1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 10
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ذبيحة أهل الشرك اليوم

    بيـــن

    الإباحة والتحريم

    [ اضغط هنا للتحميل المباشر ]

    بسم الله الرحمن الرحيم:
    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم المبعوث رحمة للعالمين، محمد ابن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آلهِ وصحبه الطيبين، المختارين لنصرة هذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
    أتقدم إليك أخي القارئ بهذا البحث، فيما يخص (ذبيحة أهل الشرك التي ذكروا اسم الله عليها، ولم يقترفوا عند ذبحها شركا بالله)، وقد طال فيها الكلام، بين أهل التوحيد، وكثر الخلاف حولها، بل وقع العداء بينهم، رغم أن الخلاف موجود فيها قديماً بين السلف، كما ستقف عليه أخي القارئ في ثنايا هذا البحث، ولم يصل بهم الحد إلى ما وصلنا إليه نحن، فهذا يُرمى بالفسق، والآخر يُرمى بالكفر، والخروج من الدين، والذي حملني على أن أتقدم إليك أخي القارئ بهذا البحث، هو أنه نشأ خلاف بيني وبين بعض الإخوة في ما يخص الموضوع المذكور آنفاً، وكنت أظن أن ينتهي بنا المجلس إلى الاتفاق، أو على الأقل أن نتوصل إلى أن تبقى المسألة مسألة فقهية لا تضر بأصل الدين، لكن شاء الله تعالى أن يكون الأمر خلاف ذلك، فوقع حكم التكفير، رغم أن المسألة لا تتعلق بأصل الدين، ولو جاز لمن يحرم ذبيحة أهل الشرك، تكفير المخالف بحجة أنه استحل ما حرم الله، لجاز لمن يبيحها تكفير من يحرمها أيضا بحجة أنه حرم ما أحل الله، ولكن القضية كلها مسألة فرعية ليست من أصل الدين وقع فيها التأويل من هذا الطرف أو ذاك، وإلا لكفّر الفقهاء عبر الزمان بعضهم بعضا في كل مسألة اختلفوا فيها.
    ووصل الحد أيضا إلى ارتفاع الأصوات من كِل منا، فأحسست حينها بفقر في الأدب وسوء في الأخلاق، وإذا كان المسلم مأموراً شرعاً بالتخلق بالأخلاق الحميدة، فالداعية أولى بذلك، فأسوتنا في حمل أعباء الدعوة إلى الله تعالى، هو رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وقد علمه الله تعالى الحكمة في تبليغ دعوته فقال له:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).النحل/ 125.
    وقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم
    فقالت: "كان خلقه القرآن". رواه مسلم في صحيحه، من حديث قتادة. و وقد بُعث صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق:"عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم:" إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ".، وفي رواية:"صَالِحَ الأَخْلاَقِ".، وفي رواية:" محاسن الأخلاق".وهو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره للطبراني عن جابر مرفوعاً: "إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال".، وعزاه الد يلمي لأحمد عن معاذ.،وقال الله تعالى في حقه:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
    هذا والله أسأل أن يرزقنا الحِكمة وحُسن الخُلق، فإننا أحوج ما نكون إليهما
    ..
    وقد كانت بداية هذا البحث، يوم السبت لخمس عشرة ليلة خلت من شهر شعبان:1438هــ . الموافق لـ: الثالث عشر من شهر ماي:2017م
    .

    وقبل ما ألج في المقصود لا يفوتني أن أقدم لك أخي القارئ بعض الآداب التي تتعلق بالمتحاورين، وعلى رأسها آداب النبي صلى الله عليه وسلم، مع عتبة بن ربيعة، ولعل البعض يتساءل فيقول: ما دخل موضوع الآداب هنا في موضوع ذبيحة أهل الشرك؟
    أقول: لقد ذكرتُ بعد قليل في مقدمة هذا البحث، أن سببه كان حوار ينقصه الأدب، ولذك أحببتُ أن نقدم لك أخي القارئ بالمناسبة، بعض هذه الآداب لعل الله ينفعنا بها جميعا
    : روى ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعة جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك، بأمر عظيم فرقت جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا الوليد أسمع ". حتى إذا فرغ عتبة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أفرغت يا أبا الوليد ؟." قال: نعم. قال: اسمع مني. قال: أفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم:( حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(4). حتى وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قوله تعالى:(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ). فصلت/ 13. فقام عتبة مذعورا، فوضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: أنشدك الله والرحم، وذلك مخافة أن يقع بهم ما وقع لعَادٍ وَثَمُودَ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. / أنظر مثلا سيرة ابن إسحاق، وسيرة بن هشام وغيرهما من السير.
    فكان من آداب النبي صلى الله عليه وسلم كما مربك أخي القارئ، أن يترك خصمه يتكلم حتى يفرغ من كلامه، ولم يقطع عليه كلامه، مع أنه كان يدعوه إلى الكفر، ثم يسأله أفرغت؟ ياله من آداب؟، هكذا يجب علينا أن نتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أدب الحوار، مع كل الناس مشركاً كان أو مسلماً
    .
    قال ابن عبد البر: ومن سوء الأدب في المجالسة أن تقطع على جليسك حديثه، وأن تبادره إلى تمام ما ابتدأ به منه خبراً كان أو شعراً تتم له البيت الذي بدأ به؛ تريه أنك أحفظ له منه، فهذا غاية في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلا منه. انتهى
    .
    وقال ابن جريج عن عطاء: إن الرجل ليحدِّثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد. انتهى
    . ومن سوء الآدب، القيام عن المتحدّث قبل أن يكمل حديثه فهذا من قلة الأدب، ومما ينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه، فهنا يجوز له، وفي نفس الوقت ينتفي المحذور.
    قال أبو مجلز: إذا جلس إليك رجل يَتَعَمَّدُك فلا تقم حتى تستأذنه. انتهى
    . وقال أسماء ابن خارجة: ما جلس إليَّ رجل إلا رأيت له الفضل عليَّ حتى يقوم عني. انتهى.
    ومن سوء الآدب أيضا في المجلس، المبادرة إلى تكذيب المتحدّث فمن الناس من إذا طرق سمعه كلامٌ غريب من متحدِّث ما بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحاً، أو تلميحاً، أو إشارةً باليد أو العين، وأن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب، فهذا العمل من الأمور المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة
    . فينبغي لمن استمع حديثاً من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستفصل من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته ثم إن تأكد من كذبه فلينصح له على انفراد؛ لئلا يعاود للكذب مرةً أخرى، فإن عاد إليه، واقتضت المصلحة أن يُبيَّن كذبه فلا بأس حينئذ من ذلك؛ حتى يتخلى عن تلك الخصلة الذميمة، ومن آداب الحوار، والمجلس أيضا، عدم الاستعجال بإصدار الأحكام، فمن المحاورين من يكون على عُجالة، فيصدر أحكامه في بداية حديثه، ويجهر برأيه الصريح في مستهل حواره، وهذا مما قد يسبب ردّ كلامه، والاعتراض عليه، والنفور منه ولو كان الحق معه. اننا نحتاج كثيرا لهذا الأدب في هذه الأيام، فالبعض منا يخرج من فمه كلمات مثل الحجارة تجرح المستمع، لا يكاد يسمعها، والمتكلم لا يقلي لها بالا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض". رواه البخاري.
    وقد ذكر لأحمد بن حنبل ما قاله حاتم الأصم لما سئل فقيل له: أنت رجل أعجمي وما ناظرك أحد إلا قطعته فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال: بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطاء، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوءه فقال: أحمد: ما أعقله من رجل
    . انتهى.أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا آمين.

    حكم ذبيحة أهل الشرك:

    القول بتحريم ذبيحة أهل الشرك، مما يبيعه الجزار ،أو ما يذبحه المشركون المنتسبون إلى الإسلام في يوم النحر، ليس عليه دليل من الكتاب ولا من السنة. قال الله تعالى:(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الأنعام / 145.
    وقال الله تعالى أيضا: (
    حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) المائدة / 3.
    وقال الله تعالى أيضا:( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)الأنعام/ 119. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الْهِسِنْجَانِيُّ، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل قال: نزل آدم بتحريم أربع: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم، عليه السلام، نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم عليه السلام وأحل لهم ما سوى ذلك فكذبوه وعصوه. انتهى.تفسير بن كثير سورة المائدة الآية /
    3.
    قال ابن كثير: أثره غريب. فقد تبين لنا من خلال هذه النصوص ما يجوز أكله من اللحم وما لا يجوز، ولم يتبين لنا أن ذبيحة أهل الشرك إن كانت للحم أوقر بانا لِلهِ مثلا حرام، وإنما تبين لنا أن ما ذبحه أهل الشرك لوثنهم أوذ كروا اسم غير الله عليه هو الذي لا يجوز، ولذلك جاء التفصيل في ذبيحة أهل الشرك فيما ذبحوه وأهلوا به لغير الله، ولم يأت التفصيل مثلا في شرب الخمر أو الزواج بالمشركين، بعد ما نزلت الآيات بتحريمهما، ولا يستقيم الفهم لو قلنا أن جميع ذبائح أهل الشرك محرمة إلا ما ذبحه أهل التوحيد، فذبيحة أهل التوحيد يجب أن تستثنى من ذبيحة جميع أهل الشرك لا من المحرمات، ولذلك أردف الله تعالى المحرمات بالمذبوحة على النصب، فاستثنى ما ذبحوه على النصب من المذبوحة المباحة أصلا، ولم يستثن ما ذبحه أهل الشرك مطلقا، بل ما ذبحوه على النصب، فما ذبحوه على النصب مستثنى من جملة ذبائح أهل الشرك، أي أن ذبائح أهل الشرك حلال إلا ما ذبحوه على النصب، فعندما نهى الله تعالى عن أكل ما أُهِلَّ لغيرِ اللَّهِ به، و ما ذبِح عَلَى النُّصُبِ، يفهم أن ما ذبحوه للحم وأهلوا به لله فهو جائز وحلال، وقد فهم البعض من قوله تعالى:( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) قالوا: وهذا الاستثناء يعود على ما ذبحه أهل التوحيد لا غير، وهوا دليل في المسألة.
    أقول: هذا غير مسلّم به، لأن الاستثناء هنا عائد على المحرمات المذكورة في الآية، أي ما أدركتموه حيا وذبحتموه هو الذي يجوز أكله، أما المنخنقة، والموقوذة والمتردية، والنطيحة، وما أكل السًبُعُ فهو حرام، وليس عائدا على الذابح أو المذكي، جاء في أحكام القرآن للجصاص: ولأنه لا خلاف أن سبعا لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردى شاة من جبل ولم يشف بها ذلك على الموت فذكاها صاحبها أن ذلك جائز مباح الأكل وكذلك النطيحة وما ذكر معها فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع المذكور. انتهى من أحكام القرآن / ج 3 ص 299.
    وجاء أيضا في تفسير الطبري قال: يعني جل ثناؤه يقول: "إلا ما ذكيتم" فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه من قوله: " وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع"ذكر من قال ذلك. حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "إلا ما ذكيتم"، يقول: ما أدركت ذكاته من هذا كله، يتحرك له ذنب، أو تطرف له عين، فاذبح واذكر اسم الله عليه، فهو حلال، أي هذا أدركت ذكاته فذكه وكل. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طرفت بعينها، أو ضربت بذنبها. حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: "إلا ما ذكيتم"، من هذا كله. فإذا وجدتها تطرف عينها، أو تحرك أذنها من هذا كله، فهي لك حلال. حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم وعباد قالا أخبرنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها. حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا معمر، عن إبراهيم قال: إذا أكل السبع من الصيد، أو الوقيذة أو النطيحة أو المتردية، فأدركت ذكاته، فكل. قلتُ: هذا من جهة ،ومن جهة أخرى فصاحب الشاة لا يشترط بالضرورة أن يكون من أهل التوحيد، ومن هنا نفهم أن الضمير عائد على جميع الناس مسلمهم، وكافرهم، لأن أهل الشرك لم يجيز الله لهم أيضا شُرب الخمر مثلا أو أكل الميتة، أو ما أكل السبع، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة، ثم خلصوها منه أكلوها، وإن ماتت، ولم يذكوها، ومن أجل ذلك نزل قول الله تعالى في تعداد المحرمات واحدة تلوى الأخرى، إلى أن وصل إلى قوله: ( وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ)،فعند ما قال الله تعالى:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)إلى قوله:( وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) لا يُفهم أنه مقتصر على أهل التوحيد دون غيرهم من أهل الشرك، فانتهاك حُرمات الله حرام على جميع الناس، إلا ما دعت إليه الضرورة، فالنهي عن مثل هذه المحرمات، يشمل جميع الناس مسلمهم ومشركهم، لأن الله تعالى لم يجيز لأحد من الناس أن ينتهك حرماته، سواء كان من اهل التوحيد، أو من غيرهم، قال ابن جرير الطبري: أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدون "الميتة" من الحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردي والانتطاح وفرس السبع. فأعلمهم الله أن حكم ذلك، حكم ما مات من العلل العارضة، وأن العلة الموجبة تحريم الميتة، ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به. انتهى. من تفسير الطبري جزء / 9 ص:507.
    وقال أيضا: حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: "
    والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم"، يقول: هذا حرام، لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدونه ميتا، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. فحرمه الله عليهم، إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح. انتهى. من المصدر السابق ص:507.
    ومما يؤيد هذا المعنى، أيضا أن العرب من قريش كانوا يطوفون بالبيت عُراة، فأنزل فيمن كان يطوف بالبيت عريانًا:(
    يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) إلَى آخر الآية. قال أبو جعفر الطبري: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرَّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرِّمه الله عليهم من حلال رزقه، تبرُّرًا عند نفسه لربه:(يا بني آدم خذوا زينتكم)، من الكساء واللباس: (عند كل مسجد وكلوا)، من طيبات ما رزقتكم، وحللته لكم: (واشربوا)، من حلال الأشربة، ولا تحرِّموا إلا ما حَرَّمْتُ عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك. حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة: وقال في موضع آخر: بغير ثياب: إلا أن تجعل المرأة على فرجها خِرقة، فيما وُصِف إن شاء الله، وتقول: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ قال: فنزلت هذه الآية:(خذوا زينتكم عند كل مسجد). انتهى. من تفسير ابن جرير الطبري. جزء / 12 ص: 389. ونزلت ـــ (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) ـــ الآيتان. رواه مسلم . وقد ثبت في الصحيح أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :َ "لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".، وقد روى أيضا: عن سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يوم الحج الأكبر، أن لا يطوف أحد بالبيت عريانا فَنُودِيَ بِهَا فِي الموسم. فنهاهم الله تعالى عن مثل هذا النوع من الحرام، كما نهانا أيضا نحن أهل التوحيد، رغم أنهم أهل شركِ وكفر، ولا يقال ربما كان أهل التوحيد يطوفون عُراة أيضا.
    أقول: هذا لم يفعله أبدا ولا واحد من الصحابة، ومما يؤيد هذا المعنى أيضا، قول الله تعالى:(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام الآية/138. فقد عاب الله تعالى على هؤلاء المشركين، في أنعام ذبحت على الأصنام، فإنها التي لا يذكرون اسم الله تعالى عليها، وإنما يذكرون عليها اسم الأصنام، ويمنعون أن يذكر اسم الله على بعضها عند الذبح، أو الركوب، أو لا يركبونها في الحج، لأن فيه ذكر اسم الله مع زعمهم، بأن هذا كله قد أمرهم الله به، والأنعام تشمل الإبل، والبقر، والغنم، ويضاف إليها الوحشي منها، كالبقر الوحشي، والحمر الوحشية إلخ. فتحريم الخمر مثلا لم يختص بها أهل التوحيد فقط، بل حرمها على كل الناس كافرهم ومسلمهم.
    واستدل البعض أيضا بقول الله تعالى:(
    الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)، وقالوا: أن الآية دليل أيضا في المسألة، لأنها استثنت أهل الكتاب بجواز أكل ذبائحهم، من دون غيرهم، من عبدة الأوثان.
    أقول: جاء في تفسير القرآن العظيم: وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم، تعالى وتقدس. انتهى. من تفسير ابن كثير./ج 3 ص: 41.
    فالعلة هنا في تحليل أكل ذبائح أهل الكتاب من قبلنا، هي فيما ذكروا اسم الله عليه، وإلا بقيت على أصلها وهو التحريم، قال تعالى
    :( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) .
    قال: حنبل سمعت أبا عبد الله قال: لا بأس بذبيحة أهل الكتاب إذا أهلوا لله وسموا عليه قال تعالى:(
    وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) إلى أن يقول: وأهل الكتاب يسمون على ذبائحهم أحب إلي. انتهى./أحكام أهل الذمة ــ الجزء الأول ص 282. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكرو اسم الله عليه. انتهى.
    فمن لم يذكر اسم الله على ذبيحته فهي حرام، سواء كان الذابح من أهل الكتاب، أو كان من أهل التوحيد، أو كان من غيرهما، جاء في أحكام أهل الذمة أيضا: وأما قولهم أن التسمية شرط في الحل فلعمر الله إنها لشرط بكتاب الله وسنة رسوله وأهل الكتاب وغيرهم فيها سواء فلا يؤكل متروك التسمية سواء ذبحه مسلم أو كتابي لبضعة عشر دليلا مذكورة في غير هذا الموضع. انتهى/ أحكام أهل الذمة: الجزء الثاني ص807.

