمهيد لما في الموطأ من معاني الحديث السادس جزء / 2 / ص:120.
    وقال الله تعالى
    :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) النساء / 27. قال في التفسير الكبير : هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زراد شت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي ، ثم عرّب فقيل زنديق ، ثم جمع فقيل زنادقة ، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان ، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا. انتهى. والعلماء لم يجيزوا ذكاتهم، وهذا من باب الحيطة والحذر لأنهم غير مؤتمنين، فهم يأكلون الميتة ويهلون بذبائحهم لغير الله، ولا يذكرون اسم الله عليها، قال حيوة بن شريح، حينما سأل عقبة بن مسلم التجيبي أو قيس بن رافع الأشجعي: فقلت: أرأيت قول الله:(وما أهل لغير الله به).فقال: إنما ذلك المجوس. انتهى./ أحكام أهل الذمة / الجزء/1ص514.، رغم ذلك قد أجازها بعضهم.
    وأيضا فقد أجاز بعض من علماء التابعين للمسلم أن يأمر المجوسي بالذبح والتسمية، كما ذكر ابن حزم في المحلى: / 7/456. "عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل مريض أمر مجوسيا أن يذبح ويُسمّي، ففعل ذلك، فقال سعيد بن المسيب: لا بأس بذلك"، وهو قول قتادة وأبي ثور، وفي رواية زاد أبو ثور: وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس. انتهى
    .
    ولما أجازها سعيد بن المسيب، وقتادة، وأبو ثور، اشترطوا أن يذكر المجوسي اسم الله على ذبيحته، وإلا فهي حرام كسائر ذبائح من لا يذكرون اسم الله عليها من اليهود، والنصارى، وحتى أهل التوحيد، إذا لم يذكروا اسم الله عليها، فأمروه بالذبح مقرونا بالتسمية ،لأن العلة هي ذكر اسم الله، واختلف العلماء في المرتد إلى دين اليهود والنصارى، فأكثرهم يحرم ذبيحته وأجازها إسحاق والأوزاعي، كما ذكر ابن قدامة في المغني: /19/444
    .
    وقد حدث الخلاف في زمن الصحابة والتابعين أكثر من ذلك، وهو القول بجواز ما ذبحه أهل الكتاب وأهلوا به لغير الله كما جاء عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وعطاء والشعبي والليث والأوزاعي ومكحول
    . أخرج الطبري في تفسيره لسورة المائدة: حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني معاوية، عن أبي الزاهرية حدير بن كريب، عن أبي الأسود، عن عُمَير بن الأسود: أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها "جرجس"، أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا! إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم! وأمره بأكله. انتهى.
    وتحريم ما ذبح للكنائس أمر معلوم من قول الله تعالى: (
    حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ). إلى قوله:( وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب).
    وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وقالوا إن الله تعالى قد أباح أكل ذبائحهم مع علمه بأنهم يهلون باسم المسيح على ذبائحهم وهو مذهب الأوزاعي والليث بن سعد أيضا، ورخص فى ذلك أيضا آخرون، روى ذلك عن عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وقال عطاء والشعبي: قد أحل الله ما أهل به لغير الله؛ لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا القول وأحل ذبائحهم، وإليه ذهب الليث وفقهاء أهل الشام: مكحول، وسعيد بن عبد العزيز، والأوزاعي قالوا: سواء سمى المسيح على ذبيحته، أو ذبح لعيد أو كنيسة، كل ذلك حلال. انتهى.

    أقول:
    رغم اختلافهم البين والوارد بينهم فيما أهل به لغير الله، وفيما أجازوه من ذبائح المجوس، وذبيحة المرتد إلى دين اليهود والنصارى، لم يكفر بعضهم بعضا، بل ولم يفسق أو يبدع بعضهم بعضا، لأن هناك وجها للتأويل، هذا ولتعلم أخي القارئ أن دعوى الإجماع غير ثابتة بغض النظر عن أنه ليس دليلا أصلا، فالدليل أو الحجة هما كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فقط، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ". أخرجه: ابن ماجة، والحاكم في المستدرك، من حديث العرباض بن سارية. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته الشهيرة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:" من كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت وإن الله قد قدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا فإن الله عز وجل قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر". انتهى. إلخ خطبته رضي الله عنه.
    فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول للمسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلف فيهم، كتاب الله وسنته، لا ثالث لهما، رغم أنهم كانوا أقرب إلى الإجماع في سائر شؤون أمورهم، ولوكان الإجماع حجة لما سكت عنه أبو بكر رضي الله عنه أثنا خطبته، لأنهم في حاجة إلى دليل يجمعهم، كيف لا وقد فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحث المسلمين، على التمسك بالكتاب والسنة ولم يزد في وصيته شيئا عليهما، كما حثهم النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله: من ادعى الاجماع فهو كذب لعل الناس قد اختلفوا. انتهى.
    ولم يقل أحد أن أحمد قد كفر. وأما استدلالهم بقول الله تعالى:( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/115.
    أقول: لا حجّة لكم في هذه الآية على لأن الإجماع الذي تعتبرونه دليلا ثالثا بعد الكتاب والسنة، فالآية تتكلم على من نصب العداء والمحاربة للنبي صلى الله عليه وسلم، وترك دين التوحيد وأهله بعد ما تبين له الحق، وترك سبيل المؤمنين وهم أهل التوحيد جميعا من آدم إلى يومنا هذا، ومشاققة الرسول هي الإتباع لغير سبيل المؤمنين، وهي كفر في حد ذاتها، والآية نزلت فيمن خالف دعوة التوحيد وتركه إلى دين آخر، وهم الخائنون الذين ذكرهم الله في قوله: (ولا تكن للخائنين خصيمًا )، لما أبى التوبة من أبى منهم، وهو طعمة بن الأبيرق، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدًّا، مفارقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه.
    وأيضا فهذه الآية تفسرها الآية الأخرى من سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ)/محمد 32. جاء في تفسير الطبري: يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن دينه الذي ابتعث به رسله (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) يقول: وخالفوا رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فحاربوه وآذَوه من بعد ما علموا أنه نبيّ مبعوث، ورسول مرسل، وعرفوا الطريق الواضح بمعرفته، وأنه لِلهِ رسول. انتهى. وأما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ ". رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والحاكم وابن حبّان والترمذي.
    أقول:
    فهذا الحديث مقيد بالخلفاء دون غيرهم من الصحابة، ثم أن النبي صلى الله عيله وسلم لم يجعلهم حجّة علينا بعده، فأمرنا باتباعهم فيما فعلوه من الخير لا فيما أخطأوا فيه، لأنهم غير معصومين، روي أن عمر قال على المنبر: "ألا لا تغالوا في مهور نسائكم" فقامت امرأة فقالت يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنعنا؟،وتلت الآية. فقال كل الناس أفقه منك يا عمر وفي رواية امرأة أصابت وأمير أخطأ ورجع عن ذلك. وقال أيضا لما خالف الصحابة أبا بكر رضي الله عنهم، في واقعة المرتدين مانعي الزكاة: " فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق"، وكان الصديق رضي الله عنه يحمل أدلة كافية على قتالهم، وتلى عليه الآية والحديث:(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ):،و"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وقد حصل لعمر أولاً شبهة في قتالهم بنفس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ناظره الصديق، وبين له وجوب قتالهم، وأفهمه فقه الحديث، وقال له: والزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ لقاتلتهم على منعها. فرجع إليه عمر وترك ما كان عليه، وهذا يدل دلالة واضحة أن عمر أخطأ في فهم النص، لأنه غير معصوم، وأن الحق كان مع أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين، والقصة مشهورة في الصحيحين وغيرهما من كُتب أهل السير فلتراجع هُناك.
