1. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    بســـــــــــم الله الرحمـــــــــن الرحــــــــــــــيم

    هذا كتاب كاشف لما أدين به لله في شتى مسائل العقيدة، وضعته كي يكون مرجعاً لي وللآخرين الذين يسألونني باستمرار عن عقيدتي قبل البدء في أي حوار خاص.
    وهذا البيان يضع النتيجة النهائية لرحلة بحث عن الحق قاربت الإثنى عشر سنة ، كنتُ أتعرف فيها على أصل الدين تدريجياً ومن نقطة الصفر حتى وصلتُ إلى النهاية الآن، وأعني بها نهاية مرحلة الحيرة والبدء في مرحلة جديدة وهي مرحلة الاعتقاد الجازم، والفضل لله سبحانه وتعالى.
    قد تحدّثتُ فيه بأسلوب بسيط راعيتُ فيه أن يصل إلى العامّة قبل الإخوة.
    وكررتُ فيه عدة معاني بين كل فقرة وفقرة، وبين كل باب وباب، وفعلتُ هذا بصورة متعمدة ليذّكّر أولو الألباب، فالعقيدة ليست مجرد شروحات علمية يمكن كتابتها باختصار وصرامة، ولكنها أيضاً موعظة تحتاج للتكرار المستمر لعلها تدخل قلب من هداه الله ووفقه للإيمان.



    أولاً:
    العقيدة أمر عقلي لا نصي


    هذا هو أول المباديء التي أؤمن بها، وهو أنّ العقيدة –أية عقيدة في الدنيا- نتاج عقلي أصيل، يحققه الإنسان بناءً على قرار حر يتخذه لاختيار دين معين من بين بدائل كثيرة أمامه، فيختار الإنسان الدين الذي يناسب تفكيره وأخلاقه.
    فإذا كان هذا الإنسان واعياً فإنه يختار الدين الأصوب والأقرب للفطرة بغضّ النظر عن إذا كان متفقاً أو مختلفاً عن موروثات آبائه وأجداده.
    وإذا كان غير واعي فإنه يختار الخيار الأسهل وهو التقليد، وفي هذه الحالة فإنه في الحقيقة يقدّس الموروث لمجرد أنه موروث دون النظر في مدى صحته أو فساده.
    ما يميّز المسلم دائماً في كل زمان ومكان هو أنه ينتمي إلى النوع الأول، أي النوع الواعي الذي استطاع الخروج عن أسر التقليد، واختار طريق أولي الألباب الذين لا يقبلون إلا الحق، ولا يتبعون أي دين إلا بعد عملية فحص ونقد وتقليب للرأي بين شتى الاتجاهات..لذلك كان المسلمون في معظم الأزمنة أقلية شاذة منبوذة بسبب خروجها عن عقيدة المجتمع الموروثة..هذا الخروج بما يسببه من صدام وحرب ونبذ وطرد ومعاناة لا يقدر عليه إلا النبلاء أصحاب التضحية والشجاعة..لذلك مدحهم الله تعالى، وحثنا أن نكون مثلهم، أي أنْ نكون من أولي الألباب الذين يتفكرون ويتدبرون ويفقهون ويعلمون.
    والتفكر والتدبر والفقه والعلم لا يحصل إلا عن طريق العقل..
    لذلك نقول أنّ الإيمان بالله يأتي عن طريق العقل لا عن طريق النص..
    فالإنسان يعرض النص على عقله أولاً فإذا وجد النص متفقاً مع العقل السليم فإنه حينئذ يتبع النص.
    وحتى نقرّب الصورة فلنفترض (وهذا مجرد افتراض للفهم فقط) أنّ القرآن كان يأمر بالشرك أو يحسّنه أو يبرره،،فهل كنا سنؤمن بالقرآن حينئذ؟؟
    الإجابة هي لا بالطبع..
    فالله عز وجلّ وضع في عقولنا السليمة وفي فطرنا السليمة أنه إله واحد لا شريك له، وأنّ هذا الكون لو كان له أكثر من إله لحدث خراب بسبب تنازع رغبات الآلهة، وهذه مباديء مركوزة في العقل والفطرة، فإذا وجدنا أي كتاب مقدس يخالف هذا المباديء فلن نتبعه سواءً كان القرآن أو غيره، وسواءً كان النبي هو محمد أو غيره من الأنبياء.
    فنحن نؤمن بأنّ الله واحد لا شريك له، هذا شيء نحققه بالفطرة أولاً ، ثم بعد ذلك ننظر في كلام هذا الذي يدّعي النبوة – أياً كان – لنرى هل يتفق كلامه وما يدعو إليه مع ما نؤمن به ومع ما هو مركوز في فطرنا أم لا .. فإذا كان كلامه مخالفاً للفطرة والعقل السليم فلن نتبعه ولن نؤمن به ، مهما كان.
    هذا هو التصرف الذي ينبغي أن يفعله أولو الألباب الذين مدحهم الله تعالى لأنهم يتفكرون ولا يقلدون..
    فلابد أن نفرّق بين ما هو عقائدي (إيماني) وما هو فقهي (شرعي) ..
    فالقاعدة التي حفظناها ونرددها دائماً أنّه لا ينبغي تقديم العقل على النص إنما تتعلق بالأمور الفقهية الشرعية المرتبطة بــ "افعل" و"لا تفعل" أي "الحلال" و"الحرام" ، كتحريم لحم الخنزير وتحريم أكل الميتة وفرض خمس صلوات بعدد ركعات معين وأوقات معينة وتحريم الصلاة بعد الفجر والعصر، وفرض مقدار معين للزكاة، وفرض الحج إلى البيت الحرام والطواف حوله ، وتحريم إتيان الحائض، وإباحة الزواج من أربعة، وغيرها من الأمور التي لا مجال للعقل فيها أن يفهم حكمتها أو سببها اللهم إلا على سبيل الاجتهاد والاستئناس، لكن يبقى الاصل فيها هو السمع والطاعة والتسليم والإذعان المطلق للرب سبحانه وتعالى، كترجمة عملية لعبادة الطاعة لله سبحانه وتعالى.

    ولكن كيف عرفنا أنّ نصوص الكتاب والسنّة معبّرة بالفعل عن إرادة الله تعالى؟
    أليس هناك احتمال وارد أنّ محمداً شخص كذاب أصلاً فيما يدّعيه؟ وأنّ هذا القرآن من تأليفه؟
    ما الذي جعلنا نؤمن بأنّ محمداً هو حقاً رسول الله؟ وأنّ القرآن هو بالفعل كلام الله؟
    هل هو التقليد الأعمى للآباء والأجداد الذين وجدناهم يعظمون هذا الشخص فعظّمناه مثلهم؟ ووجدناهم يعظمون هذا الكتاب المقدس فعظمناه أيضاً مثلهم؟
    هذا هو سؤال العقيدة الأكبر والأخطر، والذي ينبغي أن يسأله كل منا لنفسه، فلا ينبغي أن يُبنَى إيماننا على مجرد تقليد،، وإلا صرنا مثل الذين يذمهم الله تعالى أنهم اتبعوا ما وجدوا عليه آبائهم ،، ما هو الفرق بيننا وبينهم حينئذ؟ لا شيء !!

    ولسنا هنا بصدد بيان الأدلة العقلية على صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلكل إنسان الحق أن يستدل بطريقته الخاصة، وهي في النهاية ستكون طرق متقاربة، لأنها تنطلق من العقل وترتكز عليه، والمهم في النهاية هو إثبات أنّ محمداً رسول الله وأنّ القرآن كلام الله بأية طريقة كانت إلا الطريقة النصية،، فلا يُقبَل أن نقول أنّ محمداً هو رسول الله لأنّ الله قرر ذلك في القرآن...فنحن بحاجة أصلاً لإثبات أنّ القرآن نفسه كلام الله لا كلام محمد .. فكيف سنثبت ذلك أيضاً ؟ هل سنقول أنّ القرآن هو كلام الله لأنّ الله أخبر بذلك في القرآن؟!! .. بالطبع هذا لغو لا معنى له، وأصبحنا بذلك ندور حول أنفسنا بطريقة لانهائية!
    وللخروج من ذلك الدوران لابد أن نثبت صدق محمد بأسلوب عقلاني بحت بعيداً تماماً عن النصوص،، فإذا استطعنا ذلك يمكننا بعد ذلك اتباع هذه النصوص باعتبارها كلام الله.. هذا هو الأسلوب الصحيح لبناء إيماننا بالله.

    لذلك فإنّ قاعدة "عدم تقديم العقل على النص" هي قاعدة صحيحة فقط داخل الإطار الفقهي الشرعي..
    أما داخل الإطار العقائدي الإيماني فإنّ القاعدة الصحيحة هي العكس، وهو أنه "ينبغي تقديم العقل على النص" ..
    فالإنسان في مرحلة البحث العقائدي يحاكم النص إلى العقل ، وليس العكس ..
    فكما قلنا : لن نؤمن بمحمد ولا بالقرآن إذا كان يأمر بالشرك أو بمساويء الأخلاق.
    فالسبب الذي جعلنا نؤمن بمحمد والقرآن هو أنه يدعو للتوحيد ومكارم الأخلاق..وعرفنا ذلك بالاحتكام للعقل السليم..
    إذن نقطة البداية الأولى ليست هي النص إطلاقاً ، وإنما هي العقل ..
    فيصبح الترتيب هكذا:

    1. العقل والفطرة يقرران أنّ الله واحد لا شريك له وأنه ينبغي التمسك بمكارم الأخلاق.
    2. نحاكم محمداً وما جاء به من قرآن إلى قوانين العقل والفطرة التي طبعها الله فينا.
    3. إذا وجدنا القرآن يدعو لنفس القيم والمباديء المطبوعة في العقل والفطرة، فسوف نحكم أنه كلام الله، وأن محمداً رسول الله.
    4. محمدٌ الآن يصير نبياً، والقرآن يصير كتاباً مقدساً.
    5. نطيع النبي محمد صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة لأن طاعته من طاعة الله.
    6. ونتبع الشريعة الموجودة في القرآن ولا نناقشها لأنها أوامر الله.


    هذا هو الترتيب الطبيعي لعملية الإيمان والدخول في الإسلام.

    ولكننا للأسف لا نلتزم بذلك دائماً، فنحن ندخل مباشرة في الخطوة رقم 4,5,6 ونتجاهل الخطوات الثلاث الأولى،، فنتعامل مباشرةً مع القرآن على أنه كتاب مقدس،، فنعبد الله لأنّ القرآن يأمر بذلك،، مع أنّ المفترض هو أننا نؤمن بالقرآن لأنه يدعو إلى عبادة الله..
    فكثير منا لا يفهم التوحيد أصلاً، وإنما ينظر له باعتباره أمر من أوامر القرآن التي ينبغي تنفيذها،، فهو يوحد الله فقط لأنّ القرآن يأمره بذلك.. فالتقديس هنا موجه بالكامل نحو الكتاب المقدس وليس نحو الله سبحانه وتعالى،، فهؤلاء الأشخاص جعلوا الإيمان بالقرآن (كنص موروث مقدس) هو الأساس ، بينما الله نفسه صار شيئاً هامشياً في الموضوع! فلو لم يكن القرآن يأمرهم بعبادة الله لَمَا عبدوا الله!!
    نعم!
    فهم يتبعون القرآن اتباعاً أعمى حتى لو كان القرآن يأمرهم بالشرك فسيشركون!
    هؤلاء في الحقيقة يعبدون كتاباً مقدساً ورثوه عن آبائهم، ولا يعبدون الله.

    فالمشكلة أننا نحن كــ عرب أمّة سمعية ولسنا أمّة عقلية.
    لذلك نعتمد في منهج بحثنا عن الحقيقة - أية حقيقة - على السمع والتلقين أكثر من اعتمادنا الفهم والتحليل،، وهذه صفة قديمة في العرب تميزهم منذ عصور ما قبل الإسلام، فمن يطالع تاريخ الأمة العربية منذ القدم لن يجد أنهم كانوا متميزين مثلاً في الفيزياء أو الرياضيات أو الفلسفة أو المنطق (وهي كلها مجالات البحث العقلية) وإنما سيجدهم متميزين في الشعر والخطابة والأدب واللغة، وهي كلها أشياء تنطلق من الوجدان والمشاعر وتؤثر أيضاً في الوجدان والمشاعر ولا علاقة لها بالعقل.

    هذا ليس معناه أنّ العرب لا يمتلكون العقل أو لا يقدرون على التفكير العقلي، وإنما هم ببساطة لا يريدون ذلك ولا يستهويهم ذلك!
    حتى أنّ الطفرة العلمية التي حدثت في عصور الخلافة الأموية والعباسية كانت أغلبها أو كلها تقريباً على يد الأعاجم أو من ينحدرون من حضارات الأعاجم ، وحتى علوم اللغة العربية التي يُفترض أنها شأن عربي بحت لم يهتم العرب بكتابة أصولها وقواعدها وإنما مَن فعل ذلك هو "سيبويه" وهو رجُل لا ينتمي للعرب، وهذه مفارقة عجيبة!
    بالإضافة إلى علوم الحديث، فالرائد الأول "البخاري" كان ينتمي إلى خراسان، ومثله الإمام "مُسلم" كان ينتمي لنيسابور في خراسان أيضاً.
    وفي مجال تفسير القرآن فإن أشهر المفسرين ينتمون إلى حضارات أعجمية لا عربية ، كالطبري الذي ينتمي لبلاد فارس، والقرطبي الذي ينتمي لأصول أوربية (الأندلس) ، وابن كثير الذي ينحدر من بلاد الشام.. وبالمناسبة فإنّ حضارات الشام والعراق في الأصل ليست عربية.
    ولا نحتاج للقول بأنّ كل الطفرة العلمية التي حدثت في العلوم الرياضية والتجريبية كانت أيضاً على يد الأعاجم، كابن الشاطر والخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم، فكل هؤلاء ينحدرون من حضارات آسيوية. (ولا يعنينا هنا التحدث عن عقيدتهم ومدى اتفاقها أو انحرافها عن الإسلام، وإنما نناقش في الأساس قضية البحث والتفكير العقلي)
    ولا نعني هنا بكلمة (أعجمي) أنه بالضرورة لا يتحدث العربية أو لا ينتمي لقبيلة عربية، وإنما قد يكون متحدثاً بالعربية ومنتمياً لقبيلة عربية إلا أنه نشأ في حضارة أعجمية، فإننا هنا نعني بكلمة (أعجمي) التأثير الحضاري للمنشأ .
    فالمقابلة هنا في الحقيقة هي بين حضارات وليست بين قبائل..
    المقابلة بين حضارة عربية اعتمدت في الأساس على السمع ،، وحضارات أخرى اعتمدت على العقل .
    فالحضارة الأولى تلقينية نقلية نصية حدسية عاطفية ،، بينما الحضارة الأخرى بحثية عقلية تأملية تحليلية تجريدية ..

    والشاهد مما سبق أنّ العرب يتأزّمون من القيام بالبحث والتفكير، وتعوّدوا على السمع والتلقين ويعتبرونه هو الطريق الأسهل للوصول للحقيقة.

    ازدادت هذه الأزمة لدينا نحن الآن بسبب أننا نشأنا بين أحضان القرآن والسُنّة واعتقدنا أننا مسلمين، فدخلنا في أمور الشريعة مباشرةً، وهي الأمور التي تتعلق بقضية (الحلال) و(الحرام) أي : افعل ولا تفعل. وفعلنا ذلك لظننا أننا حققنا العقيدة، ولا نحتاج سوى إلى تطبيق الشريعة، فتعوّدنا على فهم جميع أمور الدين بطريقة: (قال الله وقال الرسول) ، وهي طريقة لا يعيبها شيء طالما أنها تستخدم في موضعها وهو الشريعة، ولكن المشكلة أننا نستخدمها أيضاً في أمور العقيدة، فنحاول أن نفهم "لا إله إلا الله" عن طريق (قال الله كذا وكذا)، وهنا يكمن الخلل الحقيقي.
    فالعقيدة أمر عقلي في الأساس لا نصي .
    والخطاب القرآني العقائدي في أغلبه هو خطاب عقلاني فطري يتوجه إلى أولي الألباب وأولي الأخلاق ليذكّرهم بما وضعه الله بداخلهم من الإقرار بوحدانية الخالق العظيم.
    وبعد الإيمان بالله تأتي مرحلة الإيمان بالرسول وبالشريعة المتمثلة في الأوامر والنواهي .. هذا هو الترتيب المنطقي لعملية الإيمان..

    لذلك يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإيمان بهذا الترتيب:
    1- الإيمان بالله.
    2- وملائكته.
    3- وكتبه.
    4- ورسله.
    5- واليوم الآخر.
    6- وبالقدر خيره وشرّه.

    فالإيمان بالله يأتي أولاً ، ثم نؤمن بعد ذلك بالملائكة والكتب والرسل ..إلخ.

    فلا يُعقَل أن يأتي شخص ليقول: أنا آمنتُ بالله لأنّ القرآن يأمرني بذلك.
    فهذا الشخص جعل القرآن هو الأساس في عملية الإيمان بالله، وهذا لأنه نشأ على فكرة أنّ الإسلام هو الإيمان بالقرآن والرسول محمد، فيصبح الله عز وجل ذاته شيء هامشي في عملية الإيمان، فيؤمن بالله فقط لأن القرآن أمره بذلك، فالتقديس هنا موجه بالكامل نحو القرآن وليس نحو الله سبحانه وتعالى.

    لذلك نرى كثيراً مناقشة مسائل العقيدة تحدث من خلال ذلك الطرح التقليدي المعتمد على :
    - قال الله كذا وكذا ... وقال الرسول كذا وكذا.
    - وفسر قولهما العالِم الفلاني وشيخ الإسلام الفلاني.
    - لذلك سنؤمن بأنّ الله هو الذي يستحق أن يُعبَد وحده لأنّ الأدلة النصية وشروحات العلماء أخبرتْنا بذلك!

    فتحوّلت عملية الإيمان بالله إلى عملية نصية تلقينية بحتة!

    ((ولسان حالهم يقول نعبد رسول الله الذي أمرنا بأن نطيع الله، وليس العكس بأن نعبد الله الذي أمرنا بإتباع محمد رسول الله صلى الله عيه وسلم. وهذا واقع الآن في لسان حال كل من قامت معتقداتهم على مفاهيم شرعية منقولة عن مصادر الشريعة بدون الاحتكام فيها لتوابث التوحيد الخالص القائمة في سنة الخالق بقيام العقل المطبوع على التوحيد.))
    (مقتبس من مقالة : بيوت من غير عمد،، للأخ هارون اشتيوي)

    ترتب على ذلك حدوث تشوه في التفكير وتشوه في العقيدة على حدٍ سواء، وهنالك بعض الأمثلة على هذا التشوّه :
    - كــ بعض الناس يسأل ما هو الدليل من القرآن والسنة على أنّ الإيمان بالله يقتضي بغض مَنْ يكفرون به؟!
    - وآخَر ظل سنوات محتاراً في مسألة الجلوس في مجالس الكفر هل يكفر صاحبها أم لا، وظل يبذل مجهوداً رهيباً ليوفق بين الآيات، ليخرج أخيراً بعد سنوات يقول أنه أدرك أنه استطاع التوفيق بين الآيات أخيراً وأدرك أنّ الجالس في مجالس الكفر لا عذر له إذا كان يستطيع مفارقة المجلس. واحتاج لسنوات لإدراك هذه القاعدة البديهية البسيطة.
    - وآخرون يكتبون كتاباً مكوناً من أكثر من 300 صفحة لإثبات أنّ الإيمان بالله لا يمكن أن يجتمع مع الجهل بقدرته المطلقة.. 300 صفحة لإثبات ذلك !!!!
    - وآخر لم يستطع فهم أنّ التحاكم لغير الله كفر إلا عن طريق الآية (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت .... الآية)، ولا أدري لو لم تنزل هذه الآية وغيرها في التحاكم هل سيكون بمقدوره أن يدرك ذلك وحده؟!!
    - وآخرون يناضلون في المناظرات الطويلة لإثبات المعنى اللغوي لاجتناب الطاغوت.

    وكل هؤلاء لو كانوا استخدموا قدراً بسيطاً من عقولهم لفهموا تلك الأمور ببساطة شديدة دون كل هذا العناء..

    ولكن الإشكال أنهم دائماً ينطلقون من نقطة: قال الله كذا كذا .. وقال العلماء كذا وكذا .. لمحاولة إثبات معاني بديهية جداً لا تحتاج لتوضيح أصلاً.

    ولا أدري كيف آمن هؤلاء بالله أصلاً !!
    هل تحولت (لا إله إلا الله) إلى مجموعة مقتطفات من نصوص القرآن والسنة، نتعامل بها بالقطعة، ونرتبها جنباً إلى جنب، ليصبح إيماننا بالله في النهاية عبارة عن "نصوص" محفوظة حفظاً ؟!!

    وإذا كنا بصدد البحث عن أصل الدين بالذات فإنه ينبغي علينا إيجاد طريقة لإدراكه مستقلة عن النصوص الشرعية، ولا أعني هنا أننا في غنى عن النصوص الشرعية، بل نحن نحتاجها، ولكن ما أقصده هو اتباع الطريقة القرآنية ذاتها في الاستدلال على أي أمر من الأمور التي ترتبط بأصل الدين، والمتمثلة في مخاطبة العقل ودعوته للتدبر وإيجاب الوصول إلى حقيقة وحدانية الله والتدليل عليها فطرياً وأخلاقياً وعقلياً قبل التدليل عليها بمجرد تصديق الرسول من خلال معجزاته فقط.
    وهذا بالضبط ما جعل موحّدو أهل الفترة يصلون إلى وحدانية الله بدون نصوص شرعية.

    وقد يعترض البعض قائلاً:
    "محاولة معرفة التوحيد بالعقل مقتصرة فقط على زمن الفترة الذي يخلو من الرسالات،، أما وقد أنعم الله علينا بنبي وكتاب فلا حاجة لنا الآن إلى هذه المحاولات العقلية"
    وهؤلاء لم يفهموا بعد أنّ هذا النبي والكتاب يحتاجان أساساً إلى إثبات،، فنفس الإشكالية هنا وهي أنهم يفترضون بدايةً أنّ هذا نبي صادق وهذا كلام الله بالفعل، ثم يكملون بناءً على هذا الافتراض،، والسؤال هنا: ما الدليل أساساً على صحة هذا الافتراض ؟ فهو مجرد مصادرة بحاجة إلى دليل!
    إذن أين هو الدليل؟
    هل هو فقط المعجزات؟
    إذن ما الذي يمنعنا من اتباع الدجال في آخر الزمان إذا كان التصديق يُبنَى فقط على رؤية الخوارق؟ فالدجال سيأتي بخوارق.
    وبنفس الطريقة: ما الذي يمنعنا من تأليه المسيح عيسى ابن مريم ؟ فهو أيضاً صاحب خوارق!
    إذن الخوارق والمعجزات ليست هي الأساس في الاتباع والتصديق، وإنما هي مجرد عامل مساعد،، لكن يبقى الأساس في الاتباع هو الانسجام مع قوانين العقل والفطرة التي تقتضي توحيد الله سبحانه وتعالى..
    إذن هنا نعود لنقطة البدء التي تكلمنا عنها، وهي العقل.
    فلا مفر منه.

    ونفس الكلام يُقال عمن يقولون أنّ الإيمان بالله فطري وعقلي، لكننا لا نحتاج لإثبات أمور العقيدة في كل مرة بالفطرة والعقل، فطالما أمامنا الدليل الشرعي المتمثل في "قال الله" و"قال رسول الله" فلا حاجة لنا في هذا العناء!
    وهو بالفعل عناء لا يقدرون عليه، لأنهم نشأوا على التقليد ولا يستطيعون الخروج عن أسره!

    الأعجب من ذلك أنهم يفترضون أنّ الأدلة العقلية يحتاجها فقط الملحدون المنكرون لوجود الله،، ولا أدري هل صارت إشكالاتنا كلها في إثبات وجود الله فقط؟!
    القضية الكبرى ليست إثبات وجود الله، فأغلب البشر لا ينكرون وجوده، وإنما هي في إثبات وحدانية الله، فهذه هي الطامة التي وقع فيها أغلب البشر المشركين بالله، ولن نستطيع أن نكلم الهندوسي والبوذي والوثني والنصراني بالأدلة القرآنية، فهم لا يؤمنون أصلاً بأنّ القرآن كلام الله، ولو كانوا يؤمنون بأنه كلام الله لاتبعوه،، لذلك نكلمهم بالأدلة العقلية التي تمثل قاسماً مشتركاً بين البشر جميعهم على اختلاف مللهم وعقائدهم..
    وهذا هو نفس الأسلوب الذي اتبعه القرآن نفسه في أغلب المواضع التي يتحدث فيها عن العقيدة، فلم يُقِم الحجة على النصارى بمجرد إلجائهم لنصوصهم المقدسة التي تخبر بمجيء النبي محمد في آخر الزمان وضرورة اتباعه، وإنما أقام الحجة عليهم أساساً في ذلك المنطق العقلي البسيط أنّ المسيح وأمه كانا يأكلان الطعام، ومن يأكل الطعام فسيحتاج لقضاء الحاجة، ولا ينبغي أن يكون هناك إله يقضي الحاجة مثل البشر..
    هذا احتجاج عقلي بسيط ومختصر، لكنه قوي للغاية في إثبات بطلان عقائدهم..
    أيضاً احتجّ على الوثنيين بأنه لو كان هناك أكثر من إله في الكون لحدث خراب بسبب تنازع رغبات هذه الآلهة،،
    وهكذا هو القرآن يسير على نفس الوتيرة العقلية في إثبات العقيدة..وهذا هو ما ينبغي أن نفعله بالضبط مع أنفسنا أولاً لمعرفة التوحيد ومع الآخرين ثانياً لدعوتهم إلى التوحيد.


    ثانياً:
    المعنى العام للإسلام
    (أصل الدين)


    المعنى العام للإسلام تعرفه المخلوقات جميعها حتى بدون وجود الرسل والكتب،،
    وهو المعنى المتمثل في "شهادة ألا إله إلا الله"..أو هو الإيمان بالله فقط بدون الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر التي لا يكون الإيمان بها إلا عن طريق الوحي،، أما الإيمان بالله فقط فيمكن معرفته بدون وحي..
    وهو المعنى الذي يستطيع الإنسان معرفته وإدراكه بالفطرة والعقل وحدهما بدون الرسل،،
    فإبليس عندما كان مع الملائكة كان مسلماً موحداً لله، ولم يكن عندئذ رسل ولا كتب..

    وهذا المعنى العام للإسلام يمكن أن يدركه الإنسان كما يلي:
    توحيد الربوبية:
    نظرتُ في هذا الوجود وكثرة ما فيه من أشياء فأدركتُ أنّ هذه الكثرة لابد أن ينظمها مبدأ واحد يجمع شتاتها جميعاً. هذا المبدأ الواحد لابد أن يكون منه المبتدأ وإليه المنتهى وأن يعود إليه الأمر كله وأن يكون بيده الأمر كله.
    ثم نظرتُ في كل هذا النظام والتناسق ومظاهر الإبداع التي في الكون والتي في نفسي وفي جميع الموجودات فأدركتُ أنّ هذا المبدأ الواحد الذي ينظم الوجود ويتحكم فيه إنما هو ربّ خالق عظيم له حكمة في كل ما يفعله.
    وهذا الربّ العظيم لابد أنْ يكون متصفاً بجميع صفات الكمال والجلال والجمال، فهذا من مقتضيات الربوبية.
    فمن ربوبيته أن يكون كامل القدرة وكامل العلم وكامل القوة وكامل المُلك وكامل الحكمة، ومن ربوبيته أيضاً أن يكون رحيماً كريماً رزاقاً لخلقه قائماً على شئونهم مهيمناً عليهم ... إلى آخر صفات الربوبية كلها، فهو رب العالَمين.
    فهذا الوجود كله لابد وأنه خُلقَ بأمره، ونحن جميعاً عبيده لأننا ملكه، فهو الذي خلقنا وهو الذي يملكنا، وبالتالي فإنّ له الحق المطلق أن يأمرنا بما شاء، ألا له الخلق والأمر. وطالما أنه هو الذي خلقنا فهو وحده الذي يعلم ما ينفعنا وما يضرنا، فلا يجوز أن نخضع لحكم غير حكمه أو نثق في شريعة فير شريعته، فهو وحده يعلم ما يُصلحنا، وهو وحده مَنْ يحقّ له أنْ يحكمنا لأننا ملك له وحده.
    وهذا التصوّر لربوبية هذا الخالق العظيم لا يخفى على أي إنسان لو تدبّر، فمن أعرض عن هذا التدبّر وجهل ربوبية خالقه أو أنكرها، فهو جاحد كافرٌ بربّه ولا يعرفُ قَدْرَه.
    .................................................. .........

    توحيد الألوهية:
    ثم نظرتُ فوجدتُّ أنّ من مقتضيات ربوبية هذا الخالق أنْ يكون واحداً لا يشاركه أحدٌ في ملكه ولا في خلقه. فلو كانت هناك قوة أخرى تسيّر الكون معه لحدث بينهما التنازع ولترتب على هذا التنازع خراب الكون، فلو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا، وهذا مُحال، ويعلم ذلك كل عاقل...فكان لابد أن يكون هذا الرب واحداً أحداً.
    ثم تأملتُ في نفسي وفي جميع الناس من حولي، فوجدتُّ أننا مخلوقات ضعيفة لا نملك من أمرنا شيئاً، تصيبنا جميع وجوه النقص من ضعفٍ وعجزٍ ومرضٍ وخوفٍ، ونحن جميعاً في حالة احتياج دائم لقوة تحمينا وترعانا.
    ولو تدبّر أي إنسان لعرف أنّ القوة الوحيدة التي ينبغي أن يقصدها ويتوجه إليها بالولاء والرجاء والخوف والخضوع إنما هي ذلك الرب العظيم الذي خلقه ورزقه. فإذا تأمل الإنسان فيما أعطاه هذا الرب من نِعَم ومواهب وعطايا لأحبّه.
    فهو الإله الذي تألهه القلوب وتحبه وتخشاه وتخضع له وترجوه وحده. فألوهية الله تقتضي أن يكون كمال الحب له، وكمال الذل له، وكمال التوكل عليه، وكمال الخوف منه، وكمال الولاء له.
    وهذه هي معاني العبادة التي لا ينبغي لإنسان أن يصرفها إلا لله إلهه المعبود الذي خلقه ورزقه.
    فمن صرف شيئاً من هذه العبادة لغير الله وأشركه مع الله، فهو بذلك يعطي ولاءه لمن لم يخلقه، ولا يفعل ذلك إلا خائنٌ كافرٌ بربّه ولا يعرفُ قدْره.
    .................................................. .........

    الفرق بين الذنب والكفر:
    ومن مقتضيات العبودية لله أنْ أقبل به بشكل مطلق كآمِر وناهي دون الاعتراض على حكمه.
    وهذا لا يعني أنني إذا خالفتُ أمره ذات مرة بدافع الضعف أو الشهوة أنني بذلك لا أعظّمه، بل أنا لا زلتُ أعترفُ به كإله يستحق مطلق الخضوع، ولكن بحكم الضعف الإنساني الذي يوجد في كل البشر لم أقدر على تنفيذ أمره في أحد المرات. وأنا بذلك أخطأتُ وأطلب منه أنْ يسامحني ويغفر لي، ولكنني أعلم يقيناً أنني لم أخنه ولم أكفُر به، لأنني لا زلتُ أعظّمه وأعترف به بشكل مطلق كربّ حاكم له مطلق الحق في الأمر والنهي وله مطلق الحق في أن أعطيه السمع والطاعة.
    ومن مقتضيات العبودية لله أيضاً ألا أحبّ من لا يعظمه من الكفار، وإذا وقعتُ في ذلك فهذا يعني أنني خُنتُ اللهَ وكفرتُ به.
    وولائي لله يقتضي أن أحب مَن يعظمه مِن المسلمين، فأنا أحبهم بسبب حبي لله، ولا يمكن أن أعتبرهم أعدائي، فعدائي لهم هو عداء لله ذاته.
    ولكن الإنسان غضوب بطبعه، وربما يغضب على إنسان آخر بسبب تنازع الرغبات واختلافها، وربما يؤدي هذا إلى الشحناء والاقتتال، وإذا حدث هذا بيني وبين إخواني من المسلمين فهذا لا يعني أنني صرتُ أعادي الله، بل ربما وقع هذا تحت تأثير الغضب، وهذا خطأ كبير لكن مع ضخامة هذا الخطأ فإنني أعلم أنه ذنب وليس كُفراً، لأنني لا زلتُ أحبُّ كل المؤمنين بالله وسأظل، طالما أنهم مؤمنون، حتى وإنْ تشاحننا في مرات استثنائية.
    .................................................. .........


    هذه عقيدتي:
    هذه المعاني كلها تمثل عقيدتي التي أعلنها في هذا الوجود، وهي الدين الذي أدين به وأعتنقه، فكل إنسان لابد أن يكون له دين، وهذا هو الدين الحق لأنه منسجم مع العقل والفطرة، ولا يمكن لإنسان أن يجهله أو يخالفه إلا إذا كان كافراً بربّه ولا يعرف قدره.
    ومن آمن بهذه المعاني مثلي فهو على نفس ديني، دين الإخلاص الذي يُسلِم فيه الإنسان وجهه لله رب العالمين، فمن عرف هذا الدين واتبعه كان مسلماً معظماً لربه.

    إذن:
    فالإسلام: هو معرفة بعظمة الله ينتج عنها اعتقاد سليم باستحالة اجتماع الشرك مع التوحيد.
    والكُفر: هو جهل بعظمة الله ينتج عنه اعتقاد فاسد بإمكانية الجمع بين الشرك والتوحيد.


    فمَن عرف عظمة الله فهو المسلم..
    ومِن علامات المعرفة بعظمة الله:
    1) أن يعرف أنّ الشرك بالله خيانة لله وكُفرٌ به وليس ذنباً عادياً.
    2) أن يعرف المعنى الحقيقي للعبادة، فليس مقتصراً فقط على الركوع والسجود، بل يعرف أنّ التحاكم عبادة، وأنّ الاستغاثة والدعاء عبادة، وأنّ التوكل عبادة، وأنّ الحب عبادة، وأنّ الخوف عبادة، وأنّ الطاعة عبادة... فيعرف أنّ الله هو الذي يستحق أنْ يُتَحَاكَمُ إليه وحده ويُستغاث به وحده ويُتوكَّل عليه وحده ويُحَبُّ وحده ويُخاف منه وحده ويُطاعُ وحده.

    ومَن جَهَلَ عظمة الله فهو الكافر..
    ومن علامات الجهل بعظمة الله:
    1) أن يجهل أنّ الشرك بالله خيانة لله وكُفرٌ به، فيعتبره ذنباً عادياً.
    2) أن يجهل المعنى الحقيقي للعبادة، فيظنه مقتصراً فقط على الركوع والسجود، فيجهل أنّ التحاكم عبادة، وأنّ الاستغاثة والدعاء عبادة، وأنّ التوكل عبادة، وأنّ الحب عبادة، وأنّ الخوف عبادة، وأنّ الطاعة عبادة... فتراه يتحاكم لغير الله ويدعو غير الله ويتوكل على غير الله ويعطي كمال حبه لغير الله وكمال خوفه من غير الله وكمال طاعته لغير الله، دون أن يعرف أنّ الله هو وحده المستحق لذلك.

    ومَن يصف هذا الكافر الجاهل بأنه مسلم ومعذور بجهله، فهو كمَن يقول أنه يمكن لأي إنسان أنْ يجهل عظمة ربّه ومع ذلك يظل مسلماً.
    وكأنّ الإسلام الذي يدور في خلد هذا العاذر هو أنْ يؤمن الإنسان بوجود الله فقط سواءً عظّمه أم لم يعظّمه.
    وهذا الاعتقاد هو في حد ذاته كُفر، لأنّ صاحبه (أعني العاذر) هو أيضاً مُستهين بالله ولا يعرف قدره.
    .................................................. .........


    حالُ قومي:
    عندما مَنَّ الله عليَّ بمعرفة هذه المعاني الجليلة، أدركتُ أنني كنتُ كافراً في حياتي الماضية لأنني لم أكن أعرف المعنى الحقيقي للإسلام وهو المعرفة الكاملة بعظمة الله، وأنني أصبحتُ مسلماً فقط عندما عرفتُ ذلك.

    ثم نظرتُ إلى قومي الذين أعيش بينهم والذين يدّعون أنهم أمّة مسلمة، فوجدتُّ أنهم:
    · ينفقون أعمارهم كلها في تحقيق الأهداف الحقيرة ويقصدون الحياة الدنيا فقط ولا يرجون لله وقاراً، ويشركون هذه الدنيا مع الله في القصد والإرادة.
    · ويجاهدون بأنفسهم ويخاطرون بأرواحهم في سبيل "الرزق" ولا يفكّرون في تقديم ربع هذه التضحية لله، ويسمّون العملَ عبادةً، ويشركون "المال" مع الله في التقديس والولاء والحب.
    · ويتحاكمون إلى غير الله في المحاكم الوضعية، ويشركون الطواغيت مع الله في الحكم.
    · ويؤمنون بسيادة الشعب، ويشركون إرادة الشعب مع الله في الطاعة والتشريع.
    · ويستغيثون بغير الله عند الأضرحة والقبور وغيرها، ويحجّون إليها بالآلاف بل بالملايين ويشركون هؤلاء الأولياء المزعومين مع الله في الدعاء.
    · ويستعينون بالسحرة ويتوكلون عليهم في قضاء حوائجهم الصعبة، ويشركون السحرة مع الله في الاستعانة.
    · ويخافون من الجن ويستعيذون بهم ويرهبونهم أكثر من رهبتهم لله، ويشركونهم مع الله في الخوف والرهبة.
    · ويخشون رؤساءهم وحكامهم ومديريهم وأربابهم في العمل أكثر من الله في غالب الأحيان، ويشركونهم معه في الخشية.
    · ويطيعون أحبارهم ورهبانهم ومشايخهم وعلماءهم ومشاهيرهم طاعة مطلقة حتى في مخالفة أمر الله، ويتخذونهم أرباباً من دون الله.
    · ويقدّسون العادات والتقاليد وأعراف الآباء والأجداد، ويشركونها مع الله في الحب والطاعة.
    · ويحبّون أبناءهم وعشيرتهم وأهاليهم أكثر من حبهم لله، ويشركونهم معه في المحبة. (حتى أنّ أحدهم لا يصدّق الآخَر إذا حلف له بالله، فإذا قال له: "وحياة ابني أو ورحمة أمي" صدّقه على الفور لأنه يعلم أنه لا يحلف بهذه الأشياء كذباً أبداً بينما يمكن أنْ يحلف بالله كذباً)!
    · ويعتبرون المساس بالوطن خط أحمر، ويفضّلون الإيمان بأخُوّة الوطن على الإيمان بأخُوّة الدين، ويقفون في رهبة وخشوع أمام عَلَم دولتهم ليرتلوا التراتيل الوثنية التي يسمّونها النشيد الوطني والتي تقدّس الوطن كتقديس الله أو أشد، ويشركون هذا "الوطن" مع الله في المحبة والتعظيم.
    · ويتعلقون ببعض الأوثان الأخرى كوثن كرة القدم ووثن المشاهير والفنانين ممن يسمّون بالنجوم، لدرجة أنّ أحدهم يعتبر أنّ تشجيع فريقه الرياضي وأنّ الدفاع عن سمعته أمام المنافسين عقيدة وأسلوب حياة وواجب مقدس قد يموت في سبيله ويعتبر نفسه شهيداً ويصف نفسه بأنه يناضل من أجل "الكيان" .. ونفس الشيء يفعلونه مع الفنانين والنجوم حتى أنّهم قد ينتحرون حزناً على موت فنانهم المفضّل، ويتعلق أحدهم بالفنان الفلاني لدرجة التتيّم، وهكذا .. فإنهم يحبّون هذه الأوثان لدرجة العبادة ويشركون هذه الأوثان مع الله في المحبة.
    · ويسبّون الدين ويسبّون اللهَ ليلاً ونهاراً ولأتفه الأسباب ويدّعون أنهم يتفوهون بها في لحظة غضب ولا يقصدونها، بينما يضع الواحد منهم في اعتباره ألف حساب لوقوفه أمام أبيه أو رئيسه أو مديره في العمل ولا يجرؤ على التفوّه بأقل كلمة في حقهم احتراماً لهم، ويشركونهم مع الله في المحبة والتعظيم، بل هم أشد تعظيماً لهم من تعظيمهم لله!

    وهم مع كل ذلك ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مسلمون!

    فهم يفهمون الإسلام على أنه:
    § مجرد الإيمان بوجود الله وعدم إنكار وجوده، وبهذا المعنى فإنّ النصراني واليهودي بل والهندوسي يكون مسلماً في نظرهم!
    § أو أنه الإيمان بأنّ الله هو الخالق الرازق فقط، وبهذا المعنى فإنّ مشركي قريش وغيرهم من المشركين يكونون مسلمين في نظرهم أيضاً، فإنهم لم يكونوا ينكرون أنّ الله هو الخالق الرازق.
    § أو أنه مجرد النطق بكلمة (لا إله إلا الله) دون فهم معناها، وبهذا المعنى فإنّ اليهود يكونون أيضاً مسلمين لأنهم يتفوّهون بهذه الكلمة كثيراً!
    § أو أنه هو الإقرار العام باستحقاق الله وحده للعبادة، مع تصورهم للعبادة على أنها مجرد الركوع والسجود فقط. وبهذا المعنى فإنّ جميع المشركين الذين يتحاكمون لغير الله ويشرّعون مع الله ويحبون ويخشون غير الله يكونون مسلمين في نظرهم!
    § أو يفهمون الإسلام على أنه مجرد الانتساب الشكلي لكتاب مقدس اسمه القرآن ولشخص مقدس اسمه مُحمّد حتى لو كانوا مع هذا الانتساب يعبدون غير الله ويرتكبون ما يرتكبون من شركيات وكُفريات، كالصوفية المشركين وكالروافض الشيعة المشركين، والمحسوبين زوراً وبهتاناً على المسلمين لمجرد انتسابهم العام للإسلام.
    § أو يفهمون الإسلام على أنه مجرد الصلاح والزهد وحسن الخلق، وبهذا المعنى فإنّ تشي جيفارا الملحد وبوذا الملحد وسقراط الوثني يكونون مسلمين في نظرهم لأنّ هؤلاء جميعاً كانوا يمتازون بالنبل وحسن الخلق!
    § أو يفهمون الإسلام على أنه مجرد تأدية الشعائر والصلاة والصوم والحج والبكاء من خشية الله، وبهذا المعنى فإنّ الرهبان النصارى والرهبان البوذيين والهندوس يكونون مسلمين أيضاً في نظرهم، فكل هؤلاء يصلون ويصومون ويبكون في صلاتهم إلى حد الجنون!

    وليس هذا هو معنى الإسلام..
    فكل هذه التصورات للإسلام إنما تدل في الحقيقة على أنّ أصحابها ليسوا أصلاً بمسلمين، وإنما هم على أديان أخرى ورثوها عن الآباء والأجداد تحمل تصورات أخرى مخالفة للتصور الحقيقي للإسلام.
    ومَن يصفهم بأنهم مسلمون لمجرد تأديتهم للشعائر وتفوههم بــــ (لا إله إلا الله) وانتسابهم الشكلي للإسلام، فهو كافر مثلهم، لا يعرف معنى الإسلام، وإنما هو أيضاً على دين آخَر يحمل تصورات مخالفة للتصور الحقيقي للإسلام.

    فهذه الأمّة المتأسلمة هي ما بين:
    1- واقع في الشرك مرتكب له، يظنه شيئاً عادياً.
    2- ومتجنب للشرك، لكن يرى الواقعين فيه مسلمين، فهو يرى الشرك ذنباً لا يرقى للكُفر.
    3- ومتجنب للشرك، ويرى الواقعين فيه كفاراً، لكنه يرى أنّ تكفيرهم أمراً خبرياً اجتهادياً يُعرف من خلال النصوص فقط ولا ينفذ إلا بعد إقامة الحجة . فهو يحصر الكفر في التكذيب فقط، ولا يفهم أنّ الشرك في حد ذاته كفر لأنّ فيه انتقاص من الله ولو قبل إقامة الحجة.
    وكل هؤلاء كفار عقائدهم منحرفة، يجهلون عظمة الله ولا يعرفون قدره.

    والمسلم الحق هو مَن يعرف عظمة الله معرفة كاملة، فيتبرأ من كل الكفار الذين لا يعظّمونه كما يليق به.
    ومَن عرَفَ المعنى الحقيقي للإسلام بهذا الشكل، لعَرَفَ أنّ هذه الأمّة المتأسلمة التي يعيش بينها إنما هي أمّة كافرة منحرفة عقائدياً عن تصور الإسلام الصحيح.
    ولعرَفَ بالتالي أنّ الأصل في جميع الناس اليوم هو الكُفر .... حتى يثبت خلاف ذلك.
    وإنه ينبغي أن ندعوهم للدخول أولاً في الإسلام قبل أنْ ندعوهم إلى أي شيء آخَر كالجهاد وتطبيق الشريعة وخلافه.

    أسأل الله أن يهديهم للإسلام كما هداني.
    ما قدروك حق قدرك يا صاحب الجلال العظيم.
    وجّهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرضَ حنيفاً وما أنا من المشركين.


  2. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ثالثاً:
    وقفة مطوّلة مع توحيد الربوبية


    ذكرنا من قبل أنّ توحيد الربوبية هو الإيمان العام بوجود الله سبحانه وتعالى، والاعتراف بسلطانه وربوبيته وهيمنته على جميع الوجود، وأنّ مقتضيات ربوبيته أنْ يكون متصفاً بجميع صفات الكمال والجلال والجمال،، فلا يصحّ نسب النقص إليه، لأنّ ذلك يتعارض مع ربوبيته، فالربوبية تقتضي الكمال ..
    وهنا لابد من وقفة لتفصيل هذا الإجمال، لأنّ البعض يخلط بين صفات الله الفطرية العقلية التي تُعرَف بالفطرة، وبين صفاته الخبرية التي لا تُعرَف إلا بالوحي..
    ولبيان ذلك نقول:
    أنّ صفات الله الفطرية هي الصفات التي يستحيل تصور الربوبية بدونها، والتي هي كما قلنا صفات الكمال والجلال والجمال، فلا يمكن أنْ يكون الرب ناقصاً ، ولا يمكن أن يكون ضعيفاً ، أو قبيحاً، أو شريراً، حاشا لله، بل يجب عقلاً أن يكون الرب متصفاً بغاية الكمال في كل شيء، ومن ينسب النقص إلى الله فهو كافرٌ به ولا يعرف قدره، وهذا شيء يُعرَف بالفطرة والعقل ولا يحتاج لوحي.
    فمن صفات الكمال:
    - صفة القدوس: فهو المبرأ من كل عيب، والسلامُ الذي تنزه وسَلِمَ من كل نقص.

    • صفة الحياة: فالكل يموت، وهو الحي الباقي الذي لا ينبغي أن يموت.
    • صفة المُلك: فهو ربُّ كل شيءٍ، له مُلكُ السموات والأرض، مالك المُلك، ومَلِــك الملوك..الجميع مخلوقاته وعبيده وملكٌ له وحده، وهو قيومٌ عليهم يخلقهم من عدمٍ ويدبّر لهم أمورهم ويحفظهم ويرعاهم ويحميهم، يملك أرزاقهم ويحفظها ويقبضها ويبسطها ، ويميتهم ويحييهم ، ويعزّهم ويذلّهم، ويخفضهم ويرفعهم، ويضرهم وينفعهم، وينصرهم ويهزمهم، ويضلهم ويهديهم.. هو الغنيّ، بيده مقاليد السموات والأرض، خزائنه مملوءة لا تنفد، لو أنّ أهل السموات والأرض وقفوا فسألهم كل منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئاً.
    • صفة القدرة: فمن كمال الله أن يكون مطلق القدرة، على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء، وإذا أراد شيئاً أن يقول له : كُنْ فيكون.
    • صفة القوة: فهو القوي الذي بلغ المنتهى في القوة، والمتين الذي لا يتعب ولا ينام.
    • صفة العلم: فمن كمال الله أن يكون مطلق العلم، فهو بكل شيءٍ عليم، وأحاطَ بكل شيءٍ علماً، وهو السميع البصير لا يخفى عليه ذرة في الأرض ولا في السماء، والرقيب الذي يراقب أفعال العباد صغيرها وكبيرها، يعلمُ السرَّ وأخفى، ويعلمُ الغيب، ما من دابّةٍ إلا يعلمُ مستقرها ومستودعها، وما تسقط من ورقةٍ ولا حبةٍ في ظلمات الأرض إلا يعلمها.
    • صفة الحكمة: فهو الحكيم الذي بلغ علمه كل شيء، والخبير الذي لا يفعل شيء إلا بحكمة، ولا تصير أفعاله إلا إلى خير، خلق كل شيءٍ فأتقن صنعه، وهو الحَكَم الذي له الخلق والأمر، يحكم بما يشاء على خلقه، وحكمه العدل، وهو الحق الذي لم يخلق السموات والأرض إلا بالحق ، يفعل ما يشاء ولا يُسألُ عما يفعل.

    ومن صفات الجلال:

    • صفة العظمة: فهو العظيم الذي جل شأنه ، والكبير الذي ارتفع قدره ، والمجيد الذي بلغ المنتهى في المجد والرفعة.
    • صفة العزة: وهو العزيز الذي بلغ المنتهى في الجبروت وهو السيّد العليّ الذي يعلو كل شيء ولا يُعلَى عليه، وصاحب الكبرياء الذي لا يُذَلّ ولا يُغلَب، ولا يقدر أحدٌ على الوقوف أمام غضبه.
    • صفة الهيمنة: وهو المهيمن الواسع الذي لا يخرج شيء في الكون عن أمره، ولا يحدث شيء إلا بإذنه، وهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء ، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، قهر الجميع بقوته، ومَلَكهم بسلطانه، وأحاطهم جميعاً بقدرته.


    ومن صفات الجمال:

    • صفة الجمال الذاتي: فالذي خلق مظاهر الإبداع والجمال في الكون والمخلوقات لا يكون إلا جميلاً، فهو نور السموات والأرض، وهو جميلٌ يحبّ الجمال، يخفي عن الكون جميلَ طلعته، وكل ما في الكون من صنعته.
    • صفة الرحمة: فهو الرحمن الرحيم، الذي وضع الرحمة في قلوب العباد، حتى أنّ الفرس ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، ومن رحمته إنزال المطر ، وتهيئة الأرض لنا، ورأفته بحالنا عندما ينجينا من ظلمات البحر، وإطعامه وسقايته لنا، وحفظه لأرزاقنا، وخلقه لنا في أحسن تقويم، وتكريمه لنا بالعقل، وإنعامه علينا بالصحة وشتى أنواع النعم، التي ما أعطاها لنا إلا برحمته، وما كان عليه أن يعطيها لنا، ولكنه أعطاها برحمته وفضله، فهو الكريم المُنعِم، الحافظ الذي يحفظنا من السوء، وينصرنا على من عادانا، ويرعانا ولا ينسانا.
    • صفة الخيـــرية: فالرب لا يكون إلا خَـــيّــــــــراً،، ولا يفعل الرب إلا الخير، ولا يريد في الكون ولا لنا إلا الخير، ولا يمكن أن تصير أفعاله إلا إلى خير، وما الشر الموجود في العالَم إلا من فعلنا نحن، خلق هذا الشر لحكَم كثيرة، ولا يمكن أن تتصف أفعاله إلا بالحكمة والخير.
    • صفة المغفرة: فالرب الذي خلق فينا العفو والتسامح وجعلنا نغفر لبعضنا البعض أليق به أن تكون مغفرته وعفوه أكبر من قدرتنا على المغفرة جميعاً،، وإذا كنا نحن البشر نمدح الإنسان الذي يقدر على مغفرة الخطأ،، فمن باب أولى أن يكون الرب متصفاً بهذه الصفة وغفرانه يسع جميع خطايانا.


    الصفات السابقة وما شابهها هي الصفات الفطرية للرب سبحانه وتعالى (أي الصفات التي نستطيع معرفتها بفطرتنا) ، والتي لا يمكن للعبد أن يكون مؤمناً بالله إلا إذا كان يعرفها عن ربه وينسبها له،، ومن يجهل أي صفة من هذه الصفات فهو يجهل ربه ولا يعرفه،، والجهل بالله كفر به،، لأنّ الإيمان بالله يقتضي معرفة الله،، ولا إيمان بدون معرفة لله سبحانه وتعالى.
    ويستطيع الإنسان معرفة كل هذه الصفات بالعقل والفطرة حتى لو كان يعيش في زمن خالي من الرسل والكتب.
    وهذه المعرفة هي القدر الأدني من توحيد الربوبية الذي لا يصير الإنسان عارفاً بالله ومعظماً له إلا بمعرفته.
    وهذا هو ما كنا نعنيه بقولنا في أول تعريفنا للإسلام: أنّ الإسلام هو معرفة كاملة بعظمة الله ..... إلى آخر التعريف.
    فالمعرفة الكاملة بعظمة الله ليس مقصوداً بها الإحاطة بالله سبحانه وتعالى، فلا يقدر أحد من المخلوقات على الإحاطة بعظمة الله كلها، وإنما كنا نعني بالمعرفة الكاملة القدر الأدنى من المعرفة بهذه العظمة الإلهية والذي يقتضي معرفة كل هذه الصفات السابقة بلا استثناء.
    وهي كلها صفات تتعلق بأفعال الله وقدرته وعظمته، ونعرفها من خلال تتبع آثار الله وآثار صنعته في الوجود، ويستطيع ذلك أي إنسان حتى بدون وجود رسول ولا كتاب،، فهذا هو القدر الأدني من معرفة الله الذي يستطيع كل إنسان تحقيقه بمجرد التأمل في نفسه وفي الوجود.

    أما الصفات المتعلقة بالذات الإلهية، فلا أحد من المخلوقات يستطيع أن يتصور الله كيف يكون وكيف يبدو، فهذا فوق طاقة العقول..
    ولكن ما نستطيع أن ندركه ونجزم به هو أنّ الله ليس كمثله شيء، فقد قلنا سابقاً أنّ من صفات الكمال أن يكون الله قُدّوساً منزهاً عن النقص،، ومن مقتضيات هذه الصفة ألا يشبه أحداً من خلقه،، فالمخلوقات عاجزة وناقصة، ولا يمكن أن يكون الله كمخلوقاته عاجزاً وناقصاً، سبحانه وتعالى علواً كبيراً!
    لذلك فالمسلم يتوقف عن التفكير عندما يصل إلى ذات الله،، فلا يشبّهه بخلقه،، ولا يثبت له أي صفة من صفات الذات إلا بخبر يخبره الله به عن طريق الوحي..
    ومن أمثلة هذه الصفات الخبرية التي لا تُعرَف إلا بالوحي، صفة اليد وصفة الأصابع التي يقلب الله بها قلوب عباده، وصفة الرِجل التي يضعها الرب جل جلاله في النار يوم القيامة، وصفة الساق التي تُكشَف يوم القيامة فيسجد المؤمنون لله، وصفة العرش الذي استوى عليه الله، وصفة الكرسي الذي يحمل العرش،، وهكذا من الصفات التي لا نعرفها إلا عن طريق الوحي، أي نصوص الكتاب والسنة ، ولا يمكن للإنسان أن يصل إليها عن طريق العقل وحده...فنثبت هذه الصفات كما أثبتها الله لنفسه، لأنّ إنكارها فيه تكذيب الله،، فنقول أنّنا نصف الله بما وصف به نفسه ولا نكذّبه،، وفي نفس الوقت لا نشبه هذه الصفات بصفات المخلوقين ،، بل نقول أنّ الله له يد وأصابع ورِجل وساق وعرش وكرسي كما أخبر عن نفسه، لكننا في ذات الوقت نقول أنّ هذه الصفات ليست كصفاتنا نحن البشر،، فنفوّض كيفيتها إلى الله ولا نخوض فيها.
    هذا هو التصرف الصحيح الذي ينبغي للمؤمن أن يقوم به.. فلا يجسّم الله ويشبهه بالمخلوقات .. وفي نفس الوقت لا يكذّب الله فيما أخبر به عن نفسه ..
    وهذا هو منهج "أهل السنة والجماعة" الذي تابعوا فيه منهج النبي والصحابة،، واختلفوا بذلك عن الفِرَق وأهل البدع الذين وقعوا إما في التجسيم والتشبيه ، أو إما في التعطيل والتكذيب ، وكلاهما شرٌ.
    وهذا المبحث هو الذي يسميه أهل العلم "توحيد الأسماء والصفات" .. وهم يقصدون به الصفات الخبرية .. والجهل بهذه الصفات لا يؤثر على إيمان الشخص بالله،، فيمكن أن يجهل إنسان هذه الصفات بسبب أنها لم تصله عن طريق الوحي ومع ذلك لا يكون كافراً بالله أو جاهلاً به .. فهذه الصفات خبرية كما قلنا وتُعرَف بالوحي فقط، لذلك فإنها لا تدخل في أصل الدين الذي يُعرف بالعقل والفطرة بدون الوحي.

    وخلاصة هذا الأمر:
    أنّ صفات الله عز وجل نوعان:

    • صفات فطرية تتعلق بعظمة الله،، وداخلة في صميم "شهادة لا إله إلا الله" ، ويمكن للإنسان معرفتها بالفطرة والعقل وحدهما،، والجهل بهذه الصفات كفر بالله في حد ذاته، وهو كفر الجهل (الجهل بعظمة الله).
    • صفات ذاتية خبرية متعلقة بذات الله،، وغير داخلة في صميم "شهادة لا إله إلا الله"، ولا يمكن للإنسان معرفتها بالفطرة والعقل وحدهما،، بل يعرفها فقط من خلال الوحي،، والجهل بهذه الصفات ليس كفراً بالله في حد ذاته إلا لو وصلت للإنسان عن طريق الوحي وأنكرها فيكون عندئذ قد وقع في كفر التكذيب (تكذيب الله فيما يخبر به).


    لذلك فالصفات الفطرية التي من النوع الأول كان الموحّدون في زمن الفترة (زمن عدم وجود الرسل والكتب) يستطيعون إدراكها ومعرفتها، فيصيرون مؤمنين بالله ..
    بينما الصفات الخبرية من النوع الثاني، لم يكن الموحدون في زمن الفترة يعرفونها، ومع ذلك بقوا على إيمانهم، ولم يخرجهم ذلك عن الإسلام العام .. بينما الموحدون الذين عاشوا في زمن الرسالة (الصحابة والسلف) عرفوا هذه الصفات الذاتية وأثبتوها بعد إخبار الوحي بها.

    إذن ، فطالما نحن نتحدث في هذا الكتاب عن شهادة "لا إله إلا الله" التي هي أصل الدين الذي يُعرَف في كل زمان ومكان ، سواءً بالوحي والرسل أو بدون الوحي والرسل... إذن فيهمنا فقط مناقشة النوع الأول من صفات الله المتعلقة بعظمته وليست المتعلقة بذاته،، لأنّها هي الأهم،، ولا عذر بالجهل فيها، ولا يكون المرء مسلماً إلا بمعرفتها.

    فإذا أعدنا كتابة هذه الصفات باختصار فنقول أنها هي:

    1. صفة القدّوس.
    2. صفة الحياة.
    3. صفة المُلك.
    4. صفة القدرة.
    5. صفة القوة.
    6. صفة العلم.
    7. صفة الحكمة.
    8. صفة العَظَمة.
    9. صفة العِزّة.

    10-صفة الهيمنة.
    11-صفة الجمال الذاتي.
    12-صفة الرحمة.
    13-صفة الخيرية.
    14-صفة المغفرة.

    أي جهل بهذه الصفات السابقة يساوي مباشرةً الكفر بالله،، ولا تحتاج معرفة هذه الصفات كما قلنا إلى نصوص منزلة من السماء في كل مرة،، بل يعرفها الإنسان بمجرد إيمانه بالله مباشرةً..