    هذا وإن قلتم: أن آية الأنعام التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى:( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). منسوخة بآية المائدة، كما جاء في بعض الأثر عن مكحول، نقول: جاء في تحقيق التحقيق في أحاديث التعليق: وفي هذا الذي قاله مكحول نظر فإنه لا يلزم من إباحة طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم يذكرون اسم الله علي ذبائحهم وفي آنيتهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك من شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم بخلاف أهل الكتابين، ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء. انتهى./ المصدر السابق جزء/ 3 / ص: 222. ولذلك فإن الآية مازالت محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص فقد عمل بها أهل التوحيد منذ نزولها إلى يومنا هذا. وأيضا فأين نهانا الله إذاً عن أكل اللحم إذا لم يذكر اسمه عليه؟ فإن قلتم: أمرنا في آيتين من سورة الأنعام: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). وقوله أيضا:(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، والآيتان فيهما أمر، والأمر هنا يفيد الوجوب.
    نقول:
    نعم الأمر يفيد الوجوب، لكن هذا في حالة وجود ذبائح أخرى يذكرون عليها اسم غير الله، فمفهوم الآية، عندكم، وعلى حد قولكم، هو لا تأكلوا مما أهِل به لغير الله، وما ذبح على النصب فقط، أما ما دونهما، وإن لم يسم عليها فهو جائز وحلال لأن الآية عندكم منسوخة، وحكمها رُفع، وإن قلتم: أمرنا الله أيضا في سورة المائدة:( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ).نقول: هذه الآية جاءت لتعليم الناس أحكام الصيد، لأن الله تعالى ما فرط في الكتاب من شيء: حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي، عن عديّ قوله: "فكلوا مما أمسكن عليكمقال: قلت يا رسول الله، إن أرضي أرضُ صيد؟ قال:" إذا أرسلت كلبك وسميت، فكل مما أمسك عليك كلبُك وإن قتل. فإن أكل فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه". أخرجه البخاري في صحيحه، ورواه أحمد في مسنده.
    وأيضا إذا كانت الآية منسوخة، فما فائدة سؤال قوم للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن قَومنَا يأتوننا بلحمان لَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهَا أم لم يذكرُا أنأكل مِنْهَا أم لَا "؟ رَوَاهُ البُخَارِيّ.
    وما فائدة أيضا اختلاف السلف في المسلم إذا ترك التسمية ناسيا، ولم يتركها عمدا؟ لأن هناك خلاف بين علماء السلف في المسلم إذا تركها ناسيا، وأكثرهم يجيزها، بخلاف من تركها عمدا فإنهم يحرمونها مستدلين بقول الله تعالى
    :( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).
    والقول بأن قول الله تعالى:(
    الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) نزل لتأسيس حكم جديد، لا دليل عليه أصلا ،فالآية نزلت لتأكيد حكم ثابت أصلا وأمر معلوم مسبقا كان ومازال هو الأصل، ولم تنزل لتأسيس حكم جديد، فهذا المعنى أبعد ما يكون عن معناه الحقيقي وإلا متى كانت الطيبات، وطعامنا حرام؟ والدليل بأن ذبيحة أهل الكتاب كانت حلال قبل نزول الآية، هوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة في غزوة خيبر، وهي في شهر محرم من السنة السابعة قبل نزول سورة المائدة، وسورة المائدة، نزلت في السنة العاشرة من الهجرة، في حجة الوداع على ما ذكره الزمخشري في تفسيره لسورة المائدة : وقيل : أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ( يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ) يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم. قال جبير بن نفير: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت: "هل تقرأ سورة" المائدةفقلت: نعم، فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه". أخرجه الْحَاكِم من طَرِيق جُبَير بن مُغيرَة. هَكَذَا ذكره مَوْقُوفا قَالَ: الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَابْن حجر: لم نقف عَلَيْهِ مَرْفُوعا. وسورة المائدة، نزلت جميعا في حجة الوداع من السنة العاشرة، كما ذكرنا من قبل، والدليل هوما جاء عن أسماء بنت يزيد قالت: "نزلت "سورة المائدة" جميعًا، وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء. قالت: فكادت من ثقلها أن يُدَقَّ عضد الناقة، وفي رواية إن كادت من ثقلها لتكسر الناقة". رواه أحمد والطبري
    .

    يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــع


  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 10
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    الإجماع المُدعى:
    الاحتجاج بالإجماع المنعقد على مسألة ما ليس دليل شرعي ؟
    قال الله - تعالى:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الحشر/ 7، فلا يجوز شرعا أن نأتي في الدين بقول أو فعل غير قول أو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأن قوله وفعله حكم شرعي، وقد يغيب عن المسلم فهم الآية والحديث، حينها يجوز له أن يستعين بفهم العلماء للآية والحديث، كالصحابة مثلا وغيرهم، أما الاستدلال بقول الصحابة أو التابعين وهم علماء أيضا بدلًا من الكتاب والسنة، فهذا الذي لا يجوز أصلا، ولا يعد هذا طعنًا في الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من العلماء، والصحابة هم أسوتنا في الخير، وهم خير القرون كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم المبشرين بالجنة، لكن أن نقدمهم على الكتاب والسنة، ونجعلهم دليلا ثالثا بعدهما، فهذا هو المحظور الذي نُهينا عنه شرعا، أي لا نقدم قول كائن من كان بين يدي الله ورسوله، قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). /الحجرات 1.
    ولا نكون كالمشركين الذين يحتجون علينا، دوما بعلمائهم بدلا من الكتاب والسنة، ويقولون هم الذين أوصلوا لنا هذا الدين، وهم أعلم منا به، ولا يجوز تخطئتهم لأنهم علماء حملة هذا الدين، فنحاول نحن معشر أهل التوحيد أن نبتعد عن مثل هذه التصورات الخاطئة، ولا نتعب أنفسنا في اتباع العلماء بغير دليل، ومن احتجّ بالعلماء كائنا من كانوا، وجعلهم دليلا بعد الكتاب والسنة لم يأت بحجّة أصلا، لأن عقيدة التوحيد هي التي تلزمنا عند الاختلاف بالرجوع إلى الكتاب والسنة دون غيرهما، قال الله تعالى:(
    فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرُ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء/ 59. وقال أيضا قبلها:( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) النساء/ 59.
    فقد تبين من هذه الآية أن طاعة الله ورسوله مطلقة، لأنه قال في آية أخرى:(
    مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) النساء/ 80. وهذه الأخيرة جعلها الله تعالى للمعصوم فقط ،وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك لأحد غيره، وقيّد طاعة أولي الأمر سواء كانوا علماء أو حكاما بطاعتهم الله ورسوله، ولم يجعلها لهم مطلقة لأنهم غير معصومين.
    وقال تعالى أيضا في آية أخرى:(
    ا تَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) الأعراف / 3. جاء في تفسيرها: ثم قال تعالى مخاطبًا للعالم: ( اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كلّ شيء ومليكه، ( وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. انتهى./ تفسير ابن كثير. وعند الطبري: ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، ولا تتبعوا شيئًا من دونه يعني: شيئًا غير ما أنزل إليكم ربكم. انتهى.
    وجاء في فتح الرحمن في تفسير القرآن: وقيل لهم:(
    اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يعمُّ القرآنَ والسنَّةَ؛ لقولهِ تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). النجم:/ 3، 4 (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ) أي: دونِ اللهِ (أَوْلِيَاءَ) تطيعونهم في معصيةِ اللهِ. وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ الذِينَ تُنْذِرُهُمْ : اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَهُوَ وَحْدَهُ الذِي لَهُ الحَقُّ فِي شَرْعِ الدِّينِ لَكُمْ ، وَفَرْضِ العِبَادَاتِ عَلَيْكُمْ وَتَحْلِيلِ مَا يَنْفَعُكُمْ ، وَتَحْرِيمِ مَا يَضُرُّكُمْ ، لأَنَّهُ العَلِيمُ بِمَا فِيهِ الفَائِدَةُ أَوِ الضَّرَرُ لَكُمْ ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الشَّيَاطِينِ الذِينَ يُوَسْوِسُونَ إِلَيْكُمْ ، أَوْلِيَاءَ تُوَلُّونَهُمْ أُمُورَكُمْ ، وَتُطِيعُونَهُمْ فِيمَا يَرُومُونَ مِنْكُمْ مِنْ ضَلاَلِ التَّقَالِيدِ، وَالابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ. وَقَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ هُمُ الذِينَ يَتَذَكَّرُونَ وَيَتَّعِظُونَ ( أَوْ قَلِيلاً مَا تَتَّعِظُونَ بِمَا تُوعَظُونَ بِهِ).انتهى. أيسر التفاسير لأسعد حمود/ح1ص958.
    فعلى أية حال الآية عامة، ومطلقة في جميع الناس ولا يجوز لأي أحد أن يدخل فيها أناسا، أو يخرج منها آخرين، والقول بالرجوع إلى أسباب نزول الآية لا معنى له، فالحكم الذي نزلت الآية من أجله وبسببه ليس خاصاً بهذا الذي حصل منه السبب، وإنما هو عام، ولهذا فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحكم وإن كان سببه قصة معينة فإنه تشريع لأهل التوحيد، ولا يختص الحكم بأحد إلا إذا جاء ما يدل على اختصاصه به، مثل خزيمة بن ثابت الذي شهادته تعدل شهادة رجلين، وكذلك الذي ضحى قبل الصلاة ثم رخص له بالعناق
    وقال: "إنها لن تجزي عن أحد بعدك"، فإذا جاء شيء يدل على تخصيصه دل على تخصيصه، وإلا فإن الأصل هو تعميم الحكم، ولهذا فإن خطاب الله وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد هو خطاب للأمة كلها، ولا يختص به الحكم إلا إذا وجد ما يدل على الاختصاص.
    ثم إنهم قالوا أن الإجماع حجة في هذه المسألة، بعد أن لم يجدوا دليلا من الكتاب والسنة، لكنهم استدلوا ببعض أقوال الصحابة رضي الله عنهم، وعلماء التابعين في المجوس على عدم جواز أكل ذبائحهم ، وأطردوها إلى غيرهم، مع أن هذه الأقوال كلها في المجوس، وكأن الصحابة أو التابعين لا يعرفون من أهل الشرك إلا المجوس، وهذه أسماء من كره ذبائح المجوس من الصحابة نقلوها فقالوا:(وكره ذبائحهم ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس وابن مسعود وعن عبد الله ابن يزيد الخطمي وعن علي وجابر ابن عبد الله وعن أبي برزة وروي عن الحسن ابن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس لا تؤكل لهم ذبيحة).انتهى.،
    وقالو أيضا:(
    ـــ قلتفهؤلاء ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم القضاة والمفتون من بعده رضي الله عنهم كرهواـــ وهي للتحريم هنا إلى أن يقولوا: ولا يعلم لهم مخالف فهو إجماع لا يجوز مخالفته ولا تعديه).
    أقول: لو أنصفتم لقلتم لا يعلم لهم مخالف ولا موافق، فلا يوجد إجماع أصلا، ولو كان هناك إجماع لا يجوز مخالفته ولا تعديه كما تقولون، لم يختلف الصحابة وعلماء القرون الأولى في ما أهل لغير الله به وذكر اسم غيره عليه، لكن لما كان الإجماع عندهم ليس بدليل يلزمهم بالرجوع إليه وقع بينهم الخلاف أكثر مما وقعنا فيه، فبعضهم جوّز ذبيحة المجوسي وذبيحة أهل الكتاب إذا أهلوا لغير الله بها كما ستقف عليه أخي القري في ما بعد إن شاء الله، ولم نسمع أن أحدا منهم كفر أخاه بحجة أنه خالف الإجماع كما تفعلون، ثم ماهو الدليل بأن ستة من الصحابة إذا اتفقوا انعقد الإجماع الذي لا يجوز مخالفته على حد قولكم؟ مع أن عدد الصحابة ما يقارب مائة وأربعا وعشرين ألفا أو أكثر، هذ إذا سلمنا أن هؤلاء اتفقوا حقا في مسألة واحدة، مع العلم أنني لم أقف على اتفاق هؤلاء الستة، وإنما كل ما في الأمر هي أقوال متفرقة للعلماء، وقد صار الإجماع يروى من حين إلى آخر حتى في زماننا هذا.
    واستدلوا أيضا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس على عدم جواز أكل ذبائحهم، وهذا لفظهم فيه:
    وروي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس لا تؤكل لهم ذبيحة . انتهى. و
    الحديث بطوله هو: "
    أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْمَشَّاطُ قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِىٍّ الذهلي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ مِنْهُ وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ عَلَى أَنْ لاَ تُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ وَلاَ تُنْكَحُ لَهُمُ امْرَأَةٌ". رواه ابن أبي شيبه والبيهقي، وقال في السنن الكبرى والصغرى هَذَا مُرْسَلٌ وَإِجْمَاعُ أَكْثَرِ الأُمَّةِ عَلَيْهِ يُؤَكِّدُهُ. انتهى.
    أقول: إن صح الحديث فهو خاص في المجوس لا في عامة الناس من أهل الشرك، لأنهم يأكلون الميتة ويهلون بذبائحهم إلى غير الله، وهنا ألفت انتباه القارئ الكريم أن كل ما نُقل بتحريم الذبائح سواء كان من الصحابة أو التابعين أو حتى من النبي صلى الله عليه وسلم فهو في المجوس لا في عامة أهل الشرك، والمخالفون يعممون هذه الأُقوال الخاصة في المجوس ويجعلونها في عامة الناس من أهل الشرك، وكأن المجوس هم فقط من يعمرون الدنيا شرقاً وغرباً لا يوجد فيها سواهم من أهل الشرك الآخرين، وهذا يدل دلالة واضحة أن أي حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أو قول من أقوال الصحابة رضي الله عنهم أو التابعين، هو خاص في من جاء فيهم، لأنهم يعرفون واقعهم، ويعرفون واقع من دونهم من أهل الشرك، ولذلك صبت الأدلة والأقوال في المجوس لا في غيرهم، والفتوى تقع حسب واقع الناس والزمان، كما لا يخفى عليك أخي القارئ، ولذلك لم يرد أي نهي عن أكل ذبائح عبّاد الأصنام من العرب رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بينهم إلا ما كان ميتة أو ذبح على النصب، والكلام عن المجوس يجرنا للفائدة إلى أن نلقي عليهم نظرة شاملة مختصرة من خلال تفاسير بعض الصحابة والتابعين وغيرهم، لبعض الآيات آتية الذكر. قال الله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ). الحج/17.
    قال قتادة: الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون للقبلة، ويقرؤون الزبور. والمجوس: يعبدون الشمس والقمر والنيران. والذين أشركوا: يعبدون الأوثان. والأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. انتهى
    .
    وجاء في بعض التفا سير عند قول الله تعالى:(وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) قيل : هم: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت ، فلما حرمهن الله قالوا : فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنا ت الأخ والأخت./ النيسابوري. وجاء في مصنف عبد الرزاق عن علي ابن أبي طالب: شرب أمير المجوس الخمر فوقع على أخته فرآه نفر من المسلمين فلما أصبح قالت أخته إنك قد صنعت بها كذا وكذا وقد رآك نفر لا يسترون عليك فدعا أهل الطمع فأعطاهم ثم قال لهم قد علمتم أن آدم أنكح بنيه بناته فجاء أولئك الذين رأوه فقالوا ويلا للأبعد إن في ظهرك حدا فقتلهم وهم الذين كانوا عنده ثم جاءت امرأة فقالت له بلى قد رأيتك فقال لها ويحك لبغي بني فلان قالت أجل والله لقد كنت بغية ثم تبت فقتلها ثم أسري على ما في قلوبهم وعلى كتبهم فلم يصبح عندهم شيء. انتهى. من مصنف عبد الرزاق لأبي بكر الصنعاني جزء / 10 / ص:327. باب هل يقاتل أهل الشرك حتى يؤمنوا. وأنظر التمهيد لما في الموطأ من معاني الحديث السادس جزء / 2 / ص:120.
    وقال الله تعالى
    :( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) النساء / 27. قال في التفسير الكبير : هذا مذهب المجوس فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن الكتاب الذي زعم زراد شت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب إليه زندي ، ثم عرّب فقيل زنديق ، ثم جمع فقيل زنادقة ، ثم إنهم قالوا كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان ، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن وهو المسمى بإبليس في شرعنا. انتهى. والعلماء لم يجيزوا ذكاتهم، وهذا من باب الحيطة والحذر لأنهم غير مؤتمنين، فهم يأكلون الميتة ويهلون بذبائحهم لغير الله، ولا يذكرون اسم الله عليها، قال حيوة بن شريح، حينما سأل عقبة بن مسلم التجيبي أو قيس بن رافع الأشجعي: فقلت: أرأيت قول الله:(وما أهل لغير الله به).فقال: إنما ذلك المجوس. انتهى./ أحكام أهل الذمة / الجزء/1ص514.، رغم ذلك قد أجازها بعضهم.
    وأيضا فقد أجاز بعض من علماء التابعين للمسلم أن يأمر المجوسي بالذبح والتسمية، كما ذكر ابن حزم في المحلى: / 7/456. "عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل مريض أمر مجوسيا أن يذبح ويُسمّي، ففعل ذلك، فقال سعيد بن المسيب: لا بأس بذلك"، وهو قول قتادة وأبي ثور، وفي رواية زاد أبو ثور: وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس. انتهى
    .
    ولما أجازها سعيد بن المسيب، وقتادة، وأبو ثور، اشترطوا أن يذكر المجوسي اسم الله على ذبيحته، وإلا فهي حرام كسائر ذبائح من لا يذكرون اسم الله عليها من اليهود، والنصارى، وحتى أهل التوحيد، إذا لم يذكروا اسم الله عليها، فأمروه بالذبح مقرونا بالتسمية ،لأن العلة هي ذكر اسم الله، واختلف العلماء في المرتد إلى دين اليهود والنصارى، فأكثرهم يحرم ذبيحته وأجازها إسحاق والأوزاعي، كما ذكر ابن قدامة في المغني: /19/444
    .
    وقد حدث الخلاف في زمن الصحابة والتابعين أكثر من ذلك، وهو القول بجواز ما ذبحه أهل الكتاب وأهلوا به لغير الله كما جاء عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وعطاء والشعبي والليث والأوزاعي ومكحول
    . أخرج الطبري في تفسيره لسورة المائدة: حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني معاوية، عن أبي الزاهرية حدير بن كريب، عن أبي الأسود، عن عُمَير بن الأسود: أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها "جرجس"، أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا! إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم! وأمره بأكله. انتهى.
    وتحريم ما ذبح للكنائس أمر معلوم من قول الله تعالى: (
    حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ). إلى قوله:( وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب).
    وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وقالوا إن الله تعالى قد أباح أكل ذبائحهم مع علمه بأنهم يهلون باسم المسيح على ذبائحهم وهو مذهب الأوزاعي والليث بن سعد أيضا، ورخص فى ذلك أيضا آخرون، روى ذلك عن عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وقال عطاء والشعبي: قد أحل الله ما أهل به لغير الله؛ لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا القول وأحل ذبائحهم، وإليه ذهب الليث وفقهاء أهل الشام: مكحول، وسعيد بن عبد العزيز، والأوزاعي قالوا: سواء سمى المسيح على ذبيحته، أو ذبح لعيد أو كنيسة، كل ذلك حلال. انتهى.