    وأما استدلالهم بما جاء في الأثر: حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ:" فِي الرَّجُلِ يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ، قَالَ: لا بَأْسَ بِهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) ؟ قَالَ: "إِنَّمَا ذَبَحْتَ بِدِينِكَ". انتهى. على أنه يشترط دين الذابح. أقول: فهذه الفتوى حتى ولو افترضنا أن صاحبها يقصد ما تقصدون ليست بدليل، وصاحب الفتوى قد يصيب وقد يخطئ كما أخطأ مثلا أبو الدرداء رضي الله عنه، حينما سألوه عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها "جرجس"، أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا! إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم! وأمرهُ بأكله. ثم أن الاستدلال بهذه الفتوى، على اشتراط دين الذابح، وما هي إلا دليل على عدم وجود الدليل الشرعي من الكتاب والسنة الذي نطالب به من خالفنا، ولو أخذنا بفهمكم لها لحرمنا ذبائح أهل الكتاب لأنهم ليسوا على ديننا وقد وردت فِي الرَّجُلِ المسلم أصلا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ، وهذا لا حرج فيه، فقد ثبت في صحيح البخاري: عن عائشة رضي الله عنها أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا - حديث عهدهم بكفر- بلحماني لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: "سَمّوا الله أنتم وكلوا."، وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها أيضا، " أَن قوما قَالُوا يَا رَسُول الله إِن قَومنَا حَدِيث عهد بجاهلية يأتوننا بلحماني لَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهَا أم لم يذكرُوا أنأكل مِنْهَا أم لَا ؟ فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم :"اذْكروا اسْم الله وكلوا". رَوَاهُ البُخَارِيّ.
    هذا، وقد وجِد اختلاف بين السلف كبير في من ترك التسمية ناسيا كما ذكرنا من قبل، وقد أجازها منهم ما يقارب خمسة وعشرين أو أكثر، وابن أبي حاتم ذكر هذا الأثر.
    ثم أن رواية "كهيل ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ" هذه تفرد بها ابن أبي حاتم في تفسيره ، ولم توجد في الكتب الأخرى أصلا، وابن أبي حاتم ذكر هذا الأثر عند تفسيره لقوله تعلى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).، وذكر أثر آخر عن ابن عباس في الميتة، لا فيما "ذَبَحْتَ بِدِينِكَ" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية :(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) قال: "هي الميتة. " تفسير ابن أبي حاتم. الجزء /5ص 371، هذا مما يعني أنه لا يوجد دليل أصلا، وإنما كل ما في الأمر هي آثار، وتأويلات للمفسرين فقط، ومن جعلهم دليلا ثالثا بعد الكتاب والسنة، فقد يُخشى عليه أنه قدم بين يدي الله ورسوله، والعياذ بالله، قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). الْحُجُرَاتِ/ الآية 1.
    ثم إن مخالفينا، مرةً يستدلون علينا بقول الله تعالى من سورة المائدة: (إِلَّامَاذَكَّيْتُمْ).، ومرةً بقول الله أيضا من نفس السورة:(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)، ومرةً بالإجماع، ومرةً بالأثر، وكأنها أدلة مقنعة حسب فهمهم لها، ولو كانت هذه الاستدلالات في محلها، لما وجِد الخلاف بيننا وبينهم أبداً، لأنه يكفينا دليل واحد، ونسلم الأمر لِلِه وانتهى، لكن لما كانت هذه الاستدلالات في غير محلها، والبعض منها ليست بدليل أصلا، مازلنا نطالبهم أن يقدموا لنا دليلا واحدا فقط من الكتاب أو السنة على قولهم.
    حكم نصارى بني تغلب:
    الثابت عنهم أنهم من أهل الكتاب كما ستقف عليه أخي القارء إن شاء الله وقدر.
    وأما استدلالهم بقول علي رضي الله عنه في ذبائح نصارى بني تغلب فمردود أيضا من وجوه:

    أولا:
    أن علي رضي الله عنه لم يجزم بتحريم ذبائح نصارى بني تغلب، في احدى الروايات وإنما كان يكره ذبائحهم، وهذا ما صرح به ابن أبي شيبة فِي مُصَنفه فِي كتاب النِّكَاح ثَنَا عَبدة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن أبي معشر عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلّي أَنه كَانَ يكره ذَبَائِح نَصَارَى بني تغلب وَنِسَائِهِمْ وَيَقُول هم من الْعَرَب. انْتَهَى. وَفِي لفظ كره ذَبَائِح نَصَارَى الْعَرَب وَنِسَائِهِمْ. انتهى.