    ومن أمثلة الجهل بهذه الصفات:
    الجهل بصفة القدّوس (المنزه عن النقص):
    مثل من ينسبون إلى الله النقص بقولهم أنّ لله ولد، فهم كفار، كالنصارى وغيرهم. فالله جل جلاله هو ربّ وليس أبَ،، وهناك فرق...فالأب ينجب ولده عن طريق الزوجة، وولده يكون جزءاً منه وامتداداً له ويحمل صفاته، لذلك يحب ولده ويتعلق به ويشعر بعاطفة خاصة تجاهه،،، وهذا كله لا يجوز في حق الله،، فالله ليس كمثله شيء،، ولا يجوز أن نقول أنّ الله له زوجة، أو أنّ له ولد يعتبر جزء من الذات الإلهية ويحمل نفس صفاتها،، فالذات الإلهية لا تتجزأ ولا يمكن أنْ يكون لها امتداد يحمل نفس صفاتها وإلا كان هذا الولد الذي يحمل نفس الصفات إلهاً هو الآخر كأبيه..كما أنه لا يجوز أن يكون لله ولد لأن الأب يتعلق بولده تعلقاً خاصاً بحكم أنه جزء منه، والله عز وجل ليس بينه وبين أحد من خلقه صلة قرابة ولا نسب، بل الكل عبيد له على قدم المساواة،، كما أنّ المسيح كان بشراً يحمل صفات النقص، ولا يجوز أن نصف المسيح بأنه رب لأن الرب لا يجوز أن ينسب له النقص كالبشر..فهذا كله لا يجوز في حق الله الواحد الأحد الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُواً (مثيلاً) أحد.

    من أمثلة الجهل بصفة القدوس أيضاً هو ما يقوله اليهود في كتبهم المحرفة عن أنّ يعقوب عليه السلام قام بمصارعة الربّ وغلبه،، فهذا القول من أفحش الأقوال عن الله،، ويصوّر الله كأنه مجرد مخلوق ضعيف كالبشر، تعالى الله عما يصفون.

    من أمثلة الجهل بصفة القدّوس أيضاً ما يقوله أصحاب عقيدة الحلول والاتحاد كالصوفية وغيرهم، الذين يزعمون أنّ الذات الإلهية المقدسة حَلّت في كل شيء في الوجود وامتزجتْ به واتحدت به حتى صار كل شيء في الوجود معبّراً عن الله ذاته،، أي يقولون أنّ الله ومخلوقاته هما شيء واحد في الحقيقة، فالذات الإلهية حلّت فينا كلنا وفي كل شيء في الوجود، فيقولون أنّ الله موجود داخل أرواحنا بذاته وموجود داخل كل الأماكن بذاته حتى في المزابل والأماكن القذرة،، نعوذ بالله من الكفر..
    وهناك فارق بين من يقولون هذا القول، لعنهم الله، وبين من يعتقد أنّ الله معنا في كل مكان بحفظه ورعايته وعلمه،، فهذا هو اعتقاد المؤمنين، أنّ الله عز وجل معنا أينما كنا، ولكن ليس معنا بذاته، وإنما معنا بعلمه ورقابته وإحاطته.. فالذات الإلهية منزهة عن النقص ولا يمكن أن تمتزج بهذا الكون المادي، بل الصحيح أن نقول أنّ الله في السماء أعلى من الوجود ومنفصل عنه.. خلق الوجود لكنه لا يمتزج بالوجود،، هو العليّ ولا يليق به أن ينحطّ أو يهبط.
    وهنا شبهة لدي البعض بخصوص حديث "النزول":
    فقد أخبر الله في حديث قدسي صحيح ((أنه ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة فيقول هل من داعي فأجيبه؟ هل من سائل فأعطيه؟))
    فكيف نقول أنّ الذات الإلهية لا يليق بها أن تمتزج بالوجود المادي، وفي ذات الوقت يقول الله عن نفسه أنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة؟
    وكما قلنا هذه من الصفات الخبرية التي نثبتها لله كما أثبتها لنفسه، ولا نكذّبها، فنقول أنّ الله ينزل نزولاً حقيقياً إلى السماء الدنيا كما أخبر عن نفسه، لكنه نزول يليق بذاته الشريفة، ولا يشبه نزول البشر الذي يكون عبارة عن ترك مكان إلى مكان آخر،، فنزول الله لا يحدث هكذا،، بل هو نزول يليق به، فلا تمتزج ذاته بشيء، وتظل مقدسة منزهة عالية ،، بطريقة لا يمكن لعقولنا أن تدركها..
    وهذا يختلف عن أصحاب عقيدة الحلول والاتحاد الذين يقولون أن الله يمتزج امتزاجاً حقيقياً بمخلوقاته، حتى أنّ أحد أئمة الصوفية الضالين "أبا اليزيد البسطامي" روي عنه أنّ شخصاً جاء ليطرق بابه،، فردّ عليه البسطامي قائلاً: من تريد؟ فقال الشخص: أريد أبا يزيد البسطامي،، فرد عليه البسطامي ، لعنه الله، بقوله : ليس في البيت إلا الله !!!
    فهو يعتبر نفسه ويعتبر الله شيئاً واحداً،، لأنّ الله في اعتقاده ممتزج بكل شيء،، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
    ومن أمثلة الجهل بصفة الحياة:
    ما روي عن بني اسرائيل في الحديث الحسن: أنهم سألوا موسى : هل ينام ربك؟
    ومن المعروف أنّ النوم هو أخو الموت، ولا يليق بالله أن يموت...وكيف تُحفَظ السموات والأرض؟ ومن يقوم على أمرهما إذا كان الله سينام ويتركهما؟!
    وما كان لهم أن يسألوا هذا السؤال لو أنهم يعرفون الله!

    ومن أمثلة الجهل بصفة المُــلك:
    الذين يعتقدون أنّ هناك أقطاباً في الكون تستطيع التصرف في الكون مع الله، مثل غلاة الصوفية لعنهم الله الذين يعتقدون أنّ لبعض مشايخهم القدرة على تدبير أمور الكون مع الله، ويسمونهم أقطاباً.
    كما يغالون في النبي محمد، ويصفونه بأنه نور الوجود، وبأنه يملك التصرف في كل شيء، وكأنه هو الله!
    من أمثلة ذلك أيضاً اعتقاد كثير من الناس اليوم بأنّ رؤسائهم في العمل يملكون أرزاقهم وأن أرزاقهم بأيديهم وليست بيد الله .. واعتقاد كثير من الناس بأنّ "أمريكا" تملك مفاتيح القوة والرزق في العالَم وتعطيها لمن تشاء ..واعتقاد كثير من الناس بأنّ ضباط الجيش والشرطة يملكون مصير الناس وبأيديهم النفع والضر ويستطيعون إلقائهم خلف الشمس..
    وهذا كله لا يملكه إلا الله، فهو ملك الملوك..وغيره من المخلوقات لا تملك من أمرها شيئاً.

    ومن أمثلة الجهل بصفة القدرة:
    من الأمثلة المعاصرة ما يقوله اليوم زبانية الحكام العرب في السجون والمعتقلات السياسية، حيث يعذبون المعتقلين السياسيين قائلين لهم: أين هو إلهكم لينقذكم مما أنتم فيه؟ حتى الله نستطيع أن نسجنه معكم!! كما قال ذلك زبانية عبد الناصر في سجون مصر في الستينات، وأبرزهم الهالك حمزة البسيوني،، وكما يقول اليوم زبانية السيسي لمعتقليهم كما يُروَى لنا من داخل السجون..فهؤلاء القوم يعتقدون أنّ الله لا يقدر عليهم،، نعوذ بالله من هؤلاء الشياطين!
    ومن الأمثلة أيضاً:
    ما يعتقده قطاع كبير من الناس اليوم أنّ قوانين الحياة المادية لا يمكن كسرها، فيعتقدون أنّه من المستحيل هزيمة الأعداء لفارق القوة العسكرية ، ويعتقدون أنه من المستحيل الشفاء من الأمراض المزمنة كالسرطان وغيرها إذا أخبرهم الأطباء أنها حالة ميئوس منها، إلى آخر الأمثلة التي يجمعها شيء مشترك دائماً وهو اليأس من رحمة الله والشك في مقدرته سبحانه على كسر هذه القوانين المادية،، فهم يعتقدون أنّ هذه القوانين قوية بذاتها ولا يمكن أن يغيّرها أحد حتى الله،، نعوذ بالله من الضلال.
    وينبغي الإشارة هنا لقول بعض الأنبياء عندما بشرهم الله بالإنجاب على كِبَر، حيث قال بعضهم:
    كيف أنجب وأنا شيخ، وزوجي عاقر؟
    وقالت الأخرى: كيف ألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخاً؟
    وهذه التساؤلات ليست تدل على الشك في مقدرة الله، وإنما هي رد فعل تلقائي لاإرادي عند التفكير في حدوث شيء خارق،، وبعدها مباشرةً سلّم أصحابها بقدرة الله، وشكروه على فضله.
    أين هذا من الذين يقولون اليوم :
    أنا مستحيل أنجح في حياتي، ربنا كتب عليّ الشقاء..
    أو : مستحيل أشفى من هذا المرض أبداً ..
    أو : مستحيل أحد يقدر يهزم أمريكا ..
    إلى آخر هذه العبارات التي ينطقها أصحابها في جزم ويقين أكيد أنّ القوانين المادية لن تتغير أبداً ، ويجهلون مقدرة الله المطلقة على تغيير أي وضع.
    وهنا شبهة تروّجها الجماهير الغفيرة من المشركين اليوم:
    وهي متعلقة بحديث الرجل الذي أوصى بحرق جثته، حيث كان من أمم سابقة، ولم يعمل خيراً قط إلا التوحيد، فعندما حضرته الوفاة وصى أبنائه بأن يحرقوا جثته إذا مات، ويطحنونها ويبعثرونها في الهواء، مبرراً لهم ذلك الطلب بقوله : "فواللهِ لئن قدر الله عليّ ليعذبنّي عذاباً لا يعذبه لأحد" ... ثم عندما مات ، سأله الله : ما حملك على فعل هذا؟ فقال: خشيتك يارب.. فأدخله الله الجنة.
    فيستدلون بهذا الحديث على عدم تعارض الإيمان مع الجهل بقدرة الله،، فيقولون أنّ هذا الرجل شكّ في قدرة الله بدليل أنه طلب أن تحرق جثته حتى لا يقدر الله عليها ويعذبه..وبرغم ذلك أدخله الله الجنة ولم يكن كافراً بشكه ذلك.
    وهذا الكلام غير صحيح، فالرجل لم يشكّ في قدرة الله، وإنما نطق بكلام تحت تأثير الخوف الشديد، ولم يكن يقصده.. فقد أجاب الله سبحانه عندما سأله عن سبب فعله لذلك، فقال : خشيتك يارب..
    وهذا دليل على أنه كان في حالة خوف شديد أثناء احتضاره.. ومن المعروف في حالة الخوف الشديد أنّ الإنسان ربما يفقد عقله وسيطرته على نفسه فيتصرف بأفعال أو ينطق بكلام لا يقصده..وهذا مثل الرجل الذي قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك .. ولم يكن يقصد ما قال ..وهذا يندرج تحت طائلة الخطأ غير المقصود، لذلك لم يحاسبه الله عليه.
    كما أنه حتى لو وجهنا الحديث للقول بأنّ الرجل شكّ في قدرة الله، فإنّ هذا لا يعني بالضرورة أنّ الله لم يكفّره، وإنما يخبرنا الحديث أنّ الله غفر له، أي أنه لم يعذبه، ولم يقل: لم يكفّره،، وهناك فارق بين عدم التكفير وبين عدم التعذيب،، فقد يكون الرجل كافراً لكنّ الله غفر له بسبب أنه من أهل الفترة، وهذا احتمال وارد.. وحتى لو لم يكن من أهل الفترة، فإنّ الله عز وجل هو الرب.. والرب لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون..فإذا أراد الرب أن يغفر لكافر فليس من حقنا أن نتدخل في إرادة الله..وهذا لا ينفي القاعدة العامة أنّ الله لا يغفر أن يُشرَك به.. ولكنّ الله عز وجل يقرر ما يشاء ويريد ما يشاء ويستثني من يشاء ولا يُسأل عما يفعل.. وهذا كله متعلق بمسألة المغفرة والتعذيب،، وليس متعلقاً بمسألة التكفير،، فإنّ الشك في قدرة الله كفر في كل الأحوال سواءً غفر الله هذا الكفر أم لا.

    ومن أمثلة الجهل بصفة القوة:
    ما يزعمه اليهود في كتبهم المحرفة أنّ الله بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام، استراح في اليوم السابع..
    وما ينبغي لله أن يستريح، لأنه قوي لا يتعب..
    وما يقول هذا القول إلا أناس كفروا بربهم وما عرفوا قدره.

    ومن أمثلة الجهل بصفة العلم:
    ما يزعمه بعض فلاسفة اليونان أنّ الله يعلم الكليات فقط ولا يعلم الجزئيات ، أي لا يعلم دقائق الأمور وتفاصيلها وإنما يعلم الأمور الكلية العامة فقط ..تعالى الله عمّا يقولون ..إنّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ..
    وكيف يخلق الرب شيئاً ثم يجهل ما يحدث فيه؟
    لا يقول ذلك إلا كافر جاهل بربه.
    ولكن المشركون اليوم يروّجون لشبهة أيضاً بخصوص هذه المسألة:
    متعلقة بالحديث الصحيح الذي يزعمون أنّ السيدة عائشة رضي الله عنها شكّت فيه في علم الله..
    حيث أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال :
    ((وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الأَعْوَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ - رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا : أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي ، قَالَ : فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ . قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : ( أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) . قُلْنَا : ( بَلَى ) . قَالَ : قَالَتْ : ( لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا ، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا ، وَفَتَحَ الْبَابَ ، فَخَرَجَ ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا ، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي ، وَاخْتَمَرْتُ ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ ، فَلَيْسَ إِلاَّ أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ فَقَالَ : « مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً » . قَالَتْ : ( قُلْتُ : لاَ شَيْء ) . قَالَ : « لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ». قَالَتْ : ( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، فَأَخْبَرْتُهُ ) ، قَالَ : « فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي ؟ » . قُلْتُ : نَعَمْ . فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي ، ثُمَّ قَالَ : « أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ ! » . قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ نَعَمْ . قَالَ : « فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي ، فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ». قَالَتْ : ( قُلْتُ : كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ) ، قَالَ : « قُولِي : السَّلاَمُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِين َ ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخرِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ((

    والشاهد من هذا الحديث هو عبارة السيدة عائشة التي قالت فيها : مهما يكتم الناس يعلمه اللهُ نَعَم.
    والمشركون يستدلّون من هذه العبارة أنّ السيدة شكّت في مقدرة الله على أن يعلم ما في صدور الناس، ويزعمون أنها سألت النبي: هل يعلم الله ما نكتمه؟
    وليس في الحديث ما يفيد بأنها سألت بصيغة : هل؟
    وإنما قررتْ في صيغة خبرية أنّ: مهما يكتم الناس يعلمه الله ..
    فهي تقرر أنه مهما يكتم الناس من أشياء في صدورهم فإنّ الله يعلمها..أي تنسب صفة العلم المطلق لله وتقررها ولا تشك فيها أو تتساءل عنها .. ولكن المشركون يحرّفون الكلم عن مواضعه زاعمين أنها شكّتْ وتساءلت بصيغة : هل؟ ...وهذا لم يحدث.
    أما عن كلمة "نعم" فهي من نفس قول عائشة رحمها الله، وليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم... أي أنّ عائشة تقرر قاعدة أنّ الله يعلم كل شيء، وتصدّق على كلامها بكلمة "نعم" ... مثل أي شخص يريد التصديق على كلامه والتأكيد عليه فيقول : أنا أؤمن بكذا وكذا، نعم أنا أؤمن. فهذا تأكيد من الشخص لكلامه.
    وحتى لو صحّت الرواية الأخرى التي تنسب كلمة "نعم" لرسول الله، فهذا ليس معناه أن عائشة كانت تسأل والنبي يجيب .. لأنّ عائشة لم تتكلم بصيغة استفهام،، بل بدأتْ كلامها بكلمة "مهما يكتم" ، وكلمة "مهما" تفيد بداية جملة خبرية لا استفهامية، فكيف يفهم النبي منها أنها تسأل ثم يجيب؟ هذا غير صحيح ..وإنما الصحيح أنّ النبي يصدّق أيضاً على كلامها بكلمة "نعم" .. مثل أن يتكلم شخص ويقول: لا أحد أرحم من الله..فيردّ عليه المستمع مصدّقاً على كلامه قائلاً : نعم ... أي : نعم أنتَ محق في كلامك ..
    إذن المسألة بعيدة جداً عن أن تكون استفهام وشك من السيدة عائشة ..وليس في الكلام أصلاً ما يفيد ذلك ..
    وكيف تشك السيدة عائشة في علم الله، وهي أم المؤمنين صاحبة القدم الراسخ في الإسلام؟!!
    ولكنّ المشركين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة .
    هداهم الله!

    ومن أمثلة الجهل بصفة الحكمة:
    ما يزعمه العلمانيون اليوم من أنّ أحكام الله لا تتلاءم مع العصر الحديث، ويعتقدون أنّ شرائعهم أفضل من شريعة الله، فينسبون له النقص وعدم الحكمة، تعالى الله عما يصفون!
    ومن أمثلة ذلك أيضاً ما يرتكبه كثير من الناس اليوم من التسخّط على أقدار الله، عندما تحلّ بهم مصيبة، وهذا مُشاهَد بكثرة في حالات الوفاة، حيث تنطلق عبارات التسخط من النساء وبعض الرجال: لماذا يارب؟ لماذا فعلتَ ذلك بنا؟ لماذا أخذت حبيبنا؟
    بل تنطلق هذه العبارات عند كل موقف يشعر فيه أحدهم بفراق محبوبه، أو بفشله في الدراسة أو في العمل أو في الزواج .. إلخ .. فيقول بعضهم : لماذا يارب تظلمني؟ لماذا أمرضتني؟ ولماذا لا ترزقني؟
    وينسبون له الظلم وعدم الحكمة ..
    ويتضح ذلك حتى في كلمات الأغاني التي يسمعها هؤلاء الرعاع بكثرة والتي يكثر فيها التفوّه بعبارات من قبيل: "الزمن قاسي عليّ" .."الدنيا ماشية بظهرها" .."كتاب حياتي ياعين،ماشفت زيــه كتاب، الفرح فيه سطرين، والباقي كله عذاب" ..
    أو الهالِك الذي كان يقول في أحد أغانيه: "قَدَرٌ أحمقُ الخُطَى، سحقتْ هامتي خُطاه" ، وكان الملايين يحبونه ويحبون أغانيه، ويتابعونه على كفره!
    وهذا كله من التسخط على أقدار الله، والاعتراض على حكمه، ووصف أفعاله بالعبث وعدم الحكمة،، ومن المعروف أنّ سبّ الزمن أو الدهر هو في حقيقته سبّ لله،، لأنّ ما يفعله الزمن إنما هو في الحقيقة من الله..ولا يحدث شيء في الكون إلا بأمره..
    وكذلك يعترضون على حكمة الله قائلين: "يعطي الحلق للي بلا ودان" .. أي بالفصحى : "يعطي الرزق لمن لا يستحق" .. وهذا سب صريح لله واتهام له بالعبث وعدم الحكمة .. تعالى الله عما يصفون!



    ومن أمثلة الجهل بصفة العظَمة:
    ما نراه من أغلب فئات المجتمع اليوم من سبّ لله وسبّ للدين ليلاً ونهاراً ولأتفه الأسباب، بينما لا يقبلون السبّ على أنفسهم ويفكرون ألف مرة قبل أن يسبّ أحدهم الآخر، فهم يعظمون بعضهم البعض أكثر من تعظيمهم لله ..
    بل ويسخرون من الله ومن شرائعه ومن كلامه ..فتجد أحدهم يستهين بالله عندما يتحدث عنه، بينما لا يجرؤ على الاستهانة بمديره أو رئيسه في العمل أو حاكم دولته..
    وتجد أحدهم يستهزيء باليوم الآخر قائلاً: أنا سيدخلني الله الجنة على "توكتوك" .. و"التوكتوك" وسيلة مواصلات محتقرة عند الناس .. فيستهزيء ويسخر من اليوم الآخر ويتكلم عنه باستهانة.
    وكذلك ما نراه من اعتقاد الناس اليوم بأنّ الإيمان بالله هو فقط الإيمان بوجوده والصلاة له وقراءة كتابه وفقط،، ويقرّون المشركين على شركهم، ولا يكفّرونهم، لاعتقادهم بأنّه يمكن أن يجتمع الإيمان مع الشرك، فيهوّنون من الشرك الذي هو خيانة الله.. ويعتقدون أنه يكفي فقط الإيمان بالقرآن وبمحمد لكي يكون الشخص مسلماً ولا يهم بعد ذلك إذا أشرك بالله وخانه وعبد معه إلهاً آخر.. فهم يعتقدون أنّ خيانة الله لا تتعارض مع الإيمان به،، وهم بذلك يضعون الله في مرتبة أحطّ قدراً من المرتبة التي يضعونها لأنفسهم،، فهم لا يقبلون الخيانة على أنفسهم بينما يقبلونها على الله.
    ويعتقدون أنّ الكفر بالنبي محمد لا يمكن أن يجتمع أبداً مع الإسلام،، بينما يلتمسون الأعذار لمن أشرك بالله ويقولون عنه"مُسلم" .. فالإيمان بمحمد عندهم أهم وأعظم من الإيمان بالله!
    ويرفضون تكفير المشركين قائلين : وما شأننا بتكفير من يسب الله أو يسب الدين؟
    بينما لا يقبلون أبداً أن يسبهم أحد أو يسبّ آباءهم وأمهاتهم أو حتى يسبّ عشائرهم وأوطانهم ..
    فكرامتهم عندهم أهم من الله..يغضبون لأنفسهم ولا يغضبون لله..يهتمون بتوقير أنفسهم ولا يهتمون بتوقير الله.
    وكل هذا من عدم تعظيم الله، والجهل بقدره...ما قدروا اللهَ حق قدره!

    ومن أمثلة الجهل بصفة العِزّة، والهيمنة:
    هو نفس الأمثلة السابقة التي يشتمون فيها الله داخل السجون ، ويحقّرون منه، ظانّين أنهم يقدرون عليه مثل مقدرتهم على المخلوقين..

    ومن أمثلة الجهل بصفة الجمال الذاتي:
    هو تشبيهم لله كما قلنا بالمخلوقات الناقصة، كتأليه النصارى للمسيح ابن مريم، وظنهم أنّ الرب يمكن أن يجوع ويعطش ويقضي الحاجة كالمخلوقات، فينسبون له أقبح الأشياء..
    كما سيتبع الناس الدجّال في آخر الزمان، ويؤلهونه، مع أنه أعور، وما ينبغي للرب الجميل أن يكون أعوراً.

    ومن أمثلة الجهل بصفة الرحمة ، والخيرية:
    ما يزعمه كثير من الناس اليوم بأنّ الله ليس رحيماً لأنه خلق الشر والآلام في الوجود، ويعترضون على أفعاله واصفين إياه بالقسوة.. تعالى الله عما يقولون..
    وهؤلاء ركزوا على جانب واحد من الحياة، وهو جانب الآلام، والتي خلقها الله أصلاً لحكمة جليلة نعجز نحن عن فهمها .. بينما غفلوا عن كثير من مظاهر الرحمة والرأفة في هذا الوجود،، وغفلوا عن النعم الكثيرة التي أنعم الله علينا بها .. تعالى الله عما يصفون!

    ومن أمثلة الجهل بصفة المغفرة:
    ما يعتقده بعض الناس اليوم من أنّ الله لن يغفر لفلان أبداً بسبب جرائمه ،، أو يقول أحدهم: يستحيل أن يغفر الله لي بعد كل ما اقترفتُ ..
    ويحجرون على مغفرة الله الواسعة،، ويظنون بأنّ ذنوبهم أكبر من مغفرة الله، وهذا ظن سيء في الله، وجهل بعظمته،، فلا يليق بالله العظيم الكبير أن يكون عاجزاً عن المسامحة والعفو .. فإذا كنا نصف الشخص الذي يغفر بأنه صاحب قلب كبير، وهذا في البشر ، فهل يكون البشر أنبل من الله ؟!!
    إنّ الإيمان بعظمة الله وجلاله يقتضي منا الإيمان بأن ذنوبنا لا تضره في شيء، وأنها مهما كبرت فهو أكبر .. ومن يعتقد أنّ الله لا يستطيع أن يغفر فهو يشتم الله... لأننا نعتقد نحن كبشر أنّ الشخص العاجز عن المسامحة قلبه أسود،، فهل يليق أن نصف الله بذلك؟!
    لذلك كان من أعظم الذنوب عند الله أن يعتقد العبد أنّ ذنوبه أكبر من مغفرة الله،، فهذا الاعتقاد في حد ذاته أكبر من الذنوب نفسها.
    وهذا ليس معناه أنّ المغفرة واجبة دائماً على الله، بل يحق له أن يعاقب أيضاً، ولا يُسأل عما يفعل .. فالله قد يغفر وقد يعاقب حسب ما يستحقه الإنسان، فإن غفر فبفضله، وإن عاقب بعدله ..ولكن ما لا يصحّ هو أنْ يعتقد الإنسان أن الله لا يغفر أبداً، أو أنّ هناك ذنب أكبر من مغفرة الله،، فلابد أن يعتقد الإنسان أنّ الله يقدر على مغفرة أي خطأ مهما كان كبيراً.

    ******************

    أخيراً، وقبل أن نغادر باب "توحيد الربوبية" ينبغي مناقشة قضية "تعطيل الصفات" بقليل من التفصيل:
    أثناء مناقشتنا لصفة الله "القُدّوس" ذكرنا أنّ الإيمان بهذه الصفة يقتضي تنزيه الله عن كل عيب ونقص، فلا يجوز تشبيهه بمخلوقاته، فهو ليس كمثله شيء.
    وهذا يجعل البعض يبالغ في هذا التنزيه فينفي عن الرب صفات كان ينبغي له أن يثبتها له..
    وقد قلنا من قبل أنّ هناك صفات متعلقة بعظمة الله وكماله ، لا يجوز الجهل بها أو نفيها ..
    وأنّ هناك صفات أخرى متعلقة بذات الله، وهي صفات خبرية يمكن الجهل بها ..
    لذا فالتعطيل قد يكون في النوع الأول، فيؤدي للكفر .. وقد يكون في النوع الثاني ، فلا يؤدي للكفر (إلا في حالات ضيقة) ..
    ولتوضيح ذلك :
    فإنّ بعض الناس أرادوا أن ينزهوا الله عن التشبيه بمخلوقاته، فقالوا : بما أنّ المخلوقات تسمع وتبصر ، فلا يمكن أن يكون الله سميعاً بصيراً، حتى لا يكون مثل المخلوقات ..
    وهؤلاء الناس أرادوا التنزيه، فوقعوا فيما هو أسوأ منه وهو التعطيل .. والتعطيل هنا أدّى لسلب صفة مهمة جداً عن الله وهي السمع والبصر المرتبط أصلاً بصفة العلم،، فإذا لم يكن الله سميعاً بصيراً فكيف سيعلم أحوالنا وما يجري في الوجود؟
    وبذلك فإنّ قولهم يؤدي لنفي صفة العلم عن الله، التي هي صفة ضرورية للإيمان بالله..فمؤدّى قولهم إلى الكفر بالله.
    وهكذا فإنّ أي تعطيل للصفات الفطرية المرتبطة بكمال الله (القدرة ، القوة، العلم، الحياة، إلخ، كما ذكرناها من قبل) فإنه يؤدي للكفر بالله، لأنّ الإيمان بالله لا يتم إلا بإثبات هذه الصفات الضرورية لله.

    أما عندما يكون التعطيل في الصفات الأخرى المرتبطة بذات الله، والتي أخبرنا بها الوحي، كصفة اليد وصفة الأصابع وغيرها.. فإنّه تعطيل لا يؤدي للكفر بالله، لأنّ الإيمان بالله يمكن أن يتم بدون إثبات هذه الصفات، فهي صفات خبرية وليست كالصفات الضرورية الأخرى المرتبطة بكمال الله ..
    ومن يعطلون هذه الصفات الخبرية إنما يفعلون ذلك أيضاً لنفس الغرض وهو الهروب من تشبيه الله بمخلوقاته،، فيقولون أن اليد والأصابع وغيرها هي من صفات المخلوقين، فلا يليق أن ننسبها لله..فيؤولون هذه الصفات ويصرفون ألفاظها لمعاني مجازية، فيقولون أنّ اليد ليست يداً حقيقية وإنما هي كناية عن القدرة، وأنّ الأصابع قيلت لتقريب الصورة لنا فقط، وليست أصابع حقيقية ..
    وهذا القول قول معتبر ولا يُنكَر على أصحابه دائماً، بسبب أنّ قواعد اللغة العربية أساساً ، بل قواعد كل لغات العالَم تسمح بوجود المجاز والكناية وفيها تشبيهات لتقريب الصورة ..ونظراً لأنّ الله ليس كمثله شيء فإنّه لا توجد أية لغة في العالَم لوصف الأفعال التي يقوم بها، لأنّ اللغات هذه وضعت لاستعمال البشر أساساً وتصف أفعال البشر،، أما أفعال الله فلم يرها أحد أو يعاينها حقيقةً ، لذلك لا تستطيع أية لغة بشرية في العالَم وصف هذه الأفعال .. وفي نفس الوقت لابد أن نفهم كلام الله الذي هو في الأساس ليس ككلامنا ..
    ولحل هذا الإشكال فإنّ الله عز وجلّ يتودد إلينا وينزل لمستوانا البشري في الكلام، ويكلمنا بلغتنا البشرية التي نفهمها نحن .. لذلك يستعمل نفس الألفاظ التي نستعملها نحن ، وذلك لتقريب الصورة .. ولذلك فإنّ بعض الآيات والنصوص تحتمل بالفعل أن تكون معبّرة عن معاني مجازية .. كالآية التي يخبرنا الله فيها أنّ يد الله فوق أيدي الصحابة في بيعة الرضوان.. فإنّ المعنى الأقرب هنا والذي يتماشى مع السياق هو أنّ وضع اليد هنا ليس حقيقياً، وإنما يعبّر عن تأييد الله لهم في بيعتهم ..فلا بأس هنا من تأويل لفظ اليد وصرفه إلى معنى مجازي.
    بينما هناك نصوص أخرى يصعب فيها التأويل، كالنصوص التي تخبر عن وجود عرش للرحمن، فلا يمكن تأويل العرش بأنه مجرد الهيمنة والقدرة، لأنّ النصوص التي جاءت لوصفه كثيرة ومعبرة عن أنه شيئ حقيقي ولو وجود فعلي ..
    وخلاصة هذا الأمر:
    أنّ الصفات الذاتية الخبرية يجوز فيها التأويل في بعض الأحيان حسب ما يقتضيه سياق الكلام وقواعد اللغة..ولا يجوز ذلك التأويل في حالات أخرى، وهي الحالات التي ينبغي إثبات الصفات فيها كما أثبتها الله لنفسه حتى لا نكون وقعنا في تكذيب الله ونفي كلامه .. وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة كما قلنا ..
    ولكن لا ينبغي التسرع في تكفير من يؤول هذه الصفات أو يعطلها بغرض تنزيه الذات الإلهية،، فإنّ المسألة يسعنا فيها الخلاف والإعذار لأنها بعيدة عن أصل الدين وإنما هي مسألة خبرية ،، ولا ينبغي اتهام أصحاب هذا الموقف بأنهم يكذّبون الله إلا بعد إقامة الحجة بشكل واضح، وظهور قرائن وعلامات مؤكدة تثبت وقوع هؤلاء في تكذيب حقيقي بالفعل بعد أن يتضح لهم الأمر ولا يصبح لهم حجة،، وهذا شيء نادر الحدوث،، فهؤلاء في الأغلب لا يقصدون التكذيب بقدر ما يقصدون التنزيه، كما أنه من النادر وجود نص في هذه الصفات الذاتية قطعي الدلالة ولا يحتمل التأويل،، فمعظم النصوص في هذا الشأن قد تحتمل التأويل بسبب أنّ قواعد اللغة العربية أصلاً تسمح بذلك،، لذلك فإنّ هذه المسألة اجتهادية ، ويسعنا فيها الخلاف..ولا ينبغي الخوض في التكفير بهذا السبب إلا عندما يكون الكفر بواحاً ولنا فيه برهان.
  3. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    رابعاً:
    وقفة مطوّلة مع توحيد الألوهية


    ذكرنا في السابق معنى العبادة إجمالاً عندما تحدثنا عن المعنى العام لأصل الدين، وقلنا أنّ توحيد الألوهية يقتضي ألا يصرف الإنسان أي عبادة إلا لخالقه عز وجل، وأنّ العبادة لا تقتصر فقط على الركوع والسجود، وإنما تشمل معاني أخرى أوسع ومنها المحبة والطاعة والتوكل والتحاكم وغيرها، وهنا لابد من وقفة لشرح هذه المعاني بشيء من التفصيل، فالكثيرون قد يتفقون على الكلام العام المجمل، لكن الاختلافات لا تظهر إلا عند التفاصيل.

    تعريف "العبادة":
    لا يختلف تعريف العبادة في اللغة عن تعريفها في الشرع، فتعريفها في اللغة أنها هي الخضوع والتذلل..وهو نفس تعريفها في الشرع..
    لكن لابن القيم تعريف قوي وجامع يقول فيه أنّ العبادة هي "كمال الحب مع كمال الذل"، ومن المعروف أنّ الحب الشديد يوصل صاحبه إلى التذلل للمحبوب، فالمحبة جزء من التذلل والخضوع، ولكن لأهميتها فذكرها منفصلة من باب عطف الخاص على العام..
    والعبادة بهذا المعنى هي العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله تعالى، وصرفها لغير الله شرك بالله، لأنه لا يجوز الخضوع إلا لله رب العالمين الذي خلقنا ويرعانا..
    وهذا هو المعنى الذي نعنيه بأنه "لا إله إلا الله" أي "لا معبود إلا الله"..

    أما ما ذكره ابن تيمية أنّ العبادة "اسم شامل لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" ..
    فهو تعريف أوسع وأشمل ويتناول كل الأعمال التي يمكن أن يفعلها العبد تقرباً لله حتى لو كانت في أصلها أعمال شخصية لكن فعلها بنية التقرب إلى الله يحوّلها لعبادة يثاب عليها صاحبها،،
    كرياضة الجري، فإنها في الأصل عمل يقوم به الإنسان لتقوية جسمه ورفع لياقته البدنية، لكنه لو فعلها بنيّة التقوّي على الجهاد في سبيل الله فإنها تتحول من مجرد فعل شخصي عادي إلى فعل تعبدي يثاب عليه صاحبه،،
    وأيضاً جماع الزوج لزوجته فإنه في الأساس عمل يقوم به لإشباع شهوته، لكنه لو فعل ذلك بنيّة إعفاف نفسه وزوجته عن الحرام، فإنه يتحول لعبادة يثاب عليها صاحبها،،
    وهكذا ..
    فهذه الأعمال هي في الأصل أعمال عادية يفعلها الإنسان لإصابة مصلحة شخصية بحتة ،، وليس لها علاقة بالخضوع والتذلل الذي يعني العبادة بمعناها العقائدي المرتبط بالتوحيد..
    لذلك فلا يصح أن يقال في هذه الأعمال أن صرفها لغير الله شرك بالله، لأنّ الأصل فيها صرفها لغير الله، فيفعلها الإنسان لنفسه أو للآخرين، فإن فعلها لنفسه وللآخرين فلا شيء عليه وهذا هو الأصل فيها ، أنها لا تصرف لله، وإنما للنفس ، وليس هناك حرج في ذلك..فإن صرفها الإنسان لله فهذا عمل صالح يثاب عليه لكن لا يُلزَم به ولا يُعاقَب على مخالفته..

    أما بالنسبة للأعمال التي تعني الخضوع والتذلل، فهذه هي الأعمال التي يكون الأصل فيها صرفها لله فقط دون شريك، فإن صرفها الإنسان لنفسه أو للآخرين صار مشركاً بالله كافراً به، وهذه هي العبادة بمعناها الخاص المرتبط بشهادة التوحيد التي هي شرط لدخول الإسلام..
    أما العبادة بمعناها الذي ذكره ابن تيمية فهي تتحدث عن شيء آخر أكثر عموماً وشمولاً..

    وهنا ملاحظة أخرى أيضاً ينبغي الإشارة إليها:
    وهي أنّ وصف "العبودية" قد يُطلَق على "الرقيق" الذين كان أسيادهم يمتلكونهم، ولا يعني هذا أنّ هؤلاء الرقيق كانوا يعبدون أسيادهم أو يتوجهون لهم بالذل أو الخضوع الذي لا يجوز إلا لله،، وإنما أطلق عليهم لفظ "العبيد" مجازاً بسبب أنّهم لم يكونوا يملكون أنفسهم، وإنما كان أسيادهم يملكونهم بالبيع والشراء، لذا فإنّ وصف "العبودية" هنا أطلق لبيان سلب المُلك من هؤلاء العبيد فقط..ولم يكن يشير إلى معاني العبودية الدينية المتعلقة بالخضوع.. فقد كانت العلاقة بين الأسياد والعبيد داخل المجتمع الإسلامي علاقة قائمة على الاحترام، وكان للعبد حقوقاً كاملة كالسيد في كل شيء فيما عدا "الملك" فقط، ولم يكن استعباداً بالمعنى المفهوم..
    وهذا يشبه وضع الموظفين والعمال اليوم في المؤسسات الرأسمالية التي تمتلكهم أحياناً مقابل الحصول على قوت يومهم.

    ويعنينا هنا فقط التحدث عن العبادة بمعناها العقائدي الخاص الذي هو كمال الحب مع كمال الذل، أو التذلل والخضوع..
    ولها حالتان:

    • الحالة الأولى أن يصرفها الإنسان في الأصل لله، فيكون مسلماً، فإذا لم يتباهى بها أمام الناس سمي مخلصاً، أما إذا تباهي بها أمام الناس أو شعر بإعجاب وهو يفعلها، فهذا شعور يخالط كثير من الناس، لأن النفس الإنسانية بطبيعتها تحب المدح والظهور، وينبغي للإنسان مقاومة هذا الشعور لأنه يفعل العبادات لله لا لنفسه أو للناس، فإذا فعلها وقصد بها مدح الناس أو أعجبه فيها مدح الناس له فهذا لا يخرجه عن دائرة الإسلام لكنه يدخله في الرياء الذي سماه النبي الشرك الأصغر، ولم يكن هذا الرياء شركاً أكبر مخرجاً من الملة، لأنّ الشرك المخرج من الملة هو العبادة التي يوجهها الإنسان لغير الله مباشرةً، كأن يسجد ويركع للصنم أو للضريح أو يستغيث بغير الله مباشرةً وهكذا ، فهذا توجه بالعبادة لغير الله، أي عبَدَ غير الله. أما من نتحدث عنه فهو في الأصل وجّه العبادة لله أي عَبَدَ الله ولم يعبد غيره، ولكنه أفسد عمله بحب الظهور وانتظار المدح من الناس، فهذا يُعاقَب ويضيع ثواب عبادته، لكنه لا يسمى مشركاً، بل يسمى مرائياً. إلا لو كان الإنسان يقصد بكل أفعاله ابتغاء مرضاة الناس، فهذا قد يتحول لشرك أكبر وهو شرك القصد والإرادة، كأغلب الناس اليوم يبنون كل أفعالهم على حسب رضا الناس لا على حسب رضا الله، فهؤلاء تحوّل ريائهم إلى شرك أكبر بسبب أنّ مقاصدهم ونواياهم بالكامل موجهة لمرضاة الناس، ويعيشون لأجل الدنيا فقط لا لأجل الله...

    هذا كله عن الرياء : الذي هو في الأساس شرك أصغر ، لكنه قد يتحول لشرك أكبر في الحالات التي ذكرنا.


    • الحالة الثانية أن يصرف الإنسان هذه العبادة لغير الله مباشرةً، فيصير مشركاً بالله شركاً أكبر يخرجه عن دائرة الإسلام، كمن يتحاكم لغير الله ، أو يتوكل على غير الله، إلخ.


    العبادة بهذا المعنى الأخير تشمل عدة أنواع سنتحدث عن كل منها على حدة كالتالي:


    1. عبادة المحبة:

    هناك اعتقاد شائع أنّ المحبة الشركية هي طاعة إنسان لإنسان آخر في ارتكاب الشرك بسبب محبته له، فيطيع الإبن أباه مثلاً في ارتكاب الشرك لأنه يحبه ولا يقدر أنْ يرفض له طلب،، أو كطاعة الزوجة لزوجها في ارتكاب الشرك بسبب محبتها له.. وهذا غير صحيح .. فلسنا نتكلم عن المحبة التي تتسبب في ارتكاب الشرك، وإنما نتحدث عن الحالات التي تكون فيها المحبة ذاتها محبة شركية سواءً تسببت في ارتكاب الشرك أم لا،، أي أننا نتحدث عن المحبة نفسها ولسنا نتحدث عن الأفعال المصاحبة لها.
    وينبغي هنا التفريق بين المحبة الطبيعية وبين المحبة الشركية.. فليست كل محبة لغير الله تكون شركاً بالله..
    فهناك محبة غريزية وُضِعَت في العبد، كمحبته لنفسه ومحبته لراحته ومصلحته،، فالإنسان يحب الطعام بحكم أنه يجوع، ويحب النوم بحكم أنه يتعب..لذلك يغلب عليه هذا التعب أحياناً فينام مثلاً عن الصلاة، فلا يُقال حينئذ أنه يحب نفسه أو يحب النوم دائماً أكثر من الله، فإنما ذلك من قبيل الزلّات العابرة التي يفعلها الإنسان تحت تأثير الضعف الإنساني، فهي معصية وليست شركاً..وكذلك ما يرتكبه الإنسان أحياناً من التخلف عن الجهاد في سبيل الله بسبب حبه للراحة أو تأثره بزخارف الدنيا، كما حدث من الثلاثة الذين خُلّفوا عن غزوة تبوك، فسمّوا عاصين ولم يسمّوا مشركين..وكذلك الصحابي الذي أدمن شرب الخمر وبرغم ذلك قال عنه النبي أنه يحب الله ورسوله ..فكل هذه المعاصي وإن كانت حدثت بسبب أنّ أصحابها فضّلوا أشياء معينة على الله في لحظات غفلة، إلا أنّ ذلك كان يحدث دائماً بسبب شهوة أو ضعف، وكانوا في كل مرة معترفين بخطأهم، وكان حبهم لله في حياتهم العامة يغلب على حبهم لتلك الأشياء، وهذا كان له دلائل عدة حكمنا عليهم من خلالها..
    ويختلف ذلك كله عن شرك المحبّة الذي يضع فيه الإنسان أشياء معينة في مكانة الله ويسوّيها معه في المحبة ويضاهيه بها..

    ومن أمثلة ذلك محبة الآباء للأبناء التي هي في الأساس محبة طبيعية، ولكن إذا تعدّت هذه المحبة حدودها بحيث تجعل الأب أو الأم تقول أنّ أبناءها هم أهم شيء في حياتها، وأنها قد تفعل أي شيء في سبيل إرضائهم، وبحيث تجعل هذه الأم تقدّم رضا أبنائها دائماً على رضا الله، وقد ترتكب أي شيء في سبيل إرضاء أبنائها ولو كان محرماً، وقد تقول أنها تعيش من أجل أبنائها، ولا تقول أنها تعيش لأجل الله.. فعندئذ تصبح هذه المحبة محبة شركية ..لأنّ هذه الأم جعلت أبنائها في مكانة لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى..
    وأيضاً فمحبة الأبناء للآباء في الأساس محبة طبيعية، ولكن إذا تعدّت هذه المحبة حدودها وجعلت الإبن يقدّم رضا أباه على رضا ربه دائماً، وينحاز دائماً لصالح أبيه حتى لو كان مخطئاً، أو يقول أنه لا معنى للحياة بدون أبيه وأمه..فعندئذ تصير هذه المحبة محبة شركية .. لأنّه جعل الوالديْن هنا في مكانة الرب سبحانه وتعالى.
    ويتضح بجلاء شرك المحبة بين الآباء والأبناء عندما نرى أحدهم يحلف بأمه أو يحلف بإبنه قائلاً: "وحياة ابني الذي لا يمكن أن أحلف به كذباً فإني صادق فيما أقول" .. أو يقول: "ورحمة أمي التي ما حلفتُ بها كذباً قط أنني صادق فيما أقول" ..
    بينما يمكن أن يحلف هؤلاء بالله كذباً .. فأمهاتهم وأبنائهم مقدسون لديهم أكثر من الله، ويحبونهم أكثر من محبتهم لله!


    وكذلك محبة الوطن، فالأصل أنّ الإنسان يحب المكان الذي وُلِدَ فيه، ولكن إذا وصلت هذه المحبة لدرجة أن يقدّم الإنسان مصلحة الوطن على أي شيء آخَر حتى لو كان هذا الشيء هو الدين، فيقول أنّه يرفض إقامة دولة إسلامية لأنه لن يسمح بتفرقة أبناء الوطن الواحد، ويوالي ويعادي على أساس الوطن وليس على أساس الدين، ويقدّس هذا الوطن لدرجة أنْ يموت في سبيله ويعتبر المساس بحدوده خط أحمر، بينما يقبل المساس بدينه دون اعتراض، أو يقف أمام عَلَم دولته في خشوع وصمت وخضوع ولا يقبل أنْ ينكس هذا العَلَم أو يتسخ أو يسقط على الأرض، أو يصف وطنه بأنه أفضل من جنة الخلد، كما قال الشاعر المصري الهالك "أحمد شوقي": "وَطَنِي لَوْ شُغِلْتُ بالخُـلْدِ عَنـــــــْه نَازَعَتْنِي إلَيْه في الخُــــلْدِ نفْسِي"...عندما يصل الأمر إلى هذه الدرجة من المحبة، فإنها بلا شك محبة عبادة وليست محبة طبيعية، وصاحبها يكون قد أشرك هذا الوطن مع الله في المحبة.





    أيضاً محبة الرجل للمرأة ومحبة المرأة للرجل، فالأصل فيها أنها محبة طبيعية بحكم الانجذاب الذي وضعه الله فينا للجنس الآخر،، ولكن عندما يصل الأمر بأحدهما أن يقول للآخَر أنه يعيش من أجله، وأنه إذا مات فلن يستطيع الحياة بدونه، وأنه هو كل شيء في حياته، وألا معنى للحياة بدونه، وأنّ حبيبه يأمره بما يشاء وهو يطيع طاعة عمياء، أو أنه هو الحياة كلها بالنسبة له، أو ينتحر حزناً على موته، فهذه هي محبة العبادة وهي المحبة الشركية بعينها، فالإنسان يعيش لله وليس لمحبوبه.

    بل وصل الأمر ببعض الناس اليوم من فرط محبتهم للنساء إلى العبادة الصريحة للأنثى تحت مسمى "الفيمدوم"، وهو منتشر في الغرب، وأيضاً في بلاد العرب.





    وكذلك من ينتحرون حزناً على موت فنانهم المفضل ، أو من يموتون في سبيل كرة القدم والنادي الذي يشجعونه، كالتعلق الجنوني بفريق برشلونة أو ريال مدريد أو الأهلي أو الزمالك أو الهلال أو الاتحاد وغيرها من الأندية، بحيث يسافر محبو كل نادي خلف ناديهم ليؤازرونه في كل مكان ، ويتحملون كل المصاعب في سبيل ذلك لدرجة أنهم قد يموتون في سبيل ناديهم ويعتبرون ذلك شهادة كما حدث في مذبحة بورسعيد سنة 2012 لمحبي النادي الأهلي، أو كما يحدث بصورة متكررة بنفس الطريقة مع الأندية الأخرى في العالَم، ويصل بهم الأمر أن يقولون أن تشجيع فريقهم واجب مقدس، وقد يموتون في سبيله ويفدونه بأرواحهم كما في إحدى مقولاتهم :"فريق كبير، فريق عظيم، أعطي له عمري ويكون قليل" !! ، ويمجدون فريقهم واصفين إياه بأنه كيان كبير، ويفعلون كل شيء من أجل الكيان، وأن تشجيعه أسلوب حياة كامل...عندما يصل الأمر لهذا كله فهذه بلاشك محبة عبادة وليست محبة طبيعية، وأصحابها أشركوا هذه الأندية مع الله في المحبة.





    وكذلك مظاهر المحبة التعبدية التي تجعل أصحابها يضعون صور آبائهم وأجدادهم وحكامهم وأمرائهم ومشايخهم وعلمائهم بالأحجام الكبيرة، ويزخرفونها ويحسنونها ويضعونها في مكان بارز كنوع من التعظيم لها، ويكتبون عليها عبارات من قبيل: "أنتَ المَلِك" أو "أنتَ الكبير وكلنا وراءك" أو يكتبون "الحياة بعدك ليست حياة" أو يكتبون عليها "ستبقى أنتَ حبنا الوحيد" وغيرها من عبارات التعظيم والتبجيل الذي لا يجوز إلا لله، لتتحول هذه الصور إلى أوثان يشركها أصحابها مع الله في المحبة والتعلق. ووصل الأمر ببعض هؤلاء المشركين أن يعلنوا بصراحة إشراكهم للملِك والوطن لله في المحبة رافعين شعار : (الله – الوطن – الملِك) وآخرون يرفعون شعار (الله- الوطن – الزمالك) في إشارة لنادي الزمالك المصري..فيما يبدو أنه تصريح سافر باتخاذ هذه الأشياء أنداداً لله في المحبة، حيث يجعلونها جنباً إلى جنب مع اسم الله سبحانه وتعالى عما يشركون ..





    وكذلك من مظاهر المحبة الشركية في هذا الزمان محبة المال، ففي عصر النظام العالَمي الجديد؛ عصر القيم الاستهلاكية وتمجيد المال والثروة : صار المال وثناً يُعبَد من دون الله، يحبه أغلب البشر لدرجة أنهم يتحملون كل شيء في سبيل جمعه وتحصيله، وقد عرفتُ أناساً سافروا لبلاد لطلب الرزق فنشبت الحرب في تلك البلاد وكانت حياتهم مهددة بالخطر، ورفضوا العودة لبلادهم من أجل النضال في سبيل المال حتى الموت، بينما طُلب منهم أن يقاتلوا في سبيل الشريعة والدين فرفضوا، فهؤلاء يريدون الموت في سبيل المال ويتحملون كل شيء في سبيله، بينما لا يقبلون أن يقدّموا ربع هذه التضحية من أجل الله،، ويصفون تضحياتهم من أجل الاستمرار في العمل بنوع من الفخر والاعتزاز، ويروون قصص كفاحهم من أجل جني المال بفخر، بينما لا يفكرون في تقديم هذا الجهد والعرق لأجل الله في أي شيء .. وهذه بلا شك محبة شركية وأصحابها أشركوا المال مع الله في المحبة.


    وهذه الصور من المحبة الشركية هي التي وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: ((ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)).

    فلا يُحَبّ أحدٌ لذاته إلا الله..
    فهو وحده الجميل المتصف بغاية الجمال والكمال،، لذلك فهو وحده الذي يستحق أنْ يُحَبّ غاية المحبة، وأنْ يُضَحّى لأجله غاية التضحية، وأن يُمدَح غاية المدح ..
    فمن صرف شيئاً من هذه المحبة التعبدية لغير الله، فهو يجعله شريكاً لله في صفة الجمال والكمال، وهذا شرك.
    ولابن القيم كلام نفيس عن ذلك، حيث يقول:
    ((هاهنا أربعة أنواعٍ من المحبة يجب التفريق بينها ، وإنما ضلّ من ضلّ بعدم التمييز بينها :
    أحدهما : محبة الله ؛ ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعبَّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله .
    الثاني : محبة ما يحب الله ؛ وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها .
    الثالث : الحب لله وفيه ؛ وهي من لوازم محبة ما يحب الله ، ولا يستقيم محبّة ما يحب الله إلا بالحب فيه وله .
    الرابع : المحبة مع الله ؛ وهي المحبة الشركية ، وكل من أحبّ شيئاً مع الله ،لا لله ، ولا من أجله ، ولا فيه ، فقد اتخذه نداً من دون الله ،وهذه محبة المشركين .))
    } قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{




    2. عبادة الطاعة:
    هناك أيضاً اعتقاد شائع أنّ الطاعة الشركية هي طاعة إنسان لمخلوق آخر في ارتكاب الشرك .. وهذا غير صحيح .. فالطاعة الشركية مرتبطة بالشعور الذي يشعر به الطائع تجاه المُطاع، بصرف النظر عما إذا أمره بشرك أم لا.
    وكما قلنا فإنّ العبادة هي كمال الحب مع كمال الذل.
    والطاعة المطلقة لأي أحد تدل على كمال الذل له، وبالتالي فإنها تدل على عبادته.
    والطاعة المطلقة معناها أن تعتقد أن هناك حق مطلق لأحد في أن يأمرك بأي شئ فيكون عليك واجب مطلق لطاعته.
    وهذه خاصية من خصائص الله سبحانه وتعالى، فلأنه هو الرب فهو الآمِر، ومن يصرف طاعة مطلقة لغير الله، فهو بذلك يجعله شريكاً لله في الربوبية.
    ومن صور الطاعة المطلقة:
    الطاعة في التشريع (التحليل والتحريم).
    الطاعة المقترنة بالخضوع التام. (عقد القلب على عدم سؤال الآمِر فيما يفعل(.

    والطاعة المطلقة - بهذه الصور- حق لله وحده، لأنّ الأمر والنهي من خصائصه كـ ربّ، فهو الذي خلق وبالتالي هو الذي يأمر، ألا له الخلق والأمر، ومن ضمن أمره أن يحلل ويحرم ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولذلك فإن من يطيع المخلوق في التحليل والتحريم الذي هو من خصائص الله وحده فقد جعل هذا المخلوق نداً لله في الطاعة وسوّاه به في الربوبية، وبالتالي فقد عبده مع الله وأشركه به.


    من أمثلة الطاعة الشركية:
    طاعة الهوى والشيطان:
    عندما يطيع الإنسان هواه أو شيطانه في التحليل والتحريم (سواء مرة واحدة أو مرات لا فارق) فإنه بذلك يجعل الهوى والشيطان أنداداً لله في الطاعة ويشركهما مع الله، أي يتخذهما آلهة مع الله.
    وعندما يعقد الإنسان قلبه على طاعة هواه مطلقاً (سواءً أمره بخير أم بشر) وبغض النظر أكانت هذه الأوامر موافقة لأمر الله أم لا، فإنه بذلك يرفع هذا الهوى إلى مرتبة الرب الذي لا يُسأل عما يفعل، وبالتالي فقد عبد هذا الهوى واتخذه إلهاً مع الله.

    هاتان الصورتان تمثل عبادة لغير الله أي تمثل شركاً بالله في حد ذاتها بغض النظر إذا كانت الطاعة في الخير أو الشر أو المعاصي أو الكفر أو حتى في المباح..ولا فارق.
    والطاعة العادية التي لا يقترن بها شئ من هذا الخضوع فلا تمثل شركاً بالله في حد ذاتها بغض النظر إذا كانت الطاعة في الخير أو الشر أو المعاصي أو الكفر أو المباح..لا فارق.

    فاتباع الهوي قد يصل للعبادة في حد ذاته، سواءً كان في حالة المباحات أو ارتكاب الكفريات أو ارتكاب المعاصي..فحتى الإنسان الذي اتبع هواه في فعل المعاصي قد يصل به اتباعه للهوى إلى درجة العبادة في حالة اتخاذه هذا الهوى إلهاً مطاعاً من دون الله طاعة مطلقة، فالإنسان الذي يعصى الله دائماً من باب أنّ هواه مقدم دائماً على طاعة الله ويتخذ ذلك مبدأً ثابتاً في حياته فهذا مشرك، وسبب شركه ليس في ارتكابه للمعاصي، وإنما في تأليهه لهواه.
    كما أنه ليس كل اتباع للهوى يكون شركاً حتى في حالة ارتكاب الكفريات، فهما شيئان منفصلان..اتباع الهوى في حد ذاته لا يكون شركاً إلا باتخاذ الهوى نداً لله في الطاعة، أما إذا خلا من هذا الوصف فليس له علاقة بالشرك، حتى لو كان قد تسبب في فعل الشرك.. بمعنى أنّ الإنسان الذي اتبع هواه مثلاً في تقليد عائلته وذهب معهم للضريح واستغاث من دون الله، فهذا سبب شركه ليس في اتباعه للهوى وإنما في الاستغاثة عند الضريح نفسها، أما هواه الذي أمره بذلك وأطاعه هو فلا تسمى هذه الطاعة عبادة للهوى في حد ذاتها لأنه ليس من عادته اتخاذ هذا الهوى إلهاً مطاعاً دائماً، وإنما هي زلة عابرة مثل الزلة العابرة التي تعرض للإنسان في ارتكاب المعصية فلا تسمى عبادة، وأيضاً الزلة العابرة التي تحدث لإنسان فيطيع هواه في ارتكاب الكفر، فسبب كفره هو في ارتكاب الكفر ذاته وليس في اتباعه العابر الطاريء لهواه.
    ألفت النظر أيضاً إلى أننا عندما نفرق بين اتباع الهوى الدائم وبين اتباع الهوى الطارئ لم نكن نقصد التفريق على حسب عدد المرات بحيث نقول –كما يقول البعض-أن العاصي لو اتبع هواه مليون مرة في ارتكاب المعصية يسمى عاصياً ،بينما لو اتبع هواه في الكفر مرة واحدة يسمى عابداً لهواه..
    فالأمر ليس بعدد المرات ولم أقصد هذا، إنما قصدت ذلك الإنسان الذي يضع هواه في مرتبة تساوي مرتبة الله فينتهج نهجاً ثابتاً في حياته يؤله هذا الهوى وينظر إلى رغباته وأوامره باعتبارها سيداً مطاعاً لا يُعصى أبدا وتقدم أوامره على أوامر الله بحيث لو تعارض الإثنان فيقدم أمر الهوى لأنه يراه أعظم. وهذا هو معنى اتخاذ الهوى إلهاً وهو لا يصدق على كل من يتبع هواه في فعل المعاصي.
    فهناك من يعصى الله مليون مرة- كما يقول البعض-لكنه في كل مرة لا يصحح فعله ولا يقره بل يندم عليه معترفا لله بالسلطان. فهذا عاصي.
    وهناك من يعصى الله مرة واحدة فقط كمن يشرب الخمر مرة معتبراً حلها ومتحدياً لنص تحريمها لا لشئ سوى أن هواه يزين ويبرر له ذلك فيقدم هواه على أمر الله متبجحاً. وهذا كافر عابد لهواه برغم أن شرب الخمر معصية وليست كفراً. لكن كفره هنا في اتخاذه لهواه نداً مع الله في الطاعة والتشريع.
    ومسألة التمييز بين من يتبع هواه على وجه الخطأ والضعف وبين من يتبع هواه على وجه التأليه والعبادة هي مسألة تُعرف بالقرائن والعلامات.

    ونفس الشئ يُقال عن اتباع الشيطان وطاعته..
    فليست طاعته في الكفر مختلفة عن طاعته في المعصية في شئ.
    الطاعة كلها واحدة..تكون عادية إذا لم تكن مطلقة وتكون شركية إذا كانت مطلقة.
    ولو كانت طاعة الشيطان تعد دائما عبادة له في حالة طاعته في ارتكاب الكفر، فهل هذا معناه أن الإنسان لو أطاع أباه في الذبح لغير الله مثلاً يكون عابداً لأبيه؟!
    وهل من يطيع أي انسان في ارتكاب الكفر يكون دائماً عابدا لهذا الإنسان؟!

    أعتقد أنه لابد من التفريق بين الأمر بارتكاب الكفر وبين ارتكاب الكفر ذاته..فهما شيئان منفصلان..وينبغي مناقشة كل منهما باستقلال عن الآخر..
    فارتكاب الكفر كفر دائماً ولا يوجد في الأمر تفصيل.
    أما الطاعة في ارتكاب أي شئ (سواء كان كفرا ام معصية ام حتى شئ مباح) فلا تكون كفرا في ذاتها ولا تكون في ذاتها عبادة للآمر إلا إذا اقترن بها خضوع وتأليه لذلك الآمِر (سواءً كان ذلك الآمِر إنسانا ام شيطانا ام هوىً متبعاً).

    أما من يقولون أنّ كل كافر عابد لهواه وللشيطان دائماً، ويحتجّون بنصوص صريحة كالآية الكريمة : (ألم أعهد إليكم يابني آدم ألا تعبدوا الشيطان)
    أو الآية الأخرى : (يا أبتِ لا تعبد الشيطان(
    وهناك من يفسر هاتين الآيتين على أن كل طاعة للشيطان في ارتكاب الكفر فهي عبادة صريحة للشيطان..
    وهناك من يفسر أن عبادة الشيطان هنا مجازية وليست عبادة حقيقية، من باب أن الشيطان جعل نفسه نداً لله منذ بدء الخليقة وأن من يرتكب الكفر فكأنه يختار عبادة الشيطان بدلا من عبادة الله. لكنها تظل عبادة مجازية. وهذا ما أذهب إليه.
    لأننا نعلم أنه ليس كل طاعة للشيطان تعد عبادة له، ولو قلنا ذلك لاعتبرنا أصحاب المعاصي عابدين للشيطان لأنهم أطاعوه في ارتكابهم لهذه المعاصي، ولكننا نعلم من خلال نصوص كثيرة أن العصاة ليسوا كفارا وليسوا عابدين للشيطان، وبالمثل فإن طاعة الشيطان في ارتكاب الكفر ليست عبادة للشيطان إلا على سبيل المجاز.
    وهذا له أمثلة مشابهة في الشرع، كإطلاق لفظ الكفر على مرتكبي بعض المعاصي بينما نحن نعلم أنه كفر أصغر وليس كفراً حقيقياً. وبالمثل فإن لفظ العبادة هنا مجازي وليس حقيقي.