    أقول:
    رغم اختلافهم البين والوارد بينهم فيما أهل به لغير الله، وفيما أجازوه من ذبائح المجوس، وذبيحة المرتد إلى دين اليهود والنصارى، لم يكفر بعضهم بعضا، بل ولم يفسق أو يبدع بعضهم بعضا، لأن هناك وجها للتأويل، هذا ولتعلم أخي القارئ أن دعوى الإجماع غير ثابتة بغض النظر عن أنه ليس دليلا أصلا، فالدليل أو الحجة هما كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فقط، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ". أخرجه: ابن ماجة، والحاكم في المستدرك، من حديث العرباض بن سارية. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته الشهيرة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:" من كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت وإن الله قد قدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا فإن الله عز وجل قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر". انتهى. إلخ خطبته رضي الله عنه.
    فهذا أبو بكر رضي الله عنه يقول للمسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلف فيهم، كتاب الله وسنته، لا ثالث لهما، رغم أنهم كانوا أقرب إلى الإجماع في سائر شؤون أمورهم، ولوكان الإجماع حجة لما سكت عنه أبو بكر رضي الله عنه أثنا خطبته، لأنهم في حاجة إلى دليل يجمعهم، كيف لا وقد فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحث المسلمين، على التمسك بالكتاب والسنة ولم يزد في وصيته شيئا عليهما، كما حثهم النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله: من ادعى الاجماع فهو كذب لعل الناس قد اختلفوا. انتهى.
    ولم يقل أحد أن أحمد قد كفر. وأما استدلالهم بقول الله تعالى:( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/115.
    أقول: لا حجّة لكم في هذه الآية على لأن الإجماع الذي تعتبرونه دليلا ثالثا بعد الكتاب والسنة، فالآية تتكلم على من نصب العداء والمحاربة للنبي صلى الله عليه وسلم، وترك دين التوحيد وأهله بعد ما تبين له الحق، وترك سبيل المؤمنين وهم أهل التوحيد جميعا من آدم إلى يومنا هذا، ومشاققة الرسول هي الإتباع لغير سبيل المؤمنين، وهي كفر في حد ذاتها، والآية نزلت فيمن خالف دعوة التوحيد وتركه إلى دين آخر، وهم الخائنون الذين ذكرهم الله في قوله: (ولا تكن للخائنين خصيمًا )، لما أبى التوبة من أبى منهم، وهو طعمة بن الأبيرق، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدًّا، مفارقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه.
    وأيضا فهذه الآية تفسرها الآية الأخرى من سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ)/محمد 32. جاء في تفسير الطبري: يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن دينه الذي ابتعث به رسله (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) يقول: وخالفوا رسوله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فحاربوه وآذَوه من بعد ما علموا أنه نبيّ مبعوث، ورسول مرسل، وعرفوا الطريق الواضح بمعرفته، وأنه لِلهِ رسول. انتهى. وأما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ ". رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والحاكم وابن حبّان والترمذي.
    أقول:
    فهذا الحديث مقيد بالخلفاء دون غيرهم من الصحابة، ثم أن النبي صلى الله عيله وسلم لم يجعلهم حجّة علينا بعده، فأمرنا باتباعهم فيما فعلوه من الخير لا فيما أخطأوا فيه، لأنهم غير معصومين، روي أن عمر قال على المنبر: "ألا لا تغالوا في مهور نسائكم" فقامت امرأة فقالت يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنعنا؟،وتلت الآية. فقال كل الناس أفقه منك يا عمر وفي رواية امرأة أصابت وأمير أخطأ ورجع عن ذلك. وقال أيضا لما خالف الصحابة أبا بكر رضي الله عنهم، في واقعة المرتدين مانعي الزكاة: " فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق"، وكان الصديق رضي الله عنه يحمل أدلة كافية على قتالهم، وتلى عليه الآية والحديث:(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ):،و"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وقد حصل لعمر أولاً شبهة في قتالهم بنفس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ناظره الصديق، وبين له وجوب قتالهم، وأفهمه فقه الحديث، وقال له: والزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ لقاتلتهم على منعها. فرجع إليه عمر وترك ما كان عليه، وهذا يدل دلالة واضحة أن عمر أخطأ في فهم النص، لأنه غير معصوم، وأن الحق كان مع أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين، والقصة مشهورة في الصحيحين وغيرهما من كُتب أهل السير فلتراجع هُناك.
    وأما استدلالهم بما جاء في الأثر: حدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ:" فِي الرَّجُلِ يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ، قَالَ: لا بَأْسَ بِهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) ؟ قَالَ: "إِنَّمَا ذَبَحْتَ بِدِينِكَ". انتهى. على أنه يشترط دين الذابح. أقول: فهذه الفتوى حتى ولو افترضنا أن صاحبها يقصد ما تقصدون ليست بدليل، وصاحب الفتوى قد يصيب وقد يخطئ كما أخطأ مثلا أبو الدرداء رضي الله عنه، حينما سألوه عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها "جرجس"، أهدوه لها، أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا! إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم! وأمرهُ بأكله. ثم أن الاستدلال بهذه الفتوى، على اشتراط دين الذابح، وما هي إلا دليل على عدم وجود الدليل الشرعي من الكتاب والسنة الذي نطالب به من خالفنا، ولو أخذنا بفهمكم لها لحرمنا ذبائح أهل الكتاب لأنهم ليسوا على ديننا وقد وردت فِي الرَّجُلِ المسلم أصلا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ، وهذا لا حرج فيه، فقد ثبت في صحيح البخاري: عن عائشة رضي الله عنها أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا - حديث عهدهم بكفر- بلحماني لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: "سَمّوا الله أنتم وكلوا."، وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها أيضا، " أَن قوما قَالُوا يَا رَسُول الله إِن قَومنَا حَدِيث عهد بجاهلية يأتوننا بلحماني لَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهَا أم لم يذكرُوا أنأكل مِنْهَا أم لَا ؟ فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم :"اذْكروا اسْم الله وكلوا". رَوَاهُ البُخَارِيّ.
    هذا، وقد وجِد اختلاف بين السلف كبير في من ترك التسمية ناسيا كما ذكرنا من قبل، وقد أجازها منهم ما يقارب خمسة وعشرين أو أكثر، وابن أبي حاتم ذكر هذا الأثر.
    ثم أن رواية "كهيل ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ" هذه تفرد بها ابن أبي حاتم في تفسيره ، ولم توجد في الكتب الأخرى أصلا، وابن أبي حاتم ذكر هذا الأثر عند تفسيره لقوله تعلى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).، وذكر أثر آخر عن ابن عباس في الميتة، لا فيما "ذَبَحْتَ بِدِينِكَ" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية :(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) قال: "هي الميتة. " تفسير ابن أبي حاتم. الجزء /5ص 371، هذا مما يعني أنه لا يوجد دليل أصلا، وإنما كل ما في الأمر هي آثار، وتأويلات للمفسرين فقط، ومن جعلهم دليلا ثالثا بعد الكتاب والسنة، فقد يُخشى عليه أنه قدم بين يدي الله ورسوله، والعياذ بالله، قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). الْحُجُرَاتِ/ الآية 1.
    ثم إن مخالفينا، مرةً يستدلون علينا بقول الله تعالى من سورة المائدة: (إِلَّامَاذَكَّيْتُمْ).، ومرةً بقول الله أيضا من نفس السورة:(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)، ومرةً بالإجماع، ومرةً بالأثر، وكأنها أدلة مقنعة حسب فهمهم لها، ولو كانت هذه الاستدلالات في محلها، لما وجِد الخلاف بيننا وبينهم أبداً، لأنه يكفينا دليل واحد، ونسلم الأمر لِلِه وانتهى، لكن لما كانت هذه الاستدلالات في غير محلها، والبعض منها ليست بدليل أصلا، مازلنا نطالبهم أن يقدموا لنا دليلا واحدا فقط من الكتاب أو السنة على قولهم.
    حكم نصارى بني تغلب:
    الثابت عنهم أنهم من أهل الكتاب كما ستقف عليه أخي القارء إن شاء الله وقدر.
    وأما استدلالهم بقول علي رضي الله عنه في ذبائح نصارى بني تغلب فمردود أيضا من وجوه:

    أولا:
    أن علي رضي الله عنه لم يجزم بتحريم ذبائح نصارى بني تغلب، في احدى الروايات وإنما كان يكره ذبائحهم، وهذا ما صرح به ابن أبي شيبة فِي مُصَنفه فِي كتاب النِّكَاح ثَنَا عَبدة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن أبي معشر عَن إِبْرَاهِيم عَن عَلّي أَنه كَانَ يكره ذَبَائِح نَصَارَى بني تغلب وَنِسَائِهِمْ وَيَقُول هم من الْعَرَب. انْتَهَى. وَفِي لفظ كره ذَبَائِح نَصَارَى الْعَرَب وَنِسَائِهِمْ. انتهى.
    ثانيا:
    أن قول علي رضي الله عنه في ذلك بكراهية ذبائح نصارى بني تغلب ليس من جهة أنهم من غير أهل الكتاب وإنما من قِبل أنهم غير متمسكين بأحكام تلك الشريعة التي تحرم الميتة لأنه قال "إنهم لا يتعلقون من دينهم إلا بشرب الخمر" ، مما يعني أنهم لا يتورعون عن أكل الميتة مثل المجوس وغيرهم من عبّاد الأوثان أو المسلم الذي يأكل الميتة، ولم يقل لأنهم ليسوا من أهل الكتاب.
    فقول من قال إن بني تغلب لا يكونون من أهل الكتاب لأنهم لا يتمسكون من دينهم إلا بشرب الخمر وضمهم إلى أهل الشرك عبدة الأوثان، قول لا حجة فيه وهو مردود، وعلي نفسه رضي الله عنه صرح في احدى الروايات أن بني تغلب من النصارى،:
    عن ابن التيمي عن أبي عوانة عن الكلبي عن الأصبغ بن نباتة عن علي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه و سلم حين صالح نصارى بني تغلب على أن لا ينصروا الأبناء فإن فعلوا فلا عهد لهم". انتهى. الأستذكار لأبو عمر النمري باب جزية أهل الكتاب والمجوس. الجزء / 3 ص:250.
    وفي احدى الروايات أن علي أجزم صراحة بعدم جواز أكل ذبائح نصارى بني تغلب: رَوَىُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده أخبرنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِح نَصَارَى بني تغلب فَإِنَّهُم لم يَتَمَسَّكُوا من نَصْرَانِيَّتِهِمْ إِلَّا بِشرب الْخمر. انْتَهَى.
    فهذه الرواية فيها تصريح جازم من علي رضي الله عنه بعدم جواز اكل ذبائح بني تغلب، وإن كان في الرواية انْقِطَاعًا بَين إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعلي، لكن المنقول عَن كثيرٍ مِن الصحابة خِلاف ذلك، قال ابن أَبي شيبةَ: نَا عَفَّانُ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ : "كُلُوا ذَبَائِحَ بَنِي تغلب، وَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول:(
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَّارِ ي أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إلَّا بِالْوِلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ. انتهى.
    وقال البخاري: قال الزهِري: لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ وَإِنْ سَمِعْته يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَك وَعُلِمَ كُفْرُهُمْ. انْتَهَى. وَصَلَهُ عَبْدُ الرزاق 6/73، رقم 10037
    .
    ثالثا: أن بني تغلب من أهل الكتاب لأنهم ينتحلون نحلتهم في ولايتهم وإن لم يكونوا متمسكين بجميع شرائعهم بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم الآتي عن ابن عباس، وقال الله تعالى:( ومن يتولهم منكم فإنه منهم).
    فجعل الله تعالى من يتولى قوما فهو منهم أي في حكمهم ولذلك قال ابن عباس في نصارى بني تغلب أنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم لقوله تعالى: (
    ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، وذلك رداً منه على علي حين قال: "إنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر" قال: ابن عباس ذلك قال: النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين جاءه: " يَا عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، قُلْتُ: إِنِّي مِنْ أَهْلِ دِينٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ، قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَسْتَ رَكُوسِيًّا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتَ تَرْأَسُ قَوْمَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ". رواه أحمد وابن أبي شيبة، فنسبه إلى دين النصارى مع إخباره بأنه غير متمسك بدينهم إلا القليل، فأخذهُ المرباع وهو ربع الغنيمة غير مباحة في دين النصارى فثبت بذلك أن انتحال بني تغلب لدين النصارى يوجب أن يكون حكمهم حكم أهل الكتاب وإذا كانوا من أهل الكتاب وجب أخذ الجزية منهم، والجزاء والجزية واحد وهو أخذ المال منهم عقوبة وجزاء على إقامتهم على الكفر والكفر ملة واحدة.
    رابعا: جاء في رواية عن قصة بني تغلب: بأنهم دعوا إلى الإسلام فأبوا، ثم إلى الجزية فلم يطمئنوا إليها، وولوا هاربين يريدون اللحاق بأرض الروم، فقال النعمان بن زرعة لعمر: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب، يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال إنما هم أصحاب حروث ومواشي، ولهم نكاية في العدو فلا تعن عدوك عليك بهم قال: فصالحهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على أن ضاعف عليهم الصدقة، وقال: هي جزية وسموها ما شئتم. انتهى. أنظر مثلا كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الجزء/1 ص: 215.

    يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــع


    .
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 10
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    الخلاصة:
    وخلاصة ما سبق ذكره أنه ينبغي الجمع بين قول الله تعالى:(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) على قوله تعالى:( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)، و قوله تعالى أيضا:( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)، و قوله تعالى أيضا:( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)، فعندما تُرد الآيات إلى بعضها بعض، سرعان ما ينكشف لك الأمر أخي القارئ بوضوح تام لا لبس فيه ولا غبار، إن كنت ممن يتبع الحق، ولا تلتفت إلى غيره، ممن يقولون إن الله لما أجاز ذبائح اليهود والنصارى، لا نسأل هل ذكروا اسم الله عليها أم لا، والحق هو أن الله لما أجاز ذبائح أهل الكتاب، لعلمه انهم يذكرون اسمه عليها، وإلا فذبيحة المسلم متروكة التسمية عمداً أولى بأكلها من ذبيحة اليهود والنصارى.
    لكن من تمعن في الآيات سابقات الذكر، يجد بيانا واضحا، أن من لم يذكر اسم الله على ذبيحته فهي حرام وفسق، سواء كان من أهل التوحيد أو كان من غيرهم كأهل الكتاب والمشركين، ويجد أيضا، أن كل من ذكر اسم الله على ذبيحته وأهل بها لِلهِ فهي حلال سواء كان من أهل التوحيد أو كان من غيرهم من عامة الكفار
    . وأيضا، إذا كان الله قد حرم ذبائح أهل الشرك، سواء كانت لعبادتهم من دون الله المتمثلة فيما أهلوا به لغير الله، وذبحوه عَلَى أنصابهم، أو كانت فيما ذكروا عليه اسم الله كأضحية العيد حسبما فهمه البعض، فلماذا لم يحرم ذبائحهم كلها؟ بل فصّل في ما حرّمه من ذبائحهم وهي ما ذبحوه على النصب وما أهلوا به لغير الله فقط.
    وكما حرم الزواج من المشركات وتزويج المسلمات للمشركين مطلقا، فلم يكتف الله عز وجل بتحريم نساء أهل الشرك فقط، بل فصل حتى في إنكاح الرجال أيضا، ومادام الله لم يُفصل لنا فيما ذبحه أهل الشرك، وأهلوا به لِلهِ وذكروا عليه اسمه فهو جائز وحلال، ولا نُكلف أنفسنا في البحث عن الدليل وهو غير موجود أصلا، قال الله تعالى:(
    قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه).
    أما حكاية إجماع العلماء أو الصحابة على ذبيحة أهل الشرك بأنها حرام، غير مسلّم بها، وحتى وإن سلمنا بها جدلا, فهي فيما أهلوا به لغير الله، وهذا لم نختلف فيه لأن عليه نصا من كتاب الله ,ولِلهِ الحمد والمنة، أما ما ذبحه أهل الشرك للحم، وذكروا عليه اسم الله فهو جائز.
    ومما يستشهد به هنا إضافة إلى أن الأصل هو الإباحة حتى يرد النص ما ثبت عن علقمة؛ قال:
    قلت لابن مسعود رضي الله عنه: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم منكم أحد ليلة الجن؟ قال: ما صحبه أحدٌ منا، ولكنا كنا معه ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا؛ فإذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه، يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم". فقال صلى الله عليه وسلم: "فلا تستنجوا بهما؛ فإنه طعام إخوانكم
    ". رواه مسلم في صحيحه،وأخرجه أيضا أحمد والطبراني وأبو نعيم عن ابن مسعود.
    فلم يبين النبي صلى الله عليه وسلم للجن المسلمين اشتراط التوحيد في من ذكر اسم الله على العظم، والقاعدة المعمول بها تقول: "لا يجوز تأخير البيان عند الحاجة"، والحادثة كانت في مكة قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة، لقيام دولة الإسلام، وبناء مجتمع مسلم، حتى لا يعترض علينا بأن إخواننا من الجن، كانوا في مجتمع مسلم والمجتمع المسلم ذبائح أهله حلال، لكن الحادثة كما قلت كانت في مكة، وهؤلاء الجن كانوا في مجتمع جاهلي، ونظير هذاما ثبت في صحيح البخاري، "
    عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، وَذَاكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوَحْيُ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةً فِيهَا لَحْمٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لاَ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ". رواه البخاري.
    وليس في القصة ما يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم له ما ذبح على النصب حقيقة، وأيضا فتحريم أكل اللحم الذي ذبح على النصب لم يكن قد نزل به الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم أنذك ولكن كان محرما منذ نزول أدم عليه السلام، ثم إن زيدا رضي الله عنه كان يأكل من ذبائح أهل الشرك التي تُذبح للحم، ويذكر عليها اسم الله بدليل قوله:" إِنِّي لاَ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وفي رواية يقول لهم: "الشاة خلقها الله تعالى، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى؟". إنكارا لذلك، وإعظاما له. رواه البخاري في الصحيح.
    يُفهم منه أن زيدا كان يعتقد أن ذبائح أهل الشرك إذا لم تذبح للأنصاب وذكروا اسم الله عليها جائزة وحلال، ولولا ذلك لقال أنه لا يأكل ذبائح أهل الشرك مطلقا، ولكنه فصّل في ذبائحهم كما فصّل الله تعالى في آية المائدة في ما حرم من ذبائح أهل الشرك
    ، وكذلك الشأن بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
    قال ابن تيمية: وقال السدي: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعبد صنما قط، ولكنه أكل ذبائحهم حسب حديث زيد بن عمر بن نفيل في أسفل بلد ح وجرى على سنن من أمرهم وهو مع ذلك ينكر خطأ هم ما هم فيه، وخالفهم في أشياء كثيرة". انتهى. من كتاب "آيات أشكلت على كثير من العلماء" لأبن تيمية الجزء/ 1 ص:210/211.
    وقال ابن تيمية أيضا: فقال قوم: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على دين قومه، ولم يأكل ذبائحهم.، وهذا هو المنقول عن أحمد بن حنبل، قال: "من زعم انه كان على دين قومه فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل مما ذبح على النصب." انتهى. من كتاب "آيات أشكلت على كثير من العلماء" لأبن تيمية جزء 1 ص:198.

    وقال أيضا: قلتُ: "ولعل أحمد قال: أليس كان لا يعبد الأصنام؟ فغلط الناقل عنه، فإن هذا قد جاء في الأثر أنه كان لا يعبد الأصنام.، وأما كونه كان لا يأكل من ذبائحهم فهذا لا يعلم أنه جاء به أثر، وأحمد أعلم الناس بالأثر، فكيف يطلق قولا عن المنقولات لم يرد به نقل؟ ولكن هذا قد يشتبه بهذا، إلى أن يقول: هذا بخلاف الشرك وقد كان هو وأصحابه مقيمين بمكة بعد الإسلام يأكلون من ذبائحهم، لكن فرق بين ما ذبحوه للحم وما ذبحوه للنصُب على وجهة القربة للأوثان. فهذا من جنس الشرك لا يباح قط في شريعة، وهو من جنس عبادة الأوثان.، وأما ذبائح المشركين فقد ترد الشريعة بحلها كما كانوا يتزوجون المشركات اولاً." انتهى. المصدر السابق ص:الجزء/ 1 ص:199/200.
    وقال ايضا: "ولم يذكر ابن قتيبة أنه لم يكن يأكل من ذبائحهم، وكذلك غيره . بل قالوا: كان يأكل من ذبائحهم خلاف ما نُقل عن أحمد". انتهى. المصدر السابق جزء/ 1 ص:200.

    وقال الخطابي : "امتناعه من أكل ما في السفرة إنما كان خوفا من أن يكون ذلك مما ذبح لأصنامهم ، فأما ما ذبحوه لمأكلتهم، فكان النبي ( صلى الله عليه وسلم) لا يتنزه عنه ، لأنه كان بين ظهرانهم، ويتناول أطعمتهم، ولم يرووا أنه تنزه عن شيء من ذلك قبل نزول تحريم ذبائح الشرك إلا ما كان من اجتنابه الميتات طبعا، أو تقذرا، وما ذبح لأصنامهم لئلا يكون معظما لغير الله عصمة من الله عز وجل، ولم يزل عليه السلام على شريعة إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن يتناول ما لا يحل ولما لم يكن فيما ذبحوه لمأكلتهم معنى الميتة ، ولا معنى ما ذبح لأصنامهم، ولم ينزل عليه تحريمه ، كان الظاهر منه الإباحة كأمر النكاح ، فإنه أنكح ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع وهو مشرك ، وبقيت بعد الهجرة بمكة مدة ، ثم نزل تحريم إنكاحهم بعد ذلك ، فكذلك أمر أطعمتهم". انتهى./ شرح السنة للبغوي جزء/11 ص: 207. وانظر أيضا عمدة القارئ شرح صحيح البخاري باب ما ذبح على النصب والأصنام جزء/ 31 ص:22.
    وقال أيضا: "كان النبي صلى الله عليه و سلم لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام ويأكل ما عدا ذلك وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه لان الشرع لم يكن نزل بعد بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه الا بعد المبعث بمدة طويلة". انتهى. فتح الباري شرح البخاري باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل الجزء /7 ص:143.