    ثانيا:
    أن قول علي رضي الله عنه في ذلك بكراهية ذبائح نصارى بني تغلب ليس من جهة أنهم من غير أهل الكتاب وإنما من قِبل أنهم غير متمسكين بأحكام تلك الشريعة التي تحرم الميتة لأنه قال "إنهم لا يتعلقون من دينهم إلا بشرب الخمر" ، مما يعني أنهم لا يتورعون عن أكل الميتة مثل المجوس وغيرهم من عبّاد الأوثان أو المسلم الذي يأكل الميتة، ولم يقل لأنهم ليسوا من أهل الكتاب.
    فقول من قال إن بني تغلب لا يكونون من أهل الكتاب لأنهم لا يتمسكون من دينهم إلا بشرب الخمر وضمهم إلى أهل الشرك عبدة الأوثان، قول لا حجة فيه وهو مردود، وعلي نفسه رضي الله عنه صرح في احدى الروايات أن بني تغلب من النصارى،:
    عن ابن التيمي عن أبي عوانة عن الكلبي عن الأصبغ بن نباتة عن علي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه و سلم حين صالح نصارى بني تغلب على أن لا ينصروا الأبناء فإن فعلوا فلا عهد لهم". انتهى. الأستذكار لأبو عمر النمري باب جزية أهل الكتاب والمجوس. الجزء / 3 ص:250.
    وفي احدى الروايات أن علي أجزم صراحة بعدم جواز أكل ذبائح نصارى بني تغلب: رَوَىُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده أخبرنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِح نَصَارَى بني تغلب فَإِنَّهُم لم يَتَمَسَّكُوا من نَصْرَانِيَّتِهِمْ إِلَّا بِشرب الْخمر. انْتَهَى.
    فهذه الرواية فيها تصريح جازم من علي رضي الله عنه بعدم جواز اكل ذبائح بني تغلب، وإن كان في الرواية انْقِطَاعًا بَين إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعلي، لكن المنقول عَن كثيرٍ مِن الصحابة خِلاف ذلك، قال ابن أَبي شيبةَ: نَا عَفَّانُ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ : "كُلُوا ذَبَائِحَ بَنِي تغلب، وَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول:(
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَّارِ ي أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إلَّا بِالْوِلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ. انتهى.
    وقال البخاري: قال الزهِري: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ وَإِنْ سَمِعْته يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَك وَعُلِمَ كُفْرُهُمْ. انْتَهَى. وَصَلَهُ عَبْدُ الرزاق 6/73، رقم 10037
    .
    ثالثا: أن بني تغلب من أهل الكتاب لأنهم ينتحلون نحلتهم في ولايتهم وإن لم يكونوا متمسكين بجميع شرائعهم بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم الآتي عن ابن عباس، وقال الله تعالى:( ومن يتولهم منكم فإنه منهم).
    فجعل الله تعالى من يتولى قوما فهو منهم أي في حكمهم ولذلك قال ابن عباس في نصارى بني تغلب أنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم لقوله تعالى: (
    ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، وذلك رداً منه على علي حين قال: "إنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر" قال: ابن عباس ذلك قال: النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين جاءه: " يَا عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، قُلْتُ: إِنِّي مِنْ أَهْلِ دِينٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ، قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَسْتَ رَكُوسِيًّا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ". رواه أحمد وابن أبي شيبة، فنسبه إلى دين النصارى مع إخباره بأنه غير متمسك بدينهم إلا القليل، فأخذهُ المرباع وهو ربع الغنيمة غير مباحة في دين النصارى فثبت بذلك أن انتحال بني تغلب لدين النصارى يوجب أن يكون حكمهم حكم أهل الكتاب وإذا كانوا من أهل الكتاب وجب أخذ الجزية منهم، والجزاء والجزية واحد وهو أخذ المال منهم عقوبة وجزاء على إقامتهم على الكفر والكفر ملة واحدة.
    رابعا: جاء في رواية عن قصة بني تغلب: بأنهم دعوا إلى الإسلام فأبوا، ثم إلى الجزية فلم يطمئنوا إليها، وولوا هاربين يريدون اللحاق بأرض الروم، فقال النعمان بن زرعة لعمر: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب، يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواشي، ولهم نكاية في العدو فلا تعن عدوك عليك بهم قال: فصالحهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على أن ضاعف عليهم الصدقة، وقال: هي جزية وسموها ما شئتم. انتهى. أنظر مثلا كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الجزء/1 ص: 215.

    يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــع


    .
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 5
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    الخلاصة:
    وخلاصة ما سبق ذكره أنه ينبغي الجمع بين قول الله تعالى:(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) على قوله تعالى:( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)، و قوله تعالى أيضا:( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)، و قوله تعالى أيضا:( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)، فعندما تُرد الآيات إلى بعضها بعض، سرعان ما ينكشف لك الأمر أخي القارئ بوضوح تام لا لبس فيه ولا غبار، إن كنت ممن يتبع الحق، ولا تلتفت إلى غيره، ممن يقولون إن الله لما أجاز ذبائح اليهود والنصارى، لا نسأل هل ذكروا اسم الله عليها أم لا، والحق هو أن الله لما أجاز ذبائح أهل الكتاب، لعلمه انهم يذكرون اسمه عليها، وإلا فذبيحة المسلم متروكة التسمية عمداً أولى بأكلها من ذبيحة اليهود والنصارى.
    لكن من تمعن في الآيات سابقات الذكر، يجد بيانا واضحا، أن من لم يذكر اسم الله على ذبيحته فهي حرام وفسق، سواء كان من أهل التوحيد أو كان من غيرهم كأهل الكتاب والمشركين، ويجد أيضا، أن كل من ذكر اسم الله على ذبيحته وأهل بها لِلهِ فهي حلال سواء كان من أهل التوحيد أو كان من غيرهم من عامة الكفار
    . وأيضا، إذا كان الله قد حرم ذبائح أهل الشرك، سواء كانت لعبادتهم من دون الله المتمثلة فيما أهلوا به لغير الله، وذبحوه عَلَى أنصابهم، أو كانت فيما ذكروا عليه اسم الله كأضحية العيد حسبما فهمه البعض، فلماذا لم يحرم ذبائحهم كلها؟ بل فصّل في ما حرّمه من ذبائحهم وهي ما ذبحوه على النصب وما أهلوا به لغير الله فقط.
    وكما حرم الزواج من المشركات وتزويج المسلمات للمشركين مطلقا، فلم يكتف الله عز وجل بتحريم نساء أهل الشرك فقط، بل فصل حتى في إنكاح الرجال أيضا، ومادام الله لم يُفصل لنا فيما ذبحه أهل الشرك، وأهلوا به لِلهِ وذكروا عليه اسمه فهو جائز وحلال، ولا نُكلف أنفسنا في البحث عن الدليل وهو غير موجود أصلا، قال الله تعالى:(
    قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه).
    أما حكاية إجماع العلماء أو الصحابة على ذبيحة أهل الشرك بأنها حرام، غير مسلّم بها، وحتى وإن سلمنا بها جدلا, فهي فيما أهلوا به لغير الله، وهذا لم نختلف فيه لأن عليه نصا من كتاب الله ,ولِلهِ الحمد والمنة، أما ما ذبحه أهل الشرك للحم، وذكروا عليه اسم الله فهو جائز.
    ومما يستشهد به هنا إضافة إلى أن الأصل هو الإباحة حتى يرد النص ما ثبت عن علقمة؛ قال:
    قلت لابن مسعود رضي الله عنه: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم منكم أحد ليلة الجن؟ قال: ما صحبه أحدٌ منا، ولكنا كنا معه ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا؛ فإذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه، يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم". فقال صلى الله عليه وسلم: "فلا تستنجوا بهما؛ فإنه طعام إخوانكم
    ". رواه مسلم في صحيحه،وأخرجه أيضا أحمد والطبراني وأبو نعيم عن ابن مسعود.
    فلم يبين النبي صلى الله عليه وسلم للجن المسلمين اشتراط التوحيد في من ذكر اسم الله على العظم، والقاعدة المعمول بها تقول: "لا يجوز تأخير البيان عند الحاجة"، والحادثة كانت في مكة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، لقيام دولة الإسلام، وبناء مجتمع مسلم، حتى لا يعترض علينا بأن إخواننا من الجن، كانوا في مجتمع مسلم والمجتمع المسلم ذبائح أهله حلال، لكن الحادثة كما قلت كانت في مكة، وهؤلاء الجن كانوا في مجتمع جاهلي، ونظير هذاما ثبت في صحيح البخاري، "
    عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوَحْيُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لاَ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ". رواه البخاري.