    من ضمن الأمثلة أيضاً من الواقع على شرك الطاعة:
    هناك طاعة الإنسان لأبيه وأمه وأجداده وعشيرته، فإنها في الأصل طاعة عادية نابعة من بره بوالديْه واحترامه لعائلته، لكن هذه الطاعة قد تصل لدرجة العبادة إذا عَقَد الإنسان النية على طاعة الوالديْن والعشيرة طاعة مطلقة بحيث يقدّم أمرهم على أمر الله، فيقول أنّ أبي طالما أمرني بشيء فسأطيعه مهما كان، حتى لو أمره بشيء يخالف أمر الله، فيأمره أبوه بالظلم فيطيعه وتأمره أمه بالتخلف عن الهجرة في سبيل الله فيطيعها، ويأمره أجداده ومشايخ قبيلته بمنع الإناث من الميراث فيطيعهم، ويأمرونه بقطع الأرحام فيطيعهم.. وهكذا ، وعندما نحذره من خطورة معصية الله يقول : "لا أقدر على مخالفة أوامر والديّ وعشيرتي ولا أقدر على مخالفة التقاليد والقوانين التي تربيت عليها مهما كان" ... فهو هنا يرى أنّ عليه واجب الطاعة المطلقة لأوامر وقوانين أهله وعشيرته ، ويؤمن بواجب الطاعة المطلقة والتقديس للعادات والتقاليد بينما لا يرى ذلك في حق الله .. وهذه هي الطاعة الشركية، فإنه يشرك هؤلاء الأهل والعشيرة والعادات والتقاليد مع الله في الطاعة.

    ونفس الشيء نراه في طاعة الناس لقوانين الدستور حتى لو تعارض مع شريعة الله، فيقولون أنّ الشعب عليه واجب الطاعة المطلقة لقوانين الدستور، بغض النظر عن مدى موافقته أو مخالفته لأوامر الله، ويقولون أنّ هذه القوانين تستمد سلطتها من إرادة الشعب التي لا يجوز عصيانها، فالتحليل والتحريم هنا على حسب رأي الأغلبية وليس على حسب شريعة الله، فإذا قررت الأغلبية من الشعب تحليل الخمر فسيصير حلالاً بأمر الشعب، وإذا قررت الأغلبية تحريمه فسيصير حراماً بأمر الشعب ،،، وهكذا فإنّ أوامر الله ليست مهمة عند هؤلاء القوم، وإنما المقدس عندهم هو أوامر الدستور الذي وضعته إرادة الشعب...وعندما يطيع الناس هذا الدستور بهذه الكيفية فإنهم يشركونه مع الله في الطاعة.

    وكذلك في أماكن العمل حيث الرأسمالية وانتشار الشركات التجارية وعمل الموظفين والعمال عند أصحاب المصانع والشركات، حيث نرى الموظف أو العامل يطيع رئيسه في العمل طاعة مطلقة لأنه يخشى أن يقطع له رزقه، فهو يعتقد أنّ الرزق بيده وليس بيد الله، فيطيع رئيسه في كل شيء مهما كان مخالفاً لأمر الله، مبرراً ذلك بأنه ينفذ التعليمات وليس له إرادة..
    وتتضح هذه الصورة بشكل أكثر فجاجة في مؤسسات الجيش والشرطة، حيث يطيع الجنود الضابط الأعلى منهم، ويطيع الضابط الضباط الأعلى منه، وهكذا، طاعة عمياء ، مبررين ذلك بقولهم : "أنا عبدٌ مأمورٌ" .. فهؤلاء يعترفون بشكل صريح بأنهم عبيد للضباط الذين فوقهم في الرتبة.
    ويتشابه مع هذه الصورة طاعة المقاتلين لأمرائهم في التنظيمات الجهادية المعاصرة كتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة وغيرها، فهذه التنظيمات بناؤها قائم على هيكلية هرمية متشابهة تماماً مع هيكلية جيوش الدول، فترتيب هيكلية تنظيم الدولة يضع الخليفة أولاً ثم قادة مجلس الشورى ثم ولاة المدن والمناطق ثم القادة العسكريين ثم الجند العاديين، وكل رتبة من هؤلاء يطيع من فوقه طاعة عمياء بحجة أنّ الرسول وصى بالسمع والطاعة للأمير، وهذا في أصله مبدأ صحيح، لكنهم يتعدون به الحدود ليصل للطاعة العمياء في كل شيء حتى لو كان مخالفاً لشريعة الله، ولا يفكر أحدهم في مناقشة أميره فيما يأمر،، حتى أنّهم كثيراً ما يقولون : "هذه أوامر من البغدادي آتية من الأعلى" إشارة إلى أبي بكر البغدادي أميرهم وأنّ الأوامر التي تأتي منه لا تناقَش لأنها آتية من أعلَى،، وهذه هي الطاعة الشركية بعينها.

    وكذلك من صور الطاعة الشركية التي نراها اليوم طاعة الجماهير لمشايخ السوء الذين يحلون لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال،، فترى العامة يستحلون التعامل بالربا في البنوك لأنّ مشايخهم أفتوهم بذلك، وترى النصارى يستحلون لحم الخنزير لأنّ رهبانهم أفتوهم بذلك، وترى الجماهير الغفيرة من السلفيين يتبعون مشايخهم اتباعاً أعمىً حتى فيما يخالف أمر الله، لأنهم يعتقدون أنّ مشايخهم لا يخطئون أو أنّ مشايخهم أصبحوا معصومين كرسل الله،، فنرى الواحد منهم يوالي ويعادي على أساس شيخه وليس على الله سبحانه وتعالى،، فأصبح مشايخهم ورهبانهم وكبرائهم مصدراً للتشريع في حد ذاتهم،، ويتبعهم جماهيرهم دون تفكير، حتى أنّ الواحد منهم يقول: "سآخذ فتوى من الشيخ الفلاني وسأعمل بها ولن أفكر في صحتها بل سأعلقها في رقبته، فهو المسئول وليس أنا"...وهذه هي الطاعة الشركية بعينها.. وهي التي وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)).

    أخيراً شبهة والرد عليها:
    يعتقد البعض بأنّ طاعة الدساتير والقوانين الوضعية مباح في حالة إذا كانت تأمر بأشياء لا تتعارض مع شريعة الله، وهذا خطأ . فالمشكلة ليست في مدى موافقة هذه القوانين أو تعارضها مع شريعة الله، وإنما الإشكال كله في أنّ هذه الدساتير تدّعي لنفسها حق الأمر والنهي المطلق، وأنّ على الناس واجب الطاعة المطلقة لقوانينها،، وهذا في حد ذاته شرك بالله،، فحق الأمر والنهي حق خالص لله، وهو وحده الذي يجب عقد القلب على طاعته مطلقاً، ولا يُناقَش فيما يأمر، ولا يُسألُ عمّا يفعلُ،، فهذا من خصائص الله سبحانه وتعالى ولا يجوز أن ينازعه أو يشاركه أحد فيها،، فإذا نازعه أحدٌ فيها وجب عصيانه حتى لو كان يأمر بشيء يوافق شرع الله،، فموافقته لشرع الله هنا جاءت مصادفةً، ولا معنى لها، ولا أهمية..
    وحتى نقرّب الصورة فإنّ الأب لو قال لإبنه بالنص هكذا : "أنا بصفتي إله آمرك بأن تحضر لي كوباً من الماء، ويجب عليك طاعتي مطلقاً وعدم مناقشتي لأنك عبد من عبيدي" ..فهل يجوز عندئذ طاعة هذا الأب؟
    الإجابة بالطبع: لا.
    بالرغم من أن الأب يأمر ابنه بشيء مباح ولا يتعارض مع شريعة الله ، وهو أن يحضر ابنه له كوب الماء.. ولكن الصياغة التي تم بها الأمر صياغة استعلائية فيها منازعة لله في ألوهيته، لذلك يجب على الإبن حينئذ عصيان الأب،، وإلا لو أطاعه لكان موافقاً له فيما يدّعيه عن نفسه من صفة الألوهية،،ويكون حينئذ أطاعه طاعة شركية..
    إذن فالطاعة الشركية هي الطاعة التي يكون فيها الآمِر مدّعياً لحق الأمر والنهي المطلق، ويكون الطائع فيها موافقاً له في هذا الادّعاء .. ولا يهم هنا مدى موافقة الأوامر لشريعة الله من عدمه، فهذا ليس هو المقياس في القضية.

    نفس الكلام يُقال عن طاعة الدساتير فيما تأمر به من قوانين هي في الأصل أشياء مباحة، كطاعة إشارة المرور، وطاعة القوانين في عدم إلقاء القمامة في الطرقات،، إلخ
    فهذه وإن كانت في الأصل أشياء مباحة ، بل ويدعو إليها الدين، إلا أنه يجب مخالفتها ، لا لشيء سوى أنها صيغت بصورة استعلائية إلهية ولم تُصَغ صياغة عادية .. أي أنّ الأمر بهذه الأشياء صدر على وجه الاستعلاء والألوهية لأنّ هذه الدساتير مبدأها الأول أنها لا تُناقَش فيما تأمر به، وهذا من خصائص الله وحده،، لذا ينبغي عصيانها ومخالفتها، حتى لو كانت تأمر بأشياء مباحة..
    نفس الوضع نراه في بعض النوادي الرياضية والشركات والمؤسسات التي تضع لوائح وتعليمات ، ويقول أصحابها أنه يجب طاعة هذه اللوائح دون سؤال عن السبب ودون مناقشة ،، ومرة أخرى نقول أنّ الذي لا يُناقَش فيما يأمر هو الله فقط،، لا يجوز أن ينازعه أحد في هذه الخاصية الإلهية، ومن ينازعه فيها يجب عصيانه، حتى لو كان يأمر بتعليمات أو لوائح لا تتعارض مع الشرع. فمجرد ادّعائه أنه لا يُناقَش فيما يأمر ، مجرد هذا الادّعاء يجعل عصيانه واجباً في أي شيء يأمر به، سواءً كان مباحاً في الشرع أم غير مباح.




    3. عبادة التحاكم:
    التحاكم إلى جهة معينة والوثوق بحكمها والرضا المسبق به أياً كان ، هو فعل تعبّدي ، لأنه يحتوي على خضوع كامل، وهو ما يميّز العبادة.
    لذلك كان "التحاكم" عبادة لا يجوز صرفها إلا لله جل وعلا.
    فالله عز وجل هو الذي يُتحاكَم إليه لأنه هو الرب وهو الذي له الحق أن يحكم في خلقه بما يشاء، فمن تحاكم لغير الله فقد جعله شريكاً لله في الربوبية، وهذا شرك.
    ولكن ينبغي هنا التفريق بين أنواع التحاكم:

    • هناك تحاكم إلى أصحاب الخبرة فيما يخص الأمور الدنيوية.
    • وهناك تحاكم إلى جهة لمعرفة حكمها في الأشياء من حيث "الحلال والحرام".
    • وهناك تحاكم إلى جهة للفصل بين طرفيْن متنازعيْن في قضية ورد حكمها في الشرع صراحةً.
    • وهناك تحاكم إلى جهة للفصل بين طرفيْن متنازعيْن في قضية لم يرد فيها نص شرعي محدد.


    بالنسبة للنوع الأول من التحاكم، فمقصود به الأمور المتعلقة بالخبرة الحياتية، والتي ليس للشرع علاقة بها، كالتحاكم إلى المزارعين في مسألة تخص قواعد الزراعة ، أو التحاكم إلى الفنيين المتخصصين في إصلاح السيارات لمعرفة حكمهم على السيارة من حيث صلاحيتها أو تلفها،، وكالتحاكم إلى الطبيب لمعرفة حكمه على حالة مَرَضية معينة هل تستدعي الجراحة أم لا ... وهكذا ،، وهي كلها أمور تركها لنا الله سبحانه وتعالى لخبرتنا الخاصة، ووصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)).

    أما عن النوع الثاني ، وهو التحاكم إلى جهة لمعرفة حكمها في الأشياء من حيث "الحلال والحرام" ، فهذا التحاكم لا يُصرَف إلا لله سبحانه وتعالى،، فالذي له الحق في التحليل والتحريم (بعبارة واحدة: التشريع) هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يحدد الحلال والحرام دون منازع، وهذه خاصية من خصائص الربوبية، فهو له الخلق والأمر، فالحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، دون أن يُسأل عما يفعل، جل جلاله.
    وصرف هذا النوع من التحاكم لغير الله هو شرك بالله، كمن يذهبون للمشايخ والأحبار ليشرعوا لهم من عند أنفسهم، فيحلون لهم الحرام أو يحرمون عليهم الحلال، فيتبعونهم في ذلك، وهم بذلك يضعونهم أنداداً لله في التشريع، وهي أخص خصائص الله جل وعلا .. تعالى الله عما يشركون!
    ومن أمثلة هذا النوع من الشرك في زماننا المعاصر:
    تحليل المشايخ للتعامل بالربا مع البنوك والمصارف، وهو أمر محرم أصلاً في الشرع.
    وتحريم الدساتير الوضعية لختان الإناث، وهو أمر مباح أصلاً في الشرع.
    وتحريم الدساتير الوضعية للزواج قبل سن 18. برغم أنّ ذلك مباح في الشرع.
    وتحليل شرب الخمر والإتجار بها وترخيصها. برغم أنها محرمة في الشرع.
    وتحليل العري والزنا في الملاهي الليلية وعلى الشواطيء. مع أنه محرم في الشرع.
    وتحريم الحرب الأهلية الدينية بين أبناء الوطن الواحد. مع أنّ الرسول حارب أبناء بلده وقرابته لأجل نصرة الدين وفرّق المؤمنين منهم عن الكافرين.
    وتحليل مبدأ "الحرية الشخصية" بشكل مطلق والاحتكام إليه لتبرير حرية المرأة في ارتداء ما تشاء حتى لو مشت في الشارع عريانة، وحرية الصحافة في قول ما تشاء حتى لو شتمت الله ورسوله ..مع أنّ هذه الأفعال بالطبع محرمة في الشرع ومناقضة له.
    والقائمة السوداء تطول،، وهي كلها تدل على أنهم طواغيت ينصّبون أنفسهم آلهة مع الله يشرعون معه، ويجعلون أنفسهم أنداداً له في التشريع والعياذ بالله.

    أما عن النوع الثالث، وهو التحاكم إلى جهة للفصل بين طرفيْن متنازعيْن في قضية ورد حكمها في الشرع صراحةً، لذلك تسمى بالشرع المنزّل ..فهذا بالطبع تحاكم لا يجوز صرفه إلا لله، ولابد فيه من الحكم بحكم الله تعالى، وعدم مخالفته. كالحكم على السارق بقطع يده ، أو الحكم على المطلِّق بدفع بقية المهر وخلافه، أو الحكم على القاتل عن خطأ بالدية والكفارة،، وهكذا من الأمور التي نزل بها حكم صريح.

    أما عن النوع الرابع، وهو التحاكم إلى جهة للفصل بين طرفيْن متنازعيْن في قضية لم يرد حكمها في الشرع، فهذا النوع من القضايا يُستنبط حكمه من خلال القواعد الشرعية العامة الموجود في النصوص بطريقة غير مباشرة، لذلك تسمى بالشرع المُؤَوَّل..وأهم هذه القواعد الشرعية هي قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" وقاعدة "الحكم بالعدل" كما أمرنا الله تعالى : ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)).
    ومن أمثلة هذا النوع من التحاكم في زمننا المعاصر:
    النزاع بين شخص وجاره حول أحقية كل منهما في استخدام جراج العمارة في وضع السيارة الخاصة بكل منهما.
    وكالنزاع بين سائق سيارة وبين أحد الركاب على قيمة الأجرة المستحقة في الرحلة.
    وكالنزاع بين الورثة حول تحديد قيمة عقار تركه لهم الميت.
    وغيرها من الأمثلة،، فهذه كلها يُحكَم فيها بالعدل المتعارف عليه، وبقاعدة "لا ضرر ولا ضرار" .

    نستنتج مما سبق أنّ النوع الأول فقط ينتمي إلى نوعية القضايا التي ليس للشرع علاقة بها..
    أما الأنواع الثلاثة الأخيرة فهذه لابد فيها من الرجوع لحكم لله سواءً لمعرفة الحلال والحرام أو في قضايا الشرع المنزل أو الشرع المؤول، والرجوع لحكم الله في هذه القضايا يعني اتخاذ الله سبحانه وتعالى حَكَمَاً يُرجَع إليه للفصل،، لذلك فالأهم في هذا الأمر هو أن تكون المرجعية في الحكم ممثلة في الله جل وعلا،، ولا يهم إذا كان الشخص الذي يقوم بتنفيذ هذا الحكم مسلم أو مشرك أو حتى طاغوت.
    فحتى المشرك والطاغوت إذا أعلنا أنهما في قضيةٍ ما ستكون مرجعيتهما في الحكم هي شرع الله،، فلا إشكال أن يحكما بين الناس، فهما في هذه الحالة مجرد ناقل لحكم الله،، والتحاكم في هذه الحالة إنما هو في حقيقته تحاكم لله.
    وهذا يتضح مثلاً في المحاكم التي ينشئها "تنظيم الدولة" في المناطق التي يسيطر عليها، ويعلنون فيها أن مرجعيتهم في الحكم هي الله سبحانه وتعالى، وهي قضايا الحدود والجنايات، فهذه يتحاكمون فيها لله، وينفذون فيها أحكام الله، فهذا النوع من القضايا يجوز التحاكم إليهم فيه طالما يعلنون أن مرجعيتهم فيه هي الله سبحانه وتعالى، كقضايا السرقة والزنا وشرب الخمر وخلافه.
    هذا بالرغم أنهم يعتبرون طواغيت في قضايا أخرى ، وهي القضايا المتعلقة بمسائل "التكفير" و"العذر بالجهل" فهذا النوع من القضايا لا يرجعون فيه لحكم الله، وإنما يرجعون فيه لحكمهم هم، ويعذبون الموحدين في هذا النوع من القضايا،،
    لكن كونهم طواغيت في أمور لا يمنع التحاكم إليهم في أمور أخرى يرجعون فيها لحكم الله.

    أما عندما يعلن المشرك أو الطاغوت أنه سيحكم بشرع غير شرع الله، وسيتخذ حَكَمَاً غير الله، فالتحاكم عندئذ يكون تحاكماً شركياً،، حتى لو صدر الحكم موافقاً لشرع الله.
    وهذا هو نفس الكلام الذي قلناه في "عبادة الطاعة" عندما ذكرنا أنّ العبرة ليست بنوعية الأوامر هل هي موافقة للشرع أم لا، وإنما العبرة بالطريقة التي يصدر بها الآمِر أوامره ، فإذا كان يصوغ أوامره باستعلاء ويؤله نفسه معتقداً أن له حق الأمر والنهي ، فعندئذ لا يجوز طاعته حتى لو كان يأمر بشيء مباح.
    وبالمثل أيضاً في "التحاكم" فإنّ الطاغوت إذا أعلن أنّ مرجعيته في الحكم هي إرادة الشعب أو هي عادات وتقاليد القبيلة،، فهذا معناه أنه لا يتخذ الله حَكَمَاً للفصل، وإنما مرجعيته حَكَمٌ آخَر غير الله، أي أنه يضع "إرادة الشعب" أو "تقاليد القبيلة" نداً لله في الحُكم، وهذا هو الشرك بعينه،، وعندئذ لا يجوز التحاكم لهذه الطواغيت التي تنصّب نفسها آلهة مع الله، حتى لو كنا نعلم أنّ حكمها سيصدر موافقاً لشرع الله،، فالعبرة أيضاً هنا ليست بموافقة الحكم للشرع أم لا، وإنما العبرة أساساً في تحديد مرجعية الحكم،، فإذا كانت مرجعية الحكم هي الله سبحانه، فعندئذ يجوز التحاكم لهؤلاء الحكام، أما إن كانت المرجعية في الحكم هي أي طاغوت غير الله، فعندئذ لا يجوز التحاكم سواء صدر الحكم موافقاً للشرع أم مخالفاً، فليس هذا هو المقياس في القضية.
    لذلك لا يجوز التحاكم للمحاكم الوضعية المعاصرة، لأنها تصدر الأحكام بإسم الشعب ، ومرجعيتها في الحكم هي الشعب وليس الله،، فحتى القضايا التي يوافقون فيها الشرع كقضايا الأحوال الشخصية مثلاً، فهذه أيضاً لا يجوز التحاكم إليهم فيها، لأنّ مرجعيتهم في الحكم للشعب وليست لله، ولابد من الكفر بهذه المرجعية وعدم التحاكم إليها.

    وطالما أننا تحدثنا عن "المرجعية" ، وأنها هي مربط الفرس في قضية التحاكم كلها، فينبغي التنبيه هنا إلى أنه حتى النوع الأول من التحاكم المتعلق بأمور الحياة الدنيا ، والذي تركه الله لنا مفتوحاً للحكم بخبرتنا الخاصة، كأمور الزراعة والطب والصناعة والهندسة وغيرها،، فهذا بالرغم أنّ الأصل فيه إباحة التحاكم لغير الله،، إلا أنّ هذه الإباحة قد تتحوّل إلى التحريم وتلتحق بالتحاكم الشركي في حالة إذا أعلن الحاكم فيها أنّ مرجعيته فيها هي طاغوت من الطواغيت..
    ومثال هذا هو ما يحدث أحياناً في المحاكم في القضايا التي تخص تحديد "صحة التوقيع" في العقود، فتحديد صحة التوقيع يحتاج لخبير خطوط، وهي مسألة متعلقة بالخبرة الفنية، أي ليس للشرع دور فيها، ولكن المحكمة تصدر حكمها بإسم الشعب، وتحوّل القضية من مجرد تحاكم عادي إلى تحاكم طاغوتي، أي تكون فيه المرجعية لطاغوت،، وهنا ينبغي مقاطعة هذه المحكمة وعدم التحاكم إليها حتى لو كان في قضايا الأصل فيها أنها قضايا دنيوية،، فإعلان المحكمة لهذا المبدأ وهو أنّ الحكم لهذا الطاغوت المسمى "إرادة الشعب" يحوّلها من قضية دنيوية إلى قضية دينية، يصبح فيها الحَكَم طاغوتاً فلا يجوز التحاكم إليه.


    جاء في مادة (5) لدستور 2012 في مصر:
    السيادة للشعب يمارسها ويحميها
    ويصون وحدته الوطنية
    وهو مصدر السلطات...


    وجاء في مادة (79):
    تصدر الأحكام وتنفذ بإسم الشعب.




    تعالى الله عما يشركون!


    ولكن هل كل مخالفة لحكم الله تعد كفراً؟
    هذا السؤال يتعلق بالشبهة الشهيرة التي يروّجها مشركو السلفية اليوم، وهي أنّ الحكم بغير ما أنزل الله لا يعد كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وإنما هو كفر دون كفر، أو بعبارة أخرى كفر أصغر..
    وعبارة "كفر دون كفر" قيلت في إحدى الروايات التي فيها أنّ ابن عباس سئل عمن يخالفون حكم الله، فقال : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، ولكنه كفر دون كفر.. وهذه الرواية ضعّفها علماء الحديث، فلم تصحّ عن ابن عباس .. وحتى لو صحّت فإنه يقصد بها الحكام الظلمة الذين لم يغيّروا شرع الله.. فهناك فارق بين الحاكم الكافر الذي بدّل شرع الله سواءً بدله بالكامل أو بدّل حكماً واحداً،،، وبين الحاكم الظالم الذي يعلن أنه يحتكم لشرع الله ولم يبدّله ولم يغيّر فيه شيئاً لكنه عند التنفيذ خالفه بسبب هوى أو شهوة . وهذا يتضح في حكام بني أمية،، فقد كانوا ظالمين في المجمل، لكنهم ظلوا مسلمين، لأنهم لم يغيروا شرع الله أو يبدّلوه،، وإنما كانت مرجعيتهم دائماً هي شرع الله،، ولم يتخلوا عن الاعتقاد بأنّ الله سبحانه هو الحَكَم وهو المشرّع الوحيد،، وهذا هو الذي جعلهم لا يخرجون من دائرة الإسلام برغم مخالفتهم لحكم الله في التنفيذ أحياناً بسبب الظلم أو مجاملة أقاربهم وما شابه ذلك،، فهذا يدخل في باب المعصية ولا يدخل في باب الكفر،، وهو يشبه المعاصي التي يرتكبها الإنسان وهو معترف بخطأه دون أن يستحلّها، فهذا يسمى عاصياً ولا يسمى كافراً، لأنه ما زال معترفاً لله بالسلطان ولم يخرج عن سلطانه ولم يتخذ نداً له، وإنما خالف فقط في التنفيذ وعصى..كالفارق بين معصية آدم ومعصية إبليس.. فآدم عصى لكن معصيته لم تخرجه من الإسلام، لأنه اعترف بذنبه ولم يستحلّه.. أما إبليس فكانت معصيته مخرجة له من الإسلام لأنه استحلّها ورأى نفسه مشرعاً مع الله ، أي نصّب نفسه طاغوتاً ونداً لله يعترض على أمره ويشرّع لنفسه تشريعاً من عنده. وهذا بالضبط هو نفس الفارق بين من لم ينفذ حكم الله بسبب شهوة أو ضعف .. وبين من لم ينفذ حكم الله بسبب أنه لا يرى حكم الله صالحاً للحكم..وهذا النوع الأخير هو الموجود حالياً في زمننا المعاصر .. فإنّ كل الحكام العرب بلا استثناء استحلّوا لأنفسهم مخالفة شرع الله، بل استبدلوه بالكامل بشرائع المستعمرين الإنجليز والفرنسيين أو شرائع النظام العالمي الجديد المتمثلة في شرائع الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وغيرها... فيعلنون في مقدمة دساتيرهم أنّ الحكم للشعب وليس لله .. ويعلنون أنّ الشريعة مجرد مصدر للتشريع من ضمن مصادر كثيرة ..فيحكمون بالدستور أولاً ، فإذا لم يجدوا الحكم موجوداً فيحكمون بالعرف، فإن لم يجدوا ، فيحكمون بالشريعة القرآنية... فيجعلون شرع الله عز وجل مجرد بديل للحكم إذا لم يجدوا أحكامهم موجودة في دساتيرهم ..وهذا يعني بالضبط أنهم يعتقدون أنّ الله عز وجل هو إله من ضمن آلهة كثيرة...فكما أنّ الله يشرع فهناك أيضاً من يشرّع مع الله .. أم لهم شركاؤ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ تعالى الله عما يصفون علواً كبيراً! وإذا تتبعنا مناسبة نزول الآية الكريمة التي يقول الله فيها : ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) فقد نزلت في اليهود الذين بدّلوا حكم الله في الزاني المحصن بالرجم، واستبدلوا به حكماً آخر وهو التحميم...هنا اليهود لم يخالفوا فقط في التنفيذ لنقول عنهم أنهم مجرد عصاة،، ولكنهم تجاوزا ذلك إلى التبديل،، فمحوا هذا الحكم بالكامل وهو حكم الله، ووضعوا مكانه حكمهم هم،، وهكذا وضعوا أنفسهم أنداداً لله في التشريع...وهو بالضبط ما يفعله حكام اليوم الذين يعتقدون أنّ الدين يُمارَس فقط في المساجد والمعابد ولا شأن له بالحكم، حتى صرّح الهالك "السادات": "أنه لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين" ،، فهم يسيرون على نفس منوال النصارى الذين قالوا قديماً : "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"،، فالله سبحانه بالنسبة لهم إله يحكم في السماء فقط وليس من حقه أن يحكم في الأرض،، تعالى الله عمّا يصفون.. ((وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرضِ إله)) ويعتبرون حدود الله رجعية ووحشية وغير مناسبة للعصر كقطع اليد للسارق، ورجم الزناة المحصنين بالحجارة، وجلد العزُّاب منهم ، وتحريم الربا، وتحريم التبرج، وغيرها من أحكام الله التي يخالفونها ليس فقط في التنفيذ ولكن يخالفونها لاعتقادهم أنها غير مناسبة للعصر الحديث، وهذا هو الكفر بعيْنه .

    سؤال عن التحاكم في الألعاب الرياضية:
    نعرف أنّ الألعاب الرياضية كلعبة كرة القدم مثلاً فيها قوانين يسير عليها اللاعبون، ويحتكمون لحَكَم أثناء اللعبة، فما هو توصيف هذا التحاكم؟ الألعاب الرياضية واضح من إسمها أنها مجرد ألعاب أي تندرج تحت اللهو البريء طالما لا يلهي عن ذكر الله، لذلك فهي أصلاً من أمور الدنيا التي ليس للشرع دور فيها، فهي كالأمور التي قال فيها النبي: أنتم أعلم بأمور دنياكم، فلنا الحق في مثل هذه الأمور أن نضع لها قوانين كيفما شئنا، فنقول مثلاً أنّ احتساب الهدف يتم إذا تعدّت الكرة خط المرمى، وأنّ الفريق المنافس من حقه رمية بالكرة إذا أخرجها الفريق الآخر خارج الخط، وهكذا...فهذه كلها قوانين تنظم اللعب لا أكثر، والحَكَم الذي يحكم بين اللاعبين يحكم بهذه القوانين،، ولا حرج في ذلك،، وقد كان بعض السلف يلعبون الشطرنج،، ومن المعلوم أنّ الشطرنج له قوانين خاصة به، ويتم الاحتكام إليها لمعرفة من الفائز ومن الخاسر .. فالأصل في هذه الألعاب إباحة التحاكم فيها لقوانين إنسانية، ولكن إذا تعدّى الأمر لحدوث نزاع بين طرفيْ اللعبة، كأن يقوم أحدهم بإحداث إصابة أو كسر أو حتى قتل خطأ،، فعندئذ يخرج الأمر من مجرد كونه لهو إلى كونه واقعة فيها نزاع بين طرفيْن يستلزم الحكم فيها بشرع الله، ومن المعلوم أنّ إحداث الإصابة أو الكسر حكمه في شرع الله هو القصاص،، فيكون اللاعب من حقه عندئذ أن يردّ الضرب بالضرب طبقاً لحكم الله القائل: ((العين بالعين والسن بالسن ... الآية)) وإذا حدث قتل خطأ، فيطبق حكم الله في القتل الخطأ من الدية والكفارة ونحوه. ولكن ينبغي هنا ملاحظة شيء هام، وهو أنّ القصاص يسقط والدية أيضاً تسقط إذا كان ذلك برغبة المتضرر،، فإذا اتفق اللاعبون في كرة القدم مثلاً على العفو في مثل هذه الحالات، فلا حرج ، وهذا هو الذي يحدث بصورة ضمنية، فمن يبدأ لعب كرة القدم مثلاً يقرر منذ البداية أنه إذا أصابه لاعب آخر فسيسامحه. ولكن لا ينبغي أن يُجبَر اللاعب على المسامحة، فإذا أراد القصاص فله ذلك، وليس لأحد أن يمنعه بحجّة أنّ قوانين اللعبة ليس فيها القصاص وإنما فيها أخذ "فاول" ، فعندئذ يقع اللاعبون في تحاكم شركي، لأنهم غيّروا حكم الله واحتكموا لغيره، ولكن لا ينبغي تحريم لعب كرة القدم لأجل أسباب لم تحدث، أي لا ينبغي افتراض أنّه سيحدث كسر أو ضرب وأنّ اللاعب سيُحرَم من القصاص، فهذا ربما لا يحدث، فلا ينبغي تحريم اللعب كله من أجل افتراض شيء قد لا يحدث أصلاً. وحتى لو حدث،، فإنّ المسلم له أن يطالب بتطبيق شرع الله، فإذا رفضوا فلا يُحاسَب على شيء ليس بيده وخارج عن إرادته،، فالمسلم يرى أمامه شرع الله لا يُطبّق في كل أمور الحياة من حوله ولا يستطيع تغيير الواقع، ولا يُحاسَب على شيء لا يملكه. فإذا قيل هنا: أنه ينبغي ألا يُقحم نفسه في باب الشبهات، فاحتمال وقوع الشرك في هذه اللعبة احتمال كبير ووارد، وطالما أنه يعلم ذلك فينبغي أن يبتعد بنفسه عن اللعب مع المشركين من البداية، من باب سد الذرائع.. ولكن إذا أخذنا بهذا المبدأ في كل شيء، فسنحرّم على أنفسنا أيضاً استعمال السيارات في السير في الطريق، لأننا نعلم أنه هناك احتمال وارد أن تحدث حوادث اصطدام وإصابات على الطريق ونعلم أنه لن يسمح لنا أحد بتطبيق شرع الله من القصاص أو الدية في تلك المواقف،، فهل علمنا بذلك سيجعل سيرنا بالسيارات على الطريق محرماً لأجل تجنب شيء قد يحدث وهو مخالفة شرع الله؟؟!! بالطبع لا يقول أحدٌ بذلك.. والدين يسر، ومن مقاصد الشريعة رفع الحرج وعدم تكليف الناس بما لا يطيقون، وعدم محاسبتهم على شيء لا يمتلكونه. فإن قال قائل: أنّ هناك فارق بين السير بالسيارات وبين لعب كرة القدم، فالأول ضروري والثاني لهو لا تقتضيه الضرورة،، فيُقال حينئذ لرد عليه: أن اللهو واللعب في أصله مباح شرعاً، ولا يجوز تحريم ما أحلّه الله. وفي أقصى الأحوال فإنّ هذه المسألة قد تندرج تحت باب الشبهات، فلا يليق بنا أن نبني تكفير يقيني على أشياء محتملات.

    يتبادر الآن سؤال آخر عن حق المسلم في الدفاع عن نفسه في محاكم الطواغيت:
    أولاً لابد أن نعرف الفارق بين "التحاكم" وبين مجرد "الدفاع"..
    التحاكم إلى جهة معينة للفصل بين طرفيْن متنازعيْن يعني أنّ كلا الطرفيْن اتفقا من البداية على اللجوء لجهة معينة للفصل بينهما ، ويكون حكمها مُلزِماً مهما جاء مخالفاً لرغبة أيٍ منهما،، ففي التحاكم يخضع الطرفان المتنازعان خضوعاً كاملاً للجهة الحاكمة بينهما. وهذا الخضوع عبادة.
    أما في "الدفاع" فالذي يحدث هو أنّ أحد الطرفيْن يرفع دعوى لدى الجهة الحاكمة يطلب فيها إصدار حكم ضد طرف مُدَّعَى عليه..فتقوم المحكمة بإحضار الطرف المُدّعَى عليه لسماع أقواله ودفاعه عن نفسه،، وعندما يدافع هذا الطرف عن نفسه فإنه لا يقصد الخضوع لحكم هذه المحكمة والرضا المسبق به كما يفعل الطرف الأول،، وإنما يقصد مجرد تفنيد الاتهامات الموجهة إليه من الطرف الأول،، بحيث لو أصدرت الجهة الحاكمة بعد ذلك حكماً ضده فسيعترض عليه..
    إذن هذا المدافع لا يقصد خضوعاً لهذه الجهة ولا يقصد الرضا المسبق بحكمها، وبعبارة واحدة فإنه لا يقصد أن يتحاكم إليها.

    ولكن الإشكال هنا أنّ المحكمة تعلن أنّ المدعى عليه إنما حضر لجلسة تحاكم، وأنّ حكمها سيصير ملزماً،، لذلك فإنّ مجيء هذا المدافع إلى المحكمة يعني ضمناً الرضا بالتحاكم إلى هذه المحكمة، ففعله يدل على موافقته على ذلك، حتى وإن ادّعى خلاف ذلك..
    ويختلف الأمر إذا كان يدافع عن نفسه أمام جهة لا تعلن أنها جهة حاكمة، أي لا تعلن أنّ حكمها ملزم، وهذا يبدو في حالات الصلح..
    ففي الصلح يتدخل طرف ثالث بين الطرفيْن المتخاصميْن ويسمع منهما أقوالهما، ثم يحاول التوفيق بينهما، دون أن يصدر حكماً ملزماً، فللطرفين الحق في قبول أو رفض ما يقترحه عليهما من حلول للصلح بينهما.
    وهذا هو الفارق بين التحاكم والصلح..
    فالتحاكم يتم فيه إصدار حكم ملزم..
    أما الصلح فمجرد اقتراح حلول للصلح غير ملزمة..

    فإذا كان المسلم سيدافع عن نفسه في جلسة صلح، فله ذلك..
    أما إذا كان سيدافع عن نفسه في جلسة تحاكم (لغير الله)، فليس له ذلك..وإذا فعل ذلك يكون قد وقع في التحاكم الشركي..

    هذا هو التأصيل الصحيح في المسألة، وهو أنه ينبغي على المسلم إذا دُعي للدفاع عن نفسه أمام محاكم الطواغيت فينبغي أن يهرب بنفسه منهم ولا يحضر..
    ولكن إذا لم يستطع ذلك، وباغته هؤلاء الكفار ، ولم يكن أمامه فرصة للهروب، فعندئذ تدخل الحالة في حالة الإكراه، ويجوز له عندئذ أن يدافع عن نفسه..
    وهذا له شواهد في قصة يوسف عليه السلام، عندما دافع عن نفسه أمام العزيز لما وجده مع امرأته، واتهمته المرأة بأنه حاول هتك عرضها، فدافع يوسف عن نفسه أمام العزيز الذي كان يمثل الجهة الحاكمة عندئذ..
    أيضاً في قصة الصحابة الذين دافعوا عن أنفسهم أمام النجاشي ضد الاتهامات التي وجهها لهم عمرو بن العاص حينئذ..
    ولم يكن دفاع المسلم عن نفسه في الحالتيْن كفراً بسبب الاضطرار ..
    ولا نقبل هنا محاولات البعض لتحويل هاتين الحادثتين من كونها تحاكماً إلى كونها شيئاً آخر غير التحاكم،، فالبعض يحاول إقناعنا بأنّ موقف سيدنا يوسف لم يكن تحاكماً لأنّ العزيز كان هو الخصم ولم يكن هو الحاكم،، وهذا فهم متكلف وبعيد،، فالظاهر أنّ العزيز كان هو جهة الحكم، فقد وقف ليسمع أقوال الإثنيْن ، وكانت المرأة تطلب منه إصدار حكم بالسجن على يوسف، وتعلم أنه هو الحاكم..
    كما أنّ حادثة يوسف عليه السلام كانت مليئة بألفاظ وأوصاف عملية التحاكم،، كوصف الشهادة الموجود في قوله سبحانه: ((وشهد شاهد من أهلها)) .. هذه الشهادة لا تكون إلا في جلسات التحاكم لمساعدة القاضي على إصدار الحكم الصحيح.. إذن لا داعي للتكلف والهروب من الحقيقة ومحاولة إقناعنا بأنّ حادثة يوسف لم تكن تحاكماً،، بل كانت تحاكماً، واضطر يوسف عليه السلام لذلك لدفع الضرر عن نفسه، كما يرتكب الإنسان الكفر أحياناً لدفع الضرر عن نفسه..كما أنه يمكن القول بأنّ الإنسان في هذه الحالات قد يرتبك تحت تأثير المباغتة غير المتوقعة التي تحدث من الأشخاص الذين أمامه فيتهمونه بما لا يطيق، فيجد نفسه يدافع عن نفسه تلقائياً دون أن يلتفت إلى أنّ هذه جلسة تحاكم أو غيرها، أو أنّ الحكم سيكون ملزماً أو أنه مجرد سماع لأقوال فقط،، فارتباكه لا يسمح له عندئذ بتحديد هذه الفروقات الدقيقة، وهذا قد يدخل في حالة الخطأ غير المتعمد الذي يفعل فيه الإنسان أشياء لا يقصدها عندما يكون في حالة انفعالية شديدة.
    وبالمثل عن حادثة النجاشي ، فإنّ النجاشي طلب إحضار الصحابة لسماع أقوالهم، كي يصدر حكماً عليهم إما بترحيلهم إلى بلادهم أو إبقائهم معه، فلا داعي أيضاً للتكلف ونفي وصف التحاكم عن هذه الجلسة،، فإنها كانت تحاكماً حقيقياً،، ولكن فعله الصحابة لنفس الأسباب التي جعلت النبي يوسف عليه السلام يفعله.
    واللهُ تعالى أعلم.


    الصور المرفقة
  4. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    أما عن الاستنصار:
    فإنّ الاستنصار يعني ببساطة أن يطلب المسلم من الكافر أن ينصره في موقف شدة،، بسبب شعور المسلم بالاستضعاف، فله حينئذ أن يستنجد بكافر قوي ليمنع عنه الظلم أو الضرر..وهذا ما يسمى في عصرنا اليوم بــ"طلب اللجوء السياسي".
    كالذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما استجار بالمطعم بن عديّ وكان كافراً، ليحميه من بطش قريش عند رجوعه إلى مكة..
    وكالذي فعله أبو بكر الصديق مع ابن الدغنة وكان كافراً ليحميه أيضاً من بطش الكفار في مكة ..
    ولم يكن الاستنجاد بالكفار تحاكماً إليهم..
    لذلك يجوز للمسلم إذا اعتدى عليه أحد في الطريق وسرق ماله ، أن يستغيث بالكفار من حوله ليمسكوا بهذا اللص، ويعيدوا إليه ماله، فهذا يسمى استنصار لرد الحقوق التي ضاعت فقط،، أما إذا وجد هؤلاء الكفار سيبدأون بإصدار الأحكام على هذا السارق ليحددوا العقوبة الملائمة له، فعندئذ يسمى هذا تحاكماً، لأن فيه إصدار حكم، والمعلوم أنّ هؤلاء الكفار لا يرجعون لحكم الله، وإنما يرجعون لحكم شرائعهم الجاهلية، فلن يقطعوا يد السارق كما هو في حكم الله وإنما سيعاقبونه بعقوبة أخرى، لذا في هذه اللحظة ينبغي للمسلم التوقف ويكتفي فقط باسترداد حقه دون أن يكمل الموقف ليتحول إلى تحاكم.
    وكذلك أيضاً بالنسبة لطلب اللجوء في زماننا اليوم، فإذا كان المسلم يعلم أنّ الدولة التي يطلب اللجوء إليها ستفرض عليه التحاكم لقوانينها كشرط لإعطائه حق اللجوء، فلا يجوز له حينئذ أن يستنجد بهم ويلجأ لهم..
    وبالمثل إذا اشتكى لمركز الشرطة الخاص بالكفار، ليطلب منهم أن يساعدوه في استرداد سيارته المسروقة مثلاً، فله ذلك، ولا حرج عليه، ولكن إذا كان يعلم أنّ مركز الشرطة سيحوّل هذا البلاغ إلى المحكمة ليصير دعوى تحاكم ليصدر فيها الحكم، فلا ينبغي للمسلم أن يستمر حينئذ لأنه بذلك يصير تحاكماً شركياً.. وإن كان يعلم أن الكفار لن يعيدوا له حقه إلا بالتحاكم فلا يجوز له عندئذ اللجوء إليهم والاستنصار بهم، لأنّ ذلك سيفضي إلى الشرك في النهاية، وسيصبح وسيلة للوقوع فيه، والوسائل تأخذ حكم المقاصد.


    توضيح بخصوص المعاهدات:
    إذا كنا نقول أنه يجب على المسلم التحاكم لله وعدم التحاكم لغيره في النزاعات، فهذا قد يقبله المسلمون فيما بينهم لإيمانهم جميعاً بالله واتفاقهم على حَكَم وحيد وهو الله..
    ولكن إذا حدث نزاع بين مسلم وكافر، فمن يحكم بينهما؟
    فالمسلم يحتكم لله ، والكافر يحتكم لغير الله، فمن سيفصل بينهما إذن إذا كانا غير متفقيْن على جهة الحكم؟
    هذا لا يخرج عن حالتيْن:
    الحالة الأولى: أن يكون للمسلمين شوكة وهم الذين يحكمون البلاد:
    فعندئذ يُطَبَّق على المشركين حكم الله في النزاعات التي تنشب بينهم وبين المسلمين،،
    أما في النزاعات التي تنشب بين الكفار فيما بينهم، كالنزاعات التي تحدث بين النصارى وبعضهم البعض داخل مجتمع مسلم كأهل الكتاب عندما يعيشون في دولة مسلمة،، فعندئذ يُترَك لهم الحق في الحكم بشريعتهم، كمسائل الزواج والطلاق وغيرها، فيحكمون فيها بشريعتهم على أنفسهم...أما في القضايا التي تكون بينهم وبين المسلمين فيجب عندئذ تطبيق حكم الله عليهم.
    الحالة الثانية: ألا يكون للمسلمين شوكة، وتكون القوة متساوية بينهما وبين المشركين:
    كحالات الحرب التي يفشل فيها كلا الطرفيْن في الانتصار على خصمه، فيلجأون لتوقيع معاهدات توضع فيها شروط معينة يلتزم بها الطرفان..
    وهذه الشروط يتم الاحتكام إليها لمقاضاة الطرف الآخر في حالة إخلاله بها ..
    أي أنّ هذه العملية إنما هي في الحقيقة عملية تحاكم .. أي يتحاكمون فيها لشروط المعاهدة للفصل بينهما عند النزاع..
    فهل هذا يعد تحاكماً لغير الله؟
    في الحقيقة هذا تحاكم لله ولغير الله في وقت واحد .. كيف ذلك؟
    فالمسلم عندما يضع شروطاً في المعاهدة ، إنما يضعها وهو يقصد استمدادها من أحكام الله، ويعقد قلبه على ذلك، أي أنّ مقصده يكون فيها الرجوع لله كحَكَم وعدم مخالفة أحكامه سبحانه وتعالى، فيحرص أيضاً على عدم وضع شروط مخالفة لشرع الله،،
    وفي نفس الوقت فإنّ هذه الشروط يقبل بها الكافر لأنها غير متعارضة مع شرائعه الجاهلية، ولكن الكافر لا يقصد أن تكون هذه الشروط موافقة لشرع الله الذي يرجع إليه المسلم، وإنما يحدث ذلك مصادفةً، وإنما يقصد الكافر الرجوع لشرعه هو ،، بما لا يتعارض مع شرع المسلم..
    وبذلك فإنّ المسلم في هذه العملية يقصد التحاكم لله..
    بينما الكافر فيها يقصد التحاكم لغير الله ..
    ويحدث عملية التقاء في هذه العملية بين شرع الله وشرع الكفار من خلال وضع بنود للمعاهدة لا تتعارض مع كلا الشرعيْن،، مع اختلاف نيّة كل منهما في وضعها، فالمسلم يضعها وهو يقصد التحاكم لله، بينما يضعها الكافر وهو يقصد التحاكم للطاغوت،، وكلٌ له نيّته.
    وهذا بالضبط هو ما حدث في المعاهدات المختلفة التي وقعها النبي مع الكفار ، بما فيها معاهدة الحديبية، فقد رضي فيها الطرفان بشروط مشتركة..
    وكانت هذه المعاهدة في الحقيقة تعد مرجعاً للتحاكم إليها عند النزاع، بدليل أنّ سهيل بن عمرو عندما شعر بأنّ المسلمون يريدون عدم الالتزام بأحد بنود المعاهدة والمتمثل في ردّ المسلمين الهاربين إلى قريش،، فقال سهيل بن عمرو حينئذ للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا هو أول ما أقاضيك عليه.
    وأقاضيك يعني : أحاكمك ..
    لذا فالمعاهدات في أصلها تمثل تحاكماً،، وهي جائزة للأسباب التي ذكرناها،، وينبغي على المسلم الالتزام بها وعدم الغدر بالعهود حتى لو مع الكافرين.

    وهناك شكل من أشكال المعاهدات أيضاً، متمثل في اللوائح التي تضعها الشركات والمؤسسات المعاصرة لتنظيم قانون العمل بين المدير والموظفين وتنظيم مواعيد العمل وتنظيم قواعد العمل .. إلخ،، فهذه يحددها الناس طبقاً لمصلحتهم الخاصة،، وتسمى الأمور الإدارية،،فهذه أيضاً تعد معاهدة لوضع بنود مشتركة يلتزم بها كل الأطراف العاملين في المؤسسة،، ويجوز المسلم الالتزام بها حتى لو كان الكافرون هم الذين وضعوها طالما لا تحتوي على بنود تخالف شرع الله.
    وهذا بالنسبة للوائح التي الأصل فيها أنها مجرد وثيقة يضعونها لتنظيم العمل في المؤسسة فقط،،
    أما إذا تعدّى الأمر ذلك، وأعلنوا أنّ هذه اللوائح تستمدّ سلطتها أصلاً من سلطة الدستور الحاكم للبلاد، وأنّ الموظف الذي يقبل العمل هنا فإنه يكون قبل ضمناً الخضوع والتحاكم لهذه القوانين الدستورية التي يكون الحكم فيها للشعب أساساً كإله مشرّع،،، كما هو الحال في الوظائف الحكومية التي ترتبط قوانينها بشكل مباشر بدستور البلاد،، فعندئذ لا يجوز العمل في هذه المؤسسات ولا الرضا بلوائحهم حتى لو كانت لا تخالف شرع الله، لأنّ المرجعية فيها هي الشعب وليس الله،، فهي ليست معاهدة بالمعنى المعروف الذي يقف فيه كل الأطراف على مسافة محايدة وبصورة متكافئة، وإنما هي شرع يتم إخضاع المسلم فيه لحَكَم غير الله.


    تبقى مسألة أخيرة بخصوص التحاكم، وهي مسألة الموافقة على الشروط الكفرية الموجودة في بعض العقود:
    فحياتنا تمتليء بالعقود والمعاهدات التي تحتوي على شرط ينص على التحاكم لغير الله عند حدوث النزاع، ومن أمثلة ذلك عقود شراء العقارات التي يكون موجود فيها شرط التحاكم للمحاكم الوضعية عند حدوث نزاع بين البائع والمشتري..
    أو كشرط التحاكم للمحاكم الأمريكية عند حدوث نزاع بين شركة "فيسبوك" وبين المستخدم، ويلزمونه بالموافقة عليه حتى يسمحوا له بالتسجيل..
    وكذلك برنامج "الواتساب" للمحادثة، أو برنامج "سكايب" للمحادثة،،
    أو حتى عند إنشاء نسخة ويندوز جديدة على الكمبيوتر، قد يتفاجأ المستخدم بإلزامه بالموافقة على هذا الشرط أيضاً من أجل إكمال عملية إنشاء النسخة ،، ونفس الأمر في حالة إنشاء نسخة أندرويد على الهاتف..
    وتقريباً لا تخلو حياتنا من هذه الإلزامات الكفرية في مختلف أنواع العقود..
    وبعض الإخوة يعتقد أنّ هذه الشروط شروط شكلية وغير حقيقية، فهذه الشركات لا تقصدها حقيقةً وإنما يضعها لهم أساتذة قانون كشكل جاهز يوضع بنفس الطريقة في كل العقود،، وفي الغالب لا يلتفت أحد إليه ولا يلتزم به، والشركات التي تضع هذه الشروط نفسها تعلم ذلك، أي تعلم أنّ المستخدم غالباً لا يوافق عليها إلا شكلياً فقط، وأنها شروط صورية لا يتم العمل بها في الواقع،، لذلك يتأول بعض الإخوة في هذا الأمر ويبيحونه باعتبار أنها شروط شكلية وغير حقيقية، فهي بمثابة لغو لا معنى له.
    ولكن الحق في هذه المسألة أنها شروط حقيقية، ومعناها واضح، ويقصدها الكفار ولم تأتِ مصادفةً، بدليل أنهم لا يسمحون للمستخدم بإكمال عملية التسجيل إلا بموافقته عليها ويعتبرون ذلك شرطاً للتسجيل، وهذا دليل على أهميتها لديهم وأنهم يعنونها جيداً ولم يقولونها مصادفةً.
    وهذه الشروط معناها واضح جداً ولا يمكن تفسيره إلا بتفسير واحد وهو الموافقة على الكفر، لأنهم يقولون بكلمات واضحة أنه يتم التحاكم لمحكمة كذا وكذا ويسمونها بإسمها والموجودة في ولاية كذا بأمريكا في حالة حدوث إساءة لاستخدام الخدمة من قبل المستخدم..

    وبعض الإخوة يحاول التحايل على هذه الشروط بإنشاء برنامج يمحو هذا الشرط من بنود الاتفاقية، فعندما يضغط الأخ على زر موافق يكون قد ضغط على الشروط الموجودة أمامه والخالية من الشرط الكفري، وبذلك لا يكون قد وافق على كفر..
    والحقيقة أنّ من يستخدم برنامجاً لتغيير شروط مكتوبة ثم يوافق عليها هو كمن يأتي لمبنى محكمة طاغوتية فيكتب على لافتتها كلمة (محكمة شرعية) ثم يدخل ليتحاكم إليها!!
    فهذا تحايل كتحايل أصحاب السبت على حيتانهم ..ولا يغير من الواقع شيئا ..فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات..فالشروط الكفرية ستظل شروط كفرية والموافقة عليها كفر بالله ..لأن الموافقة على الكفر كفر..والرضا بالكفر كفر..هذه قواعد بديهية جداً.

    كما أنّ تغيير الشروط لابد أن يتم بموافقة طرفي العقد،، ولابد من إعلام الطرف الآخر بإلغاء أو تغيير الشروط التي ترغب بتغييرها،، وطالما أنّ الطرف الآخر لا يعلم بإلغائك للشرط،، فهذا الشرط سيظل سارياً ومن حقه أن يحاكمك به..
    لذا لا معنى لقول بعض الإخوة أنني عندما أضغط على زر "موافق" أنوي بقلبي الموافقة على الشروط المتفقة فقط مع شرع الله، ولا أنوي الموافقة على الشرط الكفري..
    وهذا كله لا معنى له،، فالنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد..والعمل الفاسد هنا هو الموافقة على الشرط الكفري التي حدثت بالفعل حتى وإن كان القلب يرفضها فلا معنى لذلك، والعبرة بما تم فعله في الواقع لا بالادعاءات.
    فلا يُقبَل مثلاً أن أقوم بالتوقيع على عقد بعد قراءتي للشروط الموجودة فيه، ثم أقول بعد ذلك أنني كنت أقصد التوقيع على بعض الشروط دون أخرى.. فالطرف الآخر لن يقبل ذلك،، لأن التوقيع كان على كل الشروط، فإذا رفضتُ شرطاً من الشروط فلي الحق أن أمتنع عن التوقيع،، وإلا فتوقيعي يعني أنني موافق على كل الشروط.

    أما من يقول أنني أوافق فقط على الضغط على الزر ..أو أوافق فقط على التسجيل دون الموافقة على الشروط:

    فهذا كله تحايل وهروب من الحقيقة..والحقيقة هو أنك لا تسجل إلا بعد الضغط على زر موافق على الشروط الكفرية..إذن هي موافقة على الكفر لا على شئ آخر.

    أخيراً هناك من يقول أنّ هذا الشرط لا يُعتَدّ به لأنّ الشروط المخالفة للشرع هي شروط باطلة وتعتبر ملغية،، وهذا صحيح من حيث أنه لا ينبغي الموافقة على الشرط ولا العمل به بسبب بطلانه ومخالفته للشرع،، لكن موافقة الشخص عليه تعني موافقته على مخالفة الشرع، وهذا في حد ذاته موافقة على الكفر بصرف النظر عن صحة الشرط أو فساده.

    ولهذه الأسباب كلها فإنّ الموافقة على هذا الشرط يعني موافقة على التحاكم لغير الله في النزاع، وهذا شرك بالله، والموافقة عليه كفر بالله..فهذه قواعد بديهية أنّ الموافقة على الكفر كفر، والرضا بالكفر كفر، والإعانة على الكفر كفر..

    ولكن نظراً لوجود شبهة عند بعض الإخوة أنّ هذه الشروط شروط شكلية وغير حقيقية، فلا ينبغي التسرع في تكفير هؤلاء الإخوة إلا بعد توضيح هذا الأمر لهم وإقامة الحجة عليهم أولاً.

    يرتبط بهذه المسألة مسألة أخرى وهي استعمال الأشياء التي تم تحصيلها بواسطة الكفر، فهناك بعض الإخوة يلجأون لاستعمال هواتف أشخاص آخرين أو أجهزة كمبيوتر خاصة بآخرين، حتى يتجنبوا الموافقة على هذه الشروط،، فيأخذ حساب جاهز للفيس بوك لأحد الأشخاص ويستعمله مباشرةً دون أن ينشئه من البداية حتى يتجنب الموافقة على الشرط الكفري عند الإنشاء..
    وهو بذلك لم يوافق على الكفر، ولكنه استخدم أشياء حصل عليها أصحابها بواسطة الموافقة على الكفر،، فهل بذلك يكون الأخ قد وقع في المحظور؟
    أعتقد أنّ هناك قاعدة قرآنية في هذا الأمر تقول : ((ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى)) فالإنسان في الأصل لا يُحاسَبُ على أفعال اقترفها غيره،،
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ غنائم الكفار على سبيل المثال، وهو يعلم أنّ بعضهم اكتسبها بوسيلة محرمة، فالكفار لا يتقون الله، ويكثر بينهم كسب المال الحرام،، وبرغم ذلك لم يسأل النبي عن أموالهم إذا كانت حلالاً أم حراماً، وإنما اكتسبها هو بوسيلة مباحة وهي الاغتنام في الحرب،، فالمال لا يحرم من جهة أخذه وإنما من جهة اكتسابه،، بمعنى أنّ الميت لو ترك مالاً كان قد اكتسبه بوسائل محرمة، فللورثة أن يأخذوه ولا حرج عليهم، لأنهم اكتسبوه بوسيلة مباحة وهي الميراث، ولا شأن لهم بالطريقة التي اكتسبها الميت، فهو الذي يُحاسَب.
    وبالنسبة للمال الحرام فإنه لا يخلو من حالتيْن:

    • إما أن يكون مكتسباً عن طريق التعدي على حق الآدميين كالمال المكتسب من السرقة أو الغصب، فهذا لابد من إرجاعه لأهله، ولا يجوز التعامل به.
    • وإما أن يكون مكتسباً عن طريق التعدي على حق الله،، كالمال المكتسب من الربا مثلاً، فهذا ينبغي على صاحبه التخلص منه في وسائل الإنفاق، وطالما أنه يعطيه للفقراء فهو ليس مالاً نجساً في حد ذاته، ولو كان نجساً في حد ذاته لوجب تقطيعه وإتلافه كما هو في حالة الخمر فإنها نجسة في ذاتها ولا يجوز الانتفاع بها،، أما المال الحرام فليس نجساً في ذاته، وإنما يُنتفع به، ويحرم استعماله فقط على صاحبه الذي اكتسبه بوسيلة محرمة،، لكن لا يحرم استعماله على الآخرين طالما أخذوه منه بطريق الصدقة أو الميراث وغير ذلك.


    وقد أطلنا الحديث عن مسألة استعمال المال الحرام، لأنها شبيهة جداً بالمسألة التي نتحدث عنها وهي استعمال الأشياء التي تم اكتسابها بوسيلة كفرية،، وأعتقد أنّها تأخذ نفس الحكم..فلا حرج على الإخوة إن شاء الله في استعمال هذه الأشياء،، لكن ينبغي ملاحظة مبدأ هام هنا: وهو مبدأ إنكار المنكر..
    فإذا علم المسلم بأنّ هذا الشيء تم اكتسابه بوسيلة محرمة أو كفرية، فينبغي أن ينهى صاحبها عن هذا المنكر الذي وقع فيه، فإذا استطاع أن يقاطعه ولا ينتفع بحاجته فهذا هو الأصل ، وإذا لم يجد لها بديلاً واضطر للتعامل معه فله أنْ يستعمل حاجته هذه، والله تعالى أعلم.
    نسأل الله أن يفقهنا ويعلمنا.
  5. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    4.عبادة الاستغاثة والدعاء:
    الدعاء هو أخص أشكال العبادة وأعمقها، لأنّ فيها اعتراف بضعفنا الإنساني وعجزنا واستسلامنا أمام قدرة الله التي نلجأ إليها لمساعدتنا في وقت الشدة ولإعطائنا الأشياء التي لا نقدر عليها لأنها أكبر من طاقتنا،، فنعترف لله بأنه لا يقدر على تلك الأشياء إلا هو، وأنه لن يستطيع أحدٌ انتشالنا مما نحن فيه إلا الله..
    لذلك كان المشركون ولا زالوا يلجأون إلى الله في أوقات الشدة وينسوْن آلهتهم المزعومة،، فيستغيثون بالله مخلصين له الدين عندما تهيج بهم الأمواج ويغرقون في ظلمات البحر، أو عندما يتيهون في خضم الصحراء الشاسعة التي لا نهاية لها ويوشكون على الموت عطشاً، أو عندما يواجههم عدو شرس يستحيل مقاومته ... في كل هذه الحالات وغيرها يخلص المشركون في اللجوء إلى الله ويدعونه ويستغيثون به صارخين من أعماقهم: لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشاكرين!
    ولذلك أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الدعاء هو مُخّ العبادة ، أو هو العبادة نفسها... لأنه قلبها ومنتهاها وأبرز صورها.
    فنحن ندعو الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لأنّ الله هو الذي يتصف بصفة القدرة المطلقة،،
    فمن صرف هذا الدعاء لغير الله، واستغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد جعله شريكاً لله في صفة القدرة المطلقة،، وهذا أفحش أنواع الشرك.