    وقال الداودي: "كان النبي صلى الله عليه و سلم قبل المبعث يجانب المشركين في عاداتهم لكن لم يكن يعلم ما يتعلق بأمر الذبح وكان زيد قد علم ذلك من أهل الكتاب الذين لقيهم.، وقال السهيلي: فإن قيل فالنبي صلى الله عليه و سلم كان أولى من زيد بهذه الفضيلة فالجواب انه ليس في الحديث انه صلى الله عليه و سلم أكل منها وعلى تقدير أن يكون أكل فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي يراه لا بشرع بلغه وانما كان عند أهل الجاهلية بقايا من دين إبراهيم وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام والأصح أن الأشياء قبل الشرع لا توصف بحل ولا بحرمة مع أن الذبائح لها أصل في تحليل الشرع واستمر ذلك إلى نزول القران ولم ينقل أن أحدا بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نزلت الآية". انتهى. من فتح الباري شرح صحيح البخاري جزء/ 7 ص: 144.، والجزء/ 15 ص:215.
    واخرج البغوي وابن شاهين وابن السكن وابن مندة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم من طريق حزام بن هشام بن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة خرج منها مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحما وتمراليشتروا منها".
    إلى آخر الحادثة وهي مشهورة في كتب أهل السير، وأهل لأحاديث الطوال كالبيهقي مثلا في دلائل النبوة وانظرها في الخصائص الكبرى لجلال الدين الجزء/ 1 ص: 320.، وانظرها ايضا في الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله الجزء / 1 ص: 264.
    وانظرها أيضا في الأنوار في شمائل النبي المختار الجزء 1 ص: 187
    .
    فهذه امرأة معروفة (بأم معبد) و
    اسمها (عاتكة بنت خالد) وكنيتها (أم معبد) كانت هي وزوجها من أهل الشرك لكن لما مر عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر إلى المدينة مع أصحابه طلبوا منها لحما وهو طبعا من ذبائح أهل الشرك فلم يجدوا، ولو وجدوا لأكلوا. فهذه جملة من الأدلة قدمتها لك أخي القارئ، أما المخالفون فلم يقدموا لنا ولو دليلا واحدا، ونحن نقول لهم: لا دليل لكم إطلاقا على تحريم ذبيحة أهل الشرك التي ذكروا اسم الله عليها، ولم يقترفوا عند ذبحها شركا بالله، والله المستعان، وعليه التكلان.

    أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن أكون قد وُفقتُ في شرح هذه المسألة وبيانها للقاري الكريم، بما يوافق شرع الله سبحانه وتعالى، كما أسأله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فما كان من صواب فهو محض فضل الله تعالى، وما كان من خطا فمن نفسي والشيطان، وصل اللهم وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه.

    وللتذكير سأضع هذا البحث للفائدة في منتدى التوحيد الخالص تحت قسم "أبحاث ورسائل"
    هذا وقد كان الفراغ من هذا البحث مساء يوم الاثنين تسعة وعشرين ليلة خلت من شهر ذي القعدة:1438هـ. الموافق لـ: الواحد والعشرين من شهر أوت:2017 م.
    وكتبه أبو أسامة بمكتبة أم القرى.


    [
    اضغط هنا للتحميل المباشر ]
  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    عضو
    المشاركات: 47
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    تسمية المشرك على الذبيحة غير معتبرة

    1 - جاء فى احكام القرآن للجصاص: وقال ابن عباس: " المسلم ذكر الله في قلبه وقال كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الملة" اهـ
    2 - قاله الشيخ أَحْمَدُ بْنُ غُنَيْمِ النَّفْرَاوِيُّ في كتابه الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المالكي : وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ كَافٍ فِي جَوَازِ أَكْلِ مُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ لَجَعَلَتْ الْفُقَهَاءُ الشَّرْطَ تَسْمِيَةَ الذَّابِحِ فَقَطْ ، وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا وَ حَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ . اهـ
    3 - وجاء فى بدائع الصنائع للكاساني: نقل عن بن عباس قوله : "في المسلم اسم الله تعالى فإذا ذبح ونسي أن يسمي فكل وإذا ذبح المجوسي وذكر اسم الله تعالى فلا تطعمه"
    4 - وجاء فى الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار لابن عبد البر: "واحتج من ذهب هذا المذهب بأن قال لما كان المجوسي لو سمى الله تعالى لم تنفع تسميته شيئا لأن المراعاة لدينه كأن المسلم إذا ترك التسمية عامدا لا يضره لأن المراعاة لدينه"
    5 - وجاء ايضا فى الاستذكار لابن عبد البر: "وأجمعوا أن المجوسي والوثني لو سمى الله لم تؤكل ذبيحته"
    6 - وجاء فى احكام القرآن للجصاص: " وقد علمنا أن المشركين وإن سموا على ذبائحهم لم تؤكل"
    7 - وجاء فى التقرير والتحبير لمحمد بن محمد ابن أمير الحاج الحنبلي: " ولا يقال: المراد ذبيحة المشرك، والمجوسي فيتصور المنهي عنه ؛ لأنا نقول: حرمة ذبائحهم لا باعتبار ترك التسمية، فإن المشرك لا تحل ذبيحته ، وإن سمى الله تعالى"
    8 - وجاء في تفسير القرطبي: " وجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة"
    9 - وجاء فى الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره لأبو محمد مكي بن أبي طالب: "قولو: }وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْه{... ومعنى التسمية عند أكثر المفسرين في هذه الآية: المِلّة ، لأن المجوس لو سموا ذبائحهم لم تؤكل"
    10- وجاء تفسير البحر المحيط لأبو حيان محمد بن يوس بن علي بن يوس بن حيّان: " ذكر فى قوله تعالى }ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه{ اقوال وكان منها: وقال ابن بحر : صيد المشركين لأنهم لا يسمون عند إرسال السهم ولا هم من أهل التسمية"
    11 - ونقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى الدرر السنية قوله : "والمرتد لا تحل ذبيحته ، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها"
    12 - وجاء فى الجواهر المضية للشيخ محمد بن عبد الوهاب:" وأما المرتد فلا تحل ذبيحته ؛ وإن قال فيها بسم الله؛ لأن المانع لذلك ارتداده عن دين الإسلام، لا ترك التسمية"
    13 - وجاء فى الدرر السنية: وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عن ذبيحة الكافر والمرتد ، إذا ذبحت للحم وذكرا اسم الله عليها فكان مما قال: "التسمية من الكافر الأصلي ومن المرتد، غير معتبرة، لبطلان أعمالهما، فوجودها كعدمها"

    14 - وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: " ومن استدل على ذبيحة الوثني والمرتد، بقوله تعالى: }فَكُلُوا مِمَّا ذكِرَ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ{، فهو من أجهل الناس بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة" اهـ
    ثم إن المتأمل في النصوص المستدل بها على جواز أكل ذبيحة المشرك يجد أن الخطاب فيها متعلق بالمسلمين كما في قوله تعالى : إلا ما ذكيتم . الآية قال ابو جعفر الطبري عليه رحمة الله : يعني جل ثناؤه بقوله " إلا ما ذكيتم" إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا . اهـ فكل من يفقه لغة العرب يعلم أن الخطاب موجه للمسلمين و الآية كما هو معروف مدنية و لم يكن يومها بين ظهراني المسلمين وثني واحد فكيف ندخل فيها من ليس بمخاطب بها و إن خالف الشوكاني في ذلك على مذهب من يرى أن الشوكاني خالف فيه بل من المفارقات ان نجد ان الشوكاني عليه رحمة الله ينقل عن ابن عباس رضي الله عنه و ارضاه انه خصص عموم الاية باستثناء اهل الكتاب من عموم اهل الشرك و الكفر لان النسخ عند ابن عباس يريد به التخصيص كما نقل ايضا عليه رحمة الله عن عبد الله بن يزيد الخطمي شرحا يبين فيه من المقصود بالذاكر لاسم الله على الذبائح: أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فَنُسِخَ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كُلُوا ذَبَائِحَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي النَّسْخِ . اهـ تفسير القدير للشوكاني
  5. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    عضو
    المشاركات: 47
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ثم ان أهل العلم قد عللوا حل ذبيحة أهل الأهواء بثبوت الإسلام لهم من عدمه كما انه رد على من علل سبب عدم قبول ذبائح هذه الفرق لكونهم يذبحونها لغير الله أو أنهم لا يذكرون اسم الله عليها و ارجو من ناقل المقال ان يتقيد بفهم اهل العلم حتى لا يقع فريسة لهواه فالخير يكمن في اقتفاء اثر من سلف
    قال الشوكاني رحمه الله في نيل الاوطار : قال الخطابي أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحاتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام ...اهـ
    ذكر منصور البهوتي في كتابه كشاف القناع على متن الإقناع :والدروز والنصيرية والتبانية فرق بجبل الشوف وكسروان لهم أحوال شنيعة وظهرت لهم شوكة أزالها الله تعالى لا تحل ذبائحهم ولا يحل نكاح نسائهم ولا أن ينكحهم المسلم وليته قلت حكمهم كالمرتدين .. اهـ
    و قال ايضا : ولا تباح ذبيحة من أحد أبويه كافر غير كتابي ولا صيده غير سمك ونحوه ولا ذكاة مجنون وسكران وطفل غير مميز وتباح من مميز ولو دون عشر ولا ذكاة مرتد وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب ولا مجوسي ولا وثني ولا زنديق وكذا الدروز والتيامنة والنصيرية بالشام ...اهـ
    وقال ابن عابدين في حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار : تنبيه يعلم مما هنا حكم الدروز والتيامنة فإنهم في البلاد الشامية يظهرون الإسلام والصوم والصلاة مع أنهم يعتقدون تناسخ الأرواح وحل الخمر والزنا وأن الألوهية تظهر في شخص بعد شخص الحشر والصوم والصلاة والحج ويقولون المسمى المعنى المراد ويتكلمون في جناب رآه كلمات فظيعة وللعلامة المحقق عبد الرحمن العمادي فيهم فتوى مطولة وذكر فيها أنهم ينتحلون عقائد النصيرية والإسماعيلية الذين يلقبون بالقرامطة والباطنية الذين ذكرهم صاحب المواقف ونقل عن علماء إذنه الأربعة أنه لا يحل إقرارهم في أخذها الإسلام بجزية ولا غيرها ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم ...اهـ
    وقال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ " الدُّرْزِيَّةِ " و " النصيرية " : مَاحُكْمُهُمْ؟
    الْجَوَابُ فَأَجَابَ : هَؤُلَاءِ " الدُّرْزِيَّةُ " و " النصيرية " كُفَّارٌ باتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَلَانِكَاحُ نِسَائِهِمْ ؛بَلْ وَلَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ...اهـ
    جاء في كتاب شرح الفقه على المذاهب الأربعة : ولا تحل ذبيحة مرتد، ولا مجوسي، ولا وثني، ولا زنديق، ولا درزي وكل من لا يدين بكتاب، أخذاً من مفهوم قوله تعالى: ”وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم” أي فلا يحل لكم طعام غيره .اهـ
    قال ابن حزم في المسالة 1060 في كتابه المحلى: - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذَكَّاهُ غَيْرُ الْيَهُودِيِّ , وَالنَّصْرَانِيِّ , وَالْمَجُوسِيِّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مُرْتَدٌّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِ كِتَابِيّ ... اهـٍ
    قال الإمام البخاري رحمه الله في خلق أفعال العباد : ( ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى ولايسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم ) ..اهـ
    جاء في الفتاوى الهندية للجنة العلماء برئاسة نظام الدين البلخي الحنفي : فان انتقل الكتابي إلى دين غير أهل الكتاب من الكفرة لا تؤكل ذبيحته , و لو انتقل غير الكتابي من الكفرة إلى دين أهل الكتاب تؤكل ذبيحته , و الأصل فيه انه ينظر إلى حاله و دينه وقت ذبحه دون ما سواه ... اهـ
  6. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    عضو
    المشاركات: 47
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    قال السرخسي في المبسوط: قال ولا بأس بذبيحة المسلمة والكتابية لأن تسمية الله تعالى على الخلوص يتحقق من النساء كما يتحقق من الرجال وكذلك الصبي الذي يعقل ويضبط فهو من أهل تسمية الله تعالى على الخلوص ولهذا صح إسلامه وإن كان لا يعقل فلا يتحقق منه تسمية الله تعالى على الخلوص وهو شرط الحل فهذا لا خير في ذبيحته قال ولا بأس بذبيحة أهل الكتاب من أهل الحرب هكذا روي عن علي رضي الله تعالى عنه وهذا لأنهم يدعون التوحيد سواء كانوا أهل الذمة أو أهل الحرب وإنما أباح الشارع ذبائحهم لأنهم أهل الكتاب قال الله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم . المائدة والحربي والذمي في ذلك سواء ...اهـ
    وقال محمد الخطيب الشربيني في مغني المحتاج ج4ص265 : قال ابن عباس وإنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل رواه الحاكم وصححه وسواء اعتقدوا إباحته كالبقر والغنم أم تحريمه كالإبل وأما سائر الكفار كالمجوسي والوثني والمرتد فلا تحل ذبيحتهم ولا مصيدهم ولا معقورهم لعدم حل مناكحتهم قال تعالى " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " أجيب بأن كلامه في الذكاة استقلالا...اهـ
    وقال السيوطي رحمه الله في الدر المنثورج 3ص23: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : أحللنا طعامهم ونساؤهم وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : انما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة و الانجيل...اهـ