    وليس في القصة ما يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم له ما ذبح على النصب حقيقة، وأيضا فتحريم أكل اللحم الذي ذبح على النصب لم يكن قد نزل به الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم أنذك ولكن كان محرما منذ نزول أدم عليه السلام، ثم إن زيدا رضي الله عنه كان يأكل من ذبائح أهل الشرك التي تُذبح للحم، ويذكر عليها اسم الله بدليل قوله:" إِنِّي لاَ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وفي رواية يقول لهم: "الشاة خلقها الله تعالى، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى؟". إنكارا لذلك، وإعظاما له. رواه البخاري في الصحيح.
    يُفهم منه أن زيدا كان يعتقد أن ذبائح أهل الشرك إذا لم تذبح للأنصاب وذكروا اسم الله عليها جائزة وحلال، ولولا ذلك لقال أنه لا يأكل ذبائح أهل الشرك مطلقا، ولكنه فصّل في ذبائحهم كما فصّل الله تعالى في آية المائدة في ما حرم من ذبائح أهل الشرك
    ، وكذلك الشأن بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
    قال ابن تيمية: وقال السدي: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعبد صنما قط، ولكنه أكل ذبائحهم حسب حديث زيد بن عمر بن نفيل في أسفل بلد ح وجرى على سنن من أمرهم وهو مع ذلك ينكر خطأ هم ما هم فيه، وخالفهم في أشياء كثيرة". انتهى. من كتاب "آيات أشكلت على كثير من العلماء" لأبن تيمية الجزء/ 1 ص:210/211.
    وقال ابن تيمية أيضا: فقال قوم: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على دين قومه، ولم يأكل ذبائحهم.، وهذا هو المنقول عن أحمد بن حنبل، قال: "من زعم انه كان على دين قومه فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل مما ذبح على النصب." انتهى. من كتاب "آيات أشكلت على كثير من العلماء" لأبن تيمية جزء 1 ص:198.

    وقال أيضا: قلتُ: "ولعل أحمد قال: أليس كان لا يعبد الأصنام؟ فغلط الناقل عنه، فإن هذا قد جاء في الأثر أنه كان لا يعبد الأصنام.، وأما كونه كان لا يأكل من ذبائحهم فهذا لا يعلم أنه جاء به أثر، وأحمد أعلم الناس بالأثر، فكيف يطلق قولا عن المنقولات لم يرد به نقل؟ ولكن هذا قد يشتبه بهذا، إلى أن يقول: هذا بخلاف الشرك وقد كان هو وأصحابه مقيمين بمكة بعد الإسلام يأكلون من ذبائحهم، لكن فرق بين ما ذبحوه للحم وما ذبحوه للنصُب على وجهة القربة للأوثان. فهذا من جنس الشرك لا يباح قط في شريعة، وهو من جنس عبادة الأوثان.، وأما ذبائح المشركين فقد ترد الشريعة بحلها كما كانوا يتزوجون المشركات اولاً." انتهى. المصدر السابق ص:الجزء/ 1 ص:199/200.
    وقال ايضا: "ولم يذكر ابن قتيبة أنه لم يكن يأكل من ذبائحهم، وكذلك غيره . بل قالوا: كان يأكل من ذبائحهم خلاف ما نُقل عن أحمد". انتهى. المصدر السابق جزء/ 1 ص:200.