    وهذا النوع من الشرك انتشر في كل زمان ومكان، ومنتشر في زماننا اليوم، حيث تنتشر الأضرحة والقبور التي يقولون أنها قبور لأولياء صالحين،، ويحجّ الناس إليها بالملايين ويأتون إليها خاشعين من كل صوب وحدب، ليُنزلوا بها حوائجهم ويظهروا عندها فقرهم وذلهم واحتياجهم لهذا الولي، ويسألونه أشياء لا يقدر عليها إلا الله... كمن تأخر بها سن الزواج فتذهب لضريح "السيد البدوي" في طنطا بمصر لتسأل هذا البدوي أنْ يزوّجها،، وأخرى هجرها زوجها فتسأل هذا البدوي أن يحبب إليها زوجها ويرجعه إليها،، وآخر تعثر ابنه في الدراسة ولا يستطيع النجاح في الامتحانات فيسأل هذا البدوي أن ينجّح له إبنه،، وآخر مصاب بمرض عضال لا يُرجَى له شفاء فيذهب للبدوي يسأله أن يشفيه..
    وهناك تسمع العبارات التي تفوح بالشرك مثل : "مَدَد يا سيد يا بدوي" ،، فيطلبون المدد منه ويظنون فيه قدرته على كل شيء، مثل قدرة الله تماماً والعياذ بالله.
    أو يقدّمون له النذور، فيقول أحدهم : "نذرت لك يا سيد يا بدوي أن أذبح لك عجلاً إن أنت شفيتني من مرضي" فينذرون ويذبحون له، بدلاً من أن ينذرون ويذبحون لله.



    ونفس هذه المهازل وأكثر منها يحدث عند : ((ضريح "الحسين" بالقاهرة، وضريح "السيدة زينب"، وضريح "السيدة عائشة" ، وضريح "السيدة سكينة" ، وضريح "الإمام الشافعي" ، وضريح "الليث بن سعد" .. وخارج القاهرة تشتهر أضرحة: إبراهيم الدسوقي بدسوق، وأبي العباس المرسي بالإسكندرية،وأبي الدرداء بها أيضاً، وأبي الحسن الشاذلي بقرية حميثرة بمحافظة البحرالأحمر، وأحمد رضوان بقرية البغدادي بالقرب من الأقصر، وأبي الحجاج الأقصريبالأقصر أيضاً، وعبد الرحيم القنائي بقنا.... وفي السودان : قبة الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني "شيخ الطريقة البرهانية" بالخرطوم السوق الشعبي.
    قبة الشيخ قريب الله، بأم درمان، ودنوباوي.
    قبة الشيخ دفع الله الصائم ديمة، بأم درمان أمبدة.
    قبة الشيخ حسن ود حسّونة، بالخرطوم بحري.
    قبة الشيخ دفع الله الفرقان، بأم درمان، جنوب السوق.
    قبة الشيخ أبو زيد، بأم درمان، سوق ليبيا.
    قبة الشيخ حمد النيل، بأم درمان.
    قبة الشيخ محمد بن عبد الله كريم الدين (شيخ الطريقة المحمدية الأحمدية الإدريسية)
    قبة الشيخ إبراهيم ود بَلاّل، بالقطينة.
    قبة الشيخ الطيب ود السايح، بأبي شنيب، قرب الحداحيد.
    قبة الشيخ حمد ود أم مريوم، بالخرطوم بحري، حي حِلّة حمد.
    قبة الشيخ خوجلي أبو الجاز، بالخرطوم بحري، حلة خوجلي.
    قبة الشيخ صديق ود بُساطي، غرب النيل الأبيض.
    قبة الشيخ طه الأبيض البطحاني، بشمال الجزيرة.
    قبة الشيخ الطريفي ود الشيخ يوسف، بأبي حراز.
    قبة الشيخ عبد الرحيم ود الشيخ محمد يونس، بأبي حراز.
    أما في إريتريا:
    فمن أشهر الأضرحة التي يرتادها الناس:
    ضريح الشيخ بن علي بقرية (أم بيرم) القريبة من مدينة مصوع الميناء الرئيس لإريتريا.
    ضريحسيدي هاشم الميرغني وبنته الست علوية بمدينة مصوع، وعلى كل من هذينالقبرين مبنى مستقل على شكل مكعب ومغطى بالقماش مثل الكعبة، وفي كل زاويةمنه خشبة مستديرة الشكل يتبرك بها بعد الانتهاء من الطواف بالقبر!
    ضريح الشيخ حمال الأنصاري، وله وقت مخصص لزيارته، وإن كانت أهميته لدى الناس أقل من سابقيه.
    ضريح جعفر، وقد بني عليه مسجد، ويقوم المصلون في المسجد بزيارته بعد كل صلاة مفروضة.
    ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو ضريح وهمي في قرية (حوطيت) بالقرب من مدينة جندع على ساحل البحر الأحمر.
    ضريح الشيخ الأمين المقام في أحد مساجد مدينة (أسمرا) العاصمة.
    ضريحسيدي هاشم في مدينة (كرن) التي تقع على الساحل الجنوبي من إريتريا، وهويعتبر من أكبر المشاهد التي يقصدها الناس من أنحاء عديدة في البلاد، بل ومنالدول المجاورة كالسودان.
    ضريح أحمد النجاشي في (عدي قرات) التي تقععلى الحدود الإريترية الإثيوبية، وله يوم محدد (مولد) يقصده الناس فيه منأنحاء إريتريا وإثيوبيا.

    أما في الشام:
    فقد أحصى عبد الرحمنبك سامي سنة (1890م) في دمشق وحدها 194 ضريحاً ومزاراً، بينما عد نعمانقسطالي المشهور منها 44 ضريحاً، وذكر أنه منسوب للصحابة أكثر من سبعةوعشرين قبراً، لكل واحد منها قبة ويزار ويتبرك به.

    وفي الآستانةعاصمة السلطنة العثمانية كان يوجد 481 جامعاً يكاد لا يخلو جامع فيها منضريح، أشهرها الجامع الذي بني على القبر المنسوب إلى أبي أيوب الأنصاري فيالآستانة (القسطنطينية.(
    وفي الهند يوجد أكثر من مئة وخمسين ضريحاً مشهوراً يؤمها الآلاف من الناس.
    وفي بغداد كان يوجد أكثر من مئة وخمسين جامعاً في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وقلّ أن يخلو جامع منها من ضريح. وأشهر الأضرحة ضريح "عبد القادر الجيلاني".
    وفي الموصل يوجد أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً كلها داخل جوامع، وهذاكله بخلاف الأضرحة الموجودة في المساجد والأضرحة المفردة.

    وهكذا كان الأمر في جزيرة العرب قبل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
    وفي معظم مناطق أوزبكستان كثير من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة والمشايخورجال العلم والأولياء، وأصبحت هذه القبور مزارات يفد إليها مريدوها جماعاتوأفراداً، يدعون ويبكون، ومن أهم تلك المزارات: ضريح قثم بن العباس ابن عمالرسول صلى الله عليه وسلم في سمرقند، وضريح الإمام البخاري في قريةخرتنك.
    ولا تختلف الصورة كثيراً في شرق العالم الإسلامي حيثتنتشر الأضرحة و (المزارات)؛ ففي بنغلاديش، خاصة في المدن دكا "العاصمة" وشيتاغونج وسلهت وخولنا، ولكن من الغريب ارتياد الناس لمزارات يوجد بهاسلاحف وتماسيح يعتقد فيها بعض الجهلاء النفع والضر، فيقدمون الأكل لهاأملاً في الحصول على وظيفة أو لتفريج كربة، وتحرص بعض النساء على مس هذهالحيوانات أملاً في حدوث الحمل والرزق بالذرية، وقد نتجت هذه الاعتقاداتوالممارسات عن الزعم بأن هذه الحيوانات تحولت إلى هذه الصورة بعد أن كانتمن الأولياء الصالحين! وهناك أيضاً مزارات تحتوي على أشجار يعتقد فيهاوتعلق على أغصانها الخيوط والخرق. وفي ليبيا: هناك ضريح عبد السلام الأسمر بمدينة زليتن، والذي يحجّ إليه كل أصحاب الحاجات من شتى بلاد المغرب العربي؛ تونس والجزائر والمغرب. وفي موريتانيا ومالي: عشرات الأضرحة التي يقدسها أغلب المواطنين. والقائمة لا تنتهي)) (منقول عن موقع: الدرر السنية، مع إضافات يسيرة)








    وأفحش من هذا كله ما يفعله الروافض في إيران والعراق مع أئمتهم،، حيث يعتقدون فيهم النفع والضر،، ويقدسونهم،، ويتباركون بهم، ووصل بهم تقديس الأئمة لدرجة أنني رأيتُ ذات مرة أحدهم يأكل براز إمامه!!
    وآخرون يسجدون عند أضرحة الأئمة،،
    ويستغيثون بـ"الحسين" و"زينب" و"آل البيت" عندما يقعون في الشدائد، ولا يستغيثون بالله..







    وها هم الصوفية في مصر والسودان وليبيا وبلاد المغرب يقترفون نفس الشرك عند الأضرحة والمقابر، وعند جلوسهم أمام مشايخهم.. فيسألونهم أشياء لا يقدر عليها إلا الله،، ويقدّمون لهم النذور والقرابين عند الأضرحة سعياً لإرضائهم وتذللاً لهم.. ويذبحون الذبائح بإسم أئمتهم ، لا بإسم الله! بل يعتقدون أنّ بعض مشايخهم لهم مقدرة على التصرف في أمور الكون مع الله، ويسمونهم الأقطاب.





    ولا تكاد تخلو قرية أو مدينة في العالَم العربي أو حتى في جميع أنحاء العالَم المسمى (الإسلامي) بعربهم وعجمهم، لا تكاد تخلو قرية أو مدينة من ضريح أو قبة يحجّ إليها الناس ويستغيثون بها ويدعون أصحابها بدلاً من أن يتوجهوا بدعائهم إلى الله رب العالَمين..حتى أنّ القرية التي تخلو من ضريح يصفون أصحابها بأنهم بخلاء ولا يريدون البركة!

    والشرك بالله في الدعاء لا يقتصر فقط على دعاء الصحابة والسلف والصالحين،، بل إنهم يشركون النبي محمد مع الله في الدعاء.. فيحجّون إلى قبره بالمدينة، ويسجدون أمامه متذللين، ويستغيثون به قائلين: "يا رسول الله أغثنا" عندما يقعون في الشدائد..

    تعالى الله عمّا يشركون!

    وإذا سألنا هؤلاء المشركين: لماذا لا تتوجهون بالدعاء إلى الله بدلاً من التوجه لمخلوق؟
    يقولون: أننا مثقلون بالذنوب والخطايا ولا نستطيع الدخول على الله مباشرةً، فنستعين بالولي الصالح ليشفع لنا عند الله..
    وهذه هي نفس حجة المشركين القدامي ، سواء مشركي قريش أو غيرهم، عندما كانوا يُسألون عمن يلجأون إليه إذا تاهوا في البحر أو في الصحراء؟ هل يلجأون للذي في السماء أم للذي في الأرض؟ فيقولون: بل نلجأ للذي في السماء؟ ثم عندما يُسألون: فلماذا تشركون معه آلهة في الأرض؟ فيقولون: ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زُلفَى!
    وهو ما نفس ما يقوله المشركين اليوم: ما نلجأ للأولياء الصالحين إلا ليقربونا إلى الله.

    وهنا حجة مشهورة يتحجج بها المشركون:
    وهي أنّهم يزعمون أنهم لا يعتقدون في الأولياء القدرة على النفع والضر وأنهم لا يعتقدون فيهم الألوهية ولا يعبدونهم، وإنما يطلبون منهم الشفاعة فقط..ويستدلّون على ذلك بأنّ النبي سيشفع للناس.
    وكما قلنا فإنّ هذه هي نفس حجة المشركين قديماً،،
    وقد ردّ الله عليهم قائلاً: ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ))
    أي أنّ هؤلاء الشفعاء لا يملكون الشفاعة إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء منهم ويرضَى..
    فالشفاعة المسموح بها لها شرطان:

    • إذن الله للشافع.
    • ورضا الله عن المشفوع له.

    وبغير ذلك لا يملك أحدٌ الشفاعة بنفسه، ولا يستطيع أحدٌ الانتفاع بها إلا بهذيْن الشرطيْن، فالأمر كله لله، يغفر لمن يشاء ، ويعفو عمن يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع عمن يشاء، والشافع لا يملك من أمره شيئاً..
    لذلك كان الاعتماد على الشفيع (الشافع) والطلب منه أن يدعو الله للناس أو يشفع لهم عند الله لا يجوز إلا بإذن الله ، ولا يجوز أن يُفعَل هذا باستقلال عن إرادة الله، وإلا كان الذين يفعلون ذلك معتقدين في الشفعاء أنّ لهم قدرة مستقلة ومشيئة مستقلة عن الله،، وهذا هو الشرك..
    وهذا هو الذي يفعله أغلب الذين يقولون : نحن لا ندعو الأولياء وإنما نطلب منهم أن يدعوا لنا الله...وهذا وإن كان في الأصل مباحاً كأن يطلب الصحابة من النبي أن يدعو لهم الله أو أن يطلب أحدنا من رجل صالح أن يدعو له الله، هذا وإن كان في الأصل مباحاً إلا أنه يستحب تركه لأنه ذريعة إلى الشرك،، فلا يزال المرء يعتمد على دعاء الآخرين له، ولا يدعو الله بنفسه، حتى يصل في النهاية لدرجة الاعتماد الكامل على الآخرين ، فيلجأ إليهم دائماً في خضوع وتذلل وثقة مطلقة ويعتمد عليهم ولا يلجأ إلى الله، فيكون مشركاً بالله.

    هنا شبهة أخرى بخصوص التوسل:
    وهي أنّ الصحابة كانوا يتوسلون بالنبي عند الله أحياناً أن ينزل الله لهم المطر وهكذا..
    وهذا كان في حياة النبي، أما بعد موت النبي فقد كان الصحابة يعلمون أنّ النبي ميت ولا يملك من أمره شيئاً ولا يسمعهم أصلاً، فكانوا يتوسلون بالعباس عم النبي، كانوا يتوسلون به إلى الله أن يسقيهم..
    وهنا الدعاء كله موجه إلى الله، وليس إلى المخلوق..
    أما الآن فالمشركون يتوجهون مباشرةً إلى المخلوق ويسألونه حاجاتهم..وهذا هو حال أغلبهم..
    وبعضهم الآخر لا يسأل المخلوق مباشرةً، وإنما يزيّن له الشيطان أن يتوسل به إلى الله أو يستشفع به للدخول على الله، وهذا في حد ذاته بدعة وليس شركاً،، لكن إذا فُعِلَ بتذلل وخضوع كامل لهذا المخلوق يصير شركاً بالله.
    وهذا هو المُلاحَظ اليوم، فالذين يقفون عند الأضرحة يقفون بخضوع وتذلل كامل لصاحب الضريح، يخشعون أمامه ويستغيثون به أن يسمعهم ويتمسحون بقبره ، بل يطوفون حوله كطوافهم حول بيت الله الحرام! وفي النهاية يقولون: لا نسألهم ولا نعبدهم !!
    وهو ادّعاء يكذّبه الواقع.
    فالواقع أنهم يعبدونهم ، وإلا فما الذي أبقوه لله إذا كان التذلل والخضوع والخشوع والرهبة والطواف فعلوها كلها للمخلوق؟؟!!

    فحتى لو سلّمنا بأن الصحابة توسلوا بالنبي، فقد كان ذلك أثناء حياته كما أسلفنا، ولم يكن الصحابة يفعلون ذلك وهم يتذللون للنبي أو يطوفون حوله أو يخشعون أمامه بهذا القدر من الخضوع الذي لا يجوز إلا لله.

    فهؤلاء المشركون اليوم لا يكتفون فقط بالذهاب إلى قبور أوليائهم،، بل يستغيثون بهم عن بعد،، كأن يكون المشرك في مدينة ويكون قبر الولي في مدينة أخرى بعيدة،، ويستغيث به ويناديه معتقداً أنه يسمعه،، وهذه قدرة لا يملكها إلا الله...فالله عز وجل هو السميع العليم...يسمع كل شيء ومن أي مكان .. أما المخلوق فلا يقدر على ذلك...وما يفعلونه شبيه باعتقاد الصوفية في أئمتهم من حيث أنهم أقطاب متصرفة مع الله في الكون تسمع كل شيء فيه.

    كما أنّ هؤلاء المشركين يقفون جميعاً وفي وقت واحد أمام الضريح، يطلب كل واحد منهم حاجته من صاحب الضريح معتقداً أنه يسمعه ويسمع الآخرين كلهم في وقت واحد... وهذا لا يقدر عليه إلا الله..

    ((إنّ الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم. فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين))

    ولا يقتصر شرك الدعاء والاستغاثة على القبورية والصوفية والروافض فقط،،
    وإنما يفعل ذلك الآن بعض المثقفين أيضاً والذين تأثروا بقراءة الكتاب العالَمي المسمى : "الســر" .. وهذا الكتاب هو عبارة عن صياغة عصرية للعقائد الشرقية الآسيوية البوذية التي تعتمد على فكرة الرياضة الروحية وتقديس الذات الإنسانية والاعتقاد أنها قادرة على التحكم في أي شيء إذا أرادت..
    فيقول الكتاب أنّ هناك قانوناً إسمه "قانون الجذب" ويتلخص في أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً – أي شيء – فإنه يوجّه رغبته وإرادته هذه إلى الكون، ثم تعود إليه حاملة له ما أراد منجذبة إليه..
    وهذا كلام فارغ ، ومضمونه شرك بالله... فهذا الكلام يلغي الله سبحانه من الوجود، ويضع مكانه "الكـون" كـ ند لله في القدرة،، فهم هكذا يسألون الكون ولا يسألون الله، ويعتقدون أنّ الكون قائم بذاته ويعطيهم ما سألوا..وهذا هو الإلحاد البوذي متخفياً خلف قناع ما يسمونه "علم التنمية البشرية".


  6. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    5.عبادة التوكل:
    التوكل على شيء هو الاعتماد عليه ، وهو قريب من معنى الاستعانة ، حيث أنّ الإنسان يتوكل على شيء ليستعين به في قضاء حوائجه.
    وعندما يعتمد الإنسان على مخلوق ليساعده على شيء في مقدوره ، فهذا توكل طبيعي..
    أما عندما يعتمد الإنسان على مخلوق في شيء لا يقدر عليه إلا الله، فهذا توكل شركي..
    ولفهم مسألة "التوكل" أكثر يجب فهم مسألة "الأخذ بالأسباب"..
    فالله عز وجلّ جعل تحقيق الأهداف في الدنيا مرتبطاً بتحقيق أسبابها،، فالنجاح سببه الاجتهاد،، والإنجاب سببه الجماع،، والصحة سببها تناول الدواء،، والثراء سببه المال .. وهكذا..
    ومن سنن الله الكونية التي لا تُبَدّل أنه لا يمكن أن يحقق الإنسان هدفاً دون الأخذ بأسبابه،، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ((يا عباد الله تداووا، فإنّ الله ما أنزل داء إلا أنزل معه شفاء)).
    لذلك لا يجوز أن يترك الإنسان الأخذ بالأسباب بحجّة أنه متوكل على الله، كمن يترك تناول الدواء وينتظر الشفاء من الله، أو من يترك السعي للرزق وينتظر المال من الله، أو من يترك الطعام والشراب وينتظر الحياة من الله.. وهذا كله ضد السنن التي وضعها الله في الكون..والتي تقتضي ضرورة الأخذ بالأسباب..
    ولكن ينبغي التنبه إلى الفارق بين "الأخذ بالأسباب" وبين "التوكل على الأسباب"..
    فالإنسان يأخذ بالأسباب ، لكنه في نفس الوقت يتوكل على الله، فلا يعتقد أنّ الأسباب ستنفعه، بل يعتقد أنّ الذي ينفع ويضر هو الله، وأنّ الأسباب مجرد وسيلة لكنها ليست غاية..
    فإذا توكل الإنسان على الأسباب ، ووثق فيها وثوقاً مطلقاً، فإنه يشركها حينئذ مع الله في عبادة التوكل، وهو بذلك يعتقد أنها تنفع وتضر ، وهي خاصية من خصائص الله وحده، ولا يجوز أن ينازعه أحد فيها.
    لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
    ((إذا سألتَ فاسأل اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وأنهم لو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء فلن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك.. رُفِعَت الأقلام، وجفّت الصحف))



    ولكن كثير من الناس اليوم صاروا يتوكلون على غير الله، وصاروا يعتقدون النفع والضر في غير الله:
    كتوكلهم على السحرة والمشعوذين في قضاء حوائجهم، فأغلب الناس الآن إذا وقع في محنة أو شدة فإنّ أول ما يتبادر بذهنه ليس أن يدعو الله ويستعين به، وإنما يلجأ للساحر الموجود في قريته لرفع هذه المحنة عنه، فهو يعتقد أنّ الساحر يستطيع فعل أي شيء، ويعتقد أنه يعلم الغيب، وأنه بيده النفع والضر..
    فعندما يمرض الإبن ، فإنّ أول ما يتبادر للأب هو أن يذهب به للساحر للشفاء، وأول ما تتأخر البنت عن الزواج فإن أول ما يتبادر للأم أن تذهب بها إلى الساحر ..
    فيذهبون للساحر لجلب حبيب أو لجلب النجاح أو لجلب الحظ أو لجلب الولد والعلاج من العقم وما شابه ..
    أو ي
    فيلجأون للساحر لكشف الضر عنهم، ويتوكلون عليه بدلاً من التوكل على الله.
    أيضاً يتعلقون بالتمائم ويعتقدون فيها النفع والضر ويتوكلون عليها في دفع الشر عنهم بدلاً من توكلهم على الله.








    كذلك من يتوكلون على أنفسهم في جلب النجاح، فيقول أحدهم عن نفسه: أنا واثق من قدراتي وأنني أستطيع أن أفعل المستحيل، فأنا ذكي وقوي .. إلخ
    وعندما يُقال له: قل بعوْن الله ... يمتنع ولا يقولها،، فهو يعتمد على نفسه ولا يعتمد على الله..
    ويبدو أنّ ثقافة "الاعتماد المطلق على النفس" صارتْ الآن ثقافة شعبية في مجتمعاتنا، حيث صار الناس لا يؤمنون إلا بالقيم المادية البحتة، والمتمثلة في تحصيل المجد والقوة والذكاء وغيرها، وصاروا ينظرون إلى هذه الأشياء باعتبارها هي الوسيلة الوحيدة للنجاح، وأنه يجب الاعتماد على الذات اعتماداً كاملاً، وهذا هو السبب الذي جعل عبارة : "أنتَ إله نفسك" تنتشر بين أوساط كثيرة من الشباب اليوم، للدرجة التي جعلتْ أحد مخرجي الأفلام السينمائية المصرية يترجمها لفيلم كامل لا يتحدث إلا عن تأليه الذات، وهو الفيلم المصري "الريس عمر حرب" وورد في إحدى مشاهد الفيلم الممثل الرئيسي فيه وهو ينصح تلميذه بألا يعتمد على أي شيء في الوجود سوى نفسه قائلاً له : "أنتَ إله نفسك" !!
    انتشرتْ أيضاً اليوم إحدى العقائد بين الشباب، وهي مستمدة أصلاً من عقائد بوذية، وهي أيضاً الوثوق في قدرات الذات في إحداث أشياء مستحيلة وخارقة.. فيقولون أنّ الإنسان إذا استطاع إحداث نوع معين من الرياضة الروحية يقوم فيها بتركيز عميق داخل مشاعره وإرادته فإنه يستطيع حينئذ بتلك الإرادة أن يفعل أشياء خارقة (لا يقدر عليها إلا الله).. كأن يقول لقلبه المتوقف: اعمَل، فيعمل! وأن يقول لذراعه: احمل السيارة فيحملها! وأن يأمر جسمه بالارتفاع عن الأرض بالكامل دون أن يسقط ، فيرتفع! ويأمر رأسه بالتوقف عن الإحساس بالصداع، فيتوقف ،وهكذا ... إلى آخر هذه الزبالات الفكرية التي يتشبث بها بعض دعاة "التنمية البشرية" اليوم، زاعمين أنها اكتشاف لقدرات النفس،، بينما ما هي إلا عقائد شركية بوذية إلحادية تمجّد الذات وتؤلهها وتدعو للتوكل الكامل عليها بدلاً من التوكل على الله.







    كذلك من يتوكلون على الآخرين في أي مساعدة ، ويثقون في قدراتهم ثقة عمياء، حيث يعتقد أحدهم أنه طالما أوْكل هذه المهمة إلى هذا الشخص بالذات، فسوف تنجح المهمة حتماً.. ويتوكل عليه هو بدلاً من توكله على الله.. أو يقول له: أنا متوكل على الله وعليك، فيجعله نداً لله في التوكل.


    كذلك من يعتمد اعتماداً كلياً على عمله لجلب المال، فيقول: أنا واثق أنّ سيارة الأجرة التي أعمل عليها ستجلب لي في نهاية اليوم مبلغاً من المال قدره كذا وكذا..

    وقد جلستُ مع أحدهم بنفسي فوجدته يقول: "أنا واثق أنك إذا أتيت لطريق معين في وقت الصباح، فستجد ركاباً كثيرين خارجين لعملهم ولمدارسهم، وستعمل سيارة الأجرة بشكل ممتاز"
    فقلتُ له:
    "قل إن شاء الله"
    فقال لي بالحرف الواحد: "لا أحتاج أن أقول إن شاء الله، فهذا أمر مضمون 100 %"
    فقلتُ له:
    "يا رجُل كل شيء بيد الله، والله إذا أراد منع الرزق عنك فلن تستطيع فعل شيء، ولن ينفعك الركاب"
    فأصر على موقفه قائلاً: "أنا واثق في حدوث هذا الأمر، الركاب يخرجون كل صباح، هذا أمر يتكرر يومياً ويستحيل أن يتغير"
    وهكذا فهذا مثال صارخ على التوكل على غير الله، واعتقاد النفع والضر في غير الله.

    كذلك من يثقون في قدرات الجيش العسكرية ثقة عمياء، فيقولون نحن واثقون أننا سننتصر لأنّ معنا دبابات وصواريخ هي الأقوى في العالَم..فيضعون كل اعتمادهم وتوكلهم على هذه الأشياء، ولا يعلمون أنّ النصر بيد الله ينصر من يشاء.

    كذلك من يذهبون لطبيب معين اشتهر بنجاحه وكفاءته، فيثقون في نجاح العملية الجراحية بنسبة 100 %، ويعتقدون أنّهم طالما أجروا هذه العملية مع هذا الطبيب بالذات، فلن تفشل أبداً..ويتوكلون على الطبيب بدلاً من توكلهم على الله.

    أو من يثقون في الأدوية والعلاجات ثقة مطلقةفي قدرتها على جلب الشفاء، ويتوكلون عليها ولا يتوكلون على الله في جلب الشفاء.

    من مظاهر شرك التوكل أيضاً:
    ما يفعله عبدة الشيطان اليوم من تقديس لــ لوسيفر (إبليس) واعتماد كامل عليه ،والثقة في إحاطته بكل شيء ،واستعانة به في أمور لا يقدر عليها إلا الله.. حتى أنّ كاهنة كبيرة لديهم تسمى "ديميتريش" تقول ما معناه: ((أنّني مدينة بحياتي لأبي الشيطان،، فما أكثر المواقف التي كان يساندني فيها ،، ويكون بجانبي معطياً لي الدفء والأمان))

    نعوذ بالله من الخذلان!

    ****************************

    6-عبادة الخوف:
    يخاف الإنسان مما قد يؤذيه أو يهجم عليه.. ويخاف من كل شيء يمتلك قوة أكبر من قوته .. وهذا طبيعي .. كخوف الإنسان من الأسد، أو خوف الناس من الحكام الظلمة، أو خوف الناس من الأماكن المظلمة .. وهكذا. وهذا الخوف قد يتجاوز الحدود، فيعتقد الإنسان أنّ هذا الشيء الذي يخاف منه بإمكانه فعل أي شيء وأنه بيده النفع والضر بشكل مطلق..

    ويتضح هذا في خوف بعض الناس من الجن والشياطين خوفاً مطلقاً ، حيث يعتقدون أنّ الجن بيده كل شيء ويستطيع فعل أي شيء، لذلك يرهبونه ويقدّمون له القرابين لإرضائه وتجنب أذاه، ويذبحون له الذبائح في الجلسات التي تسمى "الزار"، وإذا نزلوا مكاناً مهجوراً فإنهم يستعيذون بالجن لدفع أذاه قائلين: "دستور يا اسيادنا"،، تماماً كما كانت تفعل العرب قديماً عندما كانوا ينزلون بوادي مهجور في الصحراء فيقولون: "نعوذ بكبير هذا الوادي من الجن أن يؤذينا"... بالغضافة إلى هذا الكم الهائل من أفلام الرعب الموجّهة لتأكيد هذا المعنى، وهو الخوف من الجن والشياطين ، واعتقاد النفع والضر بهم .. وهكذا فهم يجعلون الجن نداً لله في عبادة الخوف، ويعتقدون أنه مثل الله ينفع ويضر ..وبدلاً من الاستعاذة بالله يستعيذون بالجن ويخشونه كخشيتهم لله أو أشد. ((وما هم بضارّين به من أحدٍ إلا بإذن الله))


    كذلك خوف بعض الناس اليوم من حكامهم ورؤسائهم في العمل ، فهم يعتقدون أنّ أصحاب السلطة بيدهم كل شيء،، ويفعلون كل شيء لإرضائهم حتى لو كان محرماً، ولا يجرؤون على مخالفتهم ، لاعتقادهم بأنهم يملكون مصيرهم وأرزاقهم،، فنجد أحدهم يقول : "أخشى أن أخالف رئيسي في العمل لئلا يقطع رزقي" فهو يعتقد أنّ رزقه بيد رئيسه لا بيد الله..ونجد أحدهم يطيع ضباط الشرطة والجيش طاعة مطلقة ويتبعهم في كل شيء حتى لو كان في مخالفة أمر الله لاعتقاده بأنّهم يملكون مصيره ويستطيعون إلقاءه خلف الشمس!
    وهذه كلها أشياء لا يقدر عليها إلا الله، ولا يجوز الخوف من مخلوق لهذه الدرجة التعبّدية، فأي مخلوق في النهاية لا يملك من أمره شيئاً، والكون كله بقبضة الله جل وعلا وحده لا شريك له.

    كذلك خوف بعض الناس المصابين بالهزيمة النفسية من أمريكا، والذي يصل لدرجة الهوس والرعب، فيقدّسون هذه الدولة الشيطانية بسبب تقدمها التكنولوجي، ويرتعبون من مجرد ذكر اسمها ، ويستسلمون لأوامرها، ويقدمون لها فروض الولاء والطاعة ، معتقدين أنّ بيدها كل شيء، وأنها تستطيع تدمير كوكب الأرض كله إذا أرادت ، وأنّ قدراتها العسكرية والمادية لا قِبَل لأحد بها، وأنها هي التي تملك خزائن الرزق في العالَم فينبغي إرضائها حتى لا تعاقبهم بالمجاعات ...وهكذا يضعونها في مرتبة الألوهية، ويخشونها كخشية الله أو أشد خشية! ولا يدركون أنّ الملك بيد الله يؤتيه لمن يشاء وينزعه عمن يشاء، وأنّ الأمر كله لله، وإليه يُرجَعُ الأمرُ كله..وأنّ الأيام دُوَلٌ، فكما أباد الله من قبل قوم عاد وثمود الأشداء فهو يقدر على إبادة أمريكا إذا أراد، وما أمره إلا أن يقول كُنْ فيكون! (فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين)
  7. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    أخيراً ، وقبل أن نغادر باب العبادة،،
    فهناك شبهة تتعلق بالمسيح ابن مريم عليه السلام:
    فيقول النصارى عن المسيح أنه يمتلك قدرات لا يملكها إلا الله، فهو يشفي المرضى، ويحيي الموتى، ويبريء الأبرص، ويمشي على الماء، ويخلق الطعام ..كما هو موجود في كتابهم المقدس،، وبعضه يتشابه مع ما جاء في القرآن، فقد أعطاه الله بالفعل قدرة على إحياء الموتى وشفاء المرضى .. إلخ
    ولكنا كمسلمين نعلم أنّ هذه القدرات ليست ذاتية ولم يحصلها بنفسه ولا يملكها بنفسه، وإنما أعطاها الله له، ولا ينفذها إلا بإذن الله.
    ولكن النصارى يقولون : "أننا نعبد المسيح بسبب أنه يفعل أشياء لا يقدر عليها إلا إله"
    ولكنهم غفلوا عن شيء مهم، وهو أنّ المسيح كان بشراً كسائر البشر، يصيبه الجوع والعطش، ويسعى بحثاً عن الرزق، ويأكل الطعام ، ويقضي الحاجة، ويخرج منه الغائط .. وهي كلها مظاهر نقص لا تليق بإله منزه عن العيوب.
    لذلك يلفت الله نظرهم إلى ذلك قائلاً : ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) .

    ونفس الدليل يستطيع أن يستدل به المؤمن في آخر الزمان على أنّ المسيح الدجّال ليس بإله، وهو دليل النقص المتمثل في كونه أعور،، فلا يليق بإله أن يكون أعور العين، فمن صفات الربوبية الجمال المطلق.
    لذلك قال النبي : ((إنّ الدجّال أعور، وإنّ ربّكم ليس بأعور))

    لذلك فبعض الخوارق التي تأتي بها المخلوقات ليست دليلاً يكفي وحده للألوهية،،
    وهذا ما يزعمه بعض الصوفية المشركين أيضاً عن "الأولياء الصالحين" فيعبدونهم بسبب بعض الخوارق التي يأتي بها الجن على أيديهم..
    أو يستغيثون بهم زاعمين أنهم في كل مكان في الكون يسمعونهم..
    وحجتهم في ذلك أنّه كما أعطى الله قدرات خارقة للمسيح ابن مريم، فلا يمنع أن يعطيها لبعض أوليائه..
    وهذا زعم لا دليل عليه .. لأنّ الله لم يخبر أنه أعطى هذه الخوارق لأحد غير المسيح، فهم بذلك يفترون على الله كذباً..
    كما أنه حتى لو كان الله عز وجل أعطى هؤلاء الأولياء قدرات خارقة بالفعل، فهذا لا يسوّغ لنا عبادتهم من دون الله.. فنحن نعلم أنهم لا يملكون من أمرهم شيئاً، وأنّ هذه القدرات إنما هي بإذن الله، فينبغي التوجه لله بالعبادة وليس لهم هم.

  8. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    خامساً:
    لوازم أصل الدين


    بعد أنْ تحدثنا عن المعنى العام لأصل الدين، المتمثل في توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية..وشرحنا ذلك إجمالاً وتفصيلاً، وقلنا أنّ أصل الدين بكل هذه المعاني تجمعه كلمة واحدة وهي: "شهادة ألا إله إلا الله"، فلابد الآن من توضيح اللوازم المتعلقة بهذه الكلمة ، لأنّ هذه الكلمة لا تتم إلا بلوازمها..
    فكثر الكلام عن مصطلح "اللازم" و"الملزوم" واعتبره البعض من المصطلحات المنطقية الصعبة التي لا يفهمها الجميع، بينما نظر البعض الآخر إلى "اللازم" باعتباره شيء زائد على أصل الدين ولا يدخل في أصل الدين نفسه..
    والحق أنّ هذه المصطلحات بالفعل مصطلحات صعبة ولا يفهمها سوى المتخصصون، لكن معناها العام نتفق عليه جميعاً، وهو أنّ "اللازم" مرتبط بـ"ملزومه" ولا ينفكّ عنه،، لذلك فالكلام عن أنّ لوازم أصل الدين هي شيء زائد على أصل الدين ولا يدخل فيه هو كلام خاطيء، فانتفاء هذه اللوازم يعني انتفاء الأصل المرتبط بها ..
    وحتى نبسط المسألة فإننا نقول باختصار أنّ الملزوم = السبب . بينما اللازم = النتيجة .
    فالشمس سبب للحرارة،، والحرارة نتيجة للشمس ،، وهما متلازمان ،، بمعنى أنه إذا ظهرت الشمس فسيلزم عنها حتماً ظهور الحرارة،، وإذا لم تظهر الحرارة فهذا معناه أن الشمس لم تشرق من البداية أصلاً ..
    هذا باختصار هو معنى اللازم ،، فاللازم هو نتيجة حتمية لسبب معين، ولا ينفصلان عن بعضهما البعض، فإذا حدث السبب فسيلزم عنه حتماً ظهور نتيجة معينة، لذا نسمي هذه النتيجة بـ"اللازم"..

    وإذا طبقنا هذا الأمر على أصل الدين المتمثل في شهادة "ألا إله إلا الله"، فسنعرف أنّ هذه الشهادة لها لوازم ضرورية مرتبطة بها ولا تنفكّ عنها، وهذه اللوازم هي:

    1. تكفير المشركين.
    2. عدم موالاة المشركين.

    وهذا معناه أنّ (شهادة ألا إله إلا الله) تمثل السبب ..
    بينما (تكفير المشركين) و(عدم موالاة المشركين) يمثلان اللازم الحتمي المترتب على هذا السبب ..
    فإذا شهد الإنسان بأنه لا إله إلا الله، فسيترتب على ذلك حتماً تكفيره للمشركين وعدم موالاته لهم ..
    فإذا لم يكفّر المشركين أو والاهم، فهذا يعني أنه لم يشهد من البداية بأنه لا إله إلا الله.

    إذا تحدثنا عن اللازم الأول وهو "تكفير المشركين" :
    فسنقول أنّ التكفير ضرورة عقلية وأخلاقية:
    فلو تأمل العقلاء لوجدوا أنّ الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا دين ..... أي دين!
    وأعني بالدين هنا مجموعة القيم والمباديء الأخلاقية التي تشكّل عقيدة الإنسان تجاه هذا الوجود.
    فالإنسان كائن أخلاقي في الأساس، يميل بطبيعته الروحية لتفسير الوجود تفسير غيبي ميتافيزيقي يتجاوز العالَم الظاهر (عالَم الشهادة).
    فحتى الوثنيون الذين يعيشون عراة في الغابات في وضع أشبه بالحيوانات، نجدهم يعتقدون في قوى غيبية تتحكم في الكون ويقصدونها بالعبادة، وهذا هو دينهم الذي يدينون به.
    فكل إنسان لابد أنْ يكون معتنقاً لدين يمثل عقيدته في هذه الحياة، حتى الملحد واللاديني الكافر بالقوى الغيبية نجده يؤمن بقوى أخرى يقدسها إلى درجة العبادة، فمنهم من يقدس (الإنسان) ويصفه بأنه هو الإله الحقيقي لهذا الكون، كما قال الفيلسوف الألماني "نيتشه" وكل من سار على هذا الدرب ممن يؤمنون بدين (الإنسانية). ومنهم من يقدس (المال) كقيمة عظمى يُعاش من أجلها كمعتنقي (الرأسمالية). ومنهم من يقدس (العلم التجريبي) ويعبد رائدته أمريكا ... وهكذا.

    وقد قال أحد المؤرخين القدامى ما معناه: "إنه من الممكن أن تجد حضارة بلا مصانع أو بلا حقول أو بلا مدارس، لكن من المستحيل أن تجد حضارة بلا معابد".

    والحاصل في النهاية أنّ كل إنسان له دين،ـ وهو يعتقد أنّ دينه هو الحق، ولو كان يشك في أنه الحق لما اعتنقه، لذلك فهو يكفّر من خالف دينه.
    والإنسان عندما يعتنق ديناً فإنه يرى الآخرين الذين لم يعتنقوه إنما هم على دين آخَر مخالف.
    فيراهم كفاراً بدينه الذي يؤمن به.
    وهم يروْنه كافراً بدينهم الذي يؤمنون به. وهكذا.
    فــ"التكفير" ضرورة منطقية لاعتناق "الدين".
    وأقول ضرورة منطقية لأنّ اجتماع "الإيمان والكفر" في وقت واحد وفي إنسان واحد يستحيل عقلياًوعملياً.
    فإما أنه مؤمن وإما أنه كافر.

    وقاعدة استحالة تصور اجتماع النقيضيْن في الذهن، يفهمها كل إنسان عاقل ولا يحتاج الإنسان لمن يوضحها له، فهي قاعدة بديهية منطقية جداً حتى أنّ "أرسطو" المنظّر الأول لعلم المنطق وضعها في بدايات التنظير لعلمه لكي تكون هي "ألف باء" المنطق كله.
    فكما لا يجوز أنْ نعتقد بصحة اجتماع أي نقيضيْن في الدنيا، كأنْ نقول عن إنسان أنه (صحيح ومريض) معاً، أو أنه (قوي وضعيف) معاً، أو أنه (طويل وقصير) معاً، أو أنه (حي وميت) معاً .. كما لا يجوز ذلك من الناحية العقلية فأيضاً لا يجوز وصف إنسان بأنه (مؤمن وكافر) معاً. ومن يعتقد بجواز ذلك فهو إما:
    - مشكوك في قواه العقلية.
    - أو يتعمد مخالفة البديهيات العقلية لغرض آخر في نفسه.
    (والغرض بالطبع معروف، وهو محو "التكفير" الذي يدل على التطرف!)

    لذلك نقول ببساطة أنّ "التكفير" نتيجة منطقية وبديهية لاعتناق الدين، فمن يعتنق ديناً فسيرى المخالفين لهذا الدين كفاراً بهذا الدين..هذه قاعدة بديهية بسيطة جداً يفهمها كل البشر ويطبقونها دون عناء،، فالنصراني يرى اليهودي كافراً بالنصرانية،، واليهودي يرى النصراني كافراً باليهودية،، والعلماني يرى السلفي كافراً بالعلمانية،، والسلفي يرى العلماني كافراً بالسلفية،، وبنفس الطريقة نقول أنّ المسلم الموحد يرى المشرك كافراً بالإسلام،، بينما المشرك يرى المسلم الموحد كافراً بديانة الشرك،، وهكذا..
    هذه قواعد عقلية ضرورية نفهمها ببساطة دون الحاجة لنص منزل من السماء في كل مرة ..
    فمن يعرف شهادة "لا إله إلا الله" فسيعرف مباشرةً أنّ الجاهل بهذه الشهادة كافرٌ بها،، ففاقد الشيء لا يعطيه.
    فالجاهل بالتوحيد كافر بالتوحيد.. فالجهل هنا مرادف للكفر .. وليس الكفر هو التكذيب والجحود فقط كما هو شائع،، فالجحود هو أحد معاني الكفر وليس معناه الوحيد،، فالمعنى العام للكفر يشمل كل انتقاص من الله سبحانه وتعالى ويشمل كل تصرف فيه عدم توقير لله سبحانه وتعالى،، وطالما وصفنا الشرك بالله بأنه خيانة لله وانتقاص من قدره سبحانه فهذا يعني أنّ الشرك كفر بالله في حد ذاته حتى وإن لم يقترن به تكذيب ،، لذلك فالمشرك يوصف بالكفر مباشرةً حتى قبل إقامة الحجة،، وباختصار نقول أنّ من يجهل شهادة التوحيد فهو "كافر جاهل" ،، بينما من عرف شهادة التوحيد وجحدها فهو "كافر جاحد"،، ويمكن أن نقول أنّ الجاحد أشد إثماً من الجاهل،، لكن هذا لا يمنع من القول بأنّ الإثنان كفار.

    هذه القاعدة ليست متعلقة فقط بأصل الدين،، وإنما نطبقها في حياتنا العادية،، فنقول أنّ الطبيب الذي فهم مهنة الطب وعمل بها يقول عمن لم يفهم هذه المهنة أنه ليس بطبيب..
    فالطبيب لم يصبح طبيباً إلا بعد دراسته لعلم التشريح بالتفصيل وإلمامه بأساسيات الجسد البشري،، وليس الطبيب هو فقط من يرتدي بالطو أبيض ويمسك بالمشرط،، فهذه مجرد علامات للطبيب ولكنها لا تدل بالضرورة على فهمه لمهنة الطب،، فإذا رأينا طبيباً يصف شخصاً آخر بأنه طبيب مثله لمجرد ارتدائه للبالطو الأبيض، وهو يعلم أنه لا يفهم علم التشريح،، فهذا معناه أنّ الشخص الأول نفسه لا يفقه في الطب شيئاً ،، فلو فهم الطب حقاً لفهم أنّ مجرد ارتداء البالطو الأبيض لا يدل وحده على اتصاف صاحبه بمهنة الطب..

    وبنفس الطريقة نقول أن من يعرف شهادة التوحيد حق المعرفة فسوف يستطيع بسهولة أن يميز الموحد من المشرك،، فإذا وصف المشرك بأنه موحّد فهذا يعني أنه هو نفسه لا يفهم التوحيد ولا يستطيع تمييزه من الشرك، لذا فهو نفسه ليس موحداً.

    ولا معنى هنا للقول بأنْ نترك الحكم على الناس لأننا لن ننصّب أنفسنا آلهة على الناس ونحكم عليهم.. هذه هي الحجّة المشهورة التي يحتجّ بها الناس اليوم للهروب من التكفير..
    والحقيقة أنّ الحكم بمعنى إنزال العقوبة، يختلف عن الحكم بمعنى الوصف..وهناك فرق.
    الحكم بمعنى الوصف نطبقه في حياتنا اليومية دون حرج، بل هو ضرورة من ضرورات التعامل بين البشر، فنحن نقابل في حياتنا أناساً يتسمون بالنذالة فنصفهم بأنهم أنذال كي نتجنب التعامل معهم مرة أخرى، ونقابل أناساً آخرين يتسمون بالشهامة فنحكم عليهم بأنهم شِهامٌ ونتمسك بهم كأصدقاء..ويتقدم الرجل لخطبة فتاة ليحكم عليها إن كانت جميلة وصالحة أم قبيحة وفاسدة،، وتحكم عليه هي إن كان صالحاً أم فاسداً..ونحكم على هذا المنتج بأنه صالح للاستعمال أم منتهي الصلاحية.. ونحكم على الطالب في المدرسة بأنه ذكي أو غبي .. ونحكم على هذا الشخص بأنه سائق جيد للسيارات أم أنه ليس بـ"سوّاق" .. ونحكم على هذا الشخص بأنه مهندس أو غير مهندس طبقاً لمقدرته على فهم أساسيات الهندسة،، ونحكم على هذا بأنه نجار أو غير نجار طبقاً لمهاراته في استعمال الخشب ... وهكذا.
    فهذه الأحكام لا مفر منها للتقييم، وهي شيء ضروري في معاملاتنا اليومية، فحياتنا الإنسانية هي سلسلة من الأحكام المتتابعة سواءً على الاشخاص أم على الأشياء..وهذا هو الحكم بمعنى الوصف ..والحكم بـ"التكفير" يندرج تحت هذا المعنى ، أي أن التكفير هو مجرد وصف لشخص آخر بأنه لا يعتنق نفس الدين الذي أؤمن به.. أي أنه مجرد وصف علمي فقط،، ولا يحتوي بالضرورة على تحقير أو تجريم..أي أنه ببساطة ليس "شتيمة"!
    أما الحكم على كافر بأنه مجرم ويستحق العقاب ومحاولة إنزال العقاب به، فلا نقصد ذلك إطلاقاً، فنحن لا ندخل بين الله وعباده، ومسألة أنّ هذا كافر معذور ويستحق العفو أو غير معذور ويستحق العقاب هذه مسألة اجتهادية زائدة على مجرد التكفير وهي مسألة يحددها الله ولا نحددها نحن إلا على سبيل الاجتهاد،، فإن كان المقصود بكلمة "أننا دعاة لا قضاة" وأننا لا ينبغي أن ننصب أنفسنا قضاة على الناس هو أننا لا نعاقبهم ، فيمكن أن نقبل ذلك ولا مشكلة (مع أنّنا لو كنا في دولة إسلامية لكان فرضاً على الحاكم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتدخل في حياة الناس، ويردعهم عن الأخطاء التي يرتكبونها، ولا يصحّ وقتها تخطيئه ووصفه بأنه يتحكم في الناس، فلو كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخلاً في حياة الناس لكنا بذلك نعترض على شرع الله الذي أمرنا أن نفعل ذلك، ووصفنا بأننا خير أمة أخرجت للناس بسبب أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر)...ولكن في النهاية حتى لو عذرنا الكافر وقلنا لن ندخل في باطنه لنحكم عليه بأنه مجرم أو أننا لن نعاقبه، ففي النهاية لن يسقط وصف الكافر عنه كمجرد وصف.
    وهذا الوصف ضروري ، ولابد أن يعتقده الإنسان بقلبه حتى وإن لم يصرّح به، أي ليس لابد أن نصرّح للكفار بأنهم كفار، وليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود أنه على الأقل ينبغي أن نعتقد بداخلنا أنّ المخالفين لديننا كفار،، هذا شيء بديهي، وإن اعتقدنا أن المخالف لديننا ليس بكافر، فهذا يعني أننا لا نعرف ديننا أصلاً ولا نستطيع تمييز من يؤمن به ممن لا يؤمن به،، أي أننا لم ندخل هذا الدين ولا نعرفه أصلاً.

    ولكن برغم ذلك فإنّ التصريح اليوم للكفار بأنهم كفار،، صار شيئاً ضرورياً في دعوتهم اليوم،، بسبب أنّ كفار اليوم ليسوا ككفار الأمس..
    من حيث أنّ مشركي الأمس كانوا أكثر ذكاءً وصدقاً مع النفس، فقد كانوا يعلمون أنهم مشركون بالله، وأنّ ما يدعوهم إليه أنبياؤهم يمثل دعوة إلى دخول دين جديد، لذلك لم تكن كلمة : ((أنتم كفار)) مهمة وحاسمة بنفس الدرجة التي هي عليها اليوم.
    فمشركو الأمس كانوا يعلمون أنهم كفار بدين أنبيائهم، ولم تحتاج هذه الحقيقة إلى توضيح في كل مرة، فكلا الطرفيْن (الأنبياء وأقوامهم) كانا يعلمان بأنّ كل واحد منهما على دين يخالف دين الآخر، لذلك لم يحتاج النبي أن يكرر عبارة ((أنتم كفار)) في كل مرة يدعوهم فيها، لأنهم كانوا يفهمون ببساطة أنّه بمجرد دعوته إياهم إلى توحيد الله فإنه بذلك يدعوهم لدخول دين جديد.
    وفي الأوقات التي كانوا يُظهرون فيها المهادنة والملاينة، مثلما دعوا النبي محمد للمزج بين دينه وبين دينهم، عند ذلك كان الحسم يجيء: ((قل يا أيها الكافرون.......لكم دينكم ولي دينِ)) ليذكرهم بهذه الحقيقة عندما يغفلون عنها أو يحاولون تمييعها وتضييعها، وهي حقيقة التمايز بين المسلم والكافر.

    مشركو اليوم في الحقيقة لا يدركون هذا التمايز إطلاقاً، لذلك فإنّ عبارة: ((أنتم كفار)) هي عبارة مهمة جداً وحاسمة ومحورية في الدعوة اليوم، وينبغي تكرارها بصورة مستمرة، لا من أجل إهانتهم أو تحقيرهم، وإنما لأجل تذكيرهم بحقيقة هذا التمايز كلما أرادوا تضييع هذه الحقيقة مثلما حاولت قريش مع النبي محمد.
    وهذا هو فقه الواقع الذي نتحدث عنه، فالناس اليوم ربما شبعوا من سماع أنواع التوحيد وأنواع الشرك على يد مشايخ السلفية التقليديين، وهم في كل مرة يسمعون فيها ذلك يظنون أنّهم مسلمون، وأنهم يحتاجون فقط لإكمال إيمانهم وليس لتأسيسه من جديد، أما عندما يسمعون كلمة : ((يا أيها الكافرون)) فهذه هي الفيصل..
    فتجريم التكفير واعتبار البشر إخوة في الإنسانية هو الداء الحقيقي لشعوب العالَم المتأثرة بالعلمانية اليوم، ذلك الدين العالَمي الجديد الذي يؤمن به الجميع، والذي ينص على أنّ الأخلاق هي الأهم وليس العقيدة.
    ومقارعة هذه الفكرة ومواجهتها بالنقيض هو المطلوب.
    ويظن بعض الدعاة الآن أنّ تكفير الناس ليس غاية، وأنّ قضية الحكم على الناس ليست من الأولويات، وأنّ المهم فقط هو التركيز على دعوتهم إلى الإسلام، وهذا كلام بعيد عن الواقع الحالي، فالناس يظنون أنهم على الإسلام، وأنّ الشرك بالله مجرد معصية غير مخرجة من الملة طالما أنهم مؤمنون بالقرآن وبالأنبياء، وأنّ عليهم فقط التوبة من الشرك باعتباره من الكبائر، ولا يفهمون أنهم كفار ويحتاجون للدخول في الإسلام من البداية، ويتحمل مسئولية ذلك الدعاة الذين لا يواجهونهم بحقيقة كفرهم بالله، ظناً منهم بأنّ المهم فقط عدم وقوع الناس في الشرك وعبادة الله وحده، دون فهم أنّ هذا تغيير لدين قديم ودخول دين جديد.
    فلابد أن تكون الدعوة واقعية كدعوة الأنبياء، أي أي دعوة تتحدث عن واقع الناس وتحلله وتنقده وتشخّص الداء الموجود فيه ثم تقدّم وصفات دقيقة لعلاجه.
    وما هذا إلا لأنّ الإسلام دين واقعي، جاء ليمتزج بحياة الناس ويستوعبها بكل ما فيها من تفاصيل وأحداث، ولم يأتِ ليكون مجرد طقوس خيالية بعيدة عن الواقع.
    من أجل ذلك لم يكتفِ الأنبياء بمجرد العرض النظري لعقيدة التوحيد بطريقة: (إنّ أول ما افترض الله على الإنسان هو الكفر بالطاغوت، وأنّ عبارة "لا إله إلا الله" عبارة تحتوي على نفي وإثبات، فشق النفي هو كذا وكذا وشق الإثبات هو كذا وكذا، وأنّ أنواع التوحيد ثلاثة هي توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات،،،إلخ إلخ)
    لم يعرض الأنبياء التوحيد على أقوامهم بهذه الطريقة العلمية التجريدية الصعبة والمملة! فالناس أبسط من ذلك، وليس لديهم صبر لفهم واستيعاب هذا التجريد، وإنما يحتاجون لمن يهبط إلى مستواهم، ويتحدث بلغتهم، ويفهم مشاعرهم، ويضرب لهم الأمثلة على كلامه من واقعهم.. بهذه الطريقة فقط يستطيع أن يقترب منهم وتحقق دعوته صدى على أرض الواقع، وبغير ذلك تصبح دعوته مجرد مؤلفات في الكتب لا يفهمها سوى المتخصصون.

    ودائماً ما كان الأنبياء يشيرون إلى مظاهر الشرك المنتشرة في مجتمعاتهم إشارة صريحة، فلا يكتفون فقط بتحذير أقوامهم من الشرك، فربما لو اكتفوا بذلك لما عاداهم أحدٌ! فكثير من الناس عندما يسمع التحذير من الشرك لا يعير انتباهاً، وذلك لسبب بسيط: أنه يظن نفسه بمنأى عن هذا التحذير لأنه ينظر لنفسه باعتباره مؤمناً بالله وأنّ هذا التحذير موجّه لغيره، ولكن عندما يصارحه الداعي بأنه هو المعني بالكلام وأنه مشرك، وليس ذلك فقط، بل إنّه ينتمي لمجتمع كامل واقع في الشرك، فعند هذه اللحظة يبدأ بالانتباه والاستماع، وعندئذ تبدأ المفاصلة، وعندئذ يبدأ العداء، وفي نفس الوقت يبدأ الناس في معرفة دين الله، فيدخل فيه من وفقه الله، ويبدأ تكوين الجماعة المسلمة وتتمايز عن الشرذمة الكافرة.
    بغير ذلك يبقى الإسلام غامضاً مجهولاً مدى الحياة!
    من أجل ذلك ينبغي مواجهة الناس اليوم بحقيقة كفرهم بالله ليدركوا الداء المصابون به، ويدركوا أنهم على دين مختلف عن الدين الذي نؤمن به ..

    هذا عن التكفير كضرورة عقلية بديهية ..

    وفي الحقيقة فإنه لا مناص من "التكفير" أيضاً كضرورة أخلاقية. فكل إنسان عندما يعتنق ديناً يرى أنّ معبوده هو الحق وهو الذي يستحق العبادة، وأنّ المعبودات الأخرى التي يعبدها الآخرون إنما هي معبودات زائفة.
    ويترتب على هذا أنّ الإنسان يميل بطبيعته لتقييم الأديان الأخرى تقييماً أخلاقياً يهتم بمنح قيم (الصواب) و(الخطأ) لها.
    وكل إنسان يعتقد أنّ الخير في اتباع دينه لأنه الصواب، وأنّ الشر في اتباع دين آخر لأنه خطأ. وهكذا.
    هذه الأحكام القيمية لا مفر منها بالنسبة للكائن البشري بصفة عامة، فالكائن البشري يسعى دائماً لأن يعيش أفضل حياة ممكنة، وهذا يجعله يميل دائماً لوضع مناهج وعقائد لتحقيق تلك الغاية، وهو عندما يعتنق عقيدة ويراها هي الأصوب والأصلح لتحقيق الخير بين الناس فإنه يبغض ويعادي أحياناً مَن يحاول أن يقف في وجه هذه العقيدة ويراه شريراً ضالاً. وهذا هو المعنى الأخلاقي بصفة عامة لـــ"التكفير".
    فالتكفير يعني ببساطة أنني على صواب، وأنك على خطأ.

    وهذه الأحكام لا مفر منها، مهما يدّعي الإنسان أنه متسامح وأنه يقبل الآخرين وأفكارهم، ففي الحقيقة لا يمكن لأي إنسان أنْ يقبل الآخرين إذا لم يحترموا أباه، ولا يمكن لإنسان أن يقبل الآخرين إذا لم يحترموا عشيرته أو جنسه، ومن باب أولى فإنه لا يمكن لإنسان أن يقبل الآخرين إذا كفروا بإلهه الذي يعبده.

    وإذا قال الإنسان أنه يقبل من يكفرون بإلهه الذي يعبده وأنه لا يكفّرهم، فهذا دليل على أنه هو نفسه يستهين بإلهه ولا يحترمه. وهذا غير مقبول ويدل على أنّ هذا الإنسان في الحقيقة له مقدسات أخرى غير هذا الإله الذي يزعم أنه يعبده.

    وإلا فما معنى أنْ أقول لمن يكفرون بديني: أنا وأنتم ديننا واحد؟!
    هذا معناه أنني لا أحترم ديني أساساً ولا أعظمه، ومعناه أنني لا أدري أساساً شيئاً عن حقيقة ديني وأنني أنتمي لشيء أجهله ولا أعرفه.


    وحتى العلمانيون الذين رفضوا الأديان وهروباً من التكفير، ويزعمون أنهم يتسامحون مع الآخر ويقبلونه، نجدهم لا يتسامحون أبداً إلا مع من هو على نفس فكرهم، أما المتدين الحريص على التمسك بدينه فهو في نظرهم عدو يهدد مشروعهم الإنساني لنشر الحرية والتنوير!
    فهم هربوا من الأديان هروباً من التكفير، ثم أضمروا العداء للمتدين الذي لم يوافقهم في مشروعهم، واعتبروه كافراً بديانتهم الإنسانية، فهربوا من "تكفير" إلى "تكفير" من نوع آخر، وهذه هي المفارقة!
    ولذلك فإنّ التكفير لا مناص منه، وهو ضرورة أخلاقية كما أنه ضرورة عقلية.
    .................................................. .........