    وقال ابن حزم رحمه الله في المحلى مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذَكَّاهُ غَيْرُ الْيَهُودِيِّ , وَالنَّصْرَانِيِّ , وَالْمَجُوسِيِّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مُرْتَدٌّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِ كِتَابِيٍّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ دِينٍ كِتَابِيٍّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مَنْ دَخَلَ فِي دِينٍ كِتَابِيٍّ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ لَنَا إلَّا مَا ذَكَّيْنَاهُ أَوْ ذَكَّاهُ الْكِتَابِيُّ كَمَا قَدَّمْنَا . وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا لَيْسَ كِتَابِيًّا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى الْإِسْلَامِ إذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِهِ , أَوْ الْقَتْلُ فَدُخُولُهُ فِي دِينٍ كِتَابِيٍّ غَيْرِ مَقْبُولٍ مِنْهُ وَلَا هُوَ مِنْ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ , وَالْمُرْتَدُّ مِنَّا إلَيْهِمْ كَذَلِكَ , وَالْخَارِجُ مِنْ دِينٍ كِتَابِيٍّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ إنَّمَا تَذَمَّمَ وَحَرُمَ قَتْلُهُ بِالدِّينِ الَّذِي كَانَ آبَاؤُهُ عَلَيْهِ , فَخُرُوجُهُ إلَى غَيْرِهِ نَقْضٌ لِلذِّمَّةِ لَا يَقَرُّ عَلَى ذَلِكَ - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ , وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ...اهـ
    قال ابن رشد عليه رحمة الله في كتابه بداية المجتهد و نهاية المقتصد : و إنما هذا حكم خصهم الله تعالى به ، فذبائحهم والله أعلم جائزة لنا على الإطلاق وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة ، فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم . اهـ
    ثم ها نحن نسألكم :هل تقرون غير اليهود و النصارى على دينهم ؟ فان قلتم نعم فقد جئتم بشيء جديد يلزمكم بذلك معاملتهم بسائر أحكام اهل الكتاب لأنهم الوحيدين الذين يقرون على دينهم و إن قلتم لا رددتم على أنفسكم و كفى الله المؤمنين القتال أما دين الله فلا يقر كافر على دينه غير اليهود و النصارى و لا نعلم خلاف بين اهل الاسلام في ذلك .
    قال ابن قدامة في المغني : ولنا أنه كافر لا يقر على دينه فلم تحل ذبيحته كالوثني ولأنه لا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم فانه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل نكاح المرتدة. اهـ
    و قال عليه رحمة الله ايضا قال أبوحنيفة : تباح ذبيحته بكل حال لعموم النصوص لأنه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته . اهـ
    قال مُوَفَّقُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ في الشرح الكبير مسألة : وإن انتقل أحد الكتابيين إلى دين لا يقر عليه فهو كردته إذا انتقل الكتابي إلى غير دين أهل الكتاب من الكفر لم يقر عليه لان علم في هذا خلافا لأنه انتقل إلى دين لا يقر أهله بالجزية كعبادة الأوثان وغيرها مما يستحسنه فالأصلي منهم لا يقر على دينه فالمنتقل إليه أولى . اهـ
    قال محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي في كتابه تاج العروس:قال الراغِبُ : فيه تنبيهٌ أن الكافِرَ يَحتاج إلى عَهدَيْن : عَهْدٍ مِن اللّه وهو أن يكونَ مِن أهلِ كتابٍ أنزلَه اللَّهُ وإلّا لم يُقَرَّ علَى دِينه ولم يُجْعلْ في ذِمَّةٍ و إلى عَهدٍ مِن الناس يَبذلُونه...اهـ
    فهل بقي لكم أي متعلق اذا علمتم انه ما عدا اهل الكتاب لا يقر غيرهم على دينه و الذي يقر على دينه ببذل الجزية هو من لا يجبر على الاسلام و يجعل في ذمته إذا كان خاضعاًً لأحكام الإسلام و هما على سبيل الحصر اهل الكتاب اليهود و النصارى و منهم من عد المجوس من اهل الكتاب لان لهم شبهة كتاب فاثبتوا لهم أحكامهم و الزموا انفسكم ما هو متقرر و ظاهر في الشريعة ان كنتم صادقين ؟!
    وقال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، وما رأينا أحداً من العلماء تكلم في هذه المسألة، إلا ويذكر تحريم ذبائح ما عدا أهل الكتاب، ولا يذكر في ذلك مخالفاً، إلا مخالفة أبي ثور في المجوس، ومخالفة إسحاق في المرتد إلى دين أهل الكتاب خاصة ... قال الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، في الشرح الكبير: فأما ذكاة المجوس، فلا تحل في قول أهل العلم، وشذ أبو ثور، فأباح صيده وذبيحته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، ولأنهم يُقَرُّون بالجزية، فتباح ذبيحتهم وصيدهم، كاليهود والنصارى؛ وهذا قول يخالف الإجماع، فلا عبرة به. قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، قال أحمد: هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً، ما أعجب هذا؟ يعرض بأبي ثور.
    وممن منع أكل ذبائحهم: ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وجابر، وأبو بردة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن بن محمد، وعطاء، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد؛ ولا أعلم خلافه إلا أن يكون صاحب بدعة، ولأن الله تعالى قال: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [سورة المائدة آية: 5]، فمفهومها: تحريم طعام غيرهم من الكفار، ولأنهم لا كتاب لهم، فلا تحل ذبائحهم كأهل الأوثان، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه الإمام، وقد تقدم. قال: ولأن كفرهم مع أنهم غير أهل كتاب، يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم، بدليل سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وإنما أخذت منهم الجزية، لأن شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم، فلما غلبت في التحريم لدمائهم، وجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء احتياطاً، للتحريم في الموضعين، ولأنه إجماع؛ فإنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، ولا في من بعدهم، إلا في رواية عن سعيد بن المسيب، روي عنه خلافها. اهـ الدرر السنية
  7. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    عضو
    المشاركات: 47
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    و اخيرا و ليس اخرا نذكركم بقول الله تعالى الذي تقشعر منه الجلود و تخضع له الرقاب و تستسلم له المضغة و الاركان قال تعالى: { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . (115) و { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } (116) سورة النحل .
    و قال تعالى : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (33) سورة الاعراف .
    قال بن جبرين في شرح العقيدة الطحاوية كلاما جميلا عند تناوله للاية الكريمة ارتأينا ان نختم به قال :
    قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم). وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر ، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر رضي الله عنه، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً، ولا في السنة أثراً، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني وأستغفر الله].
    هذه مسألة جديدة، وهي: مسألة الفتيا بغير علم، والجرأة على الفتيا، والقول في الشرع بغير علم ذنب كبير، وقد روي عن بعض السلف، وروي مرفوعاً: ( أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار ) يعني: الفتيا بغير علم؛ وذلك لأن الذي يتكلم ويقول في الشرع وفي الدين برأيه وبهواه وبما يستحسنه، ينصب نفسه مشرعاً، وكأنه نائب عن الله، ومزاحم للرب تعالى في شرعه، يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وليس عنده مستند، وإنما يعتمد على ما يستحسنه، وما يراه في هواه ملائماً لواقعه، أو نحو ذلك، فلا جرم أن كان هذا ذنباً كبيراً، حتى قال بعضهم: القول على الله بلا علم أكبر من الشرك، واستدلوا بهذه الآية التي في سورة الأعراف، والتي حرم الله فيها خمسة أشياء، فبدأ بالأسهل ثم الذي فوقه إلى أن أتى إلى أعلاها وأشدها تحريماً، فقال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ َ } [الأعراف:33] فهذا التحريم الأول، ثم جاء بعده ما هو أشد منه: { وَالإِثْمَ } [الأعراف:33] فالإثم أشد من الفواحش، ثم جاء بعد الإثم ما هو أشد منه تحريماً فقال: { وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } [الأعراف:33] والبغي: الاستطالة على الناس بغير حق، فهو أكبر من الإثم، ثم جاء بعد البغي أكبر منه: { وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } [الأعراف:33]، ثم جاء بعد الشرك أكبر منه: { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } [الأعراف:33] فجعل القول على الله أكبر الخمسة التي حرمت في هذه الآية؛ وذلك لأن الذي يقول على الله كأنه رفع نفسه فوق الأنبياء، ورفع نفسه فوق العلماء، وجعل نفسه مشرعاً يحلل ويحرم ويقول على الله ما ليس له به علم. كان العلماء الجهابذة الذين بلغوا الذروة في المعرفة، وكانوا على جانب من الورع، يسأل كثير منهم فيتوقفون في المسألة إذا لم يكن فيها دليل صريح واضح، يردها هذا إلى هذا إلى أن يتولى الفتيا والقول فيها أحدهم، فيكتفي به عن نفسه.
    وكان الإمام أحمد رحمه الله كثيراً ما يتلو الآية التي في سورة النحل وهي قول الله تعالى: { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } [النحل:116] الذين يقولون: هذا حلال بأهوائهم، وهذا حرام بأهوائهم، بدون دليل، يقول: إن هذا من الافتراء والكذب على الله تعالى، والقول عليه بغير علم، والآيات التي تقدمت كلها تدل على النهي عن أن يقول الإنسان على الله بغير علم.
    ذكروا أن الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الذي كانت تضرب إليه آباط الإبل، وكان هو المرجع في زمانه، سأله مرة قوم عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع مسائل، وتوقف عن ست وثلاثين مسألة! فقالوا له: أتتوقف وتقول: لا أدري وأنت مالك بن أنس ؟! فقال: نعم، لا أدري، لا أدري، قولوا: مالك بن أنس لا يدري، قولوا: مالك يقول: لا أدري.
    وكان كثير من العلماء يحثون على التوقف عن المسائل، فيقولون: من أخطأ (لا أدري) أصيبت مقاتله، أي: أنه إذا صار يفتي ولا يتوقف، ويستحيي أن يقول: لا أدري، فإنه قد تصاب مقاتله، بأن يزل مرة هنا، ومرة في هذه المسألة، ويحاسبه الله تعالى على أقواله بغير علم، فيقع في الهلاك والعياذ بالله، فالذي عنده علم بالمسألة، وعنده يقين بحكمها، ودليل عليها، وسئل عنها، لا يجوز له السكوت، ولا يجوز له التوقف، بل يقول بموجب علمه بالدليل، ولا يكتم العلم لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من النار )، أما إذا سئل وهو لا يعلم، وليس عنده خبرة بهذه المسألة، فلا يجوز له الإقدام عليها، بل يحيله إلى من هو أعلم منه، وإلى من عنده علم بتفصيل هذه المسائل ونحوها . اهـ
    فالناس في دين الله تعالى أصناف ثلاثة :
    صنف اعرضوا عن دين الله تعالى لم يتعلموه و لم يعملوا به انشغلوا بدنياهم عن دينهم
    و صنف سلكوا طريق التعلم على غير سبيل النجاة فاهملوا العمل بما تعلموه لشيء في انفسهم و هذان الصنفان على خطر كبير و هما حقيقة حالنا و واقعنا نسال الله تعالى العافية و صلاح الحال امين
    و صنف تعلموا دين الله للعمل به فجمعوا بين العلم و العمل و هؤلاء هم الطائفة المنصورة التي قال فيها المصطفى صلى الله عليه و سلم ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم و لا من خذلهم ... الحديث و ما اجمل ما قاله علي ابن ابي طالب رضي الله عنه و أرضاه عند وعظه لكميل
    ففي جامع الاحاديث للسيوطي عن كميل بن زياد قال : أخذ بيدى على بن أبى طالب فأخرجنى إلى ناحية الجبانة فلما أصحر تنفس ثم قال يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها احفظ عنى ما أقول لك الناس ثلاثة عالم ربانى ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة يا كميل محبة العالم دين يدان بها العلم يكسب العالم الطاعة لربه فى حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته وصنيعة المال تزول بزواله والعلم حاكم والمال محكوم عليه يا كميل مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقى الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم فى القلوب موجودة هاه إن ها هنا لعلما وأشار إلى صدره لو أصبت له حملة ثم قال اللهم بلى أصبته لَقِنًا غير مأمون يستعمل آلة الدين فى الدنيا ويستظهر بحجج الله على أوليائه وبنعمه على كتابه أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له فى أحيائه يقدح الزيغ فى قلبه بأول عارض من شبهة اللهم لا ذا ولا ذاك أو من هو ما باللذات سلس القياد للشهوات ومغرما بالجمع والإدخار وليسا من دعاة الدين أقرب شبها بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حملته ثم قال اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهر مشهور وإما خائف مغمور لئلا يبطل حجج الله وبيناته وكم وأين أولئك أولئك الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها فى قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستسهلوا ما استوعر منه المترفون وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى يا كميل أولئك خلفاء الله فى أرضه الدعاة إلى دينه هاه شوقا إلى رؤيتهم أستغفر الله لى ولك (ابن الأنبارى فى المصاحف ، والمرهبى فى العلم ، ونصر فى الحجة ، وأبو نعيم فى الحلية ، وابن عساكر) ... اهـ
  8. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 10
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    بسم الله الرحمن الرحيم:

    قولك: )
    تسمية المشرك على الذبيحة غير معتبرة)
    أقول: ما دليلك على هذا القول؟
    وما الدليل على أن تسمية اليهود والنصارى معتبرة دون غيرهم من المشركين؟.
    ثانيا: قولكم؟: (
    1- جاء فى احكام القرآن للجصاص: وقال ابن عباس: " المسلم ذكر الله في قلبه" وقال :كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الملة" اهـ).
    أقول: هذه الفتوى ذكرها الجصاص في أحكام القرآن عن ابن عباس. جزء:4 ص:171. ولم أجد تخريجها، ولقد أسهبتُ في الرد على ما يشبهها في ثنايا بحث "ذبيحة أهل الشرك اليوم بين الإباحة والتحريم" تحت عنوان " الإجماع المُدعى "وهي فتوى لأبي مالك مماثلة لهذه، فليراجع هذا في موضعه.
    ثم إن العلماء الذين تناولوا مثل هذه الفتوى وغيرها، يقصدون بذلك ما ذبحه أهل الشرك على النصب، وإن سموا على ذبائحهم، فمن يقرآ مثلا للجصاص يجده من العلماء الذين يحرمون ذبائح أهل الشرك، لكن من تمعن في كلامه بكامله، ولم يبتره كما يفعل البعض، يجده يقصد ما ذبحوه وأهلوا به لغير الله، وإن سموا الله عليه، وإليك كلامه على سبيل المثال يقول: وقد علمنا أن المشركين وإن سموا على ذبائحهم لم تؤكل مثل ذلك على أنه لم يرد ذبائح المشركين إذ كانت ذبائحهم غير مأكولة سموا الله عليها أو لم يسموا وقد نص الله تعالى على تحريم ذبائح المشركين في غير هذه الآية وهو قوله تعالى:(
    وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ).انتهى. من أحكام القرآن جزء:7 ص:12.
    قولك:(
    2 – قاله الشيخ أَحْمَدُ بْنُ غُنَيْمِ النَّفْرَاوِيُّ في كتابه الفواكه الدواني على رسالةابن أبي زيد القيرواني المالكي : وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ كَافةٍ فِي جَوَازِ أَكْلِ مُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ لَجَعَلَتْ الْفُقَهَاءُ الشَّرْطَ تَسْمِيَةَ الذَّابِحِ فَقَطْ ، وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا وَ حَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ . اهـ
    3 - وجاء فى بدائع الصنائع للكاساني: نقل عن بن عباس قوله : "في المسلم اسم الله تعالى فإذا ذبح ونسي أن يسمي فكل وإذا ذبح المجوسي وذكر اسم الله تعالى فلا تطعمه"
    4 - وجاء فى الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار لابن عبد البر: "واحتج من ذهب هذا المذهب بأن قال لما كان المجوسي لو سمى الله تعالى لم تنفع تسميته شيئا لأن المراعاة لدينه كأن المسلم إذا ترك التسمية عامدا لا يضره لأن المراعاة لدينه"
    :5 - وجاء ايضا فى الاستذكار لابن عبد البر: "وأجمعوا أن المجوسي والوثني لو سمى الله لم تؤكل ذبيحته"
    6 - وجاء فى احكام القرآن للجصاص: " وقد علمنا أن المشركين وإن سموا على ذبائحهم لم تؤكل"
    7 - وجاء فى التقرير والتحبير لمحمد بن محمد ابن أمير الحاج الحنبلي: " ولا يقال: المراد ذبيحة المشرك، والمجوسي فيتصور المنهي عنه ؛ لأنا نقول: حرمة ذبائحهم لا باعتبار ترك التسمية، فإن المشرك لا تحل ذبيحته ، وإن سمى الله تعالى"
    8 - وجاء في تفسير القرطبي: " وجود التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة"
    9 - وجاء فى الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره لأبو محمد مكي بن أبي طالب: "قولو: }وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْه{... ومعنى التسمية عند أكثر المفسرين في هذه الآية: المِلّة ، لأن المجوس لو سموا ذبائحهم لم تؤكل"
    10- وجاء تفسير البحر المحيط لأبو حيان محمد بن يوس بن علي بن يوس بن حيّان: " ذكر فى قوله تعالى }ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه{ اقوال وكان منها: وقال ابن بحر : صيد المشركين لأنهم لا يسمون عند إرسال السهم ولا هم من أهل التسمية"
    11 - ونقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى الدرر السنية قوله : "والمرتد لا تحل ذبيحته ، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها"
    12 - وجاء فى الجواهر المضية للشيخ محمد بن عبد الوهاب:" وأما المرتد فلا تحل ذبيحته ؛ وإن قال فيها بسم الله؛ لأن المانع لذلك ارتداده عن دين الإسلام، لا ترك التسمية"
    13 - وجاء فى الدرر السنية: وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عن ذبيحة الكافر والمرتد ، إذا ذبحت للحم وذكرا اسم الله عليها فكان مما قال: "التسمية من الكافر الأصلي ومن المرتد، غير معتبرة، لبطلان أعمالهما، فوجودها كعدمها"
    14 - وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: " ومن استدل على ذبيحة الوثني والمرتد، بقوله تعالى: }فَكُلُوا مِمَّا ذكِرَ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ{، فهو من أجهل الناس بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة" اهـ
    ثم إن المتأمل في النصوص المستدل بها على جواز أكل ذبيحة المشرك يجد أن الخطاب فيها متعلق بالمسلمين كما في قوله تعالى : إلا ما ذكيتم . الآية قال ابو جعفر الطبري عليه رحمة الله : يعني جل ثناؤه بقوله " إلا ما ذكيتم" إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا . اهـ فكل من يفقه لغة العرب يعلم أن الخطاب موجه للمسلمين و الآية كما هو معروف مدنية و لم يكن يومها بين ظهراني المسلمين وثني واحد فكيف ندخل فيها من ليس بمخاطب بها و إن خالف الشوكاني في ذلك على مذهب من يرى أن الشوكاني خالف فيه بل من المفارقات ان نجد ان الشوكاني عليه رحمة الله ينقل عن ابن عباس رضي الله عنه و ارضاه انه خصص عموم الاية باستثناء اهل الكتاب من عموم اهل الشرك و الكفر لان النسخ عند ابن عباس يريد به التخصيص كما نقل ايضا عليه رحمة الله عن عبد الله بن يزيد الخطمي شرحا يبين فيه من المقصود بالذاكر لاسم الله على الذبائح: أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فَنُسِخَ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كُلُوا ذَبَائِحَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي النَّسْخِ . اهـ تفسير القدير للشوكاني).
    أقول:أنا اشترطت تقديم الدليل، وبما أن هذه الأقوال خالية من الدليل، فهي غير معتبرة أصلا، وقد ذكرتُ في بحث )ذبيحة أهل الشرك اليوم بين الإباحة والتحريم( تحت عنوان "الإجماع المُدعى" أن "من احتجّ بالعلماء كائنا من كانوا، وجعلهم دليلا بعد الكتاب والسنة لم يأت بحجّة أصلا". وتناولت فيه أيضا اختلاف أصحاب القرون الأولى كالصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من التابعين، في ما ذبح للكنيسة، متأولين في ذلك قول الله تعالى من سورة المائدة:(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ). وقلتُ: رغم ذلك لم يكفر أو يفسق بعضهم بعضا، لأن هناك وجها للتأويل. ويبدو لي أنك لم تراجع ما كتبت أولم تتمعن فيه، ولذلك أنصحك بمراجعة البحث والتمعن فيه جيدا حتى تكون على بينة من الأمر.
    وأيضا حتى لو ذكرت أنا من يقول بجواز أكل ذبائح أهل الشرك لا يعد ذلك دليلا أصلا، فالدليل هو كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فقط، لأنهما وحي من الله فانتبه.
    وقد وقفت على هذه الأقوال قبل أن أكتب البحث المذكور سابقا، وهي حجة عند من يحرم ذبيحة أهل الشرك مطلقا، تاركا وراءه قول الله تعالى: (
    وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ). الأنعام: 119.
    هذه خلاصة كلامي في الأقوال المستدل بها.