    وقال الخطابي : "امتناعه من أكل ما في السفرة إنما كان خوفا من أن يكون ذلك مما ذبح لأصنامهم ، فأما ما ذبحوه لمأكلتهم، فكان النبي ( صلى الله عليه وسلم) لا يتنزه عنه ، لأنه كان بين ظهرانهم، ويتناول أطعمتهم، ولم يرووا أنه تنزه عن شيء من ذلك قبل نزول تحريم ذبائح الشرك إلا ما كان من اجتنابه الميتات طبعا، أو تقذرا، وما ذبح لأصنامهم لئلا يكون معظما لغير الله عصمة من الله عز وجل، ولم يزل عليه السلام على شريعة إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن يتناول ما لا يحل ولما لم يكن فيما ذبحوه لمأكلتهم معنى الميتة ، ولا معنى ما ذبح لأصنامهم، ولم ينزل عليه تحريمه ، كان الظاهر منه الإباحة كأمر النكاح ، فإنه أنكح ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع وهو مشرك ، وبقيت بعد الهجرة بمكة مدة ، ثم نزل تحريم إنكاحهم بعد ذلك ، فكذلك أمر أطعمتهم". انتهى./ شرح السنة للبغوي جزء/11 ص: 207. وانظر أيضا عمدة القارئ شرح صحيح البخاري باب ما ذبح على النصب والأصنام جزء/ 31 ص:22.
    وقال أيضا: "كان النبي صلى الله عليه و سلم لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام ويأكل ما عدا ذلك وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه لان الشرع لم يكن نزل بعد بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه الا بعد المبعث بمدة طويلة". انتهى. فتح الباري شرح البخاري باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل الجزء /7 ص:143.

    وقال الداودي: "كان النبي صلى الله عليه و سلم قبل المبعث يجانب المشركين في عاداتهم لكن لم يكن يعلم ما يتعلق بأمر الذبح وكان زيد قد علم ذلك من أهل الكتاب الذين لقيهم.، وقال السهيلي: فإن قيل فالنبي صلى الله عليه و سلم كان أولى من زيد بهذه الفضيلة فالجواب انه ليس في الحديث انه صلى الله عليه و سلم أكل منها وعلى تقدير أن يكون أكل فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي يراه لا بشرع بلغه وانما كان عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام والأصح أن الأشياء قبل الشرع لا توصف بحل ولا بحرمة مع أن الذبائح لها أصل في تحليل الشرع واستمر ذلك إلى نزول القران ولم ينقل أن أحدا بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نزلت الآية". انتهى. من فتح الباري شرح صحيح البخاري جزء/ 7 ص: 144.، والجزء/ 15 ص:215.
    واخرج البغوي وابن شاهين وابن السكن وابن مندة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم من طريق حزام بن هشام بن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة خرج منها مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحما وتمراليشتروا منها".
    إلى آخر الحادثة وهي مشهورة في كتب أهل السير، وأهل لأحاديث الطوال كالبيهقي مثلا في دلائل النبوة وانظرها في الخصائص الكبرى لجلال الدين الجزء/ 1 ص: 320.، وانظرها ايضا في الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله الجزء / 1 ص: 264.
    وانظرها أيضا في الأنوار في شمائل النبي المختار الجزء 1 ص: 187
    .
    فهذه امرأة معروفة (بأم معبد) و
    اسمها (عاتكة بنت خالد) وكنيتها (أم معبد) كانت هي وزوجها من أهل الشرك لكن لما مر عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر إلى المدينة مع أصحابه طلبوا منها لحما وهو طبعا من ذبائح أهل الشرك فلم يجدوا، ولو وجدوا لأكلوا. فهذه جملة من الأدلة قدمتها لك أخي القارئ، أما المخالفون فلم يقدموا لنا ولو دليلا واحدا، ونحن نقول لهم: لا دليل لكم إطلاقا على تحريم ذبيحة أهل الشرك التي ذكروا اسم الله عليها، ولم يقترفوا عند ذبحها شركا بالله، والله المستعان، وعليه التكلان.

    أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن أكون قد وُفقتُ في شرح هذه المسألة وبيانها للقاري الكريم، بما يوافق شرع الله سبحانه وتعالى، كما أسأله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فما كان من صواب فهو محض فضل الله تعالى، وما كان من خطا فمن نفسي والشيطان، وصل اللهم وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه.

    وللتذكير سأضع هذا البحث للفائدة في منتدى التوحيد الخالص تحت قسم "أبحاث ورسائل"
    هذا وقد كان الفراغ من هذا البحث مساء يوم الاثنين تسعة وعشرين ليلة خلت من شهر ذي القعدة:1438هـ. الموافق لـ: الواحد والعشرين من شهر أوت:2017 م.
    وكتبه أبو أسامة بمكتبة أم القرى.