    وثن موانع التكفير:
    وبرغم هذا الوضوح الكبير لضرورة "التكفير"، إلا أنّ فريقاً كبيراً من العلماء وأحبار السوء استطاعوا أن يخدعوا السذج من عامة الناس أنّ "التكفير" علم ضخم وله قواعد عويصة لا يفهمها إلا المتخصصون، وسمّوا هذا العلم: علم شروط وموانع التكفير.
    وحرّموا على أي أحد الاقتراب من هذا العلم إلا بعد حصوله على موافقة من (أهل العلم) تتضمن جدارته بذلك.

    وهذه التصرفات إنما هي ترجمة لإحدى العقائد الفاسدة التي يؤمن بها القوم وهي عقيدة اتباع الأحبار والرهبان، فكل شيء في الدين لابد أن تفهمه بفهم العلماء، فهم الذين يحتكرون الحقيقة، وأنتَ غير مؤهل مثلهم لفهم مسائل العلم لأنك غير حائز مثلهم على الشهرة ولا يُشار إليك بالبنان ولم تتخرج من جامعات دينية مثلهم ...

    والعلماء هنا في نظرهم ليسوا بالضرورة أن يكونوا من السلف الصالح، وإلا لاتفقنا معهم لأننا نعلم أنّ الرسول زكّى صحابته والتابعين، ولكن العلماء في نظرهم ربما يكونون من أهل الكفر والشرك المعاصرين لمجرد أنهم مشاهير وأساتذة في الجامعات أو لأنهم مجاهدون ولهم سمعة دينية مرموقة.

    هذا الجو المشحون بمشاعر الرهبة والخوف من الكبراء والعلماء إنما هو ترجمة لحالة الجهل والتخلف التي يعيشها الناس اليوم، فقد اعتادوا منذ قرون طويلة أن يكونوا مستضعفين ومقهورين تحت حكم الطغاة والجبابرة، واعتادوا على أن يفعل لهم الحاكم كل شيء، فهو بمثابة الأب، وهم بمثابة أبنائه، لذلك عظموا "عبد الناصر" زعيم العروبة، وعظموا "السادات" بطل حرب أكتوبر، وعظموا "القذافي" قائد الثورة، وعظموا "الأسد" رائد نهضة سوريا، وعظموا "آل سعود" خُدّام الحرمين الشريفيْن .. وهكذا.
    هذه الشخصية الانهزامية الضعيفة التي تحب دائماً الخضوع للسلطة الأبوية (سلطة الحاكم/سلطة العالِم) والتي اعتادت على تمجيد الغير وعدم نقدهم واعتادت على الانخداع بأي سلطة زائفة كانت هي نفسها الشخصية المناسبة جداً أيضاً لتمجيد المشايخ وعدم نقدهم وللانخداع بأي علم زائف يصدر منهم.
    فالجاهل يظن أي شيء يسمعه شيئاً عظيماً حتى لو كان هذا الشيء شيئاً عادياً. فجهله هو الذي يجعله ينبهر بأي شيء .. أي شيء وفقط، حتى لو كان هذا الشيء هو (غطاء الغترة الجميل) الذي يضعه الشيخ محمد حسان على رأسه وهو يلقي دروسه! أو كان هذا الشيء هو (اللحية الضخمة) التي تزيّن وجه الشيخ الحويني وهو يتحدث لطلابه!

    إنّ هذه الأمّة تعيش في حالة مزرية من الانحطاط، وهي غارقة في الجاهلية إلى أبعد الحدود، وما اتّباعهم للأحبار والرهبان إلا دليل على بعض مظاهر هذه الجاهلية.
    فمسألة خوفهم من التكفير وعدم إقدامهم عليه إلا بإذن العلماء، يشبه كثيراً تلك العقلية الكهنوتية الموجودة عند الروافض الشيعة الذين يحرّمون على أنفسهم فهم أي شيء في الدين إلا إذا كان بفهم الإمام وبعقل الإمام .. وكأنهم لا عقول لهم!

    لذلك تحوّلت (شروط وموانع التكفير) إلى وثن يقف أمامه الجميع برهبة وخشوع، ولا يجرؤون على الاقتراب منه إلا بأخذ الإذن من سدنة المعبد الكبار الذين يسمّون بالعلماء!
    وأصيب الجميع بـــ"فوبيا" من التكفير، وأصبحوا لا يمارسون "التكفير" إلا في حالة من الحذر والهلع الشديد!

    وفي الحقيقة فإنّ هناك بالفعل شروط وموانع للتكفير، وهذا شيء لا يمكن إنكاره، ولكنها مقولةُ حقٍ يُرادُ بها باطلٌ.
    فشروط وموانع التكفير يستطيع الإنسان العادي أن يفهمها ببساطة ودون رجوع لهؤلاء الأحبار الذين يسمّون بالمتخصصين.
    كما أنّ شروط وموانع التكفير تستعمل فقط على مسلم حقيقي فَهِمَ معنى الإسلام ثم صدر منه فعل كُفري.

    فإذا فهم الإنسان أنّ الإسلام الحقيقي معناه ) هو معرفة كاملة بعظمة الله ينتج عنها اعتقاد سليم باستحالة اجتماع الشرك مع التوحيد( إذا فهم الإنسان معنى الإسلام بهذه الطريقة، وبهذه الطريقة فقط، عندئذ يمكننا أن نطبّق عليه شروط وموانع التكفير إذا رأيناه يفعل فعلاً كُفرياً، لنعرف إذا كنا سنكفّره أم لا. أما قبل ذلك فلا.
    فعندما نأتي لشخص لا يفهم معنى الإسلام أساساً، وعقيدته منحرفة عن عقيدة الإسلام، ثم نطبق عليه شروط وموانع التكفير، فهذا عبث شديد! فهذا الشخص كافر من الأساس ولا نحتاج لاختباره حتى نعرف إذا كان كَفَرَ أم لا. فكأننا بذلك نقول له: تريد أن نتأكد أيها الكافر هل أنتَ كفرتَ بفعلك هذا أم لا!

    فلا يُعقَل مثلاً أنْ نأتي ليهودي سَبَّ اللهَ في لحظة غضب، لنطبق عليه شروط وموانع التكفير لنعرف إذا كان قاصداً للسبّ أم لم يكن في وعيه، فنحن لا نحتاج لذلك لأننا نعرف أنه كافر في الأساس ومن قبل أنْ يسبّ اللهَ. فسبب كُفره هو في عقيدته اليهودية أساساً وليس في سبّه لله.

    وهكذا الحال في هذه الأمة المتأسلمة التي تدّعي أنها مسلمة، فهذه الأمّة منحرفة عن عقيدة الإسلام وعن تصور الإسلام الصحيح، فهم كفار أصليون، فلا يُعقَل أنْ نطبق عليهم شروط وموانع التكفير، لأنهم في الأصل كفار اعتقاداً، بغضّ النظر عمّا يقومون به من أفعال كُفرية، فسبب كُفرهم ليس في ارتكابهم لأفعال كُفرية، وإنما سبب كُفرهم يرجع أساساً إلى عقيدتهم المنحرفة التي ورثوها عن الآباء والأجداد، فهم كفار اعتقاداً بغضّ النظر عن مدى ارتكابهم لأفعال كُفرية من عدمه.

    وعقيدتهم التي ورثوها أباً عن جد هي أنّ )تعظيم الله يمكن أنْ يجتمع مع الشرك به( وهذا الاعتقاد هو في حد ذاته كُفر بالله حتى لو لم يرتكب صاحبه الشرك أو يفعل أفعال الكُفر. إنّ كُفرهم كامن في اعتقادهم، موجود في أذهانهم قبل أنْ يتحوّل إلى فعل في الواقع. لذلك لا نحتاج لإعمال شروط التكفير عليهم، لأنهم كفار في الأساس، وكفار أصليون وليسوا مرتدين.

    فالحالات التي نمتنع فيها عن تكفير الشخص وفقاً لقواعد معينة إنما هذا فقط إذا كان الشخص في الأساس يعتقد عقيدة الإسلام وهي باختصار(أنّ تعظيم الله يقتضي عدم الشرك به) فهذا قد حقق الأصل، ثم حدث له خلل في الأفعال الصادرة، فننظر حينئذ في أفعاله لنرى إذا كانت هناك موانع ستمنعنا من تكفيره أم لا.

    أما إذا كان الشخص يجهل هذه العقيدة أصلاً، فهو في الحقيقة كافر لأنه يعتقد أنّ تعظيم الله يمكن أن يجتمع مع الشرك به.
    ومَن وَصَفَ هذا الجاهل بأنه مسلم فكأنه هو الآخر يعتقد بأنّ الشرك بالله ليس فيه انتقاصاً من قدر الله، فهو بذلك كافر مثله أيضاً.
    فإذا فهمنا ذلك، عرفنا أنّ موانع التكفير لا تُطَبّق إلا على المسلم الذي ثبت إسلامه بيقين، لا على الكافر الأصلي.

    فإذا جئنا لتطبيق هذه الموانع في الواقع وجدناها في الحقيقة سهلة وبديهية ويفهمها أي إنسان بسيط.
    فأنا عندما أعرف المعنى الحقيقي للإسلام وأنه اعتقاد معين يدل عليه القول والعمل، وأنّ الكُفر بالمقابل هو اعتقاد معين يدل عليه القول والعمل، حينئذ أستطيع تمييز المسلم من الكافر من خلال قوله وعمله، فمن قال أو ارتكب فعلاً كُفرياً فذلك يدل على أنه يعتقد الكُفر.

    والقول والفعل قد يصدران من الإنسان دون إرادةٍ منه مثل أنْ يكون نائماً أو يكون سكراناً أو في حالة انفعالية لاشعورية تجعله لا يقصد ما يفعل مثل:
    حالة الفرح الشديد، وحالة الغضب الشديد، وأنا لم أعرف ذلك فقط من خلال قصة المسلم الذي أخطأ وقال من شدة الفرح (اللهم أنتَ عبدي وأنا ربك) ولم يكفُر بذلك. ولم أعرف ذلك فقط من قصة النبي موسى عندما ألقى الألواح في لحظة غضب شديد ولم يكفُر بذلك، بل حتى أستطيع أن أعرف ذلك وحدي ودون أن أعرف هذه القصص، فالإنسان لا يؤاخَذ بما لم يقصده، وهذا شيء بديهي، ولا يحتاج أن أدرس علم موانع التكفير حتى أعرفه.
    ويُقاس على ذلك حالات أخرى لاشعورية مثل حالة الخوف الشديد أو الحزن الشديد، وهكذا.

    وباختصار فإنّ أية حالة يفقد فيها المسلم السيطرة على عقله أو مشاعره بحيث لا يقصد ما يفعل أو ما يقول، فإنها دالّة على انتفاء قصده لهذا القول أـو الفعل، وبالتالي فإنه إذا قال أو فعَلَ الكُفر في هذه الحالة فإنّ ذلك لا يُعتَدّ به ولا يدلّ على أنه يعتقد الكُفر.

    وكما استطعنا أن نفهم مانع (انتفاء القصد) بسهولة، نستطيع أيضاً فِهْم بقية موانع التكفير بسهولة كمانع (الجهل) ومانع (التأويل) فإذا كنا سنتحدث عن إنسان وقع في الشرك الأكبر فهذا لا عذر له لا بجهل ولا بتأويل ولا بأي شيء آخر، لأنّ هذا هو أصل الدين.
    فأنا لا أحتاج للاطلاع على علم شروط التكفير لكي أفهم أنّ سابّ الدين الذي يسبّ وهو في وعيه كافر بالله وليس له أعذار، ولا أحتاج للاطلاع على شروط التكفير لكي أعرف أنّ رافض تطبيق الشريعة كافر بالله لرفضه حكم الله وليس له أعذار.. وهكذا. هذا شيء واضح ولا يصحّ فيه التردد.
    أما إذا كان الإنسان متأولاً لشيء آخر غير مرتبط بأصل الدين، فعندئذ ننظر إذا كان تأويله سائغاً أم لا، وليس بالضرورة أن نفهم معنى القرائن اللغوية والشرعية والعرفية المبسوطة في شروحات العلماء، بل إنّ الأمر يستطيع أن يفهمه كل عامّي ببساطة، فالتأويل السائغ يعني وجود مبرر مقنع لما قام به الإنسان من أشياء مخالفة جعلت الحق يلتبس عليه. ومسألة تحديد ما إذا كان مبرره مقنعاً أم لا مسألة سهلة ترجع لطبيعة الخطأ الذي وقع فيه، فإذا كان هذا الخطأ وقع في شيء من الأشياء الخفية فقد يُعذَر فيه الإنسان، أما إذا كانت مسألة ظاهرة بين المسلمين فهذه لا يُعذَر فيها الإنسان بتأويلها، ونفس الكلام بالنسبة لجهلها.. وهكذا.
    إنّ الأمر بسيط جداً، فهمه الصحابة وفهمه عمر بن الخطاب دون عناء عندما أمر باستتابة قدامة بن مظعون في استحلال الخمر لأنّ تأويل قدامة لم يكن مقبولاً. وفهمه الصحابي الآخر الذي كَفّر المستهزئين بالله ورسوله في غزوة تبوك ولم يقتنع بما قالوه من أنهم كانوا يخوضون ويلعبون، ولم يحتاج هذا الصحابي للاطلاع على علم شروط التكفير حتى يفهم الفروقات الدقيقة بين الاستهزاء الصريح وبين الاستهزاء غير الصريح أو ليفهم الفارق بين الاستهزاء المخرج من الملة وبين ما هو مفسّق فقط.
    إنه فهم هذا بفطرته البسيطة كما يستطيع أي إنسان أن يفهم أيضاً أنّ حديث العهد بالإسلام لا يستطيع أنْ يعرف كل جزئيات الشريعة دفعة واحدة، لذا يُعذَر بجهله إذا جهل بعض فرائض الإسلام.
    أما الإنسان القديم في الإسلام فلا عذر له، لأنه يعيش بين المسلمين منذ زمن طويل والمفترض أنه عَلِمَ هذه الفرائض، فعدم علمه بها يعني أنه كان مُعرِضاً عن الله.
    هذه كلها قواعد بديهية يفهمها جميع الناس، ويطبّقونها حتى في التعامل بينهم في أمور الحياة الدنيا، فيعرفون متى يعذرون الشخص الذي أمامهم في خطأه ومتى لا يعذرونه. أو بمعنى آخر يعرفون متى تكون مبررات هذا الشخص المخطيء مقبولة ومتى تكون غير مقبولة.
    وهذه القواعد الفطرية المستخدمة في التعامل بين البشر هي نفسها المستخدمة أيضاً في مسألة إعذار الناس في الدين أو عدم إعذارهم.

    فهذا كله يعرفه الإنسان ببساطة، ودون الرجوع لهذا العلم المخيف الخطير المسمَّى بشروط وموانع التكفير!

    ولكن هذا التخويف من محاولات الاقتراب والفهم، إنما هو تخويف مقصود ومتعمد مِنْ قِبَل آلة إعلامية ضخمة يساندها جيش جرّار من الأحبار والرهبان يعلمون جيداً أنّ أي محاولة من هذه الأمّة لممارسة النقد والتفكير لن يكون لها معنى سوى تهديد سلطتهم الفكرية وتهديد عروشهم التي يحميها لهم سلاطينهم من الأعلى بقوة الحديد والنار.

    ومن العجائب التي يتهرب بها الناس من التكفير اليوم هي تلك القاعدة الهزيلة التي يفرّقون بها بين وصف الفعل بأنه كُفر وبين وصف الفاعل بأنه كافر،، فيقولون نصف أفعال الشرك بأنها كفر لكن لا نصف مرتكبها بأنه كافر إلا بعد إقامة الحجة،،
    أو يقولون بطريقة أخرى هناك فرق بين إطلاق القول بالكفر وبين تعيين شخص معين بالكفر،، فيفرقون بين كفر النوع وكفر العين،، فيقولون هذه الطائفة كفار على العموم،، لكن لا نكفّر أفرادها بالتعيين إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع..
    والتفرقة بين (النوع) و(العين) هي بدعة ابتدعها ابن تيمية وهو أول من قالها على حسب علمي..وأظنه قالها بسبب تأثره بمنطق أرسطو الذي فرّق فيه بين (النوع والجنس والفصل ..إلخ) فتأثر ابن تيمية بمصطلحات أرسطو واضح في كتابات كثيرة، فكثيراً ما كان يشرح أفكاره ذاكراً (العلة الفاعلة) و(العلة الغائية) وهي مصطلحات أرسطية أصيلة.

    ولا يوجد في الدين أو حتى في العقل ما يدل على التفرقة المصطنعة بين (النوع) و (العين) من حيث الحكم..
    فالقول بأن هذا المجتمع كافر يعني أن كل فرد فيه على التعيين كافر.
    والقول بأن كل من قتل في سبيل الله شهيد يعني أننا نحكم على من مات أمامنا في سبيل الله بأنه شهيد.
    والقول بأن الله لعن شارب الخمر يعني جواز أن نلعن كل فرد رأيناه يشرب الخمر.
    والاعتقاد بأن من مات على الكفر دخل النار يجعلنا نحكم على كل كافر بعينه أنه من أهل النار.

    فلا تفرقة بين (التكفير العام واللعن العام والحكم العام) وبين (التكفير واللعن والحكم بالتعيين) ..كلاهما واحد في الحقيقة.
    ونحن نحكم بالظاهر ولا شأن لنا بالباطن..
    فمن رأيناه يشرب الخمر في الظاهر نلعنه كما لعنه رسول الله..
    هذه هي القاعدة..والاستثناء لا ينفيها..فالصحابي الذي لم يلعنه الرسول برغم شربه للخمر كان يمثل استثناءً لأن النبي يوحى إليه ويعلم بواطن الناس أحيانا كما علم من باطن هذا الرجل أنه يحب الله ورسوله لذلك قال : لا تلعنوه.
    أما نحن فنحكم بالظاهر..والأفعال في الظاهر تدل على الباطن بالنسبة لنا..
    فمن فعل الكفر ومات عليه..فنحكم عليه بظاهره أنه في النار..وبالتعيين..
    ومن قتل في سبيل الله نصفه بأنه شهيد..هذا ظاهره ولا شأن لنا بالباطن ..وهكذا..وليس من الضروري أن نقول (شهيد بإذن الله) فإن الله نفسه قد أخبرنا أن من مات في سبيل الله فهو شهيد في الجنة..فمن مات أمامنا بهذه الكيفية نحكم عليه بأنه شهيد في الجنة..ونترك سريرته إلى الله.

    وإذا تأملنا في حقيقة هذه القاعدة التي يفرّقون بها بين (الكفر) و(الكافر) أو بين (الفعل) و(الفاعل) لوجدنا أنها امتداد لتلك العقيدة التي يؤمنون بها أنّ الكفر ينحصر فقط في الجحود والتكذيب، وأنّ الإنسان طالما أعلن أنه منتسب شكلياً للإسلام ويؤمن بالنبي محمد وبالقرآن فهو عندهم المسلم مهما كان يقترف من شركيات وكفريات.. هذا هو الاعتقاد الشعبي لدى الناس اليوم، وهو أيضاً نفس الاعتقاد الذي تؤمن به الجماعات التي تسمي نفسها إسلامية كجماعة الإخوان وجماعات السلفية بمختلف طوائفها العلمية منها والجهادية..
    هؤلاء الناس تربوا على ذلك المفهوم العلماني الذي يعتبر التكفير جريمة أخلاقية وأنه يعتبر بمثابة تفتيش في قلوب الناس، لذلك يهربون من "التكفير" بتلك الحجج الهزيلة التي يفرّقون بها التكفير بالعموم والتكفير بالتعيين ويفرقون بين الفعل والفاعل وبين الكفر والكافر إلى آخر هذه التفريقات التي ما أنزل الله بها من سلطان،، والتي اخترعوها أصلاً ليغطوا على فضائحهم العقائدية التي يشتهرون بها والمتمثلة في عدم اعتبار "الشرك" مخرجاً من الملة، فهم يعتبرونه مجرد كبيرة من الكبائر، ولا يعتقدون أنه نقيض للإسلام، لذلك يؤسلمون المشرك لمجرد إيمانه بالنبي وبالقرآن، وفي نفس الوقت هم يعرفون من خلال شروحات الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ ابن تيمية أنّ الإسلام ينتفي عمن فعل الشرك بمجرد وقوعه في الشرك،، ونظراً لاعتزازهم الشديد بهذيْن الشيخيْن فيحاولون التوفيق بين كلام الشيخيْن الموافق للحق وبين عقائدهم الباطلة التي يعتزون بها أيضاً ويصعب عليهم التخلي عنها،، فيقعون في صراع نفسي بسبب الضغط الذي تسببه لهم عقيدة التوحيد وعلمهم بتناقض عقائدهم الشركية معها، فيبحثون عن أي شيء يضمن لهم البقاء على شركهم وفي ذات الوقت لا يفتضحون أمام الناس ، بل يحرصون على الظهور بمظهر طلاب العلم أصحاب العقيدة السلفية النقية الخالية من الشرك، فيخادعوننا ويقولون أنّ الوقوع في الشرك يقتضي إطلاق وصف الكفر، ولكن التكفير بالتعيين يستلزم إقامة الحجة، فيتشبثون عندئذ بالقاعدة التي وضعها ابن تيمية والتي يفرّق بها الحكم بالعموم والحكم بالتعيين، ويستعملونها لكي يثبتون الإسلام للمشرك الذي وقع في الشرك بحجة أنه لا يجوز التكفير بالتعيين..
    وبرغم الخطأ الذي وقع فيه الشيخ ابن تيمية باختراع هذه القاعدة التي ما عليها دليل أصلاً، إلا أن الفارق شاسع بينه وبين هؤلاء المشركين المعاصرين،، فابن تيمية لا يؤسلم المشرك، وإنما يقول بوضوح أنّ إسم المشرك يثبت لمن وقع في الشرك مباشرةً وحتى قبل إقامة الحجة، أي أنه ينفي عنه الإسلام، لكنه يقول بأنّ "التكفير" المرتبط بـ"التكذيب" لا يكون إلا بعد إقامة الحجة..
    أي أنّ الناس لديه ثلاثة أصناف:
    مسلم ، ومشرك ، وكافر.
    فالمسلم هو من حقق التوحيد.
    والمشرك هو من خالف التوحيد عن جهل.
    والكافر هو من خالف التوحيد عن عمد.
    وهذه التقسيمة لم تكن عند النبي ولا الصحابة ولا السلف، فالصحيح هو وجود صنفيْن هما:
    المسلم.
    والكافر.
    والذي وقع في الشرك عن جهل ، فهو كافر جاهل.
    ومن وقع في الشرك عن عمد، فهو كافر جاحد.

    وسواءً كان الوقوع في الشرك عن جهل أو عمد، ففي كلتيْ الحالتيْن فهما كفار، والاختلاف فقط في حجم الجُرم الذي ارتكبه كل منهما.

    فالكفر بمعناه العام هو عدم توقير الله..ولا ينحصر فقط في الجحود والتكذيب..

    والكفر هو نقيض الإسلام..
    فكل من لم يدخل الإسلام فهو كافر..

    والتفرقة بين مصطلح "المشرك" و"الكافر" تفرقة مبتدعة اقترفها الثلاثي الشهير (ابن تيمية-ابن القيم-ابن عبد الوهاب) بناءً على التأصيل الذي جاؤوا به من عند أنفسهم والذي يحصر معنى "الكفر" فقط في التكذيب والمعاندة.
    لذلك هم يعتقدون أن الإنسان لا يستحق أن يُطلَق عليه وصف "الكافر" إلا بعد إقامة الحجة والتكذيب. أما قبل ذلك فهو مشرك جاهل.
    وهذا كله لا دليل عليه.
    فالمشرك كافر، سواء كان جاهلاً أم معانداً.
    لذلك يقول الله تعالى: (ومن يدعُ مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه. إنه لا يفلح الكافرون)
    فوصف الله من أشرك به في الدعاء بأنه من الكافرين..أي أن المشرك كافر بمجرد ارتكابه لشركه، ولا وجود هنا للكلام عن التكذيب بعد إقامة الحجة.
    ولذلك يقول الله أيضاً واصفاً بلقيس :(وصدها ما كانت تعبد من دون الله، إنها كانت من قومٍ كافرين)
    فوصفها ووصف قومها بأنهم كافرون لمجرد عبادتهم غير الله. وهذا قبل سماعهم بدعوة سليمان عليه السلام، وبالتالي لا ارتباط هنا أيضاً بين الكفر والتكذيب. وإنما سمّوا كافرين بمجرد ارتكابهم للشرك مباشرةً وقبل أن يكونوا مكذبين.

    نستنتج من هذا أن الكفر أعم من الشرك.
    فالكفر يقابل الإسلام.
    فمن لم يدخل الإسلام (سواءً كان بسبب الجهل أو الإعراض أو التكذيب) فهو كافر.
    وربما كان مشركاً وربما لم يكن كذلك.
    فهناك من يكفر بسبب تحديه لله كإبليس، وهناك من يكفر بسبب إنكاره لله كالدهرية والملحدين، وهناك من يكفر بسبّه لله..وكل هؤلاء كفار لكن سبب كفرهم ليس وقوعهم في الشرك الذي هو عبادة غير الله وإنما كفرهم في أشياء أخرى.

    إذن فكل مشرك هو في الأساس كافر.
    ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل كافر مشركاً.

    وكل من لم يدخل الإسلام فهو كافر. حتى لو كان جاهلاً.

    وبرغم الخطأ الذي وقع فيه ابن تيمية وابن عبد الوهاب من حصر الكفر في التكذيب فقط، فإنه في النهاية لم يؤسلم المشرك كما يفعل الناس في زماننا اليوم، فهو في النهاية ينفي الإسلام عن المشرك حتى لو كان جاهلاً، وهذا هو المطلوب..
    لكن الناس اليوم يستغلون كلامه في اتجاه آخَر وهو إثبات إسم الإسلام لمن وقع في الشرك..
    فيقولون أنّ المشرك الجاهل مسلم،، لأنه معذور بجهله،، فيجمعون بين وصف الإسلام وبين وصف الشرك في وقت واحد،، وما يفعلون ذلك إلا لأنهم يعتقدون بأن الشرك لا ينفي الإسلام، أي أنه مجرد معصية لا تخرج من الملة..
    ويستخدمون آيات العذر ويضعونها في غير موضعها، فإذا كان الله عز وجل قال : ((وما كنا معذبين حتى نبهث رسولاً)) فهذا مقصود به نفي التعذيب وليس نفي التكفير..فمن وقع في الشرك عن جهل أو غير قصد فهو كافر جاهل، لكنه لن يُعذب ولن يُعاقَب إلا بعد بلاغ الرسالة..فهناك فرق بين نفي التعذيب وبين نفي التكفير .. لكن المشركون اليوم يحرّفون الكلم عن مواضعه ويزعمون أنّ الآية مقصود بها نفي التكفير،، وهذا ما لا دليل عليه عقلاً ولا شرعاً، وإنما يفعلون ذلك لهوى في أنفسهم..

    وعقيدة "العذر بالجهل" التي يستخدمها المشركون اليوم تعني باختصار أنّ "الجاهل بالإسلام مسلم ولا يجوز تكفيره".
    وهي عقيدة على قدر سخافتها إلا أنها تمثل العقيدة الشعبية لأكثر الناس في زماننا اليوم، وليست تستمد شعبيتها وقوتها فقط من مشايخ وأحبار السوء الذين يسمّون بالمرجئة، وإنما تستمد قوتها في الأساس من هذا الدين العالمي الجديد المسمى بالماسونية، وما المشايخ وأحبار السوء إلا وكلاء موضوعون في الواجهة فقط من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
    كيف ذلك؟
    إنّ المتأمل في عقيدة "العذر بالجهل" يجد أنّ مبدأها قائم أساساً على فكرة جوهرية وهي "النفور من التكفير" واعتباره دليلاً على التطرف والتسلط على الآخرين. فأكثر الناس يعتبرون التكفير تدخلاً في خصوصياتهم وشقاً عن قلوبهم وحكماً على بواطنهم.
    وهي فكرة تتقابل بشكل واضح مع مباديء الماسونية الأساسية (الحرية، الإخاء، المساواة). تلك المباديء التي تجعل كل البشر إخوة متساويين، ولا يفرّق بينهم الدين طالما أنهم إخوة في الإنسانية وطالما أنهم ملتزمون بالمباديء الأخلاقية العامة من عدل ومحبة وإرادة للخير.

    نتجتْ عن هذه العقيدة مجموعة من المذاهب المعاصرة كالإنسانية Humanism والليبرالية Liberalism والعلمانية Secularism. وهي كلها مذاهب تعبّر عن مبدأ واحد أساسي مع اختلاف أطروحاتها وهو مبدأ مساواة البشر على أساس إنسانيتهم وعلى أساس أخلاقهم واعتبار الدين مسألة شخصية بحتة ووجهة نظر تخص صاحبها فقط ولا يجوز لأحد التدخل في خصوصياته وفي نواياه وقصده، وبالتالي اعتبار "تكفيره" جريمة أخلاقية.

    نشأت هذه الأفكار أساساً في أحضان الثورة الفرنسية التي كانت في جوهرها ثورة على الكنيسة المسيحية الأوربية التي تدخلت في حياة الناس في العصور الوسطى إلى حد غير مقبول ولا يطاق، واستعملت سلاح "التكفير" وأشهرته في وجه كل من يحاول المعارضة أو الإصلاح. نتيجة لهذا اعتبر الأوربيون الدينَ هو سبب كل مأساتهم وتخلفهم فثاروا عليه، ومنذ ذلك الحين وهم يعتبرون "التكفير" جريمة تهدد إنسانيتهم. قام على أمر هذه الثورة وشجعها ورعاها مجموعة من اليهود الماسون الذين أخذوا على عاتقهم هدم الدين وتجريد البشر منه وتحويلهم إلى كائنات مادية/لاروحية ليسهل السيطرة عليهم وإضعاف مقاومتهم. فنشأ ثالوث الماسونية الشهير (الحرية، الإخاء، المساواة) كبديل عن ثالوث المسيحية القديم (الآب، الإبن، الروح القدس). ليصبح ثالوث الماسونية البديل هو المعيار الأخلاقي الجديد للحكم على البشر وتقييمهم. فمن كان ملتزماً بتطبيق روح الإخاء والتسامح في تعامله مع الناس فهو ذلك الإنسان الصالح المعتدل، ومن كان مُصرّاً على التزام الدين وتكفير المخالفين لدينه فهو ذلك الإنسان السيء المتطرف الذي يحتاج إلى مواجهة وإقصاء.

    تسربت هذه الأفكار إلى جميع البشر خارج القارة الأوربية بما فيهم المنتسبين للإسلام، أثناء حكم العثمانيين ثم العسكر العلمانيين، ولم يجد هؤلاء العلمانيون المشركون عُبّاد الدساتير والأضرحة والقبور أي حرج من قبول هذه الأفكار التي ستكون مُعيناً لهم على تبرير شركهم وكفرهم بالله طالما أنّ "االتكفير" أصبح مُجَرّماً في المذهب العالَمي الجديد. ووضعتْ هذه الأفكار موطيء قدم لها بين المنتسبين للإسلام وترعرعت بينهم عبر الاتكاء على عقيدة إسلامية قديمة وهي عقيدة الإرجاء. والإرجاء مذهب يحصر معنى الإيمان بالله في مجرد القول والتصديق فقط واعتبار الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان. فمن صدّق أنه (لا إله إلا الله) وقالها بلسانه فهو مسلم ولا يجوز تكفيره مهما اقترف من أعمال كُفرية.

    لم تجد الماسونية الإنسانية الحديثة أفضل من "الإرجاء" لتتكيء عليه لنشر عقيدتها اللادينية بين صفوف المنتسبين للإسلام. ونتج عن هذا التزاوج غير الشرعي بين "الماسونية" و"الإرجاء" مولود فاسد جديد اسمه "العذر بالجهل".
    في الحقيقة فإنّ مذهب المرجئة الأوائل لم يصل إلى هذا الانحطاط الفكري الذي احتوى عليه مذهب "العذر بالجهل". فالمرجئة الأوائل كانوا يعتبرون "العلم والمعرفة بالله" شرطاً للإيمان، وسمّوها "المعرفة" أو "التصديق"، فمن يجهل عظمة الله ووحدانيته وتفرده في صفاته فهو كافر في نظرهم لأنهم لا يعرف الله. وخالفوا أهل السنة والجماعة فقط في إدخال "العمل" في مسمى الإيمان ولم يخالفوهم في اعتبار "العلم والمعرفة بالله" شرطاً أساسياً للإيمان وداخل في مسمّاه.
    أما من يعتنق مذهب "العذر بالجهل" فاعتبر أنّ "الجهل بالله" نفسه غير مؤثر على صحة الإيمان. وهذا انحطاط صارخ يؤدي في النهاية إلى محو دين الإسلام من جذوره، وهذا بالضبط ما كانت تريده الماسونية الماكرة!
    فبعد أن كان الإرجاء التقليدي يشترط "العلم بالله" لتحقيق الإسلام، ثم يعذر الناس بأفعالهم، أصبح مذهب "العذر بالجهل" الجديد لا يعذر الناس بأفعالهم فحسب وإنما يعذرهم على جهلهم بالله أصلاً. فصار الجاهل بالله مسلماً في نظرهم!
    وإذا كان معنى الإسلام الصحيح هو (المعرفة الكاملة بعظمة الله والتي ينتج عنها اعتقاد سليم باستحالة اجتماع الشرك مع التوحيد)، فماذا بقي من هذا المعنى إذن إذا كان الجهل بالله نفسه قد صار إسلاماً ؟!
    فمذهب "العذر بالجهل" في الحقيقة يدل على أنّ معتنقيه ليسوا مسلمين أساساً ولا يعرفون معنى الإسلام.

    والمتأمل لموقف العاذرين يجدهم لا يعذرون فقط بالجهل، وإنما يعذرون أيضاً بــ"قلة الذكاء" وبـــ"قلة الإرادة" وبــــ"سوء التربية" وبأشياء أخرى عجيبة كثيرة، فهم يعذرون الكافر بأي حجة ممكنة وغير ممكنة، والمهم في النهاية ألا يوصَف بالكافر!
    والنتيجة في النهاية هي محو "التكفير" من حياة الناس، ويصبح جميع الناس صالحين ومقبولين مهما كفروا بالله، لترتاح الماسونية أخيراً من خطر المتدينين المتطرفين (التكفيريين) الذين يشكّلون أكبر مقاومة روحية لمشروعها اللاديني التبشيري في العالَم.

    و"العذر بالجهل" له مذاهب وتصورات شتى، فهذه العقيدة الشعبية التي تنتشر بين جميع الناس تختلف في معناها عند العامي عن معناها عند المشايخ والصفوة.
    ثم هي تختلف في معناها عند المشايخ أنفسهم الذين يتنوعون ما بين (صوفية) و(إخوان) و(سلفية عذرية) و(سلفية جهادية).
    فكل واحد ينظّر وينظُر لهذه العقيدة بطريقته الخاصة.
    والسلفية الجهادية بالذات هي صاحبة أغرب هذه الطرق في تطبيق "العذر بالجهل"، فهي تمثل التطور الأخير لمسار الحركات المتأسلمة المعاصرة، وهذا يجعلها تبتلع في جوفها جميع ما سبقها من أفكار الحركات المتأسلمة القديمة، في توليفة غريبة الشكل من الغرائب والتناقضات.

    وحتى نتناول طرق تطبيقهم لــ"العذر بالجهل" سنحاول أولاً أن نفهم طرق فهمهم للإسلام، فإذا فهمنا معاني الإسلام المنحرفة عند القوم استطعنا أن نفهم في أي شيء يعذرون بالجهل بالضبط.

    فهم يفهمون الإسلام على أنه:
    - الإيمان فقط بمفاهيم الحب والعدل وإرادة الخير.
    (وهؤلاء بعض العوام الذين يرون مسألة الإيمان بوجود الله مسألة اجتهادية بحتة لا يستطيع كل الناس أن يتوصلوا لها، فمن لم يتوصل لها فهو معذور بجهله، وهؤلاء العوام قلة تلتقي بشكل صريح مع مباديء الماسونية)

    - الإيمان بوجود الله الخالق الرازق.
    (وهؤلاء هم معظم العوام الذين يرون مسألة الشرك مسألة اجتهادية ولا يستطيع كل الناس معرفة أن الشرك ينقض الإسلام، فيعذرون المشركين بجهلهم ويعتبرونهم مسلمين لأنهم آمنوا بالخالق الرازق)

    - الإيمان العام بالقرآن وبرسالة سيدنا محمد.
    (وهؤلاء يشكّلون جمعاً غفيراً من العوام والصوفية وجماعة الإخوان، وهم يرون أيضاً أنّ الشرك يُعذَر صاحبه بالجهل طالما كان منتسباً للقرآن وللنبي محمد انتساباً عاماً)

    - الإيمان بربوبية الله وألوهيته وأنّ الشرك ينقض الإسلام ولكن بعد الحجة.
    (هؤلاء هم دعاة السلفية العذرية، فهم يكفّرون من وقع في الشرك بصفة عامة، لكن عند التطبيق نجدهم يضعون شروطاً عسيرة للتكفير، فيفرّقون بين الكفر العام وبين الكافر المعيّن، وبين المشركين المنتسبين للإسلام وبين غيرهم، وبين قيام الحجة وعدم قيامها ... مما يجعل هذه الشروط تؤدي إلى تعطيل التكفير برمّته في النهاية)

    - الإيمان بربوبية الله وألوهيته وأنّ الشرك ينقض الإسلام حتى لو كان قبل قيام الحجة.
    (وهؤلاء هم دعاة السلفية الجهادية، وهم صفوة القوم وأفضلهم لأنهم وافقوا التعريف الصحيح للإسلام، فهم يقررون أن مجرد الوقوع في الشرك يجعل صاحبه كافراً لأنّ كل إنسان يعلم بالفطرة بطلان الشرك، ولكن عند تطبيق هذه العقيدة في الواقع نجدهم ينكصون على أعقابهم فيعودون لنفس تقريرات سابقيهم من أنه هناك فارق بين المشرك المنتسب للملة وبين غيره، وأنه لابد من معرفة نص من القرآن يفيد بأنّ هذا الفعل كُفر حتى نستطيع تكفير صاحبه، وأنّ الإنسان بالفطرة يعرف بطلان الشرك لكنه لا يعرف أنه كُفر، بل يكفيه فقط أن يعتقد قبح الشرك ولكنه لا يستطيع معرفة أنه كُفر إلا بنص من القرآن)

    والسلفية الجهادية يقررون في أدبياتهم أنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر، لذلك يكفّرون المشركين بمجرد وقوعهم في الشرك ولا يعذرونهم بالجهل، ماذا يعني هذا؟
    هذا يُفترَض أنه فيه تكفير لمن يعذر المشركين بالجهل.
    ولكنهم لا يكفّرون العاذر، بل ينقدون موقفه فقط دون أن يكفّرونه بحجّة أنه لم تبلغه النصوص القرآنية التي تفيد بأنّ فعل المشركين كُفر، ويكفيه فقط أن يعتقد قبح الشرك.
    وهذا معناه أنّ الإنسان بصفة عامة من الواجب عليه أن يعتقد قبح الشرك بالفطرة.
    ولكن ليس من الواجب عليه أن يعتقد أنّ هذا الشرك كُفر بالله إلا بعد علمه بالنصوص.

    وهذه القاعدة فيها تناقضات شديدة:
    - فطالما أنه يكفي للإنسان أنْ يعتقد قبح الشرك فقط، فهذا معناه أنّ المشرك نفسه لو كان يفعل الشرك وهو يستقبحه كمن يذهب مثلاً لدعاء الأولياء عند الأضرحة كعادة اعتادها مع والديْه وهو يقرّ بأنها عادة قبيحة وأنه يتمنى تركها، هذا المشرك يكون مسلماً لأنه قبّح الشرك ولم يستحسنه ولأنه أيضاً لم يجد من يخبره بأنّ هذا الفعل كُفر بنص القرآن ... وطالما أنّ هذا المشرك معذور ويصير مسلماً ومحققاً لأصل الدين فهذا يبطل قاعدتهم الأولى أنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر.

    - وطالما أنّ السلفي الجهادي عَذَرَ هذا المشرك وسمّاه مسلماً، فهو نفسه أصبح في مكان العاذر بالجهل، وأصبح هو نفسه العاذر بعد أن كان ينتقد العاذر في موقفه.

    - بل إنّ السلفي الجهادي نفسه لو وقع في شرك واستقبحه ولم يستحسنه، ولم يجد من يخبره أنّ هذا الفعل كُفر من نصوص القرآن، لكان بذلك محققاً لأصل الدين ولكان معذوراً أيضاً ولا يُعدّ كافراً.

    وهكذا فإنّ السلفي الجهادي هو في الحقيقة مثله مثل العاذر بالجهل ومثله مثل المشرك نفسه ..
    فالثلاثة كفار، بل إنّ الثلاثة يعبّرون عن شخص واحد في الحقيقة لكنه متعدد الأدوار.
    هذا الشخص هو السلفي الجهادي الذي بعد أنْ تقدّم خطوات لمعرفة الإسلام فيقرر أنّ الشرك يبطل الإسلام دون قيام حجة، وهو بهذا التقرير يرضي الله وينتصر له ويعظمه، لكنه يرجع ويقول أنه يشترط قيام الحجة لتكفير العاذر وهو يقول ذلك ليرضي العاذر، ثم يؤدي به كلامه إلى إعذار المشرك نفسه في النهاية وذلك لكي يرضي المشرك ...

    وهو بذلك يمسك العصا من الوسط، ويحاول أن يرضي جميع الأطراف.


    - فهو يحاول إرضاء الله بتكفير المشركين.

    - ثم يحاول إرضاء الذين لا يكفّرون المشركين (وهم زملاؤه في العمل الجهادي الذين لا يريد أن يكفّرهم فيخسر جهودهم في القتال، كعدم تكفير ما يسمّى بالدولة الإسلامية لظواهري القاعدة الذي يعذر الروافض المشركين ولا يكفّرهم)

    - ثم يحاول إرضاء المشركين أنفسهم فلا يكفّرهم إلا بشرط هزلي وهزيل وهو أن يكونوا مستحسنين للشرك فقط. (وهو بذلك يرضي جموع هذه الأمّة المشركة التي تسمى بالمسلمة، حتى لا يخسر الحاضنة الشعبية وحتى لا يضيع مشروع الخلافة الذي تعب لأجله سنين وأنفق في سبيله الدماء والأشلاء هباءً، فالناس هم عماد دولته، وإذا كفّرهم فسيخسر مشروعه بالكامل، وهو لا يريد ذلك)

    - ثم هو في النهاية يصل إلى هذا الدرك الأسفل، ويقع في الشرك نفسه دون أنْ يكفّر نفسه، طالما أنه لم يستحسن هذا الشرك (فيُرضِي نفسه في النهاية حتى لا يصطدم بتلك الحقيقة المزعجة والتي تفيد بأنه كان كافراً في يوم من الأيام وهو الآن صار مسلماً، بل يسمّي نفسه مسلماً في كل الأحوال سواءً في ماضيه أو في حاضره، وأنه عندما عرف التوحيد فقد عرف المنهج، يصفه بأنه مجرد منهج، وكأنّ الشرك ذنب عادي قد تاب منه بعدما عرف منهج التوحيد، وكأنّ التوحيد مجرد منهج وليس ديناً جديداً قد عرفه ودخله، وكأنّ الشرك كان مجرد ذنب وليس كُفراً)


    وهو بذلك يتصور أنه أرضَى نفسه وأرضَى الجميع وأرضَى الله. فهو يحاول الجمع بين كل المتناقضات.
    لكنه في الحقيقة قد خسر نفسه وخسر الجميع وخسر الله .. خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين!



  9. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    وزيادة في التوضيح ...
    دعونا نقرّب الصورة أكثر، ونتأمل هذا الحوار الذي يدور بين مسلم موحّد وبينأحد المنتمين للسلفية الجهادية، وقد وضعتُ السلفي الجهادي هو نفسه في مكانالعاذر بالجهل لأنه في الحقيقة هو نفسه العاذر وإن ادّعى أنه ينتقدالعاذر، وهو نفسه المشرك وإن ادّعى أنه يتبرأ من المشرك.
    وهذا الحوار مُستَلهَم من حوارات حقيقية دارت بين هذا المسلم وبين السلفيين الجهاديين (مشايخ تنظيم الدولة) عندما سجنوه بتهمة الغلوّ في التكفير!

    المسلم:
    انظر إلى هذا الشخص الذي يتحاكم لغير الله، إنه كافر بالله.

    السلفي الجهادي:
    نعم، إنه كافر بالله.

    المسلم:
    ولكن هذا الشخص المشرك له صديق يعذره بالجهل ولا يكفّره.

    السلفي الجهادي:
    هل صديقه هذا يعلم النصوص القرآنية التي توضّح أنّ التحاكم لغير اللهكفر؟

    المسلم:
    لا .. لا يعلم.

    السلفي الجهادي:
    وهل صديقه هذا يستحسن الشرك الذي وقع فيه صديقه المشرك أم يستقبحه؟

    المسلم:
    بل يستقبحه ولا يقرّه، ولكنه لا يعلم أنه يرقى لدرجة الكفر.

    السلفي الجهادي:
    هذاالصديق العاذر مخطيء في عدم تكفير صديقه المشرك، لكن هذا العاذر معذور فيذلك، لأنه لم يكن يعلم من القرآن أنّ التحاكم لغير الله كُفر، ويكفيه أنهاستقبح بفطرته هذا الشرك الذي وقع فيه صاحبه حتى لو لم يعلم أنه كُفر.
    فالتكفير مصطلح شرعي لا يُعلَم إلا بالنصوص.

    المسلم:
    هلكلامك يعني أنّ المشرك نفسه لو لم يكن يعلم من القرآن أنّ التحاكم الذيقام به كُفر، ولكن هذا المشرك استقبح بفطرته هذه الفعلة ولم يبررها أويستحسنها، يكون بذلك مسلماً في نظرك؟

    السلفي الجهادي:
    نعم،يكون مسلماً، لأنه حقق أصل الدين المتمثل في استقباح الشرك وعدم استحلاله،ويكون مسلماً أيضاً لأنه لم يتعمّد تكذيب القرآن، فهو لم يصله النصالقرآني الذي يوضح له أنّ فعلته هذه كُفر لا ذنب عادي.

    المسلم:
    إذن أنتَ بذلك تعذر المشرك نفسه أيضاً مثلما عذره صديقه.
    فأصبحتَ أنتَ نفسك العاذر.

    السلفي الجهادي:
    في الحقيقة، هذا صحيح!

    المسلم:
    إذن أنتَ الآن ترى المشرك مسلماً حسب موقفك الجديد، ولا تراه كافراً مثلما كان موقفك في البداية.

    السلفي الجهادي:
    في الحقيقة، هذا صحيح أيضاً.

    المسلم:
    إذن نحن الآن لا ينبغي أن نكفّر هذا الشخص المشرك الذي تحاكم لغير الله، لأنه لم يطلع على القرآن ليعرف أنّ التحاكم كفر.

    السلفي الجهادي:
    نعم، لا نكفّره.

    المسلم:
    إذنأنتَ لم تعد تقول بأنه لا أعذار في الشرك الأكبر، وأصبحتَ تقول أنّ كلإنسان معذور في أن يرتكب الكفر إذا كان غير مطلع على القرآن.

    السلفي الجهادي:
    لا،ليس معذوراً، فكل إنسان يعلم بالفطرة بطلان الشرك، والقرآن يخبر أنّ اللهلن يعذر المشركين وأنه سوف يعذبهم عذاباً أبدياً إن ماتوا على ذلك، وأنّهذا العذاب مرتبط بقيام الحجة من ميثاق الفطرة حتى لو لم يكن هناك رسل ولاكتب .. ولكن إرسال الرسل زيادة في الحجة فقط، وليس هو الحجة الوحيدة.
    هذه عقيدتي.

    المسلم:
    هذا عظيم. فهي عقيدتي أنا أيضاً وعقيدة كل الموحدين.
    ولكنك تقررها وتنقضها في وقت واحد.

    السلفي الجهادي:
    كيف؟

    المسلم:
    فأنتَ تقول أنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر، ثم ترجع وتضع قيداًللمسألة أنه قد يوجد عذر للمشرك في حالة عدم استحسانه (استحلاله) للشركالذي يقوم به.

    السلفي الجهادي:
    ممممم،ليس هذا عذراً للوقوع في الشرك، لأنّ كل إنسان يعرف بالفطرة قبح الشرك،ولكن ليس بالضرورة أن يعرف أنّ هذا الشرك كُفر بالله أثناء ارتكابه.

    المسلم:
    هذا يعني أنك جعلتَ الشرك مثل أي ذنب عادي، لا يكفر مرتكبه إلا باستحلاله (استحسانه).

    السلفي الجهادي:
    لا أعلم! هذا شيء محيّر.

    المسلم:
    نعمشيء محير، لأنك لو قلتَ أنّ مرتكبه يعلم أنه كُفر وليس مجرد ذنب، فهذاينقض كلامك الأول أنه يكفيه فقط تقبيح الشرك بفطرته دون أن يعلم بالضرورةأنه كُفر بالله. ولو قلنا ذلك لكفّرنا المشرك الذي تحاكم لغير اللهولكفّرنا صديقه الذي عذره، ولكفّرناك أنتَ أيضاً لأنكم تنكرون أنّ الإنسانيستطيع أن يعرف بفطرته أنّ التحاكم كُفر. وربطتم المسألة فقط بمعرفة نصالقرآن.
    فهل تختار هذا الاختيار؟

    السلفي الجهادي:
    لا.

    المسلم كان يتوقع هذه الإجابة لأن السلفي الجهادي لن يكفّر نفسه أبداً،
    فقال المسلم:
    إذن نأتي للخيار الآخر، وهو أنّ الشرك ذنب عادي ويكفيه أن يستقبحه، ولايكفر إلا باستحلاله، طالما أنه لم يصله نص القرآن الذي يخبره بأنّ فعلهكُفر وليس ذنب.
    وفي هذه الحالة هذا يعني أنّ الكافر من حقه أنْ يحتجّ يوم القيامة على ربهبأنه لم يكن يعلم من القرآن أنّ فعله كُفر، وأنه ينبغي أنْ يُعاقَب معاقبةالمذنبين فقط طالما أنه لم يستحسن فعلته ولم يستحلها.

    السلفي الجهادي:
    هذا غير صحيح، فآية الميثاق وأحاديث النبي توضحان أنه سوف يُعاقَب معاقبة الكفار ويخلد في النار.
    والحجة عليه هي ميثاق الفطرة فقط حتى وإنْ لم يصله القرآن.

    المسلم:
    وهذا دليل على أنه كان يعرف جيداً أنه يرتكب الكفر، وإلا لما عاقبه الله معاقبة الكفار وعامله مثلهم.
    وهذا فيه دليل أيضاً على عدم صحة احتجاجه السابق بأنه لم يكن يعلم أنّ فعله كُفر.

    السلفي الجهادي:
    هو كان يعلم جيداً أنّ وقوعه في الشرك قبيح، لذلك سيُعَذّب عليه.

    المسلم:
    ولماذا هو قبيح في نظره؟ ما سبب قبحه؟

    السلفي الجهادي:
    لأنه فيه خيانة لله وانتقاص من قدره.

    المسلم:
    إذن أنتَ تقول أنّ كل إنسان لابد أنْ يعلم بالفطرة أنّ الشرك فيه خيانة لله وانتقاص من قدره.

    السلفي الجهادي:
    نعم، هذا صحيح.

    المسلم:
    وهذا بالضبط هو معنى الكفر.

    السلفي الجهادي:
    لا ليس بالضرورة، فقد يظن الإنسان أنّ خيانة الله ذنب لا يرقى لدرجة الكُفر.

    المسلم:
    وما هو الكُفر في نظره إذن؟

    السلفي الجهادي:
    أخبرتُكمن قبل: الكُفر في نظره أنْ ينكر كوْن الشرك ذنباً في الأساس ويكونمستحلاً ومستحسناً له، وهذا جحود للفطرة التي تقبّح هذا الشرك.
    أما إذا علم من القرآن أنّ هذا الشرك كُفر وليس مجرد ذنب، فعليه أنْ يصدّق القرآن، فإذا كذّب القرآن يكون كافراً به.

    المسلم:
    وهذا هو نفس مذهبك أيضاً.

    السلفي الجهادي:
    نعم.

    المسلم:
    إذن أنتَ أيضاً لو وقعتَ في شرك دون أنْ تستحسنه، ودون أنْ تعلم من القرآن أنه كُفر، فأنتَ بذلك لستَ كافراً.

    السلفي الجهادي (يردّ على حذر):
    مممم، نعم.

    المسلم:
    إذن أنتَ لستَ فقط العاذر الذي عَذَرَ المشرك بجهله، بل أنتَ الآن صِرتَ المشرك نفسه.
    فأنتَ العاذر وأنتَ المعذور أيضاً.

    السلفي الجهادي:
    ممممم ... أكمل كلامك!

    المسلم:
    ولوافترضنا أنك استقبحتَ ذنب الشرك وأردتَّ أنْ تتوبَ منه ولكن قبل أنْ تعلممن نصوص القرآن أنه كُفر. فستنظر لنفسك حينئذ على أنك مُسلم وتتوب من ذنبعادي.

    السلفي الجهادي:
    نعم.

    المسلم:
    أسألككيف سيكون شعورك إذا انتسب ابنك لشخص آخر وأشركه معك في الأبوّة، ثم جاءلك وقال لك: يا أبي أنا أعلم أنني خنتك بذلك وانتقصتُ من قدرك وأنا أطلبمنك أن تغفر لي هذا الذنب، فقلتَ له: يا بنيّ هذا ليس ذنباً عادياً بل هوجحود كامل لي، فقال لك: يا أبي لم أكن أعلم أنّ هذا اسمه جحود، وبعد أنْعرفتُ منك الآن أنّ هذا اسمه جحود فلن أكذّبك، وسوف أعتبره جحوداً مثلماسمّيْته لي. وأنا أطلب منك الآن أنْ تسامحني على هذا الجحود.
    ولكني أثناء خيانتي لك لم أكن أعلم أنّ هذه الخيانة ترقى لدرجة الجحود،وطالما أنني لم أكن أعلم ذلك وأنني لم أكن مكذباً لك في تسمية الخيانةبالجحود، إذن فأنا وقتها كنتُ مخلصاً لك ولم أكن جاحداً بك لأنني لم أكنمكذباً لك.
    المسلم يكمل قائلاً:
    أرجوأن تلاحظ هنا أنّ ابنك ربط المسألة كلها بمسألة تكذيبك فقط، وأخذ يكرر هذاالمعنى، وقام بتحويل الموضوع من الخطأ الأصلي وهو الخيانة إلى مسألة أخرىخارج الموضوع وهي مسألة (تكذيبك أو عدم تكذيبك فقط).

    السلفي الجهادي:
    نعم، هذا واضح.

    المسلم:
    وما رأيك إذن؟

    السلفي الجهادي:
    هذاعبث وقلة أدب. ولن أقبل أنْ يفعل ابني معي مثل هذا. وسوف أعاقبه عقوبة لايتصورها في حياته. فهو لم يخونني وينتسب لأب غيري فقط، بل يسخر مني قائلاً: أنه لم يكن يعلم أنّ الخيانة اسمها جحود، وأنه طالما لم يكذّبني فهو مخلص. وأنا لا أفهم كيف يكون خائناً ومخلصاً في وقت واحد. إنه يتلاعب بيويستهزيء بي، وهذا الاستهزاء هو جريمة إضافية في حقي فوق الخيانة.

    المسلم:
    أنا سعيد لأنني أسمع منك مثل هذا.
    ولكني حزين أنك غضبتَ لحقك، ولم تغضب لحق ربك.

    السلفي الجهادي:
    كيف ذلك؟

    المسلم:
    فأنتَ للأسف تفعل مع ربك مثلما يفعل ابنك معك بالضبط في المثال الافتراضي.
    فبنفس الطريقة أسألك كيف سيكون فعل ربك إذا انتسبتَ لإله آخر وأشركته معهفي الألوهية، ثم قلتَ لله: يا ربّ أنا أعلم أنني خنتك بذلك وانتقصتُ منقدرك وأنا أطلب منك أن تغفر لي هذا الذنب، فقال لك: يا عبدي هذا ليس ذنباًعادياً بل هو كُفر كامل بي، فقلتَ له: يا ربّ لم أكن أعلم أنّ هذا اسمهكُفر، وبعد أنْ عرفتُ منك الآن أنّ هذا اسمه كُفر فلن أكذّبك، وسوف أعتبرهكُفراً مثلما سمّيْته لي. وأنا أطلب منك الآن أنْ تسامحني على هذا الكُفر.
    ولكني أثناء خيانتي لك لم أكن أعلم أنّ هذه الخيانة ترقى لدرجة الكُفر،وطالما أنني لم أكن أعلم ذلك وأنني لم أكن مكذباً لك في تسمية الخيانةبالكُفر، إذن فأنا وقتها كنتُ مسلماً لك ولم أكن كافراً بك لأنني لم أكنمكذباً لك.
    المسلم يكمل قائلاً:
    لاحظهنا أيضاً أنّك ربطتَ المسألة كلها بمسألة تكذيبك لله فقط، وأخذتَ تكررهذا المعنى، وقمتَ بتحويل الموضوع من الخطأ الأصلي وهو الخيانة (الشرك) إلىمسألة أخرى خارج الموضوع وهي مسألة (تكذيبك لله أو عدم تكذيبك فقط).

    السلفي الجهادي:
    لا يردّ!

    المسلم:
    كيف سينظر الله إليك حينئذ، هل سيقبل توبتك من الكُفر وأنتَ لا تراه كُفراً؟

    السلفي الجهادي:
    لا يردّ!

    المسلم:
    ألا تعلم أنّ أول شروط التوبة: أنْ تعرف ذنبك وتندم عليه؟
    فكيف ستتوب إذن من الكفر وأنتَ لا تراه كُفراً؟!

    السلفي الجهادي:
    أنا أتوب منه لأني أراه ذنباً، وأنا معترف بكوْني أذنبتُ أثناء الوقوع فيه.

    المسلم:
    وماذا بعد أنْ تعلم من نصوص القرآن أنّ اسمه كُفر؟

    السلفي الجهادي:
    سأتوب إلى الله منه، ولكني لن أنظر لنفسي على أنني كنتُ كافراً أثناء جهلي بالنصوص.

    المسلم:
    ولكن نص القرآن نفسه لا يقول: (أنّ من وقع في الكفر فهو كافر بعد سماعه لذلك)
    ولكنه يقرر: (أنّ من وقع في الكفر فهو كافر) فقط، بغضّ النظر عن سماعه وعلمه بهذا النص أم لا.
    يعني أنتَ بذلك تكذّب النص أيضاً وتقوّل الله ما لم يقُلهُ!
    ألا ترى أنك بذلك فقدتَّ حتى احترامك للقرآن الذي تدّعي أنك لا تكذّب نصوصه؟!

    السلفي الجهادي:
    لا يردّ!

    المسلم:
    ألا ترى أنك أيضاً بذلك تقول بالنقيضيْن في وقت واحد؟
    كأننا أمام مفارقة الكذّاب الكريتي، وهي مفارقة منطقية وضعها فلاسفة اليونان مفادها كالآتي:
    يقول الشخص الكريتي: (أهل كريت صادقون(
    يقول أهل كريت: (هذا الشخص الكريتي كاذب(.
    ما هي النتيجة إذن؟
    النتيجة: أنّ هذا الشخص كاذب، لأنه إذا كان أهل كريت صادقون كما يصفهم هو،فهم وصفوه بأنه كاذب، وطالما أنهم صادقون في وصفهم: إذن هو كاذب.
    وتكون النتيجة أيضاً: أنّ هذا الشخص صادق، لأنه إذا اتضح أنّ أهل كريتكاذبون وليس كما يصفهم هو، فأهل كريت عندما يصفونه بأنه كاذب، فقولهم غيرصحيح، إذن فهو صادق.
    لتصبح النتيجة النهائية هي: أنّ هذا الشخص صادق وكاذب في وقت واحد!
    وهذا دوران منطقي لو فكّر فيه الإنسان كثيراً لأصيب بالجنون.

    وهذا بالضبط ما تفعله أنتَ الآن:
    فأنتَ تصدّق القرآن الذي يخبر بأنّ (من وقع في الكفر كافر(
    ثم ترجع لتقول أنّ (الكافر فقط هو من يكذّب القرآن) ..

    لتصبح النتيجة كالتالي:


    وستظل تصف نفسك بأنك كافر ثم غير كافر ثم كافر ... وهكذا إلى ما لا نهاية
    !
    أو أنّ نهايته كما رأيتَ هي الإصابة بالجنون.
    ألا ترى أنك بذلك فقدتَّ حتى احترامك لقواعد المنطق التي يتفق عليها العقلاء من البشر؟!

    السلفي الجهادي:
    لا يرد!