    والآن مع أقوالك وفهمك لأقوال أهل العلم.
    قولك: بأن الآية :(
    إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ). هو:(الخطاب فيها متعلق بالمسلمين).

    يتبـــــــــــــــــــــع
  9. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 10
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    وكان استدلالك بما جاء في تفسير الطبري: (قال ابو جعفر الطبري عليه رحمة الله : يعني جل ثناؤه بقوله " إلا ما ذكيتم" إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورا .انتهى).
    أقول: لم يبين أبو جعفر الطبري في كلامه أن الخطاب في الآية متعلق بالمسلمين فقط، وإنما قال: " إلا ما طهرتموه بالذبح" فالطبري لم يفسر الآية على أنها استثناء لتذكية أهل الإسلام من تذكية غيرهم، بل قال: "ثم اختلف أهل التأويل فيما استثنى الله بقوله:"إلا ما ذكيتم". فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه من قوله:"وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع" ... فتأويل الآية على قول هؤلاء: حرمت الموقوذة والمتردِّية، إن ماتت من التردِّي والوقذ والنطح وفَرْس السبع، إلا أن تدركوا ذكاتها، فتدركوها قبل موتها، فتكون حينئذ حلالا أكلُها. وقال آخرون: هو استثناء من التحريم، وليس باستثناء من المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى في قوله:"حرمت عليكم الميتة"، لأن الميتة لا ذكاة لها، ولا للخنزير. قالوا: وإنما معنى الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما سمينا مع ذلك، إلا ما ذكيتم مما أحلَّه الله لكم بالتذكية، فإنه لكم حلال".
    ولم يذكر الطبري أن أحدا من أهل العلم قال أن الاستثناء هولأهل الإسلام دون أهل الشرك فانتبه.
    فمفهوم الطبري للآية غير مقيد بالمسلمين، وهو خلاف لفهمك، كيف لا وهو يقول: أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدون "الميتة" من الحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردي والانتطاح وفرس السبع. فأعلمهم الله أن حكم ذلك، حكم ما مات من العلل العارضة، وأن العلة الموجبة تحريم الميتة، ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به. انتهى. من تفسير الطبري جزء / 9 ص:507.
    والطبري يروي أثرا عن السدي في مفهوم الآية أيضا، فيقول: حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: "والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم". يقول: هذا حرام، لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدونه ميتا، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. فحرمه الله عليهم، إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح. انتهى. من المصدر السابق.
    أقول: في كلام السدي الذي نقله عنه أبو جعفر الطبري فائدتان لمن تأملهما.
    الفائدة الأولى: أن مفهوم الآية " إلا ما ذكيتم" يعود على المحرمات المذكورة في الآية، و هي "المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع"، وقد بسطت هذا في بحث "ذبيحة أهل الشرك اليوم بين الإباحة والتحريم" تحت عنوان "حكم ذبيحة أهل الشرك" فليراجع.
    الفائدة الثانية: أن الله تعالى حرم على أهل الشرك هذه المحرمات كما حرمها علينا نحن أهل التوحيد، وأباح ذبائحهم عندما يذكرون اسم الله عليها كما أباح ذبائحنا عندما نذكر اسم الله عليها.
    وأيضا، هل علمت بعد هذا أن فهمك للآية من حيث لغة العرب مخالف لفهم الطبري و السدي؟ خصوصا وأنك قلت قبل قليل:(
    فكل من يفقه لغة العرب يعلم أن الخطاب موجه للمسلمين).
    وهل غاب عن أبي جعفر الطبري والسدي وغيرهما فقه لغة العرب؟
    وهل بعد هذا تتقيد بفهمهم وتكون أخذت قسطا من الحقيقة أم تُخالفهم؟.
    وقولك:(
    ثم ان أهل العلم قد عللوا حل ذبيحة أهل الأهواء بثبوت الإسلام لهم من عدمه كما انه رد على من علل سبب عدم قبول ذبائح هذه الفرق لكونهم يذبحونها لغير الله أو أنهم لا يذكرون اسم الله عليها و ارجو من ناقل المقال ان يتقيد بفهم اهل العلم حتى لا يقع فريسة لهواه فالخير يكمن في اقتفاء اثر من سلف).
    أقول: كيف تحث الناس، وتنصحهم أن يتقيدوا بفهم أهل العلم والسلف، وأنت في نفس الوقت تُخالفهم؟ كما مر بنا قبل قليل، مع أن مخالفة أهل العلم لا تعني بالضرورة مخالفة الشرع في حد ذاته، وأرجو منك أن تتقيد بالدليل أولاً ثم تتقيد بفهم الدليل، لأننا أمة الدليل والدليل هو قائدنا.
    وأيضا لو كانت آراء العلماء وأقوالهم حجة فاصلة في مسألتنا هذه أو غيرها، لكان بإمكاني أن أحشد أقوالهم للاستدلال بها، ولذلك لم أطلب من المخالف تقديمها، وإنما طلبت الدليل الشرعي وهو الكتاب والسنة فقط، ولو اتبعنا أقوال العلماء ما خرجنا بنتيجة أبدا، في أي مسألة، ويكون حالنا كحال المقلدة للمذاهب الأربعة، فالحنابلة مثلا يحشدون أقوال علمائهم المخالفة للمذاهب الأخرى، والمالكية والحنفية والشافعية يفعلون مثل ذلك، وصار التناحر بينهم حتى وصل بهم الحد إلى تكفير بعضهم بعضا في المسائل الفقهية التي يحتمل فيها التأويل، وهذه هي الحال التي وصلنا إليها اليوم.