    المسلم:
    ثم ألا ترى أنك ربطتَ مسألة الكفر كلها بالتكذيب فقط؟
    فمن يستحسن الكفر فهو كافر فقط في نظرك لأنه مكذّب لميثاق الفطرة.
    ومن لا يكفّر الكافر فهو كافر فقط في نظرك لأنه مكذّب للقرآن.
    فكأنّ تعظيمك صار ينحصر فقط في احترام المواثيق والكتب، وليس تعظيمك للرب نفسه.
    فالرب جل جلاله أعطى لنا هذه المواثيق والكتب لا لكي نعظمها هي في ذاتها، ولكن كيْ تكون وسيلة فقط لمعرفة ربنا.
    فإنّ تعظيمنا في الأساس لربنا سبحانه وتعالى وليس للكتب نفسها، وإلا نكون بذلك قد تعلقنا بالفرع وتركنا الأصل.
    والمشكلة أنك في النهاية كذّبتَ حتى هذه الكتب والمواثيق التي تدّعي أنك لا تكذّبها.
    وخالفتَها من حيث تريد موافقتها.

    السلفي الجهادي:
    لا يرد!

    المسلم:
    ألا ترى أنّ عقيدتك هذه أدّتْ بك في النهاية إلى أنْ خسرتَ كل شيء؟!
    خسرتَ احترامك لعقلك، وخسرتَ احترامك لربّك .. وخسرتَ حتى احترامك للمواثيق والكتب التي تدّعي أنك تحترمها.

    السلفي الجهادي:
    استفدتُّ من النقاش معك، وأعدُك بأنني سأفكر في كلامك جيداً، شكراً لك.

    المسلم:
    أسأل الله أنْ ييسر لك الهداية إلى الإسلام.
  10. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    وخلاصة ما سبق:
    أنّ الناس اليوم جميعهم ، سواءً عوامهم أم جماعاتهم اللاإسلامية ، يجمعون على أنّ الإسلام يتحقق فقط بمجرد الانتساب الشكلي للنبي محمد والقرآن، مهما اقترف من شركيات، فهم لا يرون الشرك نقيضاً للإسلام..
    فهؤلاء هم دعاة السلفية العلمية(أمثال مشايخ الجامية والمدخلية وأتباع حسان ويعقوب ورسلان وسلفية اسكندرية وسلفية ابن باز وابن عثيمين والألباني وغيرهم وكل من على شاكلتهم) فهؤلاء قطعوا شوطاً في طلب العلم الشرعي وعرفوا مقداراً من التوحيد جعلهم يدركون أنّ الشرك ينقض الإسلام ولا يجتمع معه.

    لكنهم بعد ذلك ارتدوا على أدبارهم عندما وضعوا شروطاً لتكفير المشركين أدّتْ بهم في النهاية لعدم التكفير أساساً، وأخذوا يشترطون شروطاً للتفريق بين قيام الحجة وعدم قيامها، وبين الكفر العام وتكفير المعيّن، وبين المشرك المنتسب لأمّة محمد وغير المنتسب له، بحيث أدّتْ بهم هذه الشروط في النهاية لحصر الإسلام في نفس المعنى الذي تصوّره العاذر الرابع وهو حصر الإسلام فقط في مجرد الانتساب الشكلي للقرآن ولأمّة محمّد.

    فأصبح الشرك كُفراً فقط إذا كذّب الكافر بالقرآن ورفض الحجّة. وضاعت الحقيقة الأساسية في الموضوع وهي أنّ الشرك هو كُفر في ذاته وهو خيانة لله في ذاته، بغضّ النظر عن تكذيب القرآن من عدمه وبغضّ النظر عن الانتساب لأمّة محمّد من عدمه.
    وبذلك فقد أدّى بهم مذهبهم لنفس النتيجة وهي أنّ الشرك ذنب عادي، والمهم فقط هو الانتساب الشكلي العام للقرآن وللنبي محمّد.

    وإذا انتقلنا صفوة القوم وأفضلهم وهم دعاة السلفية الجهادية (من تنظيم قاعدة وتنظيم دولة إسلامية وغيره)، فحالهم هو الأغرب.
    فقد جمعوا بين كل المتناقضات السابقة داخل تركيبة معقدة وغريبة.

    فبعد أنْ قطعوا أشواطاً أطول من سابقيهم في معرفة التوحيد، وعرفوا أنّ المشرك كافر بالله حتى قبل قيام الحجة وأنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر، وكان المفترض بهم بعد أنْ عرفوا ذلك أنْ يختلفوا عن سابقيهم في كل شيء، وأنْ يقوموا بتكفير جميع المشركين جملةً واحدةً ودون مهادنات.
    ولكنهم كالعادة حاولوا الجمع بين مذاهب الجميع، لكي لا يخسروا الجميع!

    وهكذا الحال في كل فريق من العاذرين، فهم بعد أنْ يعرفوا حقيقة الإسلام ويحاولوا تطبيقها نجدهم يرتدون لمذاهب السابقين، في خطوة تبدو وكأنها الإصرار على تقديم التنازلات في سبيل عدم التخلي عن التصور التقليدي العزيز والمحبب إلى قلوبهم عن الإسلام، والذي هو اتباع القرآن والنبي محمد فقط.

    فكما رأينا من الحوار السابق بين )المسلم( و(السلفي الجهادي(، فإنّ السلفي الجهادي بدأ حواره في البداية بداية صحيحة من أنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر، وكان المفترض به أنْ يقوم بتكفير العاذرين، لكنه حتى يحفظ ماء وجه العاذر لم يكفّره واشترط قيام الحجة لتكفيره، وهكذا عاد المفهوم التقليدي للكفر وهو تكذيب القرآن ليظهر في الصورة من جديد، ويبدأ التخلي خطوة خطوة عن المفهوم الحقيقي للإسلام وهو أنّ الشرك لا يمكن أنْ يجتمع مع التوحيد، ليتحوّل السلفي الجهادي بعد ذلك إلى أنْ يكون هو العاذر نفسه، ثم يؤدي به مذهبه الهزيل عن قصة الاكتفاء بتقبيح الشرك إلى أنْ يكون هو المشرك نفسه في النهاية، ويحصر مسألة الكفر كلها في تكذيب القرآن فقط، وتضيع مرة أخرى الحقيقة الكبرى الأساسية في الموضوع وهي أنّ الإسلام أساساً إيمان بعظمة الله واعتقاد سليم في وحدانيته.

    ويتضح من ذلك أنّ هؤلاء القوم جميعاً لا يعظّمون ربهم ولا يعرفون قدره، فكل تفكيرهم انحصر حول هذا المفهوم المنحرف للإسلام والذي يرى الإسلام على أنه اتباع القرآن فقط، ولم يفهموا أنّ الإسلام في الأساس هو تعظيم الله وعدم الشرك به.

    فإيمانهم بأنّ الشرك ذنب عادي وليس كُفراً، وأنه ليس كل إنسان يعرف أنّ خيانة ربه تعتبر كُفراً به .. هذه التصورات في حد ذاتها تعبّر عن عقيدة كافرة ليس فيها التعظيم اللائق للرب جل جلاله، ومن يعتنق هذه العقائد فهو كافر اعتقاداً وفكراً وشعوراً حتى وإنْ لم يرتكب أفعال الكُفر ذاتها.

    فهذه الأمّة ما بين:
    - كافر وقع في الشرك ذاته.
    - وكافر يبرر للشرك بشتى أنواع الحجج.
    فتارةً يبرر له بأنه يكفي للإنسان أنْ يعرف قبح الشرك فقط، وتارةً يبرر للمشركين بأنهم لم يكذّبوا القرآن، وتارةً يبرر بأنّ المشرك الذي يعظم محمداً وينتسب له ليس كالمشرك اليهودي والنصراني.
    إلى آخر هذه التبريرات التي ترقّع للقوم شركهم.

    لقد أنفق النبي نوح 950 سنة من عمره في هذه الكلمة فقط: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً(.
    وتتابعت الأنبياء على مدار آلاف السنين لكي تناضل على هذه الكلمة ومن أجل هذه الكلمة فقط.
    وتعرّض النبي ابراهيم خليل الرحمن للحرق بالنار من أجل هذه الكلمة فقط.
    وظل النبي محمد مناضلاً ومقاتلاً طوال حياته على هذه الكلمة فقط.

    ولم تكن قضية الأنبياء هي الاتباع الشكلي لهم أو التصديق الشكلي لكتبهم دون توحيد الله. فهل كان أبو طالب مسلماً مثلاً لمجرد نصرته للنبي محمّد؟!
    بل كانت القضية الأساسية هي التوحيد .. هي المعرفة الكاملة بعظمة الله .. هي ذلك التصور السليم باستحالة اجتماع الشرك مع التوحيد .. هي ذلك الإحساس العميق الهائل بأنّ الشرك بالله خيانة كبرى منافية للإيمان بالله في حد ذاتها سواءً قبل إقامة الحجة أم بعدها
    هذه القضية لو ضاعتْ فلا ينفع معها التفوّه بكلمة (لا إله إلا الله) حتى لو تم ترديدها ليلاً ونهاراً طالما كان ذلك بدون فهم لمعناها.
    هذه القضية لو ضاعت فلا فائدة بعد ذلك من تصديق القرآن وتعظيمه أو اتباع النبي محمد وتعظيمه.

    فالإسلام ليس هو مجرد تصديق القرآن.
    وإلا فما الذي يجعل الإنسان يصدّق القرآن من البداية أصلاً؟
    أليس السبب في ذلك أنه يوافق فطرة الإنسان في الدعوة للتوحيد؟
    إنّ الإنسان يصدّق القرآن في الأساس من أجل ذلك، من أجل الخير الذي يأمر به القرآن، وليس لمجرد أنه كتاب مُعجِز.
    ولو كانت القضية هي قضية تصديق من أجل المعجزات فقط، لكنا اتبعنا السحرة والشياطين والمسيح الدجّال وصدّقناهم فيما يدعون إليه من شر لمجرد إتيانهم بالخوارق!
    ونفس الكلام يُقال عن القرآن، فالإعجاز الذي فيه ليس هو السبب فقط لتصديقه واتباعه، وإنما اتبعناه أساساً لأنه يأمر بالخير وينهى عن الشر، وأعظم الخير هو التوحيد، وأعظم الشر هو الشرك. ولولا ذلك ما كنا اتبعناه مهما كان مُعجزاً.
    ففطرة التوحيد موجودة في الأساس بداخلنا ومن قبل أن نسمع عن رسول اسمه محمد وعن كتاب اسمه القرآن.
    والدعوة إلى التوحيد وإلى معرفة عظمة الله المعرفة الكاملة التي تليق به، هذه هي قضيتنا في الأساس.
    وليست قضيتنا دعوة الناس إلى الجهاد وتطبيق جزئيات الشريعة وسائر هذه الفروع دون التركيز على الأصل وهو التوحيد.

    ولن نعتبر الناس مسلمين من أجل أنهم يصلّون صلاتنا ويستقبلون قبلتنا، إنهم مهما فعلوا ذلك فهذا لن يخدعنا في حقيقتهم وحقيقة كفرهم بالله.
    إنّ الإسلام ليس مجرد شعائر، ولو كانت الشعائر وحدها كافية للحكم على الناس بالإسلام، فيكفينا أنْ نعتبر كل من يرتدي رداءاً أبيضاً طبيباً حتى لو كنا نعلم أنه لا يفقه في الطب شيئاً، وذلك لمجرد أنّ ارتداء الرداء الأبيض من علامات الأطباء!
    ويكفينا أنْ نعتبر كل من يضع خوذة على رأسه مهندساً حتى لو كنا نعلم أنه لا يفقه في الهندسة شيئاً، وذلك لمجرد أنّ ارتداء الخوذة من علامات المهندسين!

    إنّ شعائر الإسلام ليست هي الإسلام ذاته، إنها لا تعني شيئاً إذا كان الأصل مفقوداً، وهو التوحيد.

    إنه التوحيد الذي يعني المعرفة الكاملة بعظمة الله ..
    والتي من علاماتها:
    - أن نعرف أنّ الشرك خيانة لله وليس ذنباً عادياً، وأنه لا يمكن أنْ يجتمع مع التوحيد.
    - أنْ نعرف معنى العبادة الحقيقية وأنها ليست فقط الركوع والسجود، فنعرف أنّ الله وحده هو من يستحق أنْ يُحَبّ، وهو وحده من يستحق أنْ يُتحاكَم إليه، ويُخاف منه، ويتعلق القلب به.

    ومن رأينا عليه علامات مخالفة لذلك، فهو كافر بالله يجهل عظمته ولا يعرف قدره، مهما ادّعى أنه متبع للقرآن وللنبي محمد ومهما أدّى الشعائر.
    وفي الحقيقة فإنّ هذه الأمّة التي نعيش فيها هي أمّة كافرة بالله، لأنها تربّت ونشأت على الجهل بعظمة الله.

    ولا زلتُ أذكر قول أحد منظري تنظيم "الدولة": وهو الهالِك "أبو عبيدة الأثبجي":
    "إننا لا نستطيع أنْ نكفّر أحداً إلا بنص من القرآن، فلن نعرف أنّ سبّ الدين كُفر إلا بنص، ولن نعرف أنّ من يعبدون البقر كفار إلا بنص، ولن نعرف أنّ من يصفون الله بأنه ثالث ثلاثة أنهم كفار إلا بنص من القرآن"
    فقلتُ له:
    "وماذا عن الذي يدوس على المصحف ويهينه؟"
    فقال:
    "هذا لا يحتاج لنص، هذا نعرف كفره مباشرةً، فقد أهان القرآن نفسه"

    وسبحان الله،، هكذا تحوّلت قضية الإيمان بالله كلها إلى مجرد تعظيم للقرآن والمصحف.
    إنّ هؤلاء القوم لا يعنيهم من الإسلام إلا هذا الكتاب المقدس لدى الآباء والأجداد والذي اسمه "القرآن" وهذا القائد المقدس لدى الآباء والأجداد والذي اسمه مُحَمّد.
    فهم يخافون من تكفير من أشرك بالله وسبّه وانتقص من قدره، ويضعون شروطاً تعجيزية لذلك.
    لكنهم لا يترددون عن تكفير من يهين القرآن أو يهين محمداً.

    إنّ القضية في أذهانهم أشبه بأنْ تكون مجرد "عصبية جاهلية" وفقط!
    إنهم ينظرون إلى الإسلام باعتباره المكوّن الثقافي الرئيسي للمجتمع، هذا المكوّن الثقافي الذي نتج داخل حضارة إسلامية لها عادات وشعائر معينة أهمها احترام القرآن، ولها رموز معينين أعظمهم هذا القائد الذي يسمى محمداً.
    فمن احترم هذه الطقوس والرموز وانتسب شكلياً إليها فهو المسلم في نظرهم، ومن لم يحترمها أو لم ينتسب شكلياً إليها فهو الكافر.
    إنّ الأمر تحوّل إلى ما يشبه ثقافة شعبية قَبَلية تهتم بتعظيم الرموز وتتعصب لها وتضع مقاييس الولاء والبراء على أساس ذلك فقط.
    إنهم ينظرون للإسلام ليس باعتباره عقيدة، وإنما باعتباره حضارة وثقافة، لذلك تجد قاعدة أسامة بن لادن والظواهري يتحالفون مع روافض إيران المشركين ويرفضون تكفيرهم لمجرد أنهم منتسبون انتساباً شكلياً للنبي محمد والقرآن، ضد ذلك العدو الأمريكي الصليبي الذي يحاربه بن لادن ليس لأنه كافر بالله ولكن لأنه مستعمر أجنبي غريب عن الحضارة الإسلامية، فسبب كفره في نظر ابن لادن هو في كونه أجنبياً غريباً عن الحضارة الإسلامية وليس في كوْنه مشركاً بالله.
    فالقضية إذن ليست قضية كُفر وإيمان بقدر ما هي قضية تعصب حضاري، وإلا لما قبلوا على أنفسهم التحالف مع كفار إيران المشركين!

    إنّ التعصب الحضاري هنا هو الذي يحرّك ويدفع ويعطي الحافز للتضحية والقتال.
    أما التوحيد .. أما الله نفسه .. فليس له علاقة بالموضوع!

    وينخدع السُذج بشعارات الجهاد وإقامة الخلافة، تلك الخلافة التي لا ننكر أنها قامت بالفعل على الأشلاء، ولكنها أشلاء التوحيد!

    تلك الخلافة التي امتنعتْ عن تكفير "العاذرين بالجهل" الذين يقولون:
    - أنّ خيانة الله ذنب عادي غير مؤثر في الإيمان.
    - أنّ خيانة الله كُفر بالله، ولكن لا نصف الخائن لله بأنه كافر بالله إلا إذا كذّبَ القرآن أو كان غير منتمي لأمّة محمّد.

    امتنعوا عن تكفيرهم لا لسبب سوى أنهم رفاق الدرب الأعزاء في العمل الجهادي.
    أو لأنهم لا يريدون الاعتراف بأنهم كانوا على باطل طوال هذه السنوات الماضية التي جاهدوا فيها وضحوا فيها بأرواحهم.
    امتنعوا عن تكفيرهم أيضاً لأنهم يمثلون الحاضنة الشعبية التي تقوم عليها دعائم الخلافة. وحتى تظل دولة الخلافة دولة لطيفة ورقيقة تدغدغ مشاعر الكافرين وتحاول كسب رضاهم بإثبات أنهم يحبون الخير لهم وأنهم ليسوا تكفيريين وخوارج.
    امتنعوا عن تكفيرهم حتى يظلوا مجتمعين على هذا المشروع الطاغوت دون شق للصف أو زرع للفتنة.
    امتنعوا عن تكفيرهم حتى يكسبوا كل شيء متفق مع هواهم، حتى لو كان ذلك في مقابل خسارتهم لأعز شيء وهو توحيدهم لربّهم.

    فيا لها من أمّةٍ تريدُ التلاعبَ بربّها .. وتخادعه .. وهو خادعُها!
    ويا لها من أمةٍ ضحّتْ بالغالي والنفيس من أجل كل شيء، ورأتْ كلَّ شيءٍ غالياً ... إلا ربّها!

    إنّ هؤلاء لم يدخلوا الإسلام من بابه الرئيسي وهو التوحيد، ولكن حاولوا ولا زالوا يحاولون الدخول إليه من النوافذ الفرعية وهي نوافذ الجهاد والشعائر وغيرها.
    وطالما ظلوا على ذلك، فسيبقوْن إلى الأبد كافرين!


    من خلال ذلك نستطيع الآن أن نفسهم المشكلة الأساسية في هذه الأمّة،،
    إنها لم تعد تتمثل فقط في مأساة "العذر بالجهل" ..
    بل هي تتمثل في جهل الجميع بحقيقة الإسلام نفسه .. فالجميع يجهله عاذرون ومعذورون!
    فإنّ هؤلاء العاذرين أنفسهم ليسوا على دين الإسلام، فهم لا يعرفون معنى الإسلام، وما "العذر بالجهل" إلا عَرَض من ضمن أعراض المرض، وليس هو المرض نفسه.
    والمرض هنا هو الجهل بالإسلام.
    فالعاذرون بالجهل هم أنفسهم الجاهلون، وهم أنفسهم الكافرون.

    .................................................. .........


    بؤســـــــــــــــــــــــــــاء:
    ولا زلتُ أتذكر هذا البائس الذي قال:
    "إنّ التكفير ليس من أصل الدين، والدليل على ذلك أنّ الرسول لم يأمر صحابته بتعلّم علم شروط وموانع التكفير عندما أسلموا، ولم يأمرهم أنْ يعتقدوا أنهم كانوا كفاراً قبل إسلامهم"

    ولا أدري: هل يعقل هذا البائس ما يقول؟!
    ألم يعلم أنّ أي إنسان عندما يعتنق ديناً جديداً فهو يعلم بصورة بديهية أنه كان كافراً به قبل اعتناقه؟
    وأنّ هذا يُعلَم بشكل بديهي، فقريش كلها كانت تعلم أنّ محمداً قام بتكفيرهم وتكفير آبائهم، وهذا ما كان يثير أعصابهم.

    ولم يعلم هذا البائس أنّ التكفير ضرورة دينية لا تحتاج لعلم شروط وموانع التكفير، ولكنه معذور لأنه ما زال يعتقد أنّ الأصل في الناس اليوم الإسلام، لذلك ينطلق من الموانع قبل تحقيق الأصل. لذلك صارتْ معادلته مقلوبة، فرأسه صارت في الأسفل وقدمه في الأعلَى!

    حيث صار تعلّم (موانع التكفير) يأتي قبل تعلم معنى الإسلام نفسه..
    بل إنّ تعلّم (موانع التكفير) أهمّ من تحقيق الإسلام نفسه!

    إنّ التحرز من التكفير جعل قلوبهم تتعلق بعلم (شروط وموانع التكفير) إلى حد الهوس!

    ولو تأمّل هؤلاء في سيرة الصحابة لوجدوا:
    أنّ عمر بن الخطاب غضب لله وكفّر حاطباً عندما اعتقد أنه خان اللهَ ورسولَه..
    وأنه غضب لله عندما أراد المنافق ردّ حكم رسول الله ولم يكفّره فقط بل قتله بسيفٍ بارد!
    وأنّ أبا بكر غضب لله وكفّر من امتنع عن تأدية الزكاة.
    وأنّ ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول كفّر أباه وأراد قتله غضباً لرسول الله.
    وأنّ أسيْد بن حُضَيْر كفّر سعد بن عبادة عندما اعتقد أنه يدافع عن رأس النفاق.

    وإذا كان هؤلاء الصحابة لم يتحرزوا من تكفير بعضهم بعضاً في بعض المواقف، مع علمهم بخطورة تكفير المسلم بغير حق، فما بالنا نحن نتوقف عن تكفير الكفار الأصليين؟!

    ولم ينتظر هؤلاء الصحابة حتى يتعلموا علم شروط التكفير حتى يُقدِموا على ما فعلوه. فالمسألة ليست مسألة علم وإنما هي ببساطة مسألة نخوة وغضب لله يفتقدها كثير من البؤساء اليوم!

    إنّ هؤلاء البؤساء تربّوا على تقديس آبائهم وأجدادهم وعاداتهم وتقاليدهم وأوطانهم وعشائرهم، لكنهم لم يتربّوا على تعظيم ربّهم ..
    أنه إذا مَسَّ أحدٌ هؤلاء الآباء والأجداد بسوء فله الويل والثبور!
    أما إذا سَبَّ أحدهم الدين، أو انتقص من قدر الله وأشرك به، فهذا معذور بجهله، ولا ينبغي تكفيره، لأنّ التكفير من صفات الخوارج.
    فيقولون: ما شأننا بمن يكفر بالله؟ فإذا رأينا من يسبّ الدين أو يشرك بالله ويخونه، فسنعتبر أننا لم نرَ شيئاً وسنمضي في طريقنا وكأنّ شيئاً لم يحدث...
    هكذا يقولون!
    يقولون : ما الذي سنستفيده من تكفير الكفار؟!
    ما الذي يعيبنا إذا رأينا من ينتقص من الله ولم نكفّره؟!
    في الوقت الذي إذا سبّهم أحد أو انتقص من كرامتهم، فإنهم يثورون ويغضبون ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها،، وفي الوقت الذي إذا سبّ أحدهم أمه لافترسه وطحنه لأنه لا يطيق أن يسبّ أحدٌ أمه..
    بينما إذا سبّ أحدهم الله رب العالَمين فهذه حرية شخصية، وكل واحد حرٌ، ولا يهم أنْ أكفّره أو لا أكفّره، فهذا ليس شأننا! فالتكفير لا يفعله إلا الخوارج.


    وواللهِ إنّ الخوارج أكثر رجولةً وشرفاً من هؤلاء البؤساء الذين ليس لديهم غَيْرة،،
    فعلى الأقل الخوارج كانوا يغضبون لله وينتصرون لحقه، على ما كان فيهم من جاهلية واندفاع.
    ولَأَنْ يكون المرء خارجياً يغضب لله ورسوله أفضَل من أنْ يكون "أمريكياً" "إرجائياً" ليس عنده نخوة ولا كرامة!
    .................................................. .........


    منبع الخلل:
    وأخيراً،، فإذا كان التكفير ضرورة عقلية وأخلاقيةـ وإذا كان بسيطاً بهذا الشكل، فلماذا إذن يمتنعون عن تكفير الكفار؟

    الجواب ببساطة لأنهم هم أنفسهم كفار ليسوا على دين الإسلام، فلو كانوا يعرفون المعنى الحقيقي للإسلام لعرفوا أنّ مخالفيه كفار، ولكن نظراً لأنهم لا يعرفون الإسلام أصلاً فهم يظنون أنّ الكفار مسلمون!

    إنهم ليسوا معتنقين للإسلام، بل معتنقون لهذا الدين العالمي الجديد المسمّى بالماسونية بأحد مشتقاته الرئيسية وهي مذهب الإنسانية Humanism والذي يقرر أنّ البشر إخوة في الإنسانية، وأنّ الدين حرية شخصية، وأنّ "التكفير" جريمة أخلاقية.

    إنهم يظنون أنه كلما كان حجم "التكفير" أقل، كلما كان الإنسان أكثر تفتحاً ورقياً. أو بمعنى أصحّ أكثر "تــــــأمـــــــــــــرُكاً". إنهم يرضون سيدتهم أمريكا الماسونية بوعي أو بلا وعي!
    فهي التي تقف وراء هذه المأساة، وهي راعية هذا الدين العالمي الإنساني الجديد.

    إنّ الخلل نابع من هذا التصور الذي يقرر أنّ الأصل في الناس اليوم الإسلام وأننا نعيش وسط مسلمين، فنجدهم دائماً يرددون الحديث: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما). وهذا الحديث ينطبق فقط على المسلمين، فلا يجوز تكفير المسلم الذي عرفنا إسلامه وثبت إسلامه بيقين.
    ولكن هل هذا ينطبق على الناس اليوم؟
    هل الناس اليوم مسلمون أصلاً؟

    في الحقيقة إنّ الناس اليوم كفار، وتربّوا على عقائد أخرى غير الإسلام منذ قرون طويلة، فهم كفار أصليون مثلهم مثل اليهود والنصارى ومثل أية ملة أخرى منحرفة عن الإسلام.
    فلا يُعقَل أن نقوم بإنزال هذا الحديث عليهم ونقول أنه لا ينبغي تكفير المسلم. فهؤلاء ليسوا مسلمين أصلاً.

    كلهم كفار، سواءً من وقع في الشرك صراحةً أو من يتحرز من تكفيره.
    الجميع يعيش نفس المأساة، وهي مأساة الجهل بمعنى الإسلام.

    إننا نحتاج اليوم إلى تلك الصيحة المزلزلة من جديد:
    ﴿قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابدٌ ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دينِ﴾

    نحتاجها لكي نعلن لهذا العالَم الجاهلي كله:
    أنتم كفار.
    وإننا نتقرّب بتكفيركم إلى الله.

    هذا كله بالنسبة إلى "تكفير المشركين" وهو اللازم الأول من لوازم التوحيد كما أسلفنا،،
    وهو مرتبط بشهادة "لا إله إلا الله" بحيث يمكن أن نقول أنّ من لم يكفّر المشركين فهو جاهل بشهادة "لا إله إلا الله" ،، وهذا هو السبب في إنشاء تلك القاعدة المشهورة التي صرّح بها الشيخ "محمد بن عبد الوهّاب" : ((من لم يكفّر المشركين أو تردد فيهم فهو كافر مثلهم))،، وهذه القاعدة هي من الوضوح والبداهة بحيث لم يذكرها الله في القرآن، فكل عاقل يفهمها بسهولة ولا تحتاج لنص منزل.

    ونعني بعدم تكفير المشركين وعدم التردد فيهم ، نعني بهم المشركين الذين علمنا شركهم بيقين،، أي من رأيناه يشرك بالله ، أو من علمنا يقيناً جهله بشهادة "لا إله إلا الله"،،
    وطالما وصفنا هذه المجتمعات التي نعيش فيها بأنها مجتمعات ينتشر فيها الشرك بالله والجهل بالله، فالطبيعي أننا سنعامل أفرادها على أن الأصل في كل واحد منهم الكفر حتى يثبت خلاف ذلك،،
    فنحن نحكم على كل الفرنسيين أنهم نصارى ونعاملهم على هذا الأساس بناءً على معرفتنا بهم أنهم مجتمع نصراني ،، فعندما نقابل أي شخص فيهم نعامله أنه نصراني حتى لو لم نرَه يذهب إلى الكنيسة ويقوم بالتثليث،، فهو واحد من جملة قومه النصارى، فيأخذ حكمهم، لأن الجزء يأخذ حكم الكل،،
    هذه قواعد بديهية نفهمها كلنا ونطبقها،،
    لذلك لا معنى للقول بأنّ هذه المجتمعات التي نعيش فيها هم كفار على العموم، لكن لا نحكم على كل فرد فيهم بالتعيين أنه كافر إلا إذا علمنا بيقين أنه جاهل بالتوحيد أو يرتكب الشرك،، أي لا معنى للتوقف في أفراد هذا المجتمع،،
    ومنهج التوقف هو إحدى اللوثات العقلية المنتشرة بسبب التأثر ببدعة ابن تيمية في التفريق بين (التكفير بالإطلاق) و(التكفير بالعين)، وهذه القاعدة اخترعها من عنده بلا دليل وسار عليها المتأخرون من بعده.
    وأقول "لوثة عقلية" لأنها قاعدة مخالفة لأبسط البديهيات المنطقية من أن الجزء يأخذ حكم الكل..فإذا حكمنا على المجتمع بالكفر حكمنا على أفراده بالكفر..فالمجتمع هو مجموعة أفراده..
    لكن المسألة نفسها ليست من أصل الدين، بل هي عبارة عن بديهة عقلية مرتبطة بأصل الدين.
    وبرغم أنّ هذا المتوقف مبتدع إلا أنه في النهاية يتبرأ بالفعل ممن هو على غير دينه، بدليل أنه إذا تيقن من فلان أنه مشرك فسيتبرأ منه .. ولكن الإشكال كله عند المتوقف في تحصيل هذا اليقين ..
    فهو يعلم بوجود ثلة قليلة مسلمة وسط المجتمعات الكافرة، وبلغة الرياضيات والاحتمالات فإنّ احتمال وجود هذه الثلة لا يساوي "صفر" بل يساوي نسبة ، وهذه النسبة وإن كانت قليلة ونادرة إلا أنها موجودة بالفعل، لذا فهو يتوقف حتى يتيقن، ويعتبر أننا في مجتمع مختلط.. لكنه لا يفقه أنّ ((النادر لا حكم له)) أي لا يفقه أنّ هذه النسبة القليلة للمسلمين تعتبر غير مؤثرة في الحكم بسبب ندرتها...وهذا هو المتعارف عليه لدينا نحن البشر أننا نعتبر الشيء النادر وكأنه غير موجود.

    هذا المتوقف لم يستعمل القواعد المتعارف عليها بين البشر، ولكنه لجأ لاستعمال الأسلوب الرياضي المتبع عند أهل الحساب والإحصاء..
    وموقفه من الناحية العلمية والمنطقية صحيح ... لكنه موقف متكلف وبعيد عن الواقع ،، فهو موقف ذهني تجريدي بحت.
    لذلك نصف تصرفه هذا بأنه بدعة ،، لكن لا نصفه بأنه كفر ..
    فهو لم يؤسلم الكافرين حتى نقول أنه كَفَر مثلهم..
    ولم يتوقف في شخص يرتكب الكفر يقيناً أمام عينيه..
    بل توقف في شخص محتمل..

    وهذا كله وإن كان يخالف سنة الأنبياء والمؤمنين فضلاً عن مخالفته لأبسط القواعد البديهية المتعارف عليها في التعامل بين البشر، إلا أنه لا يُخـــِـــــلّ بــــ "لا إله إلا الله" التي هي أصل الدين ..
    فمخالفة السنة ابتداع وليس كفراً.

    أتمنى أيضاً أن نلاحظ أنّ هذا المتوقف نفي الإسلام عن قومه ، فهو لم يثبت لهم الإسلام، وهذا هو المطلوب..وهذا هو المعنى الدقيق للتكفير..
    فإننا لو قلنا لشخص أننا متوقفون في إسلامك، فسوف يعتبر أننا كفّرناه مباشرةً،، وسيقول:
    هل تشكّون في إسلامي؟ هل ترونني كافراً؟
    فالتوقف هنا يساوي البراءة والتكفير من حيث الثمرة العملية، ولا يختلف عنه.
    فالإسلام صفة ثبوتية، والكفر صفة عدمية.. وطالما أنّ هذا المتوقف لم يثبت الإسلام لقومه فهو في الواقع يعدمه منهم ويجردهم منه،، وهذا لا يختلف في شيء عن التكفير إلا في الشكل فقط،، أما في الواقع العملي فهما متساويان.

    ونقاش هذه المسألة يحتاج لشرح مصطلحات وتصورات عما هو (قطعي الدلالة) و(ظني الدلالة) و(ثبوتي) و(عدمي) و(نادر) بالإضافة لارتباط هذه المسألة بتصورات منطقية عن بعض قواعد الرياضيات والإحصاء،،،ولا يمكن إقامة الحجة على المخالف إلا بمناقشة هذه التصورات الفلسفية،، وليس بمقدور كل أحد فهمها ،، ولا يمكن تصور أنّ "لا إله إلا الله" التي هي أصل الدين الذي أراده الله منا يحتاج لكل هذه التعقيدات، وأنّ من لم يفهم هذه التعقيدات فهو كافر!!!
    لا أتصور هذا بصراحة..

    وخلاصة هذا الأمر وأقصاه أنّ المتوقفين مبتدعة لكنهم ليسوا كفاراً .. ولا ينبغي تكفير المسلم الذي ثبت له الإسلام بيقين إلا بيقين ،، والإسلام الذي يثبت بيقين هو فهم معنى (لا إله إلا الله) وليس فهم طرق الحكم على الأشياء والمتعلق بالفلسفة أكثر من تعلقه بالدين.
    هذا ما اطمأنّ إليه قلبي أخيراً في هذه المسألة بعد تفكير قارب السنتيْن،، ونسأل الله الهداية وأن نموت على ملة ابراهيم.
    وأكثر ما يُحزِن في هذا الأمر هو التفرق الذي حدث لنا بسببه..
    وكم من المسائل أقحمناها في أصل الدين وأقمنا الدنيا وأقعدناها بسببها ، وهي في النهاية مجرد مسائل فقهية بحتة تدرس في كتب الفقه وأصوله، لكن ليس لها علاقة بالاعتقاد..
    وأغلبنا للأسف يؤمن بالله بناءً على حفظه لنصوص أو لشروحات ، وليس بناءً على نظر وفهم صحيح..ونسأل الله الهداية..

    ومثلها مسألة "التكفير بالتسلسل":
    فلا ينبغي أيضاً إقحامها في أصل الدين ، واختبار عقيدة الناس بها، لأنه ليس كل الناس يفهم هذه المسألة ويستطيع تصورها أصلاً ،،
    فالتسلسل باختصار هو إعمال قاعدة "من لم يكفّر الكافر فهو كافر"،، ثم عند إعمال هذه القاعدة بالتسلسل فنصل إلى الكافر رقم 3 وهو الكافر الذي لم يكفّر الكافر رقم 2 الذي لم يكفّر بدوره الكافر رقم 1، ثم نأتي إلى الشخص الذي لم يكفّر الكافر رقم 3 وهو الكافر رقم 4، وهكذا إلى ما لا نهاية،،
    والمسألة عندما تُطرَح بهذا الشكل فإنها لا تصبح في متناول عقل كل إنسان، وتصبح من المسائل الخيالية التي لا يستطيع تصورها إلا الفلاسفة وأصحاب العقل التحليلي، لذلك عندما يتوقف فيها إنسان ويقول "لا أفهمها، ولا أحكم على أحد في هذه السلسلة بالكفر ابتداءً من الكافر رقم 3 فما فوقه، لأنني لا أعلم إذا كان الكافر رقم 3 وما فوقه يعلمون الكفر الذي وقع فيه الكفار الذين قبلهم" .... عندما يصرّح أحد بهذا القول، فلا يصح تكفيره، لأنه لا يصح تكفير إنسان بشيء لا يفهمه أصلاً، وهذه المسألة هي من الافتراضات الفلسفية الخيالية ولا وجود لها في الواقع،، لأنّ قاعدة "من لم يكفّر الكافر فهو كافر" إنما نقوم بتنفيذها فقط في المجتمعات المسلمة التي عرفت الإسلام بيقين، فالمسلم في هذه المجتمعات لا يصح أن يتوقف في تكفير الكفار، لأنه إذا فعل ذلك فقد رضي بكفرهم وصار كافراً مثلهم،،، أما في هذه المجتمعات التي نعيش فيها والذين هم كفار أصليون، أي كفار منذ الولادة، فهذه القاعدة ليس لها فائدة ولا معنى لها،، فكما يقول الشيخ "محمد سلامي" عن الأمريكان وسبب كفرهم ، فسبب كفرهم ليس في عدم تكفيرهم لأوباما مثلاً ، وكأننا بذلك نقول أن الأمريكان في الأصل مسلمون ثم عندما توقفوا في تكفير أوباما صاروا كفاراً مثله، وهذا عبث ولغو لا معنى له ،، لأننا نعلم أن الأمريكان في الأساس كفار أصليون ، وسبب كفرهم هو في عقيدتهم النصرانية أو الإلحادية ، لذلك فهم إن كفّروا أوباما أو لم يكفّروه فلن يؤثر هذا على حكمهم، فهم كفار من قبل ذلك أصلاً..
    لذلك فإن قاعدة "من لم يكفّر الكافر فهو كافر" إنما هي في حق المسلمين الذين يمتنعون عن تكفير الكفار، وهذا شيء نادر الحدوث، وهذه السلسلة في التكفير لا تحدث في الواقع أصلاً..
    وإنما في المجتمعات الكافرة نجد أنّ الجميع كفار دفعة واحدة، بسبب عقيدتهم ،، وليس بسبب عدم تكفيرهم لبعضهم البعض،،

    عندما يتم شرح قاعدة التسلسل بهذه الطريقة، وعندما يفهمها المحاور بهذه الطريقة، يمكننا بعد ذلك إقامة الحجة عليه بها،، أما قبل ذلك فلا .. لسبب بسيط وهو أنه لا يفهمها أساساً.

    ومثلها مسألة "تكفير أطفال المشركين":
    هذه المسألة التي أقام البعض بسببها ضجة ، ووالى وعادى عليها، وكفّر الموحدين بسببها..
    مع أنّ الأطفال حكمهم معروف ، وهو أنهم كالمجانين، لا عقول لهم، ومن لا عقل له فلا حكم له ،، وليس بالضرورة أن يكون الطفل مجنوناً تماماً، وإنما قد يكون ضعيف العقل، وفي كلتا الحالتين فإنّ عدم اكتمال العقل يعني أن صاحبه غير مؤهل للاعتقاد،، فهو لا يفهم العقيدة كما نفهمها نحن ، وإنما يقلد فقط..
    لذلك قد نقول عن أطفال المسلمين أنهم مسلمون مثل آبائهم، وأن أطفال المشركين مشركون مثل آبائهم، وأنّ المجنون يأخذ حكم مجتمعه، أو يأخذ الحكم الذي كان عليه قبل جنونه، فإذا كان قبل جنونه مسلماً فإنه يأخذ حكم الإسلام استصحاباً للحكم السابق، وبالمثل لو كان كافراً قبل جنونه يقال نفس الكلام .. وبالمثل أيضاً عن النائم فإنه أثناء نومه ينعدم عقله ويصبح كالميت ولكنا نحكم عليه بناءً على ما كان يعتقده قبل نومه، فإذا كان مسلماً فهو مسلم، وإذا كان كافراً فهو كافر، وهكذا ..
    وهذا كله على سبيل المجاز لا الحقيقة..
    لأنّ كل هؤلاء (النائم والمجنون والطفل) يشتركون في نفس العلة وهي علة عدم التمييز العقلي، لذلك فلا يصح وصفهم بأنهم مسلمون ولا كفار، بل هم على الحياد.. وعندما نصفهم بالإسلام أو الكفر فإننا نفعل ذلك مجازاً وليس حقيقةً ، سواءً بسبب استصحاب حكمهم السابق، أو بسبب تبعيتهم لآبائهم أو لمجتمعهم،، وهذه كلها أحكام فقهية لا علاقة لها بالتوحيد، ومخالفها قد يكون مخطئاً لكنه ليس كافراً.
    أما عن الآية التي يحتجّون بها : ((هو الذي خلقكم فمنكم كافرٌ ومنكم مؤمن)) وأنّ الإنسان إما مؤمن وإما كافر، لذلك يقولون أن المجانين والأطفال لابد أن يكونوا إما كافرين أو مؤمنين ولا يوجد خيار ثالث...فهذا كله بالنسبة للمكلفين العاقلين الذين يصلحون لخطاب التكليف،، فالآية الكريمة تتحدث عن المكلفين العاقلين فقط، وهم المؤهلون لخطاب التكليف بسبب أنهم عاقلون،، أما من لديه انعدام أو ضعف في العقل فهذا خارج الخطاب أصلاً.
    أما ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) فهذا يقصد به الميثاق الذي أخذه الله علينا ونحن في ظهر أبينا آدم قبل مجيئنا إلى الدنيا، فقد كنا على فطرة التوحيد، وعندما نولد نولد بها، ولكن نظراً لأننا نتحوّل إلى خلق آخَر ونحن في بطون أمهاتنا، أي نتحول إلى أجنّة لا تفقه شيئاً ولا تعقل شيئاً، فإنّ فطرة الإسلام هذه لا تظهر إلا بعد بلوغنا سن الحُلُم واكتمال عقولنا،، فليس معنى أننا نولد بالفطرة أننا نعرف شهادة التوحيد بكل تفاصيلها،، فالطفل الصغير لا يعرف شيئاً في الحياة سوى الرضاعة واللعب واللهو وعندما يكبر قليلاً يعرف بعض الأمور البسيطة،، لكنه يستحيل أن يفهم معنى شهادة "لا إله إلا الله" بهذا العقل البسيط الذي يمتلكه،، لذلك فهو غير مؤهل للاعتقاد، ولا يمكن وصفه لا بالإسلام ولا بالكفر لانعدام أو ضعف العقل لديه..
    إذن ما معنى أنه يمتلك فطرة الإسلام بداخله؟
    الرد على هذا السؤال قام به أخ يُدعَى "أبو مارية النجدي" حيث شبّه الفطرة بأنها مثل "الهارد ديسك" في الكمبيوتر يخزن عليه معلومات، لكنه لا يعمل إلا بوجود العقل المشغل للكمبيوتر المتمثل في "البروسيسور" ..
    فالفطرة هنا مثل "الهارد" : شيء يخزن عليه المعلومات..
    والعقل هنا مثل "البروسيسور" : هو المسئول عن إظهار هذه المعلومات وتشغيلها ..
    لذلك نقول أنّ فطرة الإسلام مخزنة داخل الطفل، لكن هذه الفطرة لا تعمل ولا تظهر إلا باكتمال العقل المسئول عن تشغيلها.
    وهذا مُشاهَد أيضاً في فطرة الحياء مثلاً:
    فالطفل لديه فطرة الحياء،، لكنا برغم ذلك نشاهده يمشي عرياناً أمام أعيننا دون خجل.. والسبب هو أنه غير عاقل .. ولن يشعر بفطرة الحياء هذه إلا عندما يكبر ويعقل.
    إذن العقل يكمّل الفطرة ..
    ونستنتج من ذلك أنّ الإيمان بالله يتم على ثلاث مراحل:

    1. الفطرة (تمثل المعنى الأخلاقي للتوحيد)
    2. العقل (يمثل المعنى العقلي للتوحيد)
    3. الوحي (يمثل المعنى الخبري للتوحيد)

    ويمكن للإنسان أن يحقق الإسلام بالفطرة والعقل دون الوحي.. لكنه لا يمكنه تحقيق الإسلام بالفطرة وحدها دون العقل.
  11. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    أما إذا جئنا إلى اللازم الثاني من لوازم التوحيد، وهو "عدم موالاة الكافرين" :
    فكل إنسان يشعر بالفطرة ببغض الذين يخالفونه في الدين،، فالمسلم الذي يحب الله لا يُتصور منه أن يحب الذين يكفرون بالله،، بل سيبغضهم لأنهم لا يوقرون الله..
    بل هذا موجود في معاملاتنا البشرية، فنجد الإنسان يبغض الذين لا يوقرون أباه وأمه وعشيرته ، ويحب الذين يحبونهم ، وهكذا ..
    وهذه هي قاعدة "الولاء والبراء" بمعناها الفطري البسيط، دون خوض في شروحات كثيرة..
    وإنما جاءت النصوص القرآنية لتؤكد على هذه القاعدة المحفورة أصلاً في فطرتنا من البداية..
    لذلك فإنّ من يشهد أنه لا إله إلا الله، ويشعر ببشاشة الإيمان وحلاوته، ويشعر تلقائياً بعظمة الله سبحانه وتعالى، وأنّ أغلب البشر لم يقدروه حق قدره – من يشعر بهذه المعاني كلها فسوف يشعر تلقائياً بعدم محبة الكفار الذين لا يوقرون إلهه كما يوقره هو.. لا نقول أنه سيحاربهم ويحتقرهم مباشرةً، بل قد يشفق عليهم ويشعر برغبة في مساعدتهم لانتشالهم من حضيض الكفر الذي وقعوا فيه، لكنه مع ذلك يستحيل أن يحبهم، فكيف يحب من يخون الله ويشرك به ويعبد غيره؟!
    لذلك فإنّ الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين هو من اللوازم الضرورية لشهادة التوحيد، ولا ينفصل عنها، فمن وجدناه يحب الكافرين ويواليهم فهذا لم يدخل الإسلام أصلاً ، لأنه لو كان عرف الإسلام لتبرأ من الكفار ولم يحبهم.

    ف"الموالاة" تشمل معاني المحبة والمودة والولاء والانتماء والقرب والنصرة،،
    فمن أحب الكافرين أو قام بمودتهم أو انتمى لهم أو اقترب منهم ولم ينفر منهم ، أو نصرهم وأيّدهم في باطلهم ، فهو ببساطة واحد منهم.

    ولكن لا يصح تكفير أحد بهذا الأمر إلا إذا تأكدنا تماماً وبشكل لا يدع مجالاً للشك أنّ ما يقوم به من أفعال يدل بالفعل على المحبة أو المودة أو القرب والنصرة..
    فقد نتفق على المعنى العام للموالاة،، لكنا قد نختلف في كون هذا الفعل أو ذاك يدل بالفعل على الموالاة أم لا ،،
    ومثال ذلك قضية "الوظائف الحكومية":
    فقد نتفق على أنّ موالاة الكافرين كفر بالله، لكننا قد نختلف هل الوظائف الحكومية فيها موالاة للكافرين أصلاً؟
    وهنا يصبح اختلافنا في واقعة معينة عملية وليس في أصل الدين من الناحية النظرية، وهذا الاختلاف قد يكون بسبب اختلاف خبرة الطرفين في فهم الواقع، فأحدهما يعرف خبايا هذه الوظائف الحكومية واشتغل بها من قبل ويعرف أنّ فيها موافقة على الكفر وإعانة على التشريع من دون الله ومشاركة في أعياد الكافرين بالضرورة، وبسبب ذلك يحكم على هذه الوظائف بأنّ فيها موالاة للكافرين وإعانة لهم على كفرهم ومشاركة فيه،، بينما لا يرى الآخر ذلك لأنه لم يقترب من هذه الوظائف من قبل ولا يعرف خباياها مثلما يعرفها الأول، ويظنها مجرد عمل لتكسب الرزق فقط ، فيبيحها لأن الأصل في العمل عند الكفار هو الإباحة...
    وهذا المثال لا يختلف فيه الإثنان على تحريم موالاة الكافرين من الناحية النظرية، ولا حتى يختلفان في معنى الموالاة.. وبالتالي يمكن الجزم بأنهما مسلمان ومحققان لأصل الدين .. وإنما اختلفا فقط في النهاية في فهم الواقع، فكل واحد يحكم على هذه الوظائف بناءً على المعلومات التي تصل له عن هذه الوظائف، وبقدر ما تصل إليه المعلومات صحيحة يكون حكمه صحيحاً،، لذلك فالمسألة كلها متعلقة بفهم الواقع والعلم بحاله وليست متعلقة بفهم أصل الدين والعلم به.. لذا فالمخالف فيها قد يكون لديه جهالة حال ، لكنه ليس جاهلاً بأصل الدين،، لذلك لا ينبغي أن نكفّر بعضنا من أجل خلاف كهذا.. اللهم إلا إذا كانت الواقعة التي نتحدث عنها واضحة جداً ولا تخفى على أحد، كأن يكون الكفر الذي في هذه الوظائف واضحاً وجلياً جداً بحيث لا يمكن إنكاره ولا الجهل به، وهنا يصبح تأويل المخالف فيها غير سائغ...وفي كل الأحوال لا ينبني تكفير في مثل هذه الوقائع إلا بعد فهم المخالف للواقع جيداً وإقامة الحجة عليه،، فالتكفير هنا لا يكون إلا بعد العلم بالواقع وإقامة الحجة، وليست المسألة نفسها من أصل الدين، وإنما هي أحد تطبيقاته غير المباشرة.

    ونفس الكلام يقال عن "دخول المدارس":
    فأحدنا قد يحرّم دخولها لأنه يرى فيها موالاة للكافرين ومشاركة لهم في دينهم وتعلم عقائدهم الفاسدة،، والآخر قد يرى إباحة دخولها لأنه يرى أن الاستماع للكفر لا يعني بالضرورة دائماً تعلمه والرضا به، فقد نسمع للكفار ونقرأ لهم عقائدهم الفاسدة لنعرفها لا لنعتقدها، وبالتالي فإنّ المواد الكفرية التي في المدارس نسمعها لنعرفها فقط لا لنعتقدها،،
    في هذه الحالة فإن الكلام الذي يقوله الطرف الثاني صحيح من الناحية النظرية، لكنه كلام خيالي وبعيد جداً عن الواقع، فنحن نعلم أن الطفل في مراحله الأولى خاصةً يسمع كل شيء ليتعلمه ويعمل به لا لينقده، فالطفل يتربى ويشرب العقائد ممن حوله، وليس لديه القدرة على التمييز، لذلك فإن الأب الذي يُدخل ابنه هذه المدارس يجني عليه ويتسبب في تعلمه الكفر، هذا غير تحية الوثن الذي يسمونه العَلَم الوطني، فينشأ الولد على عبادة هذا الوثن وعلى الموت في سبيل الوطن بدلاً من الموت في سبيل الله..
    ولكن أيضاً قد يكون لدى الأب جهالة بحال هذه المدارس ولا يعرف الواقع جيداً، فلا ينبغي تكفيره إلا بعد إعلامه بحال هذه المدارس وإقامة الحجة عليه،، فالمسألة في النهاية أيضاً تمثل واقعة عملية في الحياة وتحتاج لفقه الواقع.

    أما إذا تكلمنا عن قضية "الأوراق الثبوتية":
    فالأوراق الشخصية يُنظر إليها من وجهين:
    ١- هل هي في حد ذاتها مباحة ؟
    ٢- كيف صدر الأمر باستخراجها والتعامل بها؟

    أما بالنسبة للسؤال الأول، فهذه الأوراق لها دلالتين..فهي أوراق ثبوتية من حيث أنها إثبات للشخصية والحقوق..ولكنها من حيث أنها تدل على الانتماء فهي تحمل دلالة أخرى وهي دلالة الولاء والنصرة.
    فشهادة الميلاد والبطاقة الشخصية لا تعني فقط إثبات الشخصية ولكنها تعني في الأساس دخول الشخص في عقد الولاء بينه وبين هذه الدولة بصفته مواطن حاصل على جنسيتها..
    وهذا هو الذي يجعلهم يقررون أن لهذا المواطن حقوق وواجبات بحكم اتصافه بهذه الجنسية..فيطالبونه بواجب التجنيد الإجباري لأجل حماية الوطن بصفته مواطن..ويطالبونه بالمشاركة السياسية في الانتخابات بصفته مواطن ..كما يحددون له حقوق مثل حق التموين الغذائي والتعليم المجاني والعلاج المجاني وكل هذا أيضا بسبب أنه مواطن معقود بينه وبين دولته عقد ولاء وانتماء..ولولا ذلك العقد ما حددوا له واجبات ولا حقوق..
    وهذا بارز جدا في الحالات التي يسحبون فيها الجنسية عن بعض المواطنين الذين ثبت أنهم على غير عقيدة الدولة ويهددون أمنها القومي كالتكفيريين والإرهابيين كما يسموننا.
    وهذا معناه أن الجنسية تساوي الدخول في دين الدولة.
    وعدم الجنسية تساوي الخروج عن دين الدولة.

    هذه المعادلة فهمها ببساطة أحد المواطنين العراقيين الذين كانوا يعيشون في الموصل تحت حكم سيطرة تنظيم الدولة ورفض استخدام الأوراق الثبوتية الصادرة من التنظيم لأنه لا يريد الاعتراف به.
    هذا هو الذي لا نستطيع أن نفهمه نحن بنفس السهولة في تعاملنا مع دولنا الطاغوتية!

    وهذا هو الذي أشار إليه أيضا بعض الفضلاء عندما ذكروا أن بعض الرعاع من المشركين يرفضون استخراج هذا الورق لرفضهم الخضوع لسلطة الدولة والهروب من التجنيد الإجباري..ألسنا نحن الموحدون أولى منهم بذلك؟!

    لذلك فاستخدام هذه الأوراق هو بالضبط مثل الدخول في حزب كفري تبنى الروابط فيه بين أعضائه على عقائد كفرية...فالنظام الحديث للدول جعل من "القومية الكفرية" أساس الروابط بين المواطنين..وورقة الدخول في هذه الرابطة اللعينة هي الأوراق الشخصية التي تمنحك لقب "مواطن" ..ذلك اللقب الذي يعني أنك أصبحت عضوا وأخاً في هذه الديانة الخبيثة.

    لذلك فهذه الأوراق في حد ذاتها كفر لأنها لا تعني فقط ثبوت الشخصية وإنما تعني في الأساس ثبوت عقد الولاء والموالاة بينك وبين هؤلاء الكفار.

    فإذا عرفنا أيضا أن الأمر باستخراجها صدر على وجه التعبيد للناس، لكانت المصيبة أعظم وأعظم!
    فالأمر باستخراجها صدر من الدستور الذي يؤلهه القوم ويرون طاعته المطلقة لأنه صادر بأمر هذا الطاغوت الذي يسمونه (إرادة الشعب)..
    يعني باختصار هناك إله مزعوم يسمونه (الدستور) وهذا الإله المزعوم يصدر كل أوامره باستعلاء معتقداً أن له حق الأمر والنهي المطلق وأن الناس عليهم واجب الطاعة المطلقة..يعني عبيد له..
    وهذا الإله المزعوم يأمرك باستخراج هذه الأوراق فتطيعه صاغراً ذليلاً..يعني باختصار: تعبده!

    وكما قال الإخوة ليست العبرة فقط بنوعية الأعمال التي نطيع فيها من حيث كونها مباحة أم كفرية..
    وإنما العبرة أيضا بـــ (مَن الذي أمر بهذه الأعمال ؟ وكيف أمر بها؟)

    فإذا كان الذي أمر طاغوت وأصدر أوامره بصفة الألوهية والاستعلاء فلا تجوز طاعته حتى ولو كانت في المباحات..
    فالمسألة مسألة مبدأ..
    المسألة ببساطة أن هذا الطاغوت يدعي الألوهية، وأنا كموحد أرفض سلطانه عليّ، لذلك لن أطيعه ..سأرفضه..سأرفض وجوده..سأرفض سلطانه..سأرفض أوامره ..ولن أفكر هي مباحة أم لا..إن قضيتي ليست في ذلك..إن قضيتي في الأساس هي أنني أتحداه وأتبرأ منه وأحاربه هو نفسه..لا أقبل معه بأنصاف الحلول.. فإما الله وإما هو..ولابد أن ينتصر سلطان الله عليه هو.

    ولكن بعض الإخوة لا يعرف أنّ هذا الورق يعني الولاء لهؤلاء الكفار، ويقول أن الأصل في هذا الورق أنه مباح ويستخدم لإثبات الحقوق،، والعبرة بوصف الشرع لهذه الأشياء لا بوصف الطاغوت لها،، فلو وصفها الطاغوت بأنها تعني موالاته والدخول في دينه، فهذا مجرد لغو لا يُلتَفَت إليه، ويكفي أن هذا الشيء في حد ذاته مباح شرعاً ،، فلو قال الطاغوت أنّ من يدخل السوق ليشتري السلع فهو يعبدني ، وجعل دخول السوق علامة على عبادته، فهذا لا يعني تحريم دخول السوق، ولا يمكن أن يقال لموحد دخل السوق عندئذ أنه رضي بعبادة الطاغوت، لأن السوق في الأساس مباح شرعاً ولا يعني عبادة الطاغوت، وإنما الطاغوت هو الذي ادّعى ذلك فلا يُلتفت إليه..
    وهذا كلام صحيح في المجمل ، لكنه أغفل فارقاً هاماً جداً، وهو أنّ دخول السوق أو المشي على الرصيف في الطرقات وخلافه هي أصلاً أشياء لا يملكها الطاغوت في الأساس ولم ينشئها ، وإنما هي قائمة بذاتها من قبل أن يأتي ،، أما في حالة الأوراق الثبوتية فهي اختراع خالص له، فهو الذي طبعها وأنشأها لغرض معين، وحجزها عنده، وأخبر بأنّ من يريد الدخول في عقد الولاء بينه وبين الطاغوت فليأتي لاستلام هذه الأوراق بإسمه ويصبح مواطناً وعضواً في ديانتهم الخبيثة،، فلا يجوز أن يذهب الموحد بعد ذلك بإرادته إلى هذا الطاغوت ويطلب استلام هذا الورق وهو يعلم أنه دلالة على الدخول في عضويتهم، بحجة أنه لا ينوي ذلك.. فإذا كان لا ينوي ذلك فببساطة لا يذهب إليهم ويقاطعهم..
    وفي النهاية المسألة لا يفهمها الجميع بنفس هذه الطريقة، وهي مسألة تنتمي أيضاً للواقع المتشابك التفاصيل، فلا ينبغي اعتبارها من أصل الدين وتكفير الإخوة بسببها إلا بعد إقامة الحجة بشكل كافي وواضح.

    وكذلك مسألة "مظاهرة المشركين على المشركين":
    فإنّ الأصل هو عدم الانخراط في جيش الكفار وتحت رايتهم، لأنّ من يقاتل تحت راية معينة يأخذ حكمها، فإن كانت راية التوحيد فهو ينصر التوحيد، وإن كانت راية الكفر فهو بذلك ينصر الكفر..هذا هو الأصل في المسألة، لذلك يُقال أنّ مَن كثر سواد المشركين فهو منهم..
    ولكن قد يناصر المسلم المشركين في بعض الأحيان في حربهم على مشركين آخرين، لاعتقاده بأنّ المشركين الذين ينصرهم أخف ضرراً وأهون كفراً من الكفار الآخرين،، كمن خرج في مظاهرات تأييد حكم جماعة الإخوان في مصر أثناء 2013 وهو يعلم أنهم مشركون، لكنه يرى أنّ بقاءهم في الحكم أهون بكثير وأصلح للدعوة وأصلح للموحدين من وصول غيرهم من العسكر العلمانيين المحاربين لدين الله،، فهو يتأول في المسألة أنه يفعل مثلما خرج بعض الصحابة لنصرة النجاشي الذي كان كافراً وقتئذ على أعدائه الآخرين، بفرض صحة هذه الروايات..
    أو يتأول الأمر أنه مثل تمنى الصحابة انتصار الروم على الفرس مع أنّ الروم كفار مثلهم مثل الفرس، لكنهم أقرب للمسلمين من الفرس الوثنيين، فالروم أهل كتاب ..
    وهذا تأويل سائغ وقوي وينبغي أن يُنظَر إليه باعتبار، لأنّ صاحبه لا يقصد موالاة المشركين بالمعنى المتعارف عليه وهو نصرتهم على المسلمين ،، وإنما قصد نصرتهم على مشركين آخرين.. لكنه لم ينتبه لأمر مهم وهو أن مجرد وجوده تحت راية الكفار فهذا يعني ضمناً أنه صار واحداً منهم،، وهذا يختلف عن التحالفات التي كانت تجري بين المسلمين والكفار في المدينة للدفاع المشترك وصد أي هجوم على المدينة،، فهذه التحالفات كان المسلمون يتمايزون عن المشركين بجيش خاص له راية محددة، بينما كان المشركون لهم جيش خاص بهم أيضاً،، فشخصية المسلم كانت واضحة في هذا التحالف ولم يرضَ لنفسه بالذوبان داخل المشركين..وهذا يختلف عن الوضع الذي يقاتل فيه المسلم تحت راية الكفار، فهو يكون حينئذ واحداً منهم..
    ولكن هذه الفوارق الدقيقة لا يفهمها الجميع بنفس الطريقة، لذلك لا ينبغي التسرع في تكفير الإخوة الذين يبيحون الدخول تحت راية مشركين لمظاهرتهم على مشركين آخرين، لعدم وضوح المسألة، فينبغي إخبارهم بالواقع أولاً وإقامة الحجة عليهم قبل تكفيرهم بشيء كهذا.

  12. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    سادساً:
    هل الكافرون الجاهلون آثمون؟


    قلنا فيما سبق أنّ تكفير المشركين من أصل الدين، ومرتبط به، ولا ينفكّ عنه، وقلنا أنّ الحكم بتكفير المشركين لا يعد بالضرورة إهانة لهم أو تجريماً لهم، بقدر ما هو مجرد وصف علمي ضروري ينتج بشكل بديهي عن اعتناقي للإسلام ومخالفتهم هم للإسلام..
    فهل "التكفير" يقتصر فقط على مجرد الوصف العلمي، أم يتعدّاه إلى الوصف الأخلاقي؟
    بمعنى: هل أكتفي بتكفير الكافر فقط أم أتعدّى ذلك أيضاً إلى وصفه بأنه مجرم ويستحق العقاب؟
    وبمعنى آخر: هل الكافر الجاهل الذي يبدو أنه لم يتعمّد الوقوع في الكفر، هل هو آثم أم لا؟
    ولبيان ذلك نقول:
    أنّ الأصل أنّ الكفر بالله خيانة لله وجريمة أخلاقية كبرى ..
    وأكثر مظاهر الكفر انتشاراً هو الشرك، لذلك يغلب الكلام عليه..
    ويقول الله تعالى عن ذلك:
    ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذريةَ من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المُبطلون؟﴾
    (الأعراف 172 : 173)

    إنّ المتدبّر لهذه الآية الجليلة يستطيع أنْ يفهم المعنى الحقيقي للشرك، وهو خيانة الله عز وجل بإعلان الولاء لربّ غيره.
    فالمقابلة بين السؤال المطروح في البداية: ألستُ بربكم؟ وبين التحذير الأخير: أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل .. هذه المقابلة تجعلنا نفهم أنّ من يشرك شيئاً بالله كأنه يقول لهذا الشيء: أنتَ ربي بدلاً من الله.
    فالإشراك بالله يساوي ضمناً التقرير بأنّ الله لم يعد هو الرب الوحيد، وإنما صار هناك ربّ جديد آخر هو هذا الإله المزعوم الذي تم إشراكه مع الله.
    وهذا يساوي معنى الولاء لغير الله، أو الولاء لربّ غيره. وهو ما نطلق عليه ببساطة: الخيانة.

    "الخيانة" ذنب لا يُغفَر.
    وهذه قاعدة أخلاقية فطرية نفهمها نحن البشر ونطبقها بيننا.
    لماذا الخيانة بالذات لا تُغفَر؟
    لأنّ أي خطأ آخَر يظل دائماً داخل هذه الدائرة التي تحفظ بقاء العلاقات، وهي دائرة الولاء.
    أما الخيانة فمعناها الخروج من هذه الدائرة بالكامل، والدخول في علاقة أخرى وارتباط آخَر جديد يمحو الارتباط القديم بالكامل. وهذا يساوي أيضاً معنى الكُفر.

    فكثيراً ما يقول أحدنا للآخَر: أنا كفرتُ بك.
    ماذا تعني هذه العبارة؟
    إنها تعني أنني لم أعد مرتبطاً بهذا الشخص بأي نوع من الارتباط ولا الولاء لأنه لم يعُد كبيراً في نظري.
    عندما يسمع مني هذا الشخص هذه الكلمة، فإنه تلقائياً يشعر بإهانة تجعله يأخذ ذلك الموقف العدائي الثابت تجاهي مدى الحياة.
    وهذت هو سبب أنّ الخيانة لا تُغفَر. فهي بمثابة إعلان التحدي. ومن يعلن التحدي فعليه أنْ يتحمّل العقوبة إذا وقع تحت المقدرة. لأنه هو الذي اختار ذلك.

    هذه المعاني التي عرفناها بالفطرة كانت جديرة بأن تؤهلنا تماماً لمعرفة بشاعة الشرك بالله، وأنه خيانة له، وأنه بمثابة إعلان التحدي لله والاستخفاف بسلطانه.


    لذلك كان الجزاء من جنس العمل إذا وقع هذا المشرك تحت مقدرة الله يوم القيامة، فيُعَذَّب عذاباً أبدياً.
    لماذا عذاب أبدي؟
    لأنه عندما أعلن ولاءه لربّ آخَر، كان اللائق به أن يتركه الله لهذا الربّ المزعوم كيْ ينقذه مما هو فيه. وهيهات!
    فكما تخلّى عن الله، تخلّى الله عنه وتركه لآلهته المزعومة.

    وهذا هو السبب لغفران جميع الذنوب، وعدم مغفرة الشرك بالذات.
    فأي ذنب يفعله العبد وهو معترف بالله وحده رباً، يكون غالباً بسبب الضعف الإنساني وتأثير الشهوة وخلافه. وطالما أنّ العبد يظل مع ذلك موالياً لله معترفاً بسلطانه غير مستخفّ به فهو يستحق أن يُغفَر له إن شاء الله ذلك. فالمغفرة هنا سببها موجود وهو أنّ العبد لا زال يدين لله بالولاء الكامل ولم يحاول الخروج عن سلطان الله.
    أما الشرك، فمعناه أصلاً الاستخفاف بالله ومحاولة الخروج عن سلطانه، فكيف يغفر الله لشخص مثل هذا وهو لا يعترف بسلطانه عليه أصلاً؟ إنّ اللائق بهذا الشخص أنْ يُترَك لنفسه لكي ينقذها مما هي فيه من عذاب.

    فطالما أنه اختار من البداية ألا يكون تحت سلطان الله، فعليه الآن أنْ يتحمّل نتيجة اختياره فلا يسأل الله أنْ يرحمه، بل يعتمد على نفسه أو على آلهته المزعومة التي اختارها من دون الله لكي تنفعه وتنقذه. وهيهات!

    إنه في هذا الوضع، وفي هذا الوضع فقط سيعرف من هو صاحب السلطان الحقيقي.

    لذلك يقول الله تعالى:
    ﴿إنّ الله لا يغفر أنْ يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً﴾ (النساء 48)
    وتكررتْ في نفس السورة أيضاً:
    ﴿إنّ الله لا يغفر أنْ يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً﴾ (النساء 116)

    إنّ هذا جزاء عادل جداً ومنطقي لمن حاول الخروج عن سلطان الله.


    لذلك ورد أيضاً في الحديث المروي في الصحيحيْن:
    ﴿إنه يُقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيتَ لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنتَ مفتدياً به؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردتُّ منك أهون من ذلك، أخذتُ عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئاً فأبَيْتَ إلا أنْ تشرك بي﴾

    وهذا الحديث وما سبقه من آية الميثاق توضحان أنّ الإنسان لا يعرف فقط بالعقل بشاعة الشرك، ولكنه بالإضافة إلى ذلك يعرفه أيضاً من المواثيق التي أخذها الله عليه عندما كان في ظهر أبيه آدم. فقد أشهده الله على نفسه حينئذ، وأقام عليه الحجة.

    فالإنسان إلى هذه اللحظة يعرف بشاعة الشرك بدليليْن اثنيْن:
    - دليل الفطرة والميثاق.
    - دليل العقل.

    ولذلك كان كل إنسان غير معذور للوقوع في الشرك حتى لو لم يأته رسول ولا كتاب. فهو يعرف ذلك بالفطرة والعقل.
    ولذلك ربط الله سبب العذاب في الحديث الأخير بذلك، ولم يربطه بإرسال الرسل.
    ولكن نظراً لأنّ الله يحبّ العذر، وأنه لا أحد أحَبُّ إليه العذر من الله كما وصفه النبي الكريم مُحَمَّد، لأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب لئلا يكون للناس على الله حُجةٌ بعد الرسل.
    فإرسال الرسل وإنزال الكتب ليس هو الحجة الوحيدة، بل هو حجة إضافية ثالثة على الحجتيْن الأولييْن. وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى.

    ومن رحمة الله أيضاً أنه يغفر الشرك إذا تاب منه الإنسان في حياته قبل أن يقع تحت مقدرة الله في الآخرة، وهو واقع تحت مقدرة الله بلا شك في كل الأحوال.
    فالإنسان إذا اعترف بذنب الشرك وتاب منه وأعلن رجوعه إلى الله، يتوب الله عليه ويسامحه.

    ولكن هنا ملاحظة دقيقة:
    لو أنّ الإنسان تاب من الشرك لأنه قبيح فقط، هل يقبل الله توبة مثل هذه؟

    وهذا السؤال لا يفترض شيئاً خيالياً، بل هو يعبّر عن عقيدة قطاع واسع من الناس اليوم ممن يشتغلون في التنظير لعقائد السلفية.
    فهم يعتقدون أنه لا سبيل للإنسان أنْ يعرف شيئاً عن معنى الشرك سوى أنه قبيح فقط.
    فالفطرة في نظرهم تستطيع معرفة قبح الشرك، لكنها لا تستطيع وصفه بالكفر، لأنّ ألفاظ "الكُفر" و"الإسلام" مصطلحات شرعية لا تُعلَم إلا بالوحي والنصوص.
    وبناءً على ذلك، فإنّ الإنسان الذي يعيش في زمن الفترة (زمن غياب الرسل والوحي) مُطَالَب فقط بمعرفة قبح الشرك، لكنه غير مُطالَب بمعرفة الحكم الشرعي الذي يصف الفعل الشركي بأنه كُفر بالله.

    وهذا الكلام مصادم للقواعد الأخلاقية ولقواعد الفطرة نفسها.
    فإنّ الإنسان لا يقبّح شيئاً إلا بسبب، فهو يقبّح الشرك لأنه يعلم أنّ فيه خيانة لله، فهناك سبب للتقبيح. وليس التقبيح لمجرد التقبيح وفقط!
    فإذا علم الإنسان أنه خان الله وعبد إلهاً آخَر، ثم أراد أن يتوب من ذلك، فإنه يتوب إلى الله وهو يعرف أنه كان في الماضي يخونه وينتقص من قدره، يعني أنه يعرف أنه كان كافراً به. والآن عندما يتوب إلى الله فهو يستغفره من ذلك ويعلن خضوعه التام لله وحده واعترافه بسلطانه الكامل عليه، يعني يعلن أنه يؤمن به.
    هذه المعاني كلها معاني بديهية، وتُعلَم بالفطرة ولا تحتاج لوحي.

    وإلا فلماذا يتوب الإنسان من الشرك إذن؟ ولماذا يعتقد أنّ الشرك قبيح؟
    هل يعتقد أنه قبيح لأنه ذنب عادي؟ وأنه عندما كان يعبد غير الله كان مخلصاً لله؟

    إنه إذا اعتقد ذلك فهو في الحقيقة لم يتُب، وتوبة مثل هذه غير مقبولة، فهو يهوّن من ذنبه ولا يعرف حقيقة ما قام به من خيانة لله.
    إنه بمعنى دقيق لم يعرف عظمة الله بعد، فلو كان عرفها لعرف أنّ عبادة غير الله خيانة له وكُفرٌ به. وإلا فكيف يتصور هو مفهوم الألوهية إذن؟

    إنّ الإنسان يعرف بالفطرة أنه لا يجوز أن ينتسب لغير أبيه مثلاً، وأنه إذا فعل ذلك يكون قد خان أباه، لأنه يعرف أنّ أباه له سلطان عليه فهو الذي أنجبه وهو سبب وجوده.
    فكيف لا يعرف الإنسان أنّ عبادة غير الله كُفرٌ به وخيانة له؟

    إنه بذلك وكأنه لا يعرف أنّ الله له سلطان عليه أصلاً، وإذا كان لا يعرف ذلك فهو في الحقيقة لا يعرف من هو الله ، ولا يعرف أنه إله، بكل ما تحتويه كلمة "إله" من معاني، إنه وكأنه يظن أنّ الله شخص عادي مثل أي شخص يمكن الاستهانة به والخطأ في حقه ثم الاستمرار بعدها في الحياة ببساطة وكأنّ شيئاً لم يحدث!
    إنسان كهذا هو إنسان كافر بالله حتى لو أقلع عن الشرك الذي قام به. إنه أقلع عن الشرك لكنه لا زال كافراً بالله في اعتقاده وتصوراته المنحرفة التي لا تعرف عظمة الله ولا تقدره قدره.

    ومن هنا نفهم أنّ الإنسان الذي لا يعرف أنّ الشرك بالله هو كُفرٌ به، فإنه في الحقيقة لا يعرف من هو الله أصلاً.
    وفي الحقيقة فإنّ هذا لا يمكن أنْ يجهله إنسان.

    فكل إنسان يعلم بالفطرة ربوبية خالقه واستحقاقه للعبادة. ولا يجهل ذلك إلا:
    - إنسان جاحد متكبّر على ربه.
    - أو إنسان منحطّ وضيع لم يفكر يوماً أنْ يتدبّر عظمة الرب الذي خلقه.
    وفي كلتا الحالتيْن فإنّ هذا الإنسان كافر بالله ولا يعرف قدره.

    إنّ حقيقة عظمة الله هي أكبر وأوضح شيء في هذا الوجود.
    وإذا كنا نقول أنّ توحيد الله مغروس في عقولنا وفطرنا، وأنّ هذا العقل يمثل القاسم المشترك بين البشر جميعهم، وأنه حجة في حد ذاته، فهل المشركون جميعهم آثمون وغير معذورين في وقعهم في الشرك حتى لو كانوا من أهل الفترة؟
    هل لا توجد استثناءات لهذه القاعدة ؟
    أعتقد أنّ مسألة الإعذار أو عدم الإعذار مسألة نسبية، تختلف من حالة لحالة ووتختلف حسب طبيعة الشخص الذي يصدر الحكم، فهناك أشخاص يغلب على طباعهم اللين والتماس الأعذار فيتوسعون في إعذار الناس، وهناك آخرون يغلب على طباعهم الحسم والشدة فلا يعذرون الناس إلا نادراً .. ونحن نتحدث عن قضية (إعذار الناس) عموماً في أي خطأ أخلاقي وليس فقط في التوحيد.

    فالمسألة تتعلق باختصار بقضية: هل أختار العقاب أم أختار العفو؟
    وهذه مسألة يمكن صياغتها أيضاً في الصياغة التالية: هل الأفضل أن أكون عادلاً أم أكون رحيماً؟
    ولا أظن أنّ كلاً من العدل والرحمة متناقضان، بل يمكن أن يجتمعا في نفس الشخص، ويستعمل كلاً منهما على حسب الموقف وحسب الحالة التي أمامه.
    ولله المثل الأعلى...
    فالله عز وجل عادل، كما أنه رحيم...وإذا اختار الله عز وجل أن يعذر المشركين ولا يؤثمهم، فبرحمته ... وإذا اختار أنْ يؤثمهم ويعاقبهم، فبعدله ... ويجوز في حق الله أن يفعل الفعليْن، ولا تعارض.

    وفي الحياة البشرية:
    قد يكون الخطأ الأخلاقي كبيراً وفادحاً بشكل يصعب معه تصور أنْ يُعذر مرتكبه..وهناك أمثلة على ذلك نعرفها جميعاً:
    - كــ خيانة أحد الزوجين للآخَر.
    - وكــ عدم احترام الأبناء للوالديْن.
    - وكــ الظلم والسرقة والتعدي على أعراض الناس.
    - وكــ الانشقاق عن الجماعة والتجسس لصالح العدو.
    ..... وغيرها من الأمثلة.

    فالحالات السابقة لا نسامح فيها في الأغلب، ولا نلتمس فيها الأعذار بحيث نقول أنّ مرتكب هذه الأشياء لم يجد من يعلمه، وبالتالي فهو معذور بجهله وينبغي أن يُعَلَّم...في الأغلب لا نقول ذلك، وإنما نقول أنّ هذه القواعد الأخلاقية بديهية جداً للدرجة التي لا تحتاج لتعليم وللدرجة التي لا يمكن أن يكون هناك من يجهلها.. وبالتالي فإننا نقوم بتأثيم مرتكبيها بشكل مباشر ولا نعذرهم..
    ولكن ماذا إذا وُجِد من يعذرهم لأي سبب من الأسباب ؟
    هل نضعه في نفس الخانة معهم لاعتقادنا أنه يدافع عنهم؟
    أعتقد أنّنا نكون قد ظلمنا وبالغنا وغالينا إذا فعلنا ذلك!
    فلابد من التفريق بين إعذار المخطئين وبين تبرير الخطأ نفسه وشرعنته،، وليس بالضرورة أن يكون هناك تلازماً بين الإثنيْن..
    بمعنى أنه إذا وُجِد شخص يعذر شخصاً تجسس على المسلمين لأسباب معينة فهذا لا يعني أنّ هذا العاذر يبرر التجسس ويشرعنه، فقد يكون مدركاً لهذه الخطيئة ومستقبحاً لها، لكنه عذر مرتكبها في حالات استثنائية لأسباب قوية يراها تبرر إعذار هذا المخطيء.
    ولن نبتعد كثيراً ،، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قام بإعذار حاطب بن أبي بلتعة عندما تجسس على المسلمين ،، وذلك لأنه رأى أنّ لديه عذراً قوياً يستحق التصديق،، ولم يكن يعني هذا التصرف من النبي إطلاقاً أنه يرضى بالتجسس على المسلمين،، فالأصل أنّ التجسس خطيئة أخلاقية كبيرة وأنّ مرتكبها غير معذور، ولكن لكل قاعدة استثناءات..
    وها هي مواقف أخرى لم يعذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس الذين هجوه بالشعر وهتكوا عرضه (العِرض هنا بمعنى الكرامة) وسماهم بالإسم وأهدر دمهم عند فتح مكة برغم عفوه العام عن باقي أهل مكة..وظل النبي يُعرِض بوجهه عنهم حتى بعد إسلامهم..

    فها هو النبي نفسه يعذر في مواقف، ولا يعذر في أخرى.. والأمر تقديري،، يختلف من حالة لأخرى..وإذا كان النبي في هذه المواقف يساعده الوحي في معرفة من يستحقون العذر ومن لا يستحقون، فإننا لا نملك وحياً يساعدنا على ذلك الآن،، لذا فالأمر شخصي وتقديري بحت، ولا يصح فيه أن نضع له قاعدة ثابتة.

    هناك نصوص كثيرة تتحدث عن عدم مغفرة الشرك وأنّ الله عز وجل قد أقام علينا الحجة ونحن في ظهر آدم، كآية الميثاق التي ذكرناها:
    ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم؟ قالوا بلى شهدنا! أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا إنما اشرك آباؤنا من قبل وكنا ذريةً من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟!))
    وحديث الصحيحيْن السابق ذكره:
    ((أنه يقال للرجل الكافر من أهل النار يوم القيامة : أرأيتَ لو كان لك ما على الأرض أكنت مفتدياً به من العذاب؟ فيقول : نعم. فيقال: قد أردتُ منك أهون من ذلك وأنت في ظهر أبيك آدم: ألا تشرك بي شيئاً ، وأبيْتَ إلا أن تشرك بي))

    فهذه النصوص توضح، كما قلنا، أنّ الحجة قائمة علينا بمجرد الميثاق الذي أخذه الله علينا ونحن في ظهر أبينا آدم، ولم يذكر الله عز وجل أنّ سبب تأثيم هؤلاء المشركين هو جحودهم لرسالة الرسل.

    وهناك نصوص أخرى توضح أن العذاب مرتبط فقط بإرسال الرسل..
    فيقول الله : ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً))
    وغيرها من النصوص..

    هناك مَنْ يوفق بين النصوص فيقول أنّ سبب استحقاق العذاب موجود قبل الرسالة، لأننا بوقوعنا في الشرك نكون قد خالفنا فطرتنا التي فطرنا الله عليها، ولذلك لا يوجد عذر ولذلك نحن آثمون،، ولكن وقوع العذاب بالفعل لن يتحقق إلا بعد إرسال الرسول، وهذا من سعة رحمة الله وإعطائه المزيد من الفرص للتوبة، وقد أخبر النبي عن ربه أنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب، رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل.

    وهناك من يوفق بين النصوص فيقول أنّ آية الميثاق والحديث السابق المذكور في البخاري ينبغي فهمه في إطار النصوص الأخرى التي تبين أنّ حجة الله لا تكتمل على خلقه إلا بإرسال الرسل، وأنّ المشركين الذين يعذبهم الله إنما يعذبهم بسبب جحودهم لرسالة الرسل ، وليس فقط بسبب مخالفتهم للفطرة..وصاحب هذا القول في الأغلب يغلب على طبعه الشفقة بالناس والتماس الأعذار لهم، فيقول أنهم جاهلون وأخطأوا الطريق عن غير قصد .. إلخ

    وأنا وإن كنت أميل إلى القول الأول ، وأرى أنّ الإيمان بالله مغروس في الفطر وأننا لا نحتاج لرسل إلا من باب التأكيد والزيادة فقط ، إلا أنني في النهاية أجد أنّ صاحب القول الآخر الذي لا يؤثم المشركين له أيضاً من المبررات المقبولة لاتخاذ هذا الموقف ..

    وحتى وإن قلنا أنّ أمور التوحيد عقلية وفطرية وتُعرَف بالبداهة ، فهذا لا يعني أنّ كل البشر يستطيعون الوصول إليها بنفس السهولة... لسبب بسيط جداً : وهو أنّ البشر ليسوا كلهم بنفس المقدرة العقلية،، فهناك المجنون،، وهناك من لديه ضعف في العقل ،، وهناك السفيه ،، وهناك الممسوس،، وهناك المسحور... وكل هؤلاء ليسوا مؤهلين تماماً لاستعمال عقولهم في التأمل وإدراك التوحيد وسائر الأمور بكل تفاصيلها،، فهم مشوّشون في عقولهم.. وإذا كنا نعلم أن العقل مناط التكليف،، فبالتالي أي خلل يحدث في هذا العقل سيؤثر حتماً على طريقة محاسبتهم.

    وخلاصة هذا الأمر:
    أنّ الشرك بالله خطيئة أخلاقية كبرى، مثله كسائر الخطايا الأخلاقية الكبرى التي لا نعذر فيها كالظلم والخيانة ..إلخ
    وأنّ الأصل في المشركين أنهم آثمون، حتى لو لم يصلهم رسول...وأنّ أمور التوحيد يستطيع الإنسان الطبيعي إدراكها بالعقل والفطرة قبل مجيء الرسول..
    ولكن هذا لا يعني أنّه لا يوجد استثناءات لهذه القاعدة،، تتمثل في كل البشر الذين حاولوا الوصول إلى الله سبحانه ولم يقصروا في ذلك، لكن قابلتهم بعض المعوّقات الحقيقية أياً كان نوع هذه المعوّقات..فهؤلاء إن ماتوا على ذلك، فقد ماتوا على الكفر، لكنهم غير آثمين، وهؤلاء هم المقصودون بأهل الفترة...
    وهناك من يرى أهل الفترة هم الذين لم يبلغهم رسول قط، وهناك من يحددهم على أنهم كل من لم يستطع فهم دعوة الرسول أو وصلته الدعوة مشوّهة ،ويتوسع في هذا المفهوم ..
    وفي النهاية ، المسألة يسعنا فيها الخلاف.. وليست من أصل الدين، وإنما هي قابلة للأخذ والرد.

    وفي الماضي كنتُ أرى أنّ المسألة لا يسعنا فيها الخلاف، وأنّ مَن يدافع عن المشركين - ليس في عدم تكفيرهم وإنما في عدم تأثيمهم - يأخذ نفس حكمهم،، لأنه بدفاعه عنهم يرى أنّ توحيد الله أمر يصعب إدراكه بالعقل والفطرة وحدهما،، وهو بذلك ينتقص من الله سبحانه، لأنه لا حقيقة في الوجود أوضح من حقيقة وحدانية الله.. وإذا كان هذا الشخص لا يعذر من يخونه مثلاً أو يظلمه أو يتعدى على عرضه لأنّ هذه أشياء بديهية،، فما باله يعذر من خان الله وأشرك معه إلهاً آخَر وينظر للمسألة باعتبارها غير واضحة ويمكن التماس العذر فيها... لذلك فهذا الشخص يهوّن من حق الله وينتقص منه باعتباره ينظر إلى الإيمان بالله كأمر نسبي وغير واضح للجميع...
    هذا ما كنتُ أقوله في الماضي وأعتقده ...
    لكنني أدركتُ الآن أنّه حتى الخطايا الأخلاقية الشخصية كالظلم والخيانة والتعدي على الأعراض هي أيضاً أمور نسبية تختلف من حالة لحالة، وأنه برغم أنّ الأصل فيها عدم الإعذار إلا أنه توجد استثناءات، فنجد من يدافع مثلاً عن بعض قطاع الطرق من الأطفال والمراهقين باعتبار أنهم لقطاء ولم يجدوا أباً ولا أماً يربيانهم، ولم يجدوا مجتمعاً يرشدهم، ونشأوا متشردين..هذا الذي يعذرهم لا يبرر جريمة "قطع الطريق" في الحقيقة، وإنما يدافع فقط عن هؤلاء الذين يمثلون حالة استثنائية فلا يؤثمهم، والأمر تقديري بحت، وينظر إليه كل إنسان بمنظور مختلف .
    لذلك فإنّ من يدافع أيضاً عن بعض المشركين (بعدم تأثيمهم) لا يعني موقفه أنه يقلل من حق الله أو يهوّن منه، وإنما هو ينسب المشكلة إلى ضعف عقولهم أو جهلهم أو عجزهم أو ما شابه، فهو في الحقيقة ينسب النقص إلى المشركين أنفسهم وليس إلى الله ذاته، فهو يعظم الله ولا يهوّن من حقه.

    هذا ما وصلتُ إليه بعد جهد جهيد في هذه المسألة، فكرتُ فيها من الناحية الفلسفية والأخلاقية بجانب الناحية الشرعية، لكي أفهمها فهماً جيداً وأستوعبها استيعاباً كاملاً ..
    وأعتقد أنّ الله لم يكلفنا إلا بما هو واضح وسهل..وهذا الدين يسر .. وطالما هناك مسألة صعبة وفيها الكثير من الغموض والمشقة في الفهم، فهي في النهاية مسألة اجتهادية بحتة، ولا يصح إقحامها في أصل الدين.

    واللهُ تعالى أعلى وأعلم.


  13. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    سابعاً:
    دلالة الأفعال على الاعتقاد


    سُمّيت "العقيدة" بهذا الإسم نظراً لأنّ الإنسان يحتفظ بها في قلبه ويعقد عليها ويتمسك بها،، لذلك فإنّ أي اعتقاد مكانه القلب في الأساس، أي أنه موجود في باطن الإنسان، ويمثل حقيقته وحقيقة ما يؤمن به..
    ولكن هذا الاعتقاد يعبّر عنه الإنسان ويظهر عليه من خلال أقواله وأفعاله، فلا نستطيع معرفة العقيدة التي يحتفظ بها الإنسان في باطنه إلا من خلال الأقوال والأفعال المعبّرة عنها.
    فإذا عبّر الإنسان بصدق عن هذا الباطن ، فإنّ ظاهره حينئذ يكون متفقاً مع باطنه..
    أما إذا أظهر الإنسان أقوالاً وأفعالاً تدل على خلاف ما يعتقد ، فإنّ ظاهره حينئذ يكون بخلاف باطنه .

    ونحن كبشر لم يعطنا الله القدرة على اكتشاف الباطن الحقيقي لكل إنسان،، وإنما نستطيع فقط رؤية الظاهر ... بخلاف الله سبحانه فهو مطلع على القلوب ويعلم البواطن الحقيقية للناس، حتى وإن أظهروا خلافها ..
    لذلك روي في الحديث : أنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم .

    لذلك قد نحكم على إنسان بالإسلام نظراً لأنه يُظهر الإسلام، لكنه قد يكون في حقيقته كافراً ولا يظهر ذلك.
    وقد يحدث العكس بأن نحكم على إنسان بالكفر نظراً لأنه يُظهر الكفر، لكنه قد يكون في حقيقته مسلماً ولا يُظهِر ذلك أيضاً.
    ونظراً لعجزنا عن اكتشاف بواطن الناس الحقيقية، فإنه لا سبيل لنا إلى معرفة حكمهم إلا من خلال أعمالهم الظاهرة فقط .. فنحكم عليهم بالظاهر، واللهُ يتولى السرائر.
    ومن أمثلة ذلك ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسر العباس في غزوة بدر، وعامله معاملة المشركين، برغم أنّ العباس أخبر النبي أنه خرج مع المشركين بالإكراه ولم يقصد محاربة المسلمين، لكن النبي لم يصدّقه وأخذه على ظاهره، وظاهره هو أنه كان في صف المشركين يحارب المسلمين، وهذا لا يفعله إلا كافر، لذلك عامله النبي معاملة الكفار ولم يلتفت لادّعائه، فقال له: أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله.
    أي أنّ حكمك هو الكفر لظاهر أفعالك التي تدل على الكفر،، أما إذا كانت سريرتك (باطنك) هي الإسلام فهذا نتركه إلى الله..

    وهذه القاعدة تسمى قاعدة "تلازم الظاهر مع الباطن" ،، أي أنّ الظاهر بالنسبة لنا يدل على الباطن ويكشفه ويخرجه إلى الخارج..وكما قلنا فإنّنا قد نخطيء في هذا الحكم بسبب أنّ الإنسان قد يظهر خلاف ما يبطن،، وفي هذه الحالة فإنّ الحكم الذي يأخذه هذا الإنسان هو الحكم المبني على الظاهر فقط، وحتى إن كان حكماً خاطئاً فلا نُحاسَب على ذلك..ولكن بشرط أنْ يكون فعل الشخص الذي يظهره دالّاً دلالة قطعية على الحكم، لا دلالة ظنية.. فلا نحكم مثلاً بالكفر على إنسان إلا إذا كانت أفعاله تدل بصورة مؤكدة وقطعية على اعتقاد الكفر،، ولا نحكم عليه بذلك بناءً على فعل له دلالات محتملة وظنية.
    فلا نحكم بالظنون والمحتملات، وإنما نحكم من خلال دليل يقيني.

    بناءً على ذلك تتضح أهمية الأقوال والأفعال الظاهرة التي تدل على اعتقاد الإنسان الباطني،، وتتضح أهمية فهم دلالات هذه الأفعال،، وهذا هو ما نقصده بـــــ "دلالة الأفعال على الاعتقاد" ..
    فقد نتفق جميعاً على أنّ عبادة غير الله كفر بالله،، ولكننا قد نختلف في كوْن هذا الفعل أو ذاك دالاً على العبادة أم لا .. فإذا قررنا أنّ العبادة هي "كمال الحب والذل"، واتفقنا على ذلك، فقد نختلف بعد ذلك في كوْن فعل معين تحديداً يدل على كمال الحب والذل أم لا .
    وهذا الاختلاف قد يكون مقبولاً إذا كان الفعل ظني الدلالة ويحتمل أكثر من تفسير،، لكنه قد لا يكون خلافاً مقبولاً إذا كان الخلاف في فعل قطعي الدلالة وليس له إلا تفسير واحد، وعندئذ لا يُقبَل تفسيرات أخرى للمخالف.

    فبالنسبة لدلالة الأفعال على الكفر:
    إذا تكلمنا مثلاً عن عبادة التعظيم:
    فما يفعله المشركون اليوم من تعظيم لأوطانهم، والذي يترجمونه لواقع عملي متمثل فيما يسمّونه "تحية العَلَم"، والذي يقفون فيه بخشوع أمام راية دولتهم ليؤدّون التراتيل الوثنية أمامه في خشوع والتي يسمونها "النشيد الوطني"، والذي يتفوّهون فيه بعبارات التمجيد للوطن ووهب الحياة كلها له والموت في سبيله .. إلخ...كل هذا ليس له إلا دلالة وتفسير واحد فقط وهو أنهم يعبدون هذا الوطن، ويجسدون له وثناً يقفون أمامه في رهبة وخشوع كامل يسمّونه العَلَم .
    حتى أنّ قوانينهم تجرّم إهانة هذا العَلَم أو إلقاءه في الأرض، أو عدم الاهتمام بتنظيفه، ويهتمون بتربية أطفالهم على تقديس هذا العَلَم منذ الصغر حيث يجبرونهم على الوقوف كل يوم صباحاً لتحيته والخشوع أمامه، وتعاقب قوانينهم أي مدرسة لا تؤدي تحية العَلَم ، أو أي شخص لا يقف بخشوع أثناء تأدية هذه التحية فيلزمونه بالصمت الكامل وعدم الكلام أثناء ذلك،، بل يعاقبون مدير أي مدرسة سمح بوجود عَلَم مقطوع في مدرسته،، فمجرد عدم الاهتمام بهذا العَلَم جريمة تعاقب عليها قوانينهم.
    هذه الأفعال كلها ليس لها إلا دلالة قطعية واحدة وهي أنهم يعبدون الوطن، وهو وثن حقيقي يقف أمامه الجميع برهبة وخشوع...ولا يُقبَل تفسير آخر لذلك .. فمن لا يكفّرهم فهو كافر مثلهم.

    ومن ضمن مظاهر التعظيم الركوع:
    فهناك بعض مجتمعات تكون فيها تحية أفراد لبعضهم البعض عن طريق تأدية انحناء بسيط،، كبعض المجتمعات الآسيوية مثلاً،، أو كبعض المجتمعات الأوربية التي كان فيها رفع القبعة دليل على التحية.. وغير ذلك.
    فهذه الانحناءات لا تدل على ركوع التعظيم الذي هو ركوع العبادة، وإنما تدل على التحية..
    وعرفنا ذلك من خلال قرائن وعلامات تدل على ذلك، مرتبطة بعادات هؤلاء القوم ..
    لذلك فإنّ اختلاف تفسير هذه الانحناءات قد يكون مقبولاً، لأنّ الفعل أصلاً له أكثر من دلالة..
    أما عندما يكون الانحناء بغرض التعظيم، فهذا ركوع عبادة، وليس مجرد تحية، وصاحبه مشرك كافر، لأنه بذلك يعبد غير الله..ومن أمثلة ذلك الركوع الذي تفعله بعض الشعوب أمام حكامها، فلا يفعلون ذلك إلا مع الحاكم، ولو كانوا يقصدون به مجرد التحية لكنا وجدناهم يفعلونه مع بعضهم البعض باستمرار أثناء التحية،، ولكن تخصيص هذا الانحناء للملِك فقط بالإضافة لبعض أفعال التعظيم والتبجيل المصاحبة له ،فيدل هذا كله على أنه ليس مجرد تحية وإنما ركوع تعظيم وعبادة...وهذا الفعل دلالته قطعية ومؤكدة بحيث لا يجوز الاختلاف فيه،، فمن يصف هؤلاء المشركين الذين يركعون للملِك بأنهم مسلمين ويقصدون التحية فقط، فهو كافر مثلهم، ولا يُقبَل تفسيره المخالف للفعل بسبب وضوح دلالته.

    ومن مظاهر التعظيم أيضاً السجود:
    فالسجود أيضاً قد يُقصَد به التحية، وقد يُقصَد به العبادة..
    فالله عز وجل أمر الملائكة بالسجود لآدم، ولم يكن هذا سجود عبادة، فالله لا يأمر بعبادة غيره، وإنما كان سجود تحية..
    وكذلك ما فعله أقارب يوسف عليه السلام عندما خروا له سُجّداً عندما التقوْا به، فإنّ ذلك كان على وجه التحية لا على وجه التعظيم والعبادة..
    ونفس الشيء يُقال عن الرواية التي تتحدث عن سجود الصحابي معاذ للنبي، وعلى فرض صحة الرواية فإنّ هذا السجود أيضاً كان يُقصَد به التحية والتوقير ..
    وكذلك ما يفعله بعض الأبناء من تقبيل لقدم الآباء والأمهات .. فإنّ هذا من باب البر والاحترام ، لا من باب التعظيم..
    فتوقير الكبير هو من الأخلاق الحميدة،،
    ويُعرَف الفرق بين سجود التحية والتوقير وبين سجود العبادة من خلال القرائن والعلامات أيضاً، فسجود الشيعة الروافض لأئمتهم سجود عبادة لا سجود تحية لأنّ المعروف عن حالهم أنهم يعظمون أئمتهم ويعتقدون فيهم النفع والضر، وكذلك سجود الصوفية لمشايخهم، وكذلك سجود بعض العساكر للضباط داخل أقسام الشرطة والأجهزة الأمنية، وكذلك سجود بعض الناس للفنانين والمطربين وتقبيل أقدامهم في ظل حالة من الهوس الشديد داخل الحفلات، وغيرها من الأمثلة التي يكون فيها السجود سجود عبادة لا سجود تحية ..
    كما أنّه لم يرد في النصوص التي أخبرت عن سجود الملائكة لآدم أو سجود أقارب يوسف ليوسف، لم يرد فيها كيفية هذا السجود، فربما كان يحدث كهيئة الانحناء فقط، وليس كهيئة السجود المعروفة الآن وهي وضع الجبين على الأرض.. لذلك قد لا يكون كهيئة السجود الحقيقي أصلاً، وإنما سمي سجوداً على وجه المجاز فقط.

    أما عن عبادة المحبة:
    فكما أسلفنا، قد يحب المرء زوجته وأبناءه حباً طبيعياً، وقد يحبهم حباً تعبدياً..
    فقد يصدر من الشخص كلام يحتمل دلالات مختلفة يعبّر به عن حبه لأبنائه، فلا يُجزَم حينئذ أنه يحبهم على وجه العبادة..
    وقد يتفوّه بكلام ليس له إلا دلالة قطعية واحدة وهي أنه يحبهم "حب عبادة" كأن يقول: "أنا عايش لأجل أولادي" أو يقول "أولادي هم الحياة كلها بالنسبة لي" ..فهذا كلام لا يٌقال إلا لله..
    أو كعبارات العشق المنتشرة بين العشاق والتي يقولون فيها أنهم قد يموتون في سبيل محبوبهم ..
    ونفس الشيء في محبة الأوطان ومحبة النوادي والفرق الرياضية ، فيقولون أنهم يموتون في سبيلها ، وهكذا ، مما لا يقال إلا لله ، فهذه الأقوال والأفعال كلها واضحة الدلالة في كون هذه المحبة محبة عبادة لا محبة طبيعية.


    وفي عبادة الطاعة:
    أيضاً هناك أفعال واضحة الدلالة على كونها طاعة تعبدية لا طاعة طبيعية..
    فالجندي الذي يبرر الطاعة العمياء للضابط بقوله : "أنا عبد المأمور"، لا يحتمل قوله سوى دلالة واحدة وهي دلالة الطاعة الشركية، فهو يطيع قائده طاعة مطلقة، وهذه هي طاعة العبادة التي لا تجوز إلا لله..
    وأيضاً الموظفون والعمال في المؤسسات العامة، والذين يطيعون رؤساءهم طاعة عمياء ، مبررين ذلك بأنهم يستحيل أن يخالفوا التعليمات، فهذه أيضاً طاعة مطلقة، وهي طاعة تعبدية لا تُصرَف إلا لله.
    وأيضاً الناس الذين يتبعون المشايخ والعلماء اتباعاً أعمى، ويقلدونهم دون تفكير بحجّة أنّ مسائل الدين خاصة بالعلماء فقط، فيطيعونهم طاعة مطلقة ويجعلونهم مشرعين مع الله..
    فهذه الأفعال كلها دلالتها واضحة على صرف الطاعة التعبدية لغير الله، ولا يجوز أن نختلف في دلالتها.


    وفي عبادة التحاكم:
    فقد قلنا أن هناك فارق بين من يؤمن بالله حَكَمَاً لكنه يخالف في التنفيذ فيسمى عاصياً،، وبين من يعلن أنّ مرجعيته في الحكم هي أي شيء غير الله فيكون بذلك كافراً، أي يقصد ويستحل التحاكم لغير الله ..
    فحكام العرب اليوم يستحلّون الحكم بغير الله، ولا يمكن تشبيه حالهم بحال حكام بني أمية القدامي الذين كانوا يخالفون في تنفيذ أحكام الله أحياناً بسبب ظلم أو هوى..
    واستحلال الحكم بغير ما أنزل الله واضح أصلاً في أول المباديء التي يعلنونها في دساتيرهم وهو أنّ الحكم للشعب، وأنّ الأحكام تستمد سلطتها من إرادة الشعب، ويصدرون الأحكام بإسم الشعب وهكذا.. فهم يضعون الشعب مكان الله في الحكم والتشريع، وهذا شرك أكبر، ولا يجوز أن نختلف في دلالته، فهي أفعال قطعية الدلالة على استحلال الحكم بغير ما أنزل الله .. وتختلف تماماً عما كان يفعله بنو أمية الذين كانوا يعلنون أنّ الحكم لله وليس للشعب أو لأي طاغوت آخر، ويأتون عند التنفيذ فقط فيخالفون، مثل مخالفة أي مسلم لأوامر الله بسبب الضعف فيصير عاصياً ولا يصير كافراً.
    كذلك ما يحدث الآن من الذين يسمونهم "إسلاميين" من الذهاب للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الديمقراطية، بحجّة أنها وسيلة للإتيان بحكم إسلامي،، فهذا أيضاً من التحاكم الشركي الواضح الدلالة حتى وإن كانوا يزيّنونه ويزخرفونه بمسميات أخرى ..
    فحتى لو كانت نيتهم هي الإتيان بحكم إسلامي، فإنّ النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد، وهؤلاء لا يعرفون ما هو الحكم الإسلامي أصلاً ويظنونه هو إقامة الحدود فقط،، ولا يفهمون أنّ مجرد وضع الشريعة الإسلامية كمجرد اختيار من ضمن اختيارات كثيرة في صناديق الانتخاب يعني أنّنا نقول للناس: هل تختارون الله حَكَمَاً أم تختارون حكَمَاً آخر؟
    ومجرد طرح هذا السؤال يجعل الله سبحانه مجالاً للمنافسة مع آلهة أخرى كثيرة،، وهذا في حد ذاته كفر بالله وعدم توقير له.
    كما أنّ القول بأنّ "إرادة الشعب" هي الحَكَم الوحيد في هذه العملية، يجعل "إرادة الشعب" هذه هي الرب الذي يحكم دون منازع،، وإنما يحدد الناس الحكم الذي سيختارونه بناءً على إرادة هذا الرب المزعوم المسمى "إرادة الشعب"،، فحتى لو جاء الحكم إسلامياً فإنّه لم يأتِ بسبب رغبة الناس في عبادة الله، وإنما جاء بناءً على إرادة هذا الرب المزعوم الذي يضعونه فوق الله نفسه، وهو "إرادة الشعب"..وهذا ما يجعل العملية الديمقراطية شركاً أكبر بالله، حتى لو جاءت بحكم إسلامي.
    وليس هناك ما يدعو لإحسان الظن بهؤلاء الإسلاميين، والقول بأنهم لم يقصدوا الشرك، فإنّ أول مبدأ يؤمن به الناس وينصاعون له في العملية الديمقراطية هو مبدأ أنّ الحكم للشعب، وأن إرادة الشعب هي الفيصل.. وهذا شيء لا يجهله أحد..ومن يوافق على الدخول في هذه العملية فإنه يوافق على أن يجعل "إرادة الشعب" نداً لله في الحكم، أي يوافق على الكفر بالله... لذلك فهذه الأعمال قطعية الدلالة في الحكم على أصحابها بأنهم واقعون في شرك التحاكم.
    كما أنه لا يُقبَل تأويل البعض للديمقراطية بأنها مثل الشورى،، فما أبعد هذا عن ذاك ..
    فالشورى كانت تتم داخل مجتمع إسلامي يحكم بحكم الله، لكن أفراده قد يتشاورون فيما بينهم في الأمور التي لم ينزل بها نص صريح أو في أمور الدنيا.. أي أنهم في الأصل متوجهين لله بالاستسلام الكامل لحكمه وشريعته ..
    أما أصحاب الديمقراطية فيضعون مبدأ "حكم الشعب" فوق الجميع بمختلف دياناتهم وطوائفهم، فيحكمون بــ "إرادة الشعب" ويضعونها معياراً أساسياً حتى لو تعارضت مع أحكام الله.
    والجميع يعرف هذا ،، أنّ إرادة الأغلبية مقدسة ولابد من اتباع ما تحكم به، فإذا حكمت الأغلبية بتصريح الخمور والملاهي الليليلة والزنا مثلاً، فلابد من تحليلها وترخيصها رسمياً لأنه لا يجوز مخالفة إرادة الأغلبية،، وجميع من يدخل مجلس النواب (البرلمان) يعلم ذلك، أنه لا سبيل لمخالفة إرادة الأغلبية، وهذا هو مبدأ البرلمان الأول أساساً ومن أجله عُقِد..
    إذن لا مجال للقول هنا بأن الديمقراطية مثل الشورى،، ولا يُقبَل تأويل من يقول بذلك، لأنّ هذا الأمر واضح الدلالة في كونه شركاً بالله، ولا علاقة له بالشورى الإسلامية.
    وبما أننا نتحدث عن "دلالة الأفعال على التحاكم" فينبغي الإشارة هنا إلى شبهة قبل أن نغادر هذا الباب:
    وهي الشبهة المتعلقة بقوله تعالى : ((يا أيها النبي لِمَ تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضاة أزواجك))
    فإذا كنا نقول أنّ التحليل والتحريم خاصية من خصائص الله لا ينازعه فيها أحد،، فكيف يحرم النبي ما أحلّ الله؟ أليس ذلك تشريعاً مع الله؟
    والجواب أنّ هذه الآية نزلتْ في النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبرته نساؤه أنّ العسل الذي شربه له رائحة كريهة، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يشرب من هذا العسل مرة أخرى ، بسبب أنّ النبي كان يحب الرائحة الطيبة، وكره أن يُشَمّ منه رائحة خبيثة، فهذا لم يكن تحريماً لشيء أحله الله بمعنى التشريع، وإنما بمعنى الكراهية فقط.. وهذا يختلف تماماً عمن يحرّم شيئاً من الطيبات التي أحلها الله ، ويحرمها مطلقاً، ويفرض ذلك كقانون عام يخالف به قانون الله،، كمن يحرّمون الأكل من اللحوم بسبب أنهم يرون ذبح الحيوانات عمل متوحش وغير أخلاقي،، فهؤلاء لم يتجنبوا أكل اللحم فقط، وإنما اعترضوا أصلاً على إباحة الله للذبح،، فهذا اعتراض على حكم الله، وتحريم لما أحله الله بمعنى التشريع مع الله..وليس هذا هو ما وقع فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وحاشاه!
    والرواية السابقة التي تفيد بأنّ سبب نزول الآية هو ما ذكرناه عن شرب العسل هي الرواية الأصح..
    أما الروايات الأخرى التي تخبر بأنّ سبب نزول الآية هو أنّ النبي حرّم على نفسه أن يطأ مارية القبطية، فهذا لو صحّ فإنّ المقصود به ليس تحريم نكاح الإماء كتشريع عام، وإنما هو مثل أن يقول الرجل لامرأته: أنتِ حرام عليّ...بسبب غضب أو انفعال، وهذا ليس تشريعاً مع الله، أو تحريم لما أحلّه الله، وإنما هو موقف شخصي يتعلق بكراهية الشخص لشيء معين في وقت معين.


    وفي عبادة الدعاء والاستغاثة:
    هناك بعض أفعال هي في الأصل محتملة الدلالة على كونها دعاء لغير الله،، كمن يقف أمام الأضرحة والأولياء ويقول : أنا لا أسألهم مباشرةً، وإنما أطلب منهم أن يتوجهوا لله بمسألتي ، فأنا لا أعبدهم، ولكني أعبد الله، ولا أسألهم بل أسأل الله وأجعلهم واسطة فقط ..
    وهذا الفعل إذا نظرنا إليه مجرداً فإننا لا نستطيع أن نحكم عليه بأنه شرك بالله في الدعاء، لأنّ صاحبه لم يدعُ غير الله مباشرةً، وإنما جعله واسطة..ولكن هذا لم يكن الصحابة ولا السلف يفعلونه، فيمكن أن نصفه بأنه بدعة لكنه ليس شركاً..
    هذا في الأصل ..
    لكن أغلب من يفعل ذلك يكون توجهه لصاحب الضريح بالطلب مقترناً بكمال الذل مع الخضوع، ويعتقد فيه أنه يملك قراراً وتصرفاً مع الله، أي أنّ الله لا يقدر على مخالفة طلبه،، وهذا في حد ذاته شرك بالله، لأنّ الله ليس بينه وبين أحد من خلقه وساطة خاصة،، وإنما أكرمنا على الله هو أتقانا.
    كما أنّ اعتماد الإنسان دائماً على شخص معين ليدعو له،، يحوّل هذا الدعاء بعد ذلك إلى دعاء الشخص مباشرةً،، فهو أصبح يعتمد عليه مطلقاً في جميع حوائجه،، وكلما همَّ بأن يسأل الله لا يفعل ذلك وإنما يتوجه للولي أو للشفيع لكي يدعو له الله،، فهكذا صار وكأنه يدعو الشفيع أو الولي نفسه،، فالفعل الذي يفعله يحمل هذا المضمون، حتى وإن لم يصرّح به مباشرةً.
    هذا هو الحق في هذه المسألة، بعد التأمل .. وهو السبب الذي جعل الله يحكم على من يلجأون للوسائط بأنهم مشركون، وهم من قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فسمى الله أفعالهم عبادة لهؤلاء الشفعاء والوسطاء.
    ولكن لا ينبغي تكفير من يخالفنا الرأي في هذه المسألة، باعتبار أنه يحكم بالأصل في هذا الفعل وهو خلوه من الشرك باعتبار خلوه من دعاء غير الله..ولا يتأمل في حال من يفعل ذلك مثل تأملنا نحن ..لذلك يحكم على هذا الفعل بدلالات مختلفة عن الدلالات التي نفهمها..وهذا يسعنا فيه الخلاف، لأنّ هذه الأفعال هي ظنية الدلالة ولا تحتمل دلالة واحدة.
    أما من يدعون غير الله مباشرةً ويسألون غير الله مباشرةً، فهذه واضحة وليس لها إلا دلالة واحدة وهي دلالة الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله، وهذا لا يمكن أن نختلف فيه، فمن لا يكفّر من يفعلون ذلك فهو كافر مثلهم ، مهما كان له من تأويلات فلا يُقبَل تأويله.


    وفي عبادة التوكل:
    قد تكون هناك أفعال غير واضحة الدلالة ،، كمن يقول : "أنا واثق أنّني سأفعل ذلك" وينسى أن يقول "إن شاء الله" .. فمجرد نسيان الكلمة لا يعني بالضرورة أن صاحبها يعتقد أنه متوكل على نفسه بدلاً من الله،، فكثير من الناس ينسون هذه الكلمة، وعندما يُذَكّرون بها يقولونها، فلا ينبغي التسرع في الحكم عليهم بأنهم واقعون في شرك التوكل من أجل أنهم نسوا النطق بها.
    ولكن هناك من يرفض النطق بها، فهذا مشرك صريح، وفعله دلالته واضحة، ولا يجوز أن نختلف في تفسيره.
    أيضاً هناك فرق بين أن يعتمد الإنسان على شخص ويستعين به في أشياء يقدر عليها، فهذه استعانة طبيعية، وبين أن يستعين الإنسان بشخص في أشياء لا يقدر عليها إلا الله فهذه استعانة شركية وهي مثل الأفعال التي يرتكبها الناس من التوكل الكامل على الساحر في حل مشاكلهم أو التوكل الكامل على الطبيب أو على التمائم التي يعلقونها،، فهذه أيضاً أفعال واضحة الدلالة، ولا ينبغي أن نختلف في تفسيرها، وهي منتشرة بين الناس جداً.

    وفي عبادة الخوف:
    فهناك أفعال لا تحتمل دلالة واضحة على كون أصحابها يخافون خوفاً تعبدياً،، مثل بعض النساء يخافون خوفاً شديداً من الظلام أو من الوحدة أو من الزواحف والفئران .. إلخ
    فهذا الخوف الشديد ليس بالضرورة أن يكون خوفاً تعبدياً يعني اعتقاد النفع والضر في هذه الأشياء..
    كما أنّ هناك خوف طبيعي من الناس يحدث للشخص أحياناً، فيتجنب أن يفعل أفعالاً مريبة حفاظاً على سمعته وسط الناس...وهذا مطلب شرعي ليس فيه بأس.. وهذا مثل الذي وقع للنبي من خشيته للناس أن يقولوا عنه أنه يتمنى الزواج من زينب بنت جحش، وذلك في قوله تعالى : ((وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)) ، فهذا المقصود به خشية الشخص من الإفصاح عن رغبته بين الناس، خصوصاً إذا كانت متعلقة بالرغبة في امرأة معينة، فهذه الأشياء يحتفظ بها الإنسان لنفسه ولا ينشرها بين الناس ليس فقط حفاظاً على سمعته ولكن أيضاً حفاظاً على سمعة المرأة نفسها،، وهذه خشية طبيعية، وليس فيها أي دلالة على أنها من الخوف التعبّدي الذي يخاف فيه الإنسان من المخلوقات خوفاً مطلقاً ويعتقد فيهم النفع والضر، فما أبعد هذا عن ذاك!
    ولكن هناك أفعال أخرى قطعية الدلالة على كون الخوف خوف تعبدي، وذكرنا أمثلة لذلك عندما تحدثنا عن عبادة الخوف، مثل من يخافون من ضباط الجيش والشرطة خوفاً تعبدياً بحيث يعتقدون أنّهم بيدهم كل شيء وأنهم يستطيعون فعل أي شيء ويطيعونهم طاعة مطلقة لتجنب أذاهم واعتقادهم بأنهم يملكون النفع والضر بشكل مطلق ..
    ومثل من يخافون من الجن لدرجة أن يستعيذون به ويذبحون له طلباً لإرضائه،فهذا الخوف تحول لخشية، بحيث صار أصحابه يخافون من الجن لذاته، أي يعتقدون فيه القدرة المطلقة على الضر .. وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ..فهذه الأفعال واضحة الدلالة على كون أصحابها واقعون في خوف تعبدي ولا خوف طبيعي،، فهم مشركون ولا ينبغي الاختلاف في تكفيرهم.. وهكذا.

    ***********************

  14. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ومن ضمن الأمثلة الشهيرة على اختلاف الفهم في دلالة الأفعال الكفرية:

    1. حادثة ذات أنواط الشهيرة.
    2. حادثة حاطب بن أبي بلتعة.
    3. حادثة صلح الحديبية.
    4. حادثة مانعي الزكاة.
    5. مسألة "ترك الصلاة".


    بالنسبة لحادثة ذات أنواط:
    فهي رواية يختلف فيها أهل العلم في تفسير دلالتها، هل كان أصحاب النبي يقصدون عبادة غير الله، أم كانوا يقصدون مجرد التبرّك الخالي من الشرك، أم لم يقصدوا هذا ولا ذاك وإنما قصدوا مجرد استخدام الشجرة فقط في تعليق أسلحتهم؟
    وعلى حسب اختلاف كل واحد في فهم دلالة ما قاله الصحابة، يكون الاختلاف في تحديد الحكم ..
    ولعل الأنسب قبل الخوض في شرح الحديث أن نسرده كاملاً كما يلي:
    قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن سنان بن أبي سنان الديلي ، عن أبي واقد الليثي قال (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين ، فمررنا بسدرة ، فقلت : يا نبي الله اجعل لنا هذه " ذات أنواط " ، كما للكفار ذات أنواط ، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ، ويعكفون حولها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ( قال إنكم قوم تجهلون ) إنكم تركبون سنن من قبلكم ))

    وجاء بلفظ (ونحن حديثو عهد بكفر ) في مسند الطيالسي.

    والحديث ورد بإسنادين :
    1) إسناد سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي.
    2) إسناد كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده.

    وكلا الإسناديْن تكلم فيه علماء الحديث،،
    فهذا الحديث مشكوك في صحته أساساً..

    وعلى فرض صحته فإنّ ما قاله الصحابة "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" لا يدل بالضرورة على طلبهم للشرك..فذات الأنواط هي شجرة كان المشركون يرتكبون الشرك عندها ..ولكن ربما قصد الصحابة هو أنْ يكون لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم فقط ،، ولم يقصدوا أن يرتكبوا الشرك عندها كما يفعل المشركون .. هذا احتمال ..
    أو أنهم قصدوا أن يجعل الله لهم مكاناً يكون سبباً في التماس البركة،، ومن المعلوم أنه ليس كل التماس للبركة يعد شركاً،، إلا إذا اعتقد الإنسان أنّ هناك شيء معين يحمل البركة بذاته ، أو بمعنى آخر ينفع ويضر بذاته، أما إذا اعتقد الإنسان أنّ هذا الشيء هو مجرد سبب للحصول على البركة، وأنّ الله هو الذي وضع فيه هذه البركة، فهذا ليس بشرك .. ولكنه قد يكون ذريعة للشرك .. وهذا قد يفسر رد الفعل الشديد للنبي على ما قاله أصحابه،، فقد كان يخشى أن يسيروا على سنن المشركين حتى يقعوا في الشرك مثلهم .. هذا احتمال آخر ..
    الاحتمال الثالث أنّ أصحاب النبي طلبوا الشرك بالفعل، لأنهم حديثو عهدٍ بكفر، ولم يعرفوا معنى "لا إله إلا الله" على حقيقتها، وهم في هذه الحالة يكونون كفاراً لا زالوا على كفرهم ولم يعرفوا التوحيد.. وفي هذه الحالة يُحمل قول النبي لهم : "هذا كما قال أصحاب موسى، اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة" على أنه تكفير من النبي لهؤلاء الذين طلبوا منه أن يجعل لهم ذات أنواط .. فالتكفير لا يقتضي بالضرورة أن يقول النبي لهم مباشرة : "أنتم كفار" ، فهذا فهم سطحي.. وإنما التكفير قد يحدث بألفاظ كثيرة غير مباشرة مؤدية لنفس المعنى ، كما كَفّر موسى عليه السلام بني اسرائيل الذين طلبوا عبادة إله آخر ، بقوله : "إنكم قومٌ تجهلون" ولم يقل لهم : "أنتم كافرون" ، مع أنه كان يقصد تكفيرهم، لكن ليس شرطاً أن يذكر التكفير بكلمة "أنتم كفار".

    وهذا مثال على اختلاف فهم دلالة الأفعال ..
    فما قاله أصحاب النبي يحتمل أكثر من دلالة، لذلك يسوغ لنا الاختلاف في فهم هذه الدلالات .. لكن لا يسوغ لنا في كل الحالات أن نعتقد أنّ هناك عذر بالجهل في الشرك الأكبر بحجة أنّ النبي لم يكفّر من طلبوا الشرك الأكبر،، فكما قلنا أننا حتى لو افترضنا أنهم طلبوا الشرك الأكبر فالنبي عنّفهم ، وهذا التعنيف جاء بكلمات لا يُستبعَد فيها قصده للتكفير .
    وفي النهاية فإنّ هذا الحديث من الأمور المشتبهات، ولا ينبغي ترك المحكم وهو شهادة التوحيد ، واتباع المتشابه والقول بأنّ الإسلام يمكن أن يجتمع مع الشرك، فهذا القول يهدم الإسلام بالكلية ..كما أنّ الحديث أصلاً مشكوك في صحته.