    قولك:( قال الشوكاني رحمه الله في نيل الاوطار: قال الخطابي أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحاتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام ...اهـ
    ذكر منصور البهوتي في كتابه كشاف القناع على متن الإقناع :والدروز والنصيرية والتبانية فرق بجبل الشوف وكسروان لهم أحوال شنيعة وظهرت لهم شوكة أزالها الله تعالى لا تحل ذبائحهم ولا يحل نكاح نسائهم ولا أن ينكحهم المسلم وليته قلت حكمهم كالمرتدين .. اهـ
    و قال ايضا : ولا تباح ذبيحة من أحد أبويه كافر غير كتابي ولا صيده غير سمك ونحوه ولا ذكاة مجنون وسكران وطفل غير مميز وتباح من مميز ولو دون عشر ولا ذكاة مرتد وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب ولا مجوسي ولا وثني ولا زنديق وكذا الدروز والتيامنة والنصيرية بالشام ...اهـ
    وقال ابن عابدين في حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار : تنبيه يعلم مما هنا حكم الدروز والتيامنة فإنهم في البلاد الشامية يظهرون الإسلام والصوم والصلاة مع أنهم يعتقدون تناسخ الأرواح وحل الخمر والزنا وأن الألوهية تظهر في شخص بعد شخص الحشر والصوم والصلاة والحج ويقولون المسمى المعنى المراد ويتكلمون في جناب رآه كلمات فظيعة وللعلامة المحقق عبد الرحمن العمادي فيهم فتوى مطولة وذكر فيها أنهم ينتحلون عقائد النصيرية والإسماعيلية الذين يلقبون بالقرامطة والباطنية الذين ذكرهم صاحب المواقف ونقل عن علماء إذنه الأربعة أنه لا يحل إقرارهم في أخذها الإسلام بجزية ولا غيرها ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم ...اهـ
    وقال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ " الدُّرْزِيَّةِ " و " النصيرية " : مَاحُكْمُهُمْ؟
    الْجَوَابُ فَأَجَابَ : هَؤُلَاءِ " الدُّرْزِيَّةُ " و " النصيرية " كُفَّارٌ باتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَلَانِكَاحُ نِسَائِهِمْ ؛بَلْ وَلَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ...اهـ
    جاء في كتاب شرح الفقه على المذاهب الأربعة : ولا تحل ذبيحة مرتد، ولا مجوسي، ولا وثني، ولا زنديق، ولا درزي وكل من لا يدين بكتاب، أخذاً من مفهوم قوله تعالى: ”وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكمأي فلا يحل لكم طعام غيره .اهـ
    قال ابن حزم في المسالة 1060 في كتابه المحلى: - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذَكَّاهُ غَيْرُ الْيَهُودِيِّ , وَالنَّصْرَانِيِّ , وَالْمَجُوسِيِّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مُرْتَدٌّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِ كِتَابِيّ ... اهـٍ
    قال الإمام البخاري رحمه الله في خلق أفعال العباد : ( ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى ولايسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم ) ..اهـ
    جاء في الفتاوى الهندية للجنة العلماء برئاسة نظام الدين البلخي الحنفي : فان انتقل الكتابي إلى دين غير أهل الكتاب من الكفرة لا تؤكل ذبيحته , و لو انتقل غير الكتابي من الكفرة إلى دين أهل الكتاب تؤكل ذبيحته , و الأصل فيه انه ينظر إلى حاله و دينه وقت ذبحه دون ما سواه ... اهـ
    يتبــــــــــــــــــــع
  10. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 10
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    قال السرخسي في المبسوط: قال ولا بأس بذبيحة المسلمة والكتابية لأن تسمية الله تعالى على الخلوص يتحقق من النساء كما يتحقق من الرجال وكذلك الصبي الذي يعقل ويضبط فهو من أهل تسمية الله تعالى على الخلوص ولهذا صح إسلامه وإن كان لا يعقل فلا يتحقق منه تسمية الله تعالى على الخلوص وهو شرط الحل فهذا لا خير في ذبيحته قال ولا بأس بذبيحة أهل الكتاب من أهل الحرب هكذا روي عن علي رضي الله تعالى عنه وهذا لأنهم يدعون التوحيد سواء كانوا أهل الذمة أو أهل الحرب وإنما أباح الشارع ذبائحهم لأنهم أهل الكتاب قال الله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم . المائدة والحربي والذمي في ذلك سواء ...اهـ
    وقال محمد الخطيب الشربيني في مغني المحتاج ج4ص265 : قال ابن عباس وإنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل رواه الحاكم وصححه وسواء اعتقدوا إباحته كالبقر والغنم أم تحريمه كالإبل وأما سائر الكفار كالمجوسي والوثني والمرتد فلا تحل ذبيحتهم ولا مصيدهم ولا معقورهم لعدم حل مناكحتهم قال تعالى " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " أجيب بأن كلامه في الذكاة استقلالا...اهـ
    وقال السيوطي رحمه الله في الدر المنثورج 3ص23: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : أحللنا طعامهم ونساؤهم وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : انما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة و الانجيل...اهـ
    وقال ابن حزم رحمه الله في المحلى مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذَكَّاهُ غَيْرُ الْيَهُودِيِّ , وَالنَّصْرَانِيِّ , وَالْمَجُوسِيِّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مُرْتَدٌّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِ كِتَابِيٍّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ دِينٍ كِتَابِيٍّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ , وَلَا مَا ذَكَّاهُ مَنْ دَخَلَ فِي دِينٍ كِتَابِيٍّ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ لَنَا إلَّا مَا ذَكَّيْنَاهُ أَوْ ذَكَّاهُ الْكِتَابِيُّ كَمَا قَدَّمْنَا . وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا لَيْسَ كِتَابِيًّا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى الْإِسْلَامِ إذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِهِ , أَوْ الْقَتْلُ فَدُخُولُهُ فِي دِينٍ كِتَابِيٍّ غَيْرِ مَقْبُولٍ مِنْهُ وَلَا هُوَ مِنْ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ , وَالْمُرْتَدُّ مِنَّا إلَيْهِمْ كَذَلِكَ , وَالْخَارِجُ مِنْ دِينٍ كِتَابِيٍّ إلَى دِينٍ كِتَابِيٍّ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ إنَّمَا تَذَمَّمَ وَحَرُمَ قَتْلُهُ بِالدِّينِ الَّذِي كَانَ آبَاؤُهُ عَلَيْهِ , فَخُرُوجُهُ إلَى غَيْرِهِ نَقْضٌ لِلذِّمَّةِ لَا يَقَرُّ عَلَى ذَلِكَ - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ , وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ...اهـ
    قال ابن رشد عليه رحمة الله في كتابه بداية المجتهد و نهاية المقتصد : و إنما هذا حكم خصهم الله تعالى به ، فذبائحهم والله أعلم جائزة لنا على الإطلاق وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة ، فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم . اهـ
    ثم ها نحن نسألكم :هل تقرون غير اليهود و النصارى على دينهم ؟ فان قلتم نعم فقد جئتم بشيء جديد يلزمكم بذلك معاملتهم بسائر أحكام اهل الكتاب لأنهم الوحيدين الذين يقرون على دينهم و إن قلتم لا رددتم على أنفسكم و كفى الله المؤمنين القتال أما دين الله فلا يقر كافر على دينه غير اليهود و النصارى و لا نعلم خلاف بين اهل الاسلام في ذلك).
    أقول: أنت تعلم كما سيأتي في كلامك أن المجوس يقرون على دينهم بالجزية بنص الحديث وما زالوا إلى يومنا هذا، فكيف يكون شيئا جديدا؟.
    ثم تقول أنه لا خلاف بين أهل الإسلام في ذلك، بمعنى أنهم أجمعوا حسب فهمك على مخالفة الحديث.
    وإذا وافقتاك في هذا اللغو إن صح التعبير، كيف نرد على أنفسنا؟
    قولك:(
    قال ابن قدامة في المغني : ولنا أنه كافر لا يقر على دينه فلم تحل ذبيحته كالوثني ولأنه لا تثبت له أحكام أهل الكتاب إذا تدين بدينهم فانه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل نكاح المرتدة. اهـ
    و قال عليه رحمة الله ايضا قال أبوحنيفة : تباح ذبيحته بكل حال لعموم النصوص لأنه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته . اهـ
    قال مُوَفَّقُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ في الشرح الكبير مسألة : وإن انتقل أحد الكتابيين إلى دين لا يقر عليه فهو كردته إذا انتقل الكتابي إلى غير دين أهل الكتاب من الكفر لم يقر عليه لان علم في هذا خلافا لأنه انتقل إلى دين لا يقر أهله بالجزية كعبادة الأوثان وغيرها مما يستحسنه فالأصلي منهم لا يقر على دينه فالمنتقل إليه أولى . اهـ
    قال محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي في كتابه تاج العروس:قال الراغِبُ : فيه تنبيهٌ أن الكافِرَ يَحتاج إلى عَهدَيْن : عَهْدٍ مِن اللّه وهو أن يكونَ مِن أهلِ كتابٍ أنزلَه اللَّهُ وإلّا لم يُقَرَّ علَى دِينه ولم يُجْعلْ في ذِمَّةٍ و إلى عَهدٍ مِن الناس يَبذلُونه...اهـ
    فهل بقي لكم أي متعلق اذا علمتم انه ما عدا اهل الكتاب لا يقر غيرهم على دينه و الذي يقر على دينه ببذل الجزية هو من لا يجبر على الاسلام و يجعل في ذمته إذا كان خاضعاًً لأحكام الإسلام و هما على سبيل الحصر اهل الكتاب اليهود و النصارى و منهم من عد المجوس من اهل الكتاب لان لهم شبهة كتاب فاثبتوا لهم أحكامهم و الزموا انفسكم ما هو متقرر و ظاهر في الشريعة ان كنتم صادقين ؟!
    ).
    أقول: ما الدليل على ربط الجزية بجواز الذبائح؟ مع أنه يناقض تعاملك مع المجوس.
    وما الدليل على أن الجزية لا تؤخذ إلا من الكتابيين والمجوس؟ فهناك خلاف بين أهل العلم في ذلك وإن كان خارج موضوعنا هذا، انظر على سبيل المثال زاد المعاد لابن القيم.
    قولك: (
    وقال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، وما رأينا أحداً من العلماء تكلم في هذه المسألة، إلا ويذكر تحريم ذبائح ما عدا أهل الكتاب، ولا يذكر في ذلك مخالفاً، إلا مخالفة أبي ثور في المجوس، ومخالفة إسحاق في المرتد إلى دين أهل الكتاب خاصة ... قال الشيخ شمس الدين بن أبي عمر،
    يتبـــــــــــــــــــع
  11. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 10
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    في الشرح الكبير: فأما ذكاة المجوس، فلا تحل في قول أهل العلم، وشذ أبو ثور، فأباح صيده وذبيحته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، ولأنهم يُقَرُّون بالجزية، فتباح ذبيحتهم وصيدهم، كاليهود والنصارى؛ وهذا قول يخالف الإجماع، فلا عبرة به. قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، قال أحمد: هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً، ما أعجب هذا؟ يعرض بأبي ثور.
    وممن منع أكل ذبائحهم: ابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وجابر، وأبو بردة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن بن محمد، وعطاء، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد؛ ولا أعلم خلافه إلا أن يكون صاحب بدعة، ولأن الله تعالى قال: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [سورة المائدة آية: 5]، فمفهومها: تحريم طعام غيرهم من الكفار).
    أقول : قد ذكرتُ في البحث المنشور أعلاه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أكل ذبيحة اليهودية وطلب لحما من أم معبد الوثنية قبل نزول هذه الآية فلا يفهم منها حكم جديد، ولم يحرم الله من ذبائح أهل الشرك إلا ما ذبح على النصب وما أهل لغير الله
    به.
    ولأنهم لا كتاب لهم، فلا تحل ذبائحهم كأهل الأوثان، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه الإمام، وقد تقدم. قال:ولأن كفرهم مع أنهم غير أهل كتاب، يقتضي تحريم ذبائحهم ونسائهم، بدليل سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وإنما أخذت منهم الجزية، لأن شبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم، فلما غلبت في التحريم لدمائهم، وجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم الذبائح والنساء احتياطاً، للتحريم في الموضعين، ولأنه إجماع؛ فإنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، ولا في من بعدهم، إلا في رواية عن سعيد بن المسيب، روي عنه خلافها. اهـ الدرر السنية
    و اخيرا و ليس اخرا نذكركم بقول الله تعالى الذي تقشعر منه الجلود و تخضع له الرقاب و تستسلم له المضغة و الاركان قال تعالى: { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . (115) و { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } (116) سورة النحل .
    و قال تعالى : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (33) سورة الاعراف .
    قال بن جبرين في شرح العقيدة الطحاوية كلاما جميلا عند تناوله للاية الكريمة ارتأينا ان نختم به قال :
    قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم). وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر ، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر رضي الله عنه، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً، ولا في السنة أثراً، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني وأستغفر الله].

    قولك:(هذه مسألة جديدة، وهي: مسألة الفتيا بغير علم، والجرأة على الفتيا، والقول في الشرع بغير علم ذنب كبير، وقد روي عن بعض السلف، وروي مرفوعاً: ( أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار ) يعني: الفتيا بغير علم؛ وذلك لأن الذي يتكلم ويقول في الشرع وفي الدين برأيه وبهواه وبما يستحسنه، ينصب نفسه مشرعاً، وكأنه نائب عن الله، ومزاحم للرب تعالى في شرعه، يقول: أحل الله كذا، وحرم كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وليس عنده مستند، وإنما يعتمد على ما يستحسنه، وما يراه في هواه ملائماً لواقعه، أو نحو ذلك، فلا جرم أن كان هذا ذنباً كبيراً، حتى قال بعضهم: القول على الله بلا علم أكبر من الشرك، واستدلوا بهذه الآية التي في سورة الأعراف، والتي حرم الله فيها خمسة أشياء، فبدأ بالأسهل ثم الذي فوقه إلى أن أتى إلى أعلاها وأشدها تحريماً، فقال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ َ } [الأعراف:33] فهذا التحريم الأول، ثم جاء بعده ما هو أشد منه: { وَالإِثْمَ } [الأعراف:33] فالإثم أشد من الفواحش، ثم جاء بعد الإثم ما هو أشد منه تحريماً فقال: { وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } [الأعراف:33] والبغي: الاستطالة على الناس بغير حق، فهو أكبر من الإثم، ثم جاء بعد البغي أكبر منه: { وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } [الأعراف:33]، ثم جاء بعد الشرك أكبر منه: { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } [الأعراف:33] فجعل القول على الله أكبر الخمسة التي حرمت في هذه الآية؛ وذلك لأن الذي يقول على الله كأنه رفع نفسه فوق الأنبياء، ورفع نفسه فوق العلماء، وجعل نفسه مشرعاً يحلل ويحرم ويقول على الله ما ليس له به علم).
    أقول: إذا كان من قال على الله ما ليس له به علم قد صار مشرعاً يحلل ويحرم، كيف يكون حكم من كفّر المسلمين المخالفين له في مسألة ليس له فيها دليل شرعي أصلا ؟ لا شك أن الجواب حسب قولك يكون هذا الأخير أولى أن يتصف بهذه الصفة.
    ثم أقول: لماذا تساوي بين الأنبياء والعلماء؟ فمن يرفع نفسه فوق الأنبياء فهو كافر، أما من يرفع نفسه فوق العلماء فقد يكون مُحقًّا أحيانا، ولا يكون كافرا لمجرد مخالفة العلماء، ولا يعد هذا طعناً فيهم كما فهمه بعض من خالفتهم في هذه المسألة.
    قولك: (
    كان العلماء الجهابذة الذين بلغوا الذروة في المعرفة، وكانوا على جانب من الورع، يسأل كثير منهم فيتوقفون في المسألة إذا لم يكن فيها دليل صريح واضح، يردها هذا إلى هذا إلى أن يتولى الفتيا والقول فيها أحدهم، فيكتفي به عن نفسه.
    وكان الإمام أحمد رحمه الله كثيراً ما يتلو الآية التي في سورة النحل وهي قول الله تعالى: { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } [النحل:116] الذين يقولون: هذا حلال بأهوائهم، وهذا حرام بأهوائهم، بدون دليل، يقول: إن هذا من الافتراء والكذب على الله تعالى، والقول عليه بغير علم، والآيات التي تقدمت كلها تدل على النهي عن أن يقول الإنسان على الله بغير علم.
    ذكروا أن الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الذي كانت تضرب إليه آباط الإبل، وكان هو المرجع في زمانه، سأله مرة قوم عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع مسائل، وتوقف عن ست وثلاثين مسألة! فقالوا له: أتتوقف وتقول: لا أدري وأنت مالك بن أنس ؟! فقال: نعم، لا أدري، لا أدري، قولوا: مالك بن أنس لا يدري، قولوا: مالك يقول: لا أدري.
    وكان كثير من العلماء يحثون على التوقف عن المسائل، فيقولون: من أخطأ (لا أدري) أصيبت مقاتله، أي: أنه إذا صار يفتي ولا يتوقف، ويستحيي أن يقول: لا أدري، فإنه قد تصاب مقاتله، بأن يزل مرة هنا، ومرة في هذه المسألة، ويحاسبه الله تعالى على أقواله بغير علم، فيقع في الهلاك والعياذ بالله، فالذي عنده علم بالمسألة، وعنده يقين بحكمها، ودليل عليها، وسئل عنها، لا يجوز له السكوت، ولا يجوز له التوقف، بل يقول بموجب علمه بالدليل، ولا يكتم العلم لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من النار )، أما إذا سئل وهو لا يعلم، وليس عنده خبرة بهذه المسألة، فلا يجوز له الإقدام عليها، بل يحيله إلى من هو أعلم منه، وإلى من عنده علم بتفصيل هذه المسائل ونحوها . اهـ
    فالناس في دين الله تعالى أصناف ثلاثة :
    صنف اعرضوا عن دين الله تعالى لم يتعلموه و لم يعملوا به انشغلوا بدنياهم عن دينهم
    و صنف سلكوا طريق التعلم على غير سبيل النجاة فاهملوا العمل بما تعلموه لشيء في انفسهم و هذان الصنفان على خطر كبير و هما حقيقة حالنا و واقعنا نسال الله تعالى العافية و صلاح الحال امين
    و صنف تعلموا دين الله للعمل به فجمعوا بين العلم و العمل و هؤلاء هم الطائفة المنصورة التي قال فيها المصطفى صلى الله عليه و سلم ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم و لا من خذلهم ... الحديث و ما اجمل ما قاله علي ابن ابي طالب رضي الله عنه و أرضاه عند وعظه لكميل
    ففي جامع الاحاديث للسيوطي عن كميل بن زياد قال : أخذ بيدى على بن أبى طالب فأخرجنى إلى ناحية الجبانة فلما أصحر تنفس ثم قال يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها احفظ عنى ما أقول لك الناس ثلاثة عالم ربانى ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة يا كميل محبة العالم دين يدان بها العلم يكسب العالم الطاعة لربه فى حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته وصنيعة المال تزول بزواله والعلم حاكم والمال محكوم عليه يا كميل مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقى الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم فى القلوب موجودة هاه إن ها هنا لعلما وأشار إلى صدره لو أصبت له حملة ثم قال اللهم بلى أصبته لَقِنًا غير مأمون يستعمل آلة الدين فى الدنيا ويستظهر بحجج الله على أوليائه وبنعمه على كتابه أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له فى أحيائه يقدح الزيغ فى قلبه بأول عارض من شبهة اللهم لا ذا ولا ذاك أو من هو ما باللذات سلس القياد للشهوات ومغرما بالجمع والإدخار وليسا من دعاة الدين أقرب شبها بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حملته ثم قال اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهر مشهور وإما خائف مغمور لئلا يبطل حجج الله وبيناته وكم وأين أولئك أولئك الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها فى قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستسهلوا ما استوعر منه المترفون وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى يا كميل أولئك خلفاء الله فى أرضه الدعاة إلى دينه هاه شوقا إلى رؤيتهم أستغفر الله لى ولك (ابن الأنبارى فى المصاحف ، والمرهبى فى العلم ، ونصر فى الحجة ، وأبو نعيم فى الحلية، وابن عساكر ... اهـ).
    أقول: هذه الموعظة ملزمة لنا كلنا، سواء الذي يرى حل ذبائح أهل الشرك والذي يرى تحريمها، لأن الخطأ محتمل من الإثنين وقد قال الله تعالى: )وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ(.، وليس فينا من يفتري على الله الكذب مثلما يحلو للبعض أن يصف الآخر.
    وأخيرا تمنيت أن تناقش أدلتي ليظهر الحق للقارئ الكريم لكنك لم تفعل، واكتفيت بسرد أقوال العلماء فقط، أما الوعظ والنصح وعدم التجرؤ على الفتوى فكلنا نستطيع أن نقول به .
    هذا ولتعلم أخي القارئ لو تتبعنا كل ما جاء في هذه الأقوال المستدل بها، ومافيها من المقايسات والأشكال، لطال الرد، فاكتفيت بالرد على البعض منها، ولعلمت أخي القارئ أيضا أنَّ الناظر فيه إن كان فطناً أقنعه القليل. وبالله تعالى الكفاية والتوفيق.