    بالنسبة لحادثة حاطب بن أبي بلتعة:
    فيتمسك بها بعض المشركين أيضاً لإثبات أنّه يوجد عذر بالجهل في ارتكاب الكفر ..
    والذي فعله حاطب هو أنه كان له أقارب بمكة، بينما كان هو بالمدينة، وخشي على أقاربه من بطش المشركين، فأراد أنْ يفعل للمشركين شيئاً يجاملهم به حتى يتجنب أذاهم لأقاربه الموجودين عندهم، فأرسل إلى المشركين يخبرهم بنيّة رسول الله في القدوم إلى مكة وقتال أهلها..
    أي أنّ ظاهر فعله أنه تجسس لصالح المشركين ..
    وهذا الفعل في الأصل واضح الدلالة على موالاة المشركين، فالتجسس لصالح المشركين موالاة لهم، وليس له تفسير أو دلالة أخرى، وبما أن موالاة الكافرين كفر بالله، فإنّ ما فعله حاطب هو في ظاهره كفر بالله يخرجه عن ملة الإسلام.
    ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُقِم عليه حد الردة،، فقد صدّقه فيما قاله عندما دافع عن نفسه أمام النبي مبرراً فعله بأنه لم يفعله رضاً بالكفر بعد الإسلام ولا ارتداداً عن الدين، وإنما فعله اضطراراً بسبب خوفه على أقاربه..فلما سمع النبي ذلك قال : لا تقولوا لأخيكم إلا خيراً ، فإنه قد صدق.
    ثم نزلت فيه آيات سورة الممتحنة تقول:
    ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)
    إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)
    لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)
    قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)
    رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) ))

    وإذا أردنا أن نفهم سبب عفو النبي عن حاطب فيمكن تفسيره بالاحتمالات التالية:

    • الاحتمال الأول هو أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أسقط عنه حد الردة دون حكم التكفير، بمعنى أنه كفّره لكنه لم يعاقبه بسبب أنه من أهل بدر، ويدل على ذلك قول النبي لمن أرادوا أن يقتلوا حاطباً: إنه ممن شهد بدراً، وما أدراكم أنّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، قد غفرتُ لكم؟
      أي أنّ عفو النبي هنا عن حاطب كان بسبب أنه من أهل بدر، لكن عفوه عنه في العقوبة لا يعني أنه لم يكفّره، بدليل أنّ الصحابة الذين حضروا هذا الموقف كفّروا حاطباً وسكت النبي عن ذلك ، وسكوت النبي فيه إقرار لهم بتكفيره.
      هذا تفسير وجيه، لكن يردّه قول النبي عن حاطب: لا تقولوا في أخيكم إلا خيراً، فاعتبره النبي أخاً لهم، ولا يكون أخاً لهم إلا إذا كان مسلماً مثلهم،، كما أنّ آيات سورة الممتحنة عندما نزلتْ فإنّها ابتدأت بقول الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا" .. أي أنّ الله عز وجل خاطب حاطباً بصفة المؤمن، ولم يخرجه من الإسلام.
      ولكن هذا قد يُرَدّ عليه أيضاً بأنّ الله ورسوله خاطبا حاطباً بصيغة الإسلام بسبب أنّ حاطباً ندم على ما فعله،، فيعتبر ندمه هذا توبة من الكفر الذي اقترفه وعودة منه إلى الإسلام.



    • الاحتمال الثاني هو أنّ حاطباً لم يقع أصلاً في موالاة الكافرين، وأنّ فعله لم يكن تجسساً بالمعنى المعروف، وإنما كان مجرد تورية ظاهرها أنه يخبر قريشاً بمجيء النبي ، وحقيقتها أنه كان يهددهم بأنّ النبي منصور لا محالة فلا فائدة من مقاومته.. وهذا التفسير يذهب إليه البعض بسبب أنّه جاء في رسالة حاطب للمشركين أنّ الله سينجز وعده لنبيه وسينصره..
      فهم يفسرون فعل حاطب على أنه تهديد للمشركين وليس تجسساً لصالحهم، لذلك فهو لم يواليهم، وبالتالي لم يكفّره الله ورسوله..
      ولكن هذا الاحتمال بعيد بسبب أنّ الصحابة كلهم فهموا من فعل حاطب أنه تجسس للمشركين ووالاهم وكفّروه بسبب ذلك ، ويُستَبعَد أن يكون الصحابة كلهم على خطأ، كما أنّ النبي أقرهم وسكت على ما قالوه في حقه، كما أنّ حاطباً نفسه برر فعله بأنه أراد أن يصنع معروفاً للمشركين يتجنب به أذاهم، فلو كان حاطباً يهددهم فقط كما يفسر البعض لما قال حاطب أنه أراد أن يتقرب إليهم، فكيف يهددهم ويتقرب إليهم في وقت واحد؟ هذا بعيد..
      كما أنّ آيات الممتحنة عندما نزلت أكدت أنّ ما وقع فيه حاطب هو من موالاة المشركين، حيث قال الله تعالى :
      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ))
      فسمى الله فعل حاطب بأنه موالاة للكافرين ومودة لهم..
      ولكن السؤال هنا:
      كيف يكون فعل حاطب موالاة للكافرين وفي نفس الوقت يخاطبه الله بقوله: يا أيها الذين آمنوا؟
      أي كيف يعتبره الله من المؤمنين برغم موالاته للكفار،، فموالاة الكفار كفر بالله؟



    • هنا نأتي للاحتمال الثالث في تفسير فعل حاطب:
      وهو أنّ حاطب وقع بالفعل في موالاة الكافرين، وهذا يدل عليه ظاهر فعله الذي لا يحمل سوى دلالة واحدة قطعية ومؤكدة وواضحة وهي أنه تجسس لصالح الكافرين، وأنّ التجسس للكافرين موالاة لهم وكفر بالله..
      هذا هو ظاهر فعله، لذلك حكم عليه الصحابة بالكفر ولم يترددوا في ذلك ..
      ولكن بحكم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أحياناً بواطن الناس من خلال أنه نبي يوحى إليه من الله، فقد علم النبي من خلال الوحي أنّ قلب حاطب لا زال مطمئناً بالإيمان، وأن فعله وإن كان يدل في الظاهر على الكفر إلا أنّ باطنه مختلف عن ظاهره وأنه ما زال يحمل الإيمان،، ونزلت آيات سورة الممتحنة لتؤكد ذلك بقول ك "يا أيها الذين آمنوا" فأبقى الله حاطباً في زمرة المؤمنين ولم يكفّره ،، لكنه مع ذلك وبّخه وعاتبه وحذره أن يقع في ذلك مرة أخرى بقوله:
      ((لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))
      أي أنّ أقارب حاطب الذين فعل من أجلهم ذلك لن ينفعوه يوم القيامة..
      وحذر المؤمنين من الوقوع فيما وقع فيه حاطب ، قائلاً لهم :
      ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ))
      فحثهم على الاقتداء بأبي الأنبياء ابراهيم في براءته من قومه الكافرين، وعداوته لهم، وعدم ركونه إليهم .

    وخلاصة هذا الأمر أنّ الفعل الذي وقع فيه حاطب يدل على الكفر بظاهره دلالة قطعية واضحة ..
    وأننا يجب إذا رأينا مسلماً يفعل ما فعله حاطب أن نكفّره ونتهمه بموالاة الكافرين، كما فعل ذلك الصحابة مع حاطب وكفّروه ..
    وأننا يجب أن نعمل بقاعدة "تلازم الظاهر مع الباطن" أي أنّ الظاهر يدل على الباطن بالنسبة لنا، فإذا كان ظاهر الفعل كُفر فإننا نحكم على باطن الشخص بالكفر أيضاً ..
    ولكننا قلنا عند شرحنا لهذه القاعدة أننا قد نعمل بهذه القاعدة ونخطيء أحياناً لأسباب استثنائية يكون فيها ظاهر الشخص مختلفاً عن باطنه،، فالله هو الذي يعلم بواطن الناس على وجه الحقيقة ..
    وهذا هو الذي يفسر هذه الحادثة الاستثنائية التي لم يكفّر فيها الله حاطباً، لأنه مطلع على باطنه ويعلم أنه لا زال مؤمناً..وهذه المعرفة بالباطن لا يستطيعها إلا الله .. وهذا كان متوفراً زمن النبي لأنّ الوحي كان ينزل عليه ويخبره بحقيقة الناس .. أما نحن الآن فلا ينزل لنا وحي ليخبرنا بذلك .. لذلك وجب علينا الحكم على الناس بظاهر أفعالهم فقط ، والحكم عليهم بالكفر إذا ظهر منهم فعل يدل على الكفر دلالة واضحة ووحيدة كالفعل الذي ارتكبه حاطب.
    لذلك فإننا الآن لو في دولة مسلمة ووجدنا مسلماً يتجسس لصالح الكافرين، لوجب علينا أن نحكم عليه بظاهر فعله أنه ارتدّ عن الإسلام، ولا يجوز أن نفعل معه مثل ما فعل النبي، لأننا لا نملك وحياً خاصاً مثل النبي.


    • الاحتمال الرابع ، وهو التفسير الأصحّ بالنسبة لي:

    أنّ حاطب وقع حقاً في فعل ظاهره الكفر، ولكنّ الله عذره من باب أنّ موقفه يدخل في باب الإكراه، فحاطب فعل ذلك ليس لجهله بالإسلام ولا بسبب أنه شرح بالكفر صدراً كما أخبر عن نفسه، ولكنه فعله اضطراراً بسبب خوفه الشديد على أقاربه،، والإنسان في حالة الخوف قد لا يعقل ما يفعل ويتصرفات بأفعال مندفعة غير محسوبة بسبب أنّ تفكيره كله يكون منصبّاً في دفع الضرر عن نفسه أو عن أهله بأي طريقة..فعذره الله من أجل ذلك مثلما عذر عمار بن ياسر عندما وقع في الكفر بسبب عدم تحمله لأذى الكافرين،، لكن قد يختلف موقف حاطب قليلاً عن موقف عمّار، فعمار كان يواجه أذىً محققاً ومكروهاً شديداً، ومن المعروف أنّ غريزة البقاء في الإنسان من أقوى الغرائز، إن لم تكن أقواها على الإطلاق، وقد كان عماراً مهدداً في حياته نفسها، ورأى أهله يموتون تحت تعذيب الكفار، فخشي أن يلقى مصيرهم، فتكلم بكلمة الكفر، فعذره الله دون أدنى توبيخ لما فعله..
    أما حاطب فلم يكن يواجه أذىً محققاً، بل كان أذىً محتملاً، قد يقع وقد لا يقع، فهو يتوهم حدوث أشياء بعيدة الحدوث.. كما أنّ الأذى لو تحقق فلن يتحقق فيه هو، بل كان سيتحقق في أهله الذين يقيمون في مكة بين الكفار،، لذلك كان الأوْلَى به ألا يستهين بدينه ويفرّط فيه من أجل تجنب ضرر متوهم وغير حقيقي، كما أنّ أهله ربما هم الذين اختاروا الإقامة وسط المشركين ولم يرضوا بالهجرة إلى المسلمين في المدينة فكان هذا تقصيراً منهم في حق ربهم، ورضاً منهم بالإقامة بين ظهراني المشركين، فكانوا بذلك مستحقين للزجر والتوبيخ، لذلك كان من الأولى بحاطب أن يدعوهم للهجرة إلى مدينة النبي لا أن يقرّهم على البقاء وسط المشركين، أو كان الأولَى أن يقاطعهم حتى يهاجروا إلى المدينة، ولكنه بدلاً من أن يفعل ذلك راح يساعدهم على استمرار البقاء وسط المشركين ويحاول ضمان عدم تعرض الكفار بالأذى لهم..
    لذلك كان فعل حاطب يستحق العتاب من الله، وربما هذا هو سبب أنّ الله قال له:
    أنّ أهله وأقاربه لن ينفعوه بشيء يوم القيامة..
    لكنه مع ذلك الخطأ الذي عاتبه الله لأجله، ظل مسلماً ، ولم يخرج من دائرة الإيمان، بسبب أنه لم يرتكب فعله هذا عن انشراح صدر بالكفر، وإنما فعله كارهاً مضطراً بما يجعل فعله شبيهاً بحالة الإكراه، لكنه ليس إكراهاً حقيقياً، والمبرر الذي قاله ليس بالقوة التي تجعله يُعذَر في ارتكاب الكفر، لذلك عاتبه الله ..
    وبذلك يمكن أن نجمع بين كون حاطب وقع في فعل كفري يستحق التأنيب والتوبيخ وبين كونه ظل مستمراً في دائرة الإيمان لم يخرج منها بسبب شبهة وجود الإكراه.
    والله تعالى أعلى وأعلم.

    أيضاً بالنسبة لصلح الحديبية:
    فإنّ ما فعله النبي مع الكفار لا يجوز لنا فعله اليوم..من حيث كتابة شروط تُلزِم المسلمين بتسليم إخوانهم للمشركين،، فهذا التصرف في ظاهره فيه خيانة للمسلمين وموالاة للكافرين، أي أنّ ظاهره الكفر ..
    لذلك يقول بعض الإخوة : لو أنّ أحداً غير النبي فعل ذلك اليوم لكفّرناه مباشرةً.
    لذلك وجد الصحابة في أنفسهم شيئاً وقالوا للنبي: يارسول الله إذا كنا على الحق فلِمَ نعطي الدنيّةَ في ديننا؟ أي لماذا نرضخ للمشركين في هذه الشروط؟
    فردّ النبي بكلمة واحدة قائلاً: "إني أنا رسول الله، وإنه ناصري".
    فلم يعترض النبي صلى الله عليه وسلم على ما شعر به الصحابة، ولم يوبخهم، وإنما برر فعله ذلك بأنه يعلم شيئاً لا يعلمونه هم..فقد كان يعلم أنّ أي مسلم سيتم رده للمشركين فسوف يحميه الله منهم، وهذا ما حدث بالفعل عندما ردّ النبي أبا جندل وأبا بصير للمشركين التزاماً منه بالمعاهدة، لكنهما لم يعودا إلى مكة، وأقاما في وسط الطريق يقطعان طريق المشركين ، حتى نصرهما الله...
    وهذا كله كان من علم الغيب الذي أعلمه الله لنبيه..
    لذلك فإنّ تلك الحادثة أيضاً تعد استثناءً لمبدأ "تلازم الظاهر مع الباطن" ..
    فهذا الفعل وهو "تسليم المسلمين إلى المشركين" هو في ظاهره كفر..لكن النبي بالطبع يستحيل أن يكفر بالله،، لذلك لم نحكم على باطن النبي بالكفر وأنه خان المسلمين،، وذلك بسبب أن النبي كان يوحَى إليه من الله ويعلم أنّ المسلمين الذين سيردهم للمشركين لن يصابوا بسوء،، ولذلك فإنّ فعله هذا لا يدل على خيانته لهم.

    إذن هنا نحن أمام فعل قطعي الدلالة على خيانة المسلمين..
    لكنا لم نأخذ بهذه الدلالة في حالة استثنائية وهي أنّ النبي كان يعلم من الوحي أنّه لن يضرّ المسلمين بفعله هذا ..
    وإذا كان النبي فعل هذا بتوجيه من الوحي،، فليس لنا أن نفعل ذلك اليوم لأنه لا يوجد وحي ينزل إلينا ليخبرنا بالغيب.
    وهذا متشابه جداً مع ما قلناه عن فعل حاطب في المثال الذي سبقه. وكلا المثاليْن يتحدث عن "موالاة المشركين"، فالأول يتحدث عن التجسس لصالح المشركين، والثاني يتحدث عن تسليم المسلم لأخيه إلى المشركين، وكلا الفعليْن فيهما خيانة للمسلمين وموالاة للمشركين، لكن تم استثناؤهما من هذه القاعدة للأسباب الخاصة التي ذكرناها.

    بالنسبة لحادثة مانعي الزكاة:
    فقد اختلف أبو بكر وعمر في تكفير مانعي الزكاة،، فقد فهم كلٌ منهما فعل مانعي الزكاة بدلالات مختلفة عن الآخَر..
    ومانعو الزكاة يدخل حكمهم تحت "الطائفة الممتنعة"، أي الطائفة التي امتنعت عن تنفيذ أحد شرائع الإسلام..
    ومن المعلوم كما قلنا أنّ هناك فارق بين من يخالف حكم الله في التنفيذ فقط مع اعترافه بخطأه، وبين من يخالف حكم الله جاحداً له ورافضاً له كما فعل إبليس مثلاً.. فالأول عاصي، والثاني كافر ..
    وهذا هو الذي جعل أبا بكر وعمر يختلفان في حكم هذه الطائفة :
    هل هي من النوع الأول أم الثاني؟
    أي: هل امتنعت عن تأدية الزكاة كسلاً أو تأوّلاً (التأوّل هو وجود شبهة لدى الممتنع مثل استحلال قدامة بن مظعون لشرب الخمر لوجود شبهة أنّ الله أحلها للذين اتقوا، حسب فهمه لآية سورة المائدة)؟ أم امتنعت عنها جحوداً وتمرداً؟
    فإنّ كانت امتنعت كسلاً أو تأولاً فلا تُحارَب قبل أن تُناقَش وتقوم عليها الحجة.
    وإن كانت امتنعت جحوداً وتمرداً، فيُكَفّرون ويُحارَبون.

    والاختلاف بين أبي بكر وعمر كان على ذلك.
    وهذا مثال على اختلاف فهم دلالة الأفعال: هل يدل فعل هذه الطائفة الممتنعة على التأوّل أم الجحود؟
    فكان فهم أبي بكر لدلالة فعل هذه الطائفة هو الفهم الصحيح، أي أنها كانت تمنع الزكاة جحوداً لا تأوّلاً..
    وهذا خلاف يتعلق بجهالة الحال أو بعبارة أخرى يتعلق بجهل الواقع ، فأبي بكر وعمر هنا لم يختلفا في أصل من أصول الدين وإنما اختلفا في حال هذه الطائفة ، وكان أبو بكر هو الأعلم بحالهم، ولم يكن خطأ عمر في الحكم عليهم راجع لجهله بأصل الدين وإنما كان راجعاً لسوء تقديره لحال هؤلاء القوم. ثم تراجع عن ذلك وانشرح صدره لما رآه أبو بكر.
    لذلك لم يقم أبو بكر بتكفير عمر، لأنّ المسألة كلها عبارة عن تفاوت في المعلومات التي يمتلكها كل منهما عن الواقع،، والجهل بالواقع ليس كفراً، وإنما يكون الكفر في الجهل بأصل الدين.
    وأصل الدين هنا يقتضي العلم بأنّ رد حكم من أحكام الله وجحوده كفر بالله،، وعمر لم يكن يجهل ذلك ، وإنما أراد التأكد فقط من أنّ هذه الطائفة جاحدة بالفعل، فكانت معلومات أبي بكر عنهم أصحّ، لذلك كان حكمه عليهم أصحّ.

    وبالنسبة لمسألة "ترك الصلاة":
    فإنّ الصلاة في الأصل مجرد فريضة افترضها الله كسائر الفرائض، وليس لها علاقة بالتوحيد، أي ليس لها علاقة بشهادة "لا إله إلا الله"، فيمكن للمرء أن يكون مسلماً موحداً لله دون أن يصلي، كموحدو أهل الفترة الذين لم تبلغهم الشرائع، كما أنّ الصحابة ظلوا مسلمين دون أن يصلوا لمدة عشر سنوات كاملة، بسبب أنّ الصلاة لم تُفرَض إلا في السنة العاشرة بعد الهجرة في الإسراء والمعراج،، وبرغم ذلك كان الصحابة موحّدين طوال هذه السنوات حتى مع عدم تأديتهم للصلاة بشكلها الحالي.
    فشهادة التوحيد في الأساس شهادة ذهنية اعتقادية ، يكون المرء مسلماً إذا حقهها حتى وإن لم يفعل شيئاً من الشرائع، طالما أنّ هذه الشرائع لم تنزل.
    أما إذا نزلت فينبغي للمسلم الامتثال لأمر الله وتنفيذها، باعتبار أنّ إسلامه يحتّم عليه السمع والطاعة لله بشكل تام..
    ولكن قد يتكاسل المسلم في بعض الأوقات عن تنفيذ بعض الشرائع، فيكون عاصياً ولا يكون كافراً..
    أما إذا جحد هذه الشرائع وردّها بالكلية معتقداً أنها غير مناسبة أو ليس لها فائدة، فهنا يتحول الأمر من مجرد معصية إلى كفر مخرج من الملة.
    لذلك وجب التفريق بين تارك الفرائض جحوداً واستكباراً وبين تارك الفرائض كسلاً وتهاوناً ،، فالأول كافر، بينما الثاني عاصي.
    ويتم تحديد دلالة هذا الترك عن طريق القرائن والعلامات المقترنة به،، بمعنى أنه يتم التفريق بين تارك الصلاة أو حتى تارك الزكاة جحوداً وبين تاركها كسلاً عن طريق الأحوال المصاحبة للشخص ..
    فمن عرفنا من حاله أنه يحتكم دائماً لهواه ويجعله مشرعاً مع الله، كالعلمانيون وغيرهم، فهذا إن كان تاركاً للصلاة، فأغلب الظن أنه تركها جحوداً لا كسلاً، بسبب أنه يرجع للهوى والعقل دائماً في استمداد الأحكام ولا يرجع لله،، لذلك فإن تركه للصلاة يكون بسبب عدم إيمانه بها، فيدخل ضمن الجاحدين.
    أما من عرفنا من حاله أنه يصلي دائماً، لكنه في بعض الأوقات يتكاسل ... فهذا أغلب الظن به أنه يتركها لا بسبب الجحود وإنما بسبب التهاون، فيقال عنه أنه عاصي.
    ولكن من يدّعي أنه مؤمن بفريضة الصلاة ، لكنه مع ذلك لا يصلي إطلاقاً، ويدّعي أنه متكاسل، فهذا لا يُلتَفَت لادّعائه،، لأنه كان حقاً يؤمن بفريضة الصلاة لكنا وجدناه على الأقل يحاول الالتزام بالصلاة، فيصلي تارة ويترك تارة، ولكن عدم تأديته للصلاة إطلاقاً يدل على عدم إيمانه بها.. فيدخل ضمن الجاحدين لا ضمن المتكاسلين.

    وبناءً على هذا التفصيل يمكن حمل الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة، وأنها علامة مميزة للمسلم عن الكافر..
    فالكفر هنا إما أنه يُقصَد به الكفر الأصغر.
    أو أنه يُقصَد به الكفر الأكبر في حالة تركها جحوداً.
    وبسبب أنه لم يكن في الصحابة من يتركها تكاسلاً، كان الحكم في حق كل شخص ترك الصلاة أنه تركها جحوداً وشابه المشركين في تركهم للصلاة، فالمشركون لم يكونوا يصلون مع المسلمين، لذلك كانت الصلاة علامة مميزة للمسلم عن الكافر في ذلك الزمن،، ولا يُقصَد أنّ الصلاة في حد ذاتها هي التوحيد،، فالتوحيد لا علاقة له بالصلاة.

    وهذا مثال أيضاً على اختلاف دلالة الأفعال ..
    فالفعل واحد وهو "ترك الصلاة" ، ولكن يكون له دلالات مختلفة وأحكام مختلفة بحسب الحالة ..
    واختلاف الفهم في مسألة كهذه هو اختلاف سائغ ومقبول، فالصلاة أساساً ليست من أصل الدين، لذلك فلا ينبغي تكفير بعضنا البعض بسبب الاختلاف في حكم تاركها.
  15. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    نخلص مما سبق أنّنا نحكم بالكفر على الأشخاص الذين يصدر منهم أفعال قطعية الدلالة على الكفر، أي أفعال كفرية .. ولا شأن لنا بالباطن، أو حتى بما يدّعيه الكافرون عن أنفسهم أنهم لا يقصدون الكفر ..
    فمن ارتكب فعل كفري فهو كافر، حتى لو كان جاهلاً بأنّ فعله هذا معناه الكفر، إذ لا يقصد الكفرَ أحدٌ إلا ما شاء الله، كما قال ابن تيمية.
    فليس كل الكفار يقصدون أن يكونوا كفاراً..وإنما أغلبهم يظن أنه بعمله يتقرب إلى الله.. وهذا هو حال أغلب البشر منذ بدء الخليقة، كالنصارى والمشركين الوثنيين بشتى طوائفهم (مشركي الأمم القديمة، ومشركي العرب، ومشركي الهندوس ومشركي الأفارقة الوثنيين وغيرهم) بالإضافة إلى المشركين المنتسبين للإسلام اليوم (عُبّاد الأضرحة وعُبّاد الديمقراطية، وغيرهم).. فكل هؤلاء يظنون أنهم على حق، ويظنون أنهم مؤمنين بالله، ويجهلون أنهم كفار، فلم يقصدوا الكفر ولم يتعمدوه، لذلك سمّاهم الله ضالّين.
    وهناك فئة شاذة من البشر فقط هي التي قصدت الكفر وتعمّدته كإبليس واليهود والملحدين المنكرين للخالق.. وهؤلاء سمّاهم الله: المغضوب عليهم.
    وتختلف الطائفتان فقط من حيث حجم الجُـــــرم الذي ارتكبوه، ومن حيث استحقاق أحدهما للعقاب واستحقاق الآخر للعفو،، هذا من حيث الحساب الأخروي،، لكن الإثنان من حيث الوصف والحكم في الدنيا فهم جميعاً كفار لأنّهم لم يحققوا الإسلام.
    فمن لم يحقق الإسلام فهو كافر، سواءً كان جاهلاً أم متعمّداً.

    لذلك نقول أنّ كل من ارتكب الكفر فهو كافر، حتى لو لم يكن يقصد الكفر..والمهم أنه قصد ارتكاب الفعل الكفري، حتى لو لم يكن يعلم أنه فعل كفري..
    فمن دعا غير الله عند الضريح ، وكان يقصد ما يفعله، أي يقصد الدعاء، فهو كافر، حتى لو كان يجهل أنّ دعاء غير الله كفر..
    ومن تحاكم لغير الله في المحاكم الوضعية، وكان يقصد ما يفعل، أي يقصد فعل التحاكم، فهو كافر، حتى لو كان يجهل أنّ تحاكمه هذا كفر.
    ومن أطاع غير الله طاعة عمياء كمن يقولون : "نحن عبيد مأمورون"، وكان يقصد ما يفعل، أي يقصد الطاعة العمياء، فهو كافر، حتى وإن كان يجهل أنّ الطاعة العمياء لغير الله كفر.
    ومن أحب غير الله محبة عبادة ، فقال عن حبيبته مثلاً : "أنا أحبها حب عبادة"، وكان يقصد ما يفعل، أي يقصد أن يحبها هذا الحب، فهو كافر، حتى وإن كان يجهل أنّ محبة العبادة هذه كفر بالله.

    وهذا يختلف عمن لم يقصد ارتكاب الفعل الكفري أساساً، كمن يقول أشياء أو يرتكب أشياء وهو في حالة انفعالية تجعله خارج الوعي ولا يقصد ما يفعل، كمن يقول كلمة الكفر كزلّة لسان غير مقصودة، مثل من قال : "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، فقد كان يقصد أن يقول "اللهم أنت ربي وأنا عبدك"، لكنه أخطأ من شدة الفرح، فهذا لا يؤاخذ، وليس كافراً ، لأنّ الكفر هو قصد ارتكاب الفعل الكفري، وهذا لم يقصد ارتكاب الفعل الكفري...ومثله من يقول الكفر وهو تحت تأثير الخوف الشديد،، مثل الرجل الذي كان ظاهر كلامه التشكيك في قدرة الله على تجميع جثته بعد الحرق،، فهذا لم يكن يدري ما يقول بسبب الخوف ... ومثله من ينطق الكفر وهو تحت تأثير الغضب الشديد الذي يُذهب العقل .. ومثله الذي ينطق أو يفعل الكفر تحت تأثير السُكر، فيشرب الخمر حتى يذهب عقله بالكلية ولا يدري ما يفعل، فهذا عاصي لأنه شرب الخمر، لكنه ليس كافراً لأنه لم يقصد ارتكاب الفعل الكفري الذي فعله تحت تأثير السُكر..
    فالإيمان والكفر (الاعتقاد) مرتبطان بالعقل، فإذا ذهب العقل لم يكن المرء معتقداً لشيء ويصير كالمجنون، ولا يؤاخذ على ما يفعله.

    وباختصار:
    فإنّ من يدّعي أنه مؤمن بالله برغم ما يفعله من شرك وكفر،، فلا شأن لنا بادّعائه،، والعبرة بما يفعله في الواقع لا بما يدّعيه..أي العبرة بحقيقة الأفعال لا بمزاعم الأقوال..
    فمشركو قريش كانوا يزعمون أنهم على ملة ابراهيم وأنهم يؤمنون بالله، وكانوا يجهلون أنّ ما يفعلونه كفر بالله، بل كانوا يظنون أن ما يفعلونه يقربهم إلى الله: ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى! وبرغم ذلك كفّرهم الله ،، وحتى الجاهل منهم والذي مات قبل بعثة النبي محمد، ولم تصله الرسالة، فإنّ النبي كفّره، كتكفير النبي لأبيه وأمه وهما أقرب الناس إليه، وكانا يعيشان قبل الرسالة، أي لم تصلهم الرسالة ولم تُقَم عليهم الحجة ، وبرغم ذلك حكم الله عليهم بالكفر هم وجميع المشركين الذين ماتوا قبل البعثة..
    فليس معنى أنهم جاهلون وأنهم لم يقصدوا الكفر أنهم ليسوا كفاراً، بل هم كفار من حيث الحكم في كل الأحوال.
    وليس هذا فقط عن مشركي قريش، بل جميع المشركين في كل زمان ومكان ما وقعوا في الشرك إلا بجهل أو بتأويل، وكانوا يظنون أنهم مؤمنين، لكنهم عند الله كفار.
    فليس كل من تمنى الإيمان يكون مؤمناً، فالإيمان بالله له شروط معينة، كل من لم يحققها فلم يدخل الإسلام، سواءً كان بقصد أو بغير قصد.
    وكذلك نفس الحكم ينطبق على مشركي اليوم الذين يدّعون أنهم مسلمون لمجرد إيمانهم بالقرآن والنبي محمد، فهم أيضاً كفار لأنهم يجهلون معنى شهادة "ألا إله إلا الله" ، ويظنون أنّ الإيمان بالله مقتصر فقط على الإيمان بوجوده وربوبيته، ولا يهم بعد ذلك أن يسألوا غير الله أو يتحاكموا لغير الله أو يتوكلوا على غير الله ، فهم لا يفهمون أنّ أفعالهم هذه عبادة لغير الله،، وحتى من لا يفعل هذه الأفعال أي من لا يقعون في الشرك فإنهم لا يفهمون أنّ الواقعين في هذه الأفعال مشركين بالله..فهم لا يفهمون أنّ شهادة لا إله إلا الله تقتضي معرفة أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله،، فهم يدّعون أنهم يشهدون بشهادة التوحيد، لكنهم ينطقونها دون فهم لمعناها، فهم يشهدون بشيء لا يفهمونه ولا يعرفونه، أو يظنونه شيئاً آخر غير معناه الحقيقي، لذلك فشهادتهم باطلة غير محسوبة ولا اعتبار لها حتى لو لم يقعوا في الشرك نفسه، فهم جاهلون بمعنى شهادة ألا إله إلا الله، أي لا يشهدون لله بما ينبغي أن يشهدوا له به، وهذا في حد ذاته كفر بالله، حتى وإن لم يقعوا في الشرك.. فشهادة لا إله إلا الله هي الأساس لدخول الإسلام، ومن يجهل معناها فلم يدخل الإسلام.
    لذلك فالجميع كفار، سواءً من وقع في الشرك صراحةً..أو من يتحرّز من تكفيره .. كلاهما لا يفهم معنى "لا إله إلا الله"..
    وجميعهم كفار أصليون، وليسوا مرتدين.. فإنّ المرتد هو من عرف شهادة التوحيد بمعناها الصحيح، ودخل في الإسلام دخولاً حقيقياً ، ثم كفر بعد ذلك..
    أما هؤلاء فهم جاهلون بشهادة التوحيد منذ مجيئهم إلى الحياة، فهم كاليهود والنصارى وسائر الملل كفار أصليون،، أي لم يكونوا مسلمين يوماً قط!
    لذلك لا معنى هنا للكلام عن نواقض الإسلام، ولا معنى للسؤال :
    هل وقع شخصٌ ما في ناقض يجعله مرتداً عن الإسلام؟
    فالذين يركّزون على هذه الأسئلة ينطلقون من قاعدة أنّ الإيمان والكفر أصلاً عبارة عن مجرد أفعال خالية من الاعتقاد،، وهم يفعلون ذلك كردّ فعل على عقيدة المرجئة التي تغلغلت في هذه الأمّة منذ قرون وتسببت في التهوين من الشرك بحجة أنّ المهم هو اعتقاد القلب،، فالمرجئة المشركون يقولون أنه لا يضر مع الإيمان شرك،، أي يكفي للمرء أن يعتقد الإسلام بقلبه، ولا يضره بعد ذلك إن ارتكب الشرك أو حتى سبّ الدين، فكل ذلك عبارة عن معاصي لا تخرج من الملة وتحتاج فقط لتوبة عابرة مثل التوبة من المعاصي .. هذا هو اعتقاد المرجئة الذي هو الاعتقاد الشعبي المنتشر بين الناس اليوم..وترتب عليه إدخال جماهير غفيرة من المشركين في الإسلام بحجة أنهم ينطقون ب"لا إله إلا الله"..واعتقدوا أنه لا يجوز تكفير الحكام الذين يبدلون شرع الله ويحاربون شريعة الإسلام طالما أن هؤلاء الحكام ينطقون ب"لا إله إلا الله"، وبالتالي لا يجوز الخروج عليهم لأنه لا يجوز الخروج على حاكم مسلم.
    وقفتْ هذه العقيدة كحجر عثرة أمام تيار السلفية الجهادية الذين وهبوا كل حياتهم لمشروع القتال والخروج على الحكام المبدلين لشرع الله، فكيف سيقاتلون حكاماً مسلمين؟ أو كيف سيقتلون الجنود الذين يدافع عنهم مشايخ المرجئة بأنهم جنود مساكين ومجبرين على القتال؟ ووقف هؤلاء المرجئة في وجه "السلفية الجهادية" لينكروا عليهم : هل ستسفكون دم مسلم؟ وظلوا يحذرونهم من خطورة سفك دم المسلم..إلخ
    فلم تجد السلفية الجهادية بعد ذلك ما تبرر به قتالها للحكام وجنودهم سوى شروحات الشيخ ابن عبد الوهاب، والتي يتحدث فيها عن نواقض الإسلام، وأنّ الإيمان اعتقاد وقول وفعل، ولا يصح إيمان شخص إذا ارتكب أفعال الكفر..ومن هنا صار التركيز على قضية "الأفعال" .. فركّزت السلفية الجهادية كثيراً على شرح ووصف الأفعال التي يكون مرتكبها كافراً بغض النظر عما يدّعي من إيمان موجود بقلبه،، فقالوا أنّ من بدّل شرع الله فهو كافر وإن ادّعى أنه مسلم،، وقالوا أنّ الجنود الذين يحاربون في جيوش الحكومات العلمانية وقعوا في الردة لأنهم والوا الكفار ونصروا الطواغيت، ولا شأن لنا بما يدّعونه عن أنفسهم من إيمان وإسلام.
    ترتب على هذا التركيز الشديد على قضية "الأفعال" أنْ ضاعت حقيقة أنّ الإيمان في أساسه اعتقاد ..فصارت السلفية الجهادية يثبتون الإسلام لكل شخص لم يتلبّس بناقض من نواقض الإسلام، أي لم يتلبّس بفعل كفري، خصوصاً ما يتعلق بعدم قتاله مع الطواغيت، فالمهم عندهم هو ألا يقاتلهم أحد، فهم أصحاب عقيدة قتالية أساساً، أي تكيّف أحكام الإيمان والكفر على حسب المصلحة القتالية، فصاروا ينسبون الإسلام لكل شخص لم يحاربهم أو لم يقع في موالاة الطاغوت حتى وإن كان يجهل معنى شهادة ألا إله إلا الله ...
    فهربوا من تطرف المرجئة الذين يركزون فقط على الاعتقاد دون العمل،، إلى تطرف أفحش منه وهو التركيز على الأعمال فقط دون الاعتقاد..
    مثلما يفعل تنظيم الدولة اليوم، فهو يعتقد أن الأصل في الناس الإسلام إلا من وقع منعهم في ناقض من نواقض الإسلام كموالاة المشركين وغير ذلك فيصير مرتداً في نظرهم..
    وهذا الكلام بالطبع غير صحيح،، لأنّ تطبيق هذه النواقض إنما يكون في حق المسلمين الحقيقيين الذين عرفوا شهادة ألا إله إلا الله، فننظر إذا كان وقع الواحد منهم في ناقض من نواقض الإسلام أم لا، ثم نطبّق عليه شروط وموانع التكفير، لنرى إذا كان باقياً على إسلامه أم ارتدّ.
    أما في حق هؤلاء الذين تربوا على الكفر منذ نعومة أظفارهم، فلا معنى لتطبيق هذه القواعد عليهم، فهم كفار أصليون سواءً وقعوا في نواقض أم لا، وكفرهم هو في اعتقادهم قبل أن يكون في أفعالهم.

    وهذا ردّ على الذين يدّعون أنّه يكفي للحكم على الأشخاص بالإسلام أن يكونوا متجنبين لعبادة الطاغوت، أي يكونوا غير واقعين في عبادة غير الله..
    فمجرد تجنب عبادة غير الله لا يكفي وحده للحكم على الشخص بالإسلام،، لأننا قلنا أنّ هناك من يتجنبون الشرك لكن لا يحكمون على مرتكب الشرك بالكفر، أي أنهم يظنون الشرك مجرد كبيرة من الكبائر لا تتعارض مع الإسلام ولا تُخرِج من الملة.
    وهذا الاعتقاد في حد ذاته كفر بالله، حتى وإنْ تجنب أصحابه الوقوع في الشرك..
    فمجرد اعتقادهم بأنّ الشرك لا ينفي الإسلام،، يجعلهم كفاراً بالله..
    لأنّ من يشهد لله بالوحدانية فسيشهد أنّ الشرك بالله خيانة له وانتقاص من قدره سبحانه، وأنّ هذه الخيانة لا يمكن أن تجتمع مع تعظيم الله والإيمان الكامل به..فإذا اعتقد أنّ المرء يمكن أن يكون مؤمناً بالله وفي ذات الوقت يخونه فهذا يحطّ من قدر الله ولا يوقره ، وهذا هو الكفر.
    فإنّ أحدنا يستحيل أن يحكم على المرأة التي خانت زوجها بأنها تحترمه،، فخيانتها له تدل على كفرها به وعدم احترامها له..هذا شيء بديهي..
    فإذا كان الأمر واضحاً بالنسبة للخيانة البشرية،، فإنه أكثر وضوحاً بالنسبة للخيانة الإلهية،، فلا يمكن أن يكون المرء مؤمناً بالله معظماً له وفي ذات الوقت يخونه،، هذا مستحيل،، لذلك من يصف هذا الخائن لله (المشرك) بأنه مؤمن بالله فهو يبرر خيانته هذه ويهوّن من قدرها، فيكون خائناً مثله.

    إذن الإيمان والكفر ليسا مجرد أفعال ، وإنما الأفعال هذه مجرد وسيلة للحكم على الأشخاص، لكن الأهم هو اعتقاد الشخص عن الله..
    ما هو تصوره عن الله؟
    هل يعرف الله ويعرف عظمته ويعرف قدره أم لا ؟
    فإذا كان المرء جاهلاً بالله، فإنه كافر به لا يعرف قدره، وهذا على مستوى الاعتقاد نفسه، بغض النظر عما إذا كان يرتكب أفعال كفرية أم لا .

    لذلك كان الاعتقاد أهم من الأفعال..وهو الأساس في الحكم
    فالإيمان بالله هو في الأساس معرفة الله.
    والكفر بالله هو في الأساس الجهل بالله..
    وشهادة "لا إله إلا الله" هي شهادة ذهنية اعتقادية أساساً قبل أن تكون أقوال وأفعال..فالمرء يمكن أن يكون مسلماً حتى وإن لم ينطق بــ"لا إله إلا الله" فقد يكون أخرساً لا ينطق لكنه يعتقدها في قلبه..وقد يكون المرء كافراً بالله بسبب عدم توقيره لله حتى وإن كان ينطق بـ"لا إله إلا الله" .. إذن فالاعتقاد هو الأساس في مسألة الإيمان والكفر، ثم تأتي الأفعال بعد ذلك.

    لذلك عذر اللهُ من يرتكبون أفعال الكفر تحت الإكراه،، ووصفهم بأنهم مسلمين طالما قلبهم مطمئنٌّ بالإيمان ، مثل ما وقع لعمّار بن ياسر عندما أجبره الكفار على ارتكاب فعل الكفر، ورغم ذلك لم يخرجه ذلك عن دائرة الإيمان.
    وهذه هي الحالة الوحيدة التي يقصد فيها الإنسان ارتكاب الفعل الكفري وبرغم ذلك لا يكون كافراً..
    فقد قلنا من قبل أنّ مجرد قصد الفعل الكفري يجعل صاحبه كافراً بالله حتى وإن لم يقصد الكفر ذاته..ولكن هناك استثناء لهذه القاعدة وهي حالة الإكراه التي يقصد فيها المرء الفعل الكفري بسبب رغبته في رفع الضرر عن نفسه، فيعذره الله ولا يكون كافراً.
    فقد أمر النبي عماراً أن يعود لارتكاب الكفر إذا عاد الكفار لتعذيبه..
    كما سمح النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة بنطق الكفر لكي يخادع اليهود ويستطيع الدخول لحصنهم ويغتال زعيمهم.

    إذن كي نلخص ما سبق كله ،، فنحن أمام تسعة حالات (للاعتقادات والأفعال)، لها تسعة أحكام مختلفة:



    وبخصوص رقم (8) التي تتحدث عن الأفعال ظنية الدلالة، والتي ينبغي فيها إقامة الحجة على المسلم لإعلامه بحقيقة هذه الأفعال وحقيقة الواقع: فإنه ينبغي عدم التسرع في تكفير مسلم حقق الإسلام بالفعل وشهد شهادة التوحيد شهادة صحيحة، وإنما يجب عدم الخوض في ذلك إلا ببرهان واضح كالشمس..
    فإذا كانت الأفعال ظنية الدلالة (كالتي ذكرناها كالعمل في الوظائف الحكومية، أو كمن يعتقدون عقيدة التوقف) فلا ينبغي تكفير من يقول بذلك إلا بإقامة الحجة بشكل كافي وواضح بحيث لا يكون هناك ولو ذرة من الشك في كفرهم وإصرارهم على الباطل.. بغير ذلك نكون قد ارتكبنا ذنباً عظيماً بتكفيرهم، فتكفير المسلم كقتله. لذلك أيضاً ينبغي عدم الحكم على أفعال بعينها أنها دالّة على الكفر ، إلا إذا كانت قطعية الدلالة، وليس لها إلا معنى واحد. أي أن نكون متأكدين من دلالة هذه الأفعال على الكفر أساساً قبل الحكم على أصحابها بالكفر... فعدم إظهار العداوة للمشركين مثلاً ليس فعلاً كفرياً ، أي لا يحمل دلالة الكفر أصلاً حتى نكفّر به من لا يظهر العداوة للمشركين..وإنما إظهار العداوة يكون على مراحل وحسب القدرة.. لذلك فإنّ من يكفّر المسلمين بأفعال لا تدل على الكفر بصورة قطعية يكون لديه غُلُوّ، وينبغي أن يتوب إلى الله منه، لأنه يتسبب في تكفير المسلمين بغير حق.
  16. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    كما أنه ينبغي عدم تكفير المسلم بسبب كلمة قالها ولا يعلم معناها،، كأن يكون من الأشخاص الذين لا يجيدون التعبير عن أفكارهم بلغة سليمة، فيتفوّهون أحياناً بكلام يكون له معنى معين في أذهانهم بخلاف المعنى الذي قد يصل للمستمع..
    ومثال ذلك من يقول أنّ "الله ليس سميعاً بصيراً"
    فهذه العبارة يلزم عنها أنّ الله لا يعلم ما يجري في الكون، أي يلزم عنها نفي صفة العلم عن الله، وبالتالي يكون صاحب هذه العبارة كافراً بالله..
    ولكن هذه العبارة قد ينطقها البعض وهم يقصدون أنّ الله لا يجوز في حقه أن يكون له أذن كأذننا يسمع بها ولا يجوز أن يكون له عين كأعيننا يبصر بها،، لكنه مع ذلك يعلم كل شيء في الوجود..
    فيتضح من ذلك أنّ مقصدهم لم يكن نفي صفة العلم عن الله، وإنما كانوا يقصدون أنّ الله ليس له أذن ولا عين كآذان وأعين البشر لأنّ الله ليس كمثله شيء..
    فهم يقصدون تنزيه الله، لكن خانهم التعبير، فعبّروا عما يقصدونه بشكل سيء..فلا ينبغي تكفيرهم قبل الاستفهام منهم : ماذا يقصدون؟ هل يقصدون نفي صفة العلم عن الله؟ أم يقصدون نفي التشبيه عن الله بالبشر؟
    ومن خلال إجابتهم يتضح مقصدهم ..

    وهذا هو معنى القاعدة التي يقررها أهل العلم أنّ:
    ((لازم القول أو لازم المذهب ليس بمذهب حتى يلتزمه صاحبه))
    أي أنّه لا ينبغي إلزام الشخص بالمعاني التي تترتب على كلامه إلا إنْ كان يقصدها بالفعل.


    ولكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، بل نعمل بها فقط عندما يكون الكلام ظني الدلالة ويحتمل أكثر من معنى، فلا نحكم على صاحبه بالكفر إلا إذا تأكدنا من أنه يقصد المعنى الكفري ولا يقصد معاني أخرى، كالمثال السابق.

    فإنْ كان الكلام قطعي الدلالة ولا يحتمل سوى معنى واحد وواضح، فلا مجال هنا للتمهّل حتى نتأكد من مقصد الشخص، فالكلام لا يحمل سوى مقصداً ومعنىً واحداً أصلاً ..
    مثل من يقول : "أنا أعتقد أنّ الله لا يتصف بصفة العلم"
    فهذا لم يتحدث عن السمع والبصر مثل الأول، بالشكل الذي يسمح لنا بصرف كلامه إلى معاني بعيدة غير متوقعة ... وإنما هذا تحدّث مباشرةً عن نفي صفة العلم، بما لا يدع مجالاً للشك في مقصده، فهذا كفر واضح وجلي، وليس للكلام معاني بعيدة، وإنما له معنى واحد وهو الكفر.

    ومن تطبيقات هذه القاعدة أنه لا ينبغي التسرع أيضاً في تكفير الأئمة والمشايخ الكبار الذين تعلمنا منهم التوحيد بسبب كلام قالوه يحتمل أكثر من معنى ..
    كابن تيمية ، وابن القيّم، وابن عبد الوهاب، وسيد قطب .. فهؤلاء لهم كلام في كتبهم يبدو فيه للقاريء أنهم يحصرون معنى الكفر فقط في التكذيب، أي أنهم لا يرون الشرك مخرجاً من الملة.. هذا ما يبدو من بعض كتاباتهم..
    وقد كان بإمكاننا إساءة الظن بهم وتكفيرهم بسبب ذلك لو أنّ كتبهم لا تحمل سوى هذا الكلام ،، لكننا نعلم أنهم قالوا أيضاً في كتبهم أنّ الشرك لا يجتمع مع الإسلام، مما يبدو تناقضاً ..
    ولكن يمكن إحسان الظن بهم وتفسير هذا التناقض بأحد تفسيريْن:

    • إما أنهم كانوا في بداية حياتهم الفكرية مشركين وكانوا جاهلين بعقيدة التوحيد، ثم عرفوا الإسلام بعد ذلك خلال تدرجهم في مراحلهم الفكرية فتكلموا بالعقيدة الصحيحة بعد أن كانوا يتكلمون بالعقائد الفاسدة في بداية حياتهم.
    • وإما أنّ ظاهر كلامهم الذي يبدو منه الكفر يحتمل أكثر من معنى، فهو ظني الدلالة، وينبغي فهمه بصورة أدق من خلال جمع نصوصهم.. فنفيهم للتكفير عن المشرك الجاهل لا يعني أنهم يثبتون له الإسلام، وإنما يعنون أنّ المشرك الجاهل لا يسمى كافراً إلا بعد تكذيبه للحق وبعد إقامة الحجة عليه، فهم ينفون عنه الكفر الذي هو بمعنى التكذيب عندهم، لكنهم في ذات الوقت لا يثبتون له الإسلام، وهذا هو المطلوب، أي المطلوب هو نفي الإسلام عن المشرك، وهو الذي يصير به المرء موحداً مؤمناً بالله، وهم قد حققوه.
      فيمكن القول بأنهم ابتدعوا في هذا الأمر، لكن لا يمكن القول بأنهم كفار.. فحصر الكفر في معنى التكذيب فقط بدعة لم يسبقهم فيها أحد، على حد علمي، لكنهم مع ذلك لم يقعوا في الكفر،، فهم نفوا الإسلام عن المشرك، وهذا هو القدر الأدنى من التوحيد الواجب تحقيقه، كما ذكرنا.


    نفس الشيء يُقال عن سيد قطب الذي قال في كتابه "لماذا أعدموني" أنه لم يكفّر الناس..ويمكن حمل كلامه على أنه كان يقصد عدم تكفير الناس إلا بعد التثبت من عقيدتهم،، فقد كان يؤمن بأنّه يعيش في مجتمعات انتشر فيها الشرك والكفر، وابتعد الناس فيها عن الإسلام، لكنه مع ذلك كان يعرف بوجود ثلة قليلة مسلمة وسط هذه الجموع المشركة، لذلك لم يكن يحكم بكفر أحد إلا بعد التأكد من كونه لا ينتمي لهذه الثلة المسلمة .. فهو باختصار يؤمن بعقيدة التوقف .. وعقيدة التوقف كما ذكرنا عقيدة بدعية يمكن وصف أصحابها بأنهم مبتدعة، وذكرنا أسباب ذلك، لكن لا يمكن وصفهم بأنهم كفار، فقد حققوا القدر الأدنى من التوحيد الواجب تحقيقه.

    وعلى أي حال:
    فإنّ هؤلاء المشايخ وغيرهم هم في النهاية بشر يصيبون ويخطئون، وليسوا معصومين..لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، ولا ينبغي أن نوالي ونعادي عليهم.
    فسواءً حَكَم المسلم بإسلامهم أو بكفرهم (بناءً على المعلومات التي تصل إلينا عنهم) ، ففي كلا الحالتين هذا لا تأثير له. والمهم أن نتبعهم في الحق ولا نتابعهم في الباطل، وكفى.

    **********************
    نستنتج مما سبق أنّ هناك أفعال دلالتها صريحة على الكفر،، وهناك أفعال أخرى دلالتها محتملة ..
    وأنه لا ينبغي التسرع في التكفير بأفعال لها دلالات محتملة ..
    وهذا في حق الناس الذين حققوا الإسلام بالفعل، فمن ثبت له الإسلام بيقين لا يزول عنه إلا بيقين، ولكن لِمَن يثبت الإسلام؟

    *************************

    هنا نأتي للكلام عن دلالة الأفعال على الإسلام:
    فكما قلنا أنّ الكفر هو اعتقاد يدل عليه القول والعمل..
    فنقول أيضاً أنّ الإسلام أو الإيمان بالله هو اعتقاد يدل عليه القول والعمل ..
    وأننا نحكم للشخص بالإسلام ونثبته له بناءً على ما نراه من أقوال وأفعال تدل على ذلك..
    ومجرد القول بـــ"لا إله إلا الله" لا يكفي دائماً للحكم على صاحبها بالإسلام، كما يظن الناس اليوم ..
    فإنّ عدد كبير من اليهود كانوا ولا زالوا يقولونها ، ومع ذلك لم يكونوا مسلمين بذلك..بسبب مناقضة أفعالهم لقولهم هذا كادّعائهم أنّ لله ولد اسمه عزير،، فهذا الاعتقاد كفر بالله، وهو ضد كلمة "لا إله إلا الله" التي يتفوهون بها ..
    نستنتج من ذلك أنّ هذه الكلمة لا تعد دليلاً وحدها على اعتقاد المرء بعقيدة الإسلام إن لم يكن محققاً لمقتضاها..
    لذلك كان لابدّ لليهودي الذي يدخل الإسلام ألا يكتفي فقط بنطق "لا إله إلا الله"، بل يضيف مع ذلك عبارة "وعزيرٌ عبدُ الله"، وذلك لأنّ كلمة "لا إله إلا الله" مشتركة بينه وبين المسلمين، فكان لابد من علامة أخرى يأتي بها لكي يثبت تركه لعقائده الكفرية التي يؤمن بها، وأهمها أن يثبت أنه ترك القول بأنّ عزير ابن الله، وتاب منه، وصار يقول أنّ عزيراً عبد لله ،، وبذلك يثبت أنه صار ينزه الله عن الولد وعن سائر أنواع النقص، فيصير بذلك محققاً لأصل الدين، وهو التوحيد، فيصير مسلماً.

    نفس الكلام يُقال عن النصارى الذين نسبوا لله الولد، وقالوا أنّ المسيح هو ابن الله..فلا يُكتفَى لدخولهم الإسلام أن يتفوهوا فقط بـــ"لا إله إلا الله"،، فإنّ بعضهم يقولها، وكثير منهم يقول بأننا نعبد رباً واحداً وليس ثلاثة كما يزعم عنا المسلمون، ولكنا نعتقد أنّ له تجليات ثلاثة، إلى آخر هذه المبررات التي يبررون بها كفرهم ..
    لذلك لم يكفي أيضاً مجرد التفوه بكلمة "لا إله إلا الله" لكي نصدّق أنهم دخلوا في الإسلام ووحّدوا الله،، بل لابد بالإضافة لذلك أن يقولوا أيضاً : "عيسى عبد الله ورسوله" لكي يثبتوا أنهم تخلوا عن إثبات الولد لله، وصاروا ينزهون الله عن الولد وعن مظاهر النقص، فيصيرون بذلك مسلمين حقيقيين محققين لأصل الدين، وهو التوحيد.

    لذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بسماع كلمة "لا إله إلا الله" في حق النصارى واليهود الذين يريدون الدخول في الإسلام، وإنما كان يلزمهم بنطق كلمات إضافية تدل على تخليهم عن الاعتقاد ببنوة المسيح وعزير لله.
    خصوصاً النصارى الذين كانوا يشتهرون أكثر بعقيدة بنوة المسيح لله،، فقد كان يلزمهم بأن يشهدوا أنّ عيسى عبد الله ورسوله ،، فلم يكتفي منهم بقول "أشهد ألا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله" بل كان يلزمهم أيضاً بأن يقولوا :"ونشهد أنّ عيسى عبد الله ورسوله" .. فكان التركيز على عيسى لأنّ كفرهم حدث بسببه أساساً، كما لم يكتفِ منهم بسماع أنّ عيسى رسول الله، فقد يعتقدون أنه رسول لكنه ابن لله في نفس الوقت،، لذلك أراد حسم هذا الأمر بقوة بما لا يدع مجالاً للشك في تخليهم عن بنوة المسيح، فألزمهم أن يقولوا : "عبد" قبل أن يقولوا "رسول"، أي "عبد الله ورسوله" للتأكد تماماً من اعتقادهم بعبودية المسيح لله وتخليهم تماماً عن الاعتقاد ببنوته لله.

    في المقابل كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بسماع كلمة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" من مشركي العرب، ويعتبرها كافية للحكم عليهم بالإسلام..وذلك لأنّه لم يكن لديهم أي إشكالية إضافية في قضية الإيمان بخلاف هذه الشهادة فقط،، لذلك كان إيمانهم بهذه الشهادة كافياً للحكم عليهم بالإسلام.

    وهذا هو الذي يفسر الأحاديث الواردة عن النبي أنّ من قال"لا إله إلا الله" دخل الجنة،، ويفسّر أيضاً عتابه الشديد لأسامة رضي الله عنه حينما قتل أحد المشركين بعد أن قال "لا إله إلا الله" .. فمجرد نطق هذه الكلمة من المشرك كان دليلاً على دخوله الإسلام،، لأنّ المشركين قديماً كانوا يرفضون قول هذه الكلمة لما يعلمون من أنّ معناها يخالف الشرك الذي يعتزون به، لذلك كانت ثقيلة عليهم ..
    لذلك كان مجرد نطقهم بها دليلاً كافياً على قبولهم للإسلام ..

    بينما لم تكن هذه الكلمة وحدها كافية للحكم على مانعي الزكاة والمرتدين الذين حاربهم أبو بكر الصديق بعد موت النبي .. لسبب بسيط وهو أنّ ارتدادهم عن الإسلام لم يكن بسبب ترك كلمة "لا إله إلا الله" وإنما كان بسبب جحود فرضية الزكاة أو اتباعهم لمسيلمة الكذاب وإشراكهم له مع النبي محمد في النبوة ..
    فكان سبب كفرهم إما في:

    • جحود فرضية الزكاة.
    • أو كفرهم بالنبي محمد.

    فكانت علامة رجوعهم للإسلام ليست متمثلة في قول "لا إله إلا الله" فلم تكن هذه الكلمة مشكلة بالنسبة لهم أساساً، فقد كانوا يقولونها مع كفرهم..وإنما كانت علامة رجوعهم للإسلام هي أن يسلّموا بفرضية الزكاة ولا يجحدونها،، وأنّ يكفروا بمسيلمة الكذاب ويتوقفوا عن وصفه بأنه نبي ..أي كانوا مطالبين بأن يدخلوا إلى الإسلام من جديد من نفس الباب الذي خرجوا منه.

    لذلك كانت أيضاً علامة دخول الإسلام بالنسبة للروافض ليست في مجرد نطقهم بـــ"لا إله إلا الله،محمد رسول الله"،، فهم أيضاً يقولونها باستمرار وليس عندهم إشكال فيها (برغم أنهم لا يفقهون معنى لا إله إلا الله) ،، ولذلك كانت علامة دخولهم في الإسلام أساساً هي تخليهم عن عبادتهم للأئمة وعن شركهم بالله الذي يفعلونه مع آل البيت، بالإضافة إلى تخليهم عن سبّ الصحابة واتهام السيدة عائشة بالزنا.. فهذه هي أبرز مظاهر كفرهم .. ولا يكفي مجرد نطقهم ب"لا إله إلا الله، محمد رسول الله" لكي نحكم لهم بدخول الإسلام، وإنما لابد من التأكيد على تركهم لأشكال الكفر التي وقعوا فيها.

    لذلك لم يكن الحكم على الناس بالإسلام له طريقة ثابتة واحدة دائماً كما يظن الناس اليوم .. فالناس اليوم يظنون أن مجرد النطق بــ"لا إله إلا الله" هو نفسه دخول الإسلام.. وكأنّ الإسلام تحول لمجرد حروف تنطق على اللسان!
    وهل أرسل الله الأنبياء على مدار آلاف السنين وتعذبوا في سبيل الله وتحملوا أذى الكفار ، كل ذلك من أجل بضعة حروف تنطق على اللسان؟!!
    واللهِ هذا لا يقوله عاقل ..
    فلو كان الأمر مجرد كلمة فما هو الفرق بيننا إذن وبين الببغاوات التي تردد الكلام دون أن تفهمه؟!
    فهل كل ما يريده الله منا أن نكون ببغاوات لا نفقه شيئاً؟ هل هذا هو الذي يُدخِل الله به الجنة ؟ وهل هذا هو الذي يعذب الله من أجله بالنار؟!
    إنّ هذا اتهام لله بالعبث والسفاهة..تعالى الله عما يصفون علواً كبيراً!

    فكل الناس يعلمون أنّ العقائد أساساً إنما هي أفكار ومباديء ومشاعر وقيم ،، وليست مجرد حروف وكلمات .. كل العقائد التي في الدنيا هكذا، وكل البشر يعلمون ذلك .. وهذا شيء بديهي..
    فما بالنا نخالفه مع دين الله الحنيف؟
    فهل يقبل النصراني أن يكون اعتناقك للنصرانية مجرد كلمة تنطقها وأنت تخادعه بها؟
    وهل يقبل اليهودي أن تفعل معه ذلك؟
    وهل يقبل حتى الهندوسي الوثني أن تفعل معه ذلك؟

    فكل هؤلاء لو علموا أنك تقول أي كلام – مجرد كلام – لكي ترضيهم فقط أو تقلدهم وأنت لا تفهم معناه،، لاتهموك بأنك تستهزيء بهم وبعقولهم وبدينهم..

    فلماذا نقبل نحن الآن أن يكون دخول الإسلام مجرد كلمة ينطقها الناس لنا وهم لا يفهمونها؟

    إنّ هذا ليس له إلا تفسير وحيد، وهو أنّ من ينتسبون للإسلام أنفسهم لا يفهمون ما هو الإسلام..فلو كانوا يعرفون ما هو الإسلام لعرفوا كيف يدخل الناس في الإسلام،، ولكن لأنهم هم أنفسهم ليسوا بمسلمين فإنّ أي كلمة ينطقها الناس أمامهم تجعلهم يظنون أنهم دخلوا الإسلام..

    فما هي فائدة النطق بكلمة : "لا إله إلا الله" بينما يغرق قائلها في شتى أنواع الشرك؟
    وما فائدة كلمة "لا إله إلا الله" إذا كان قائلها يظن أنّ الإله هو فقط الرب الخالق الرازق، ولا يفهم أنّ الله هو أيضاً الحَكَم المشرّع المحبوب لذاته المطاع لذاته الذي لا يُتَوَكَّل إلا عليه ولا يُخَاف إلا منه ولا يُدعَى أحدٌ غيره ولا يُستعان إلا به؟؟
    ما فائدة الكلمة إذا كان قائلها يجهل عن الله أي شيء من ذلك؟
    وما فائدة الكلمة إذا كان قائلها يعتقد أنّ الشرك يمكن أن يجتمع مع الإسلام؟

    لذلك كان لابدّ من فهم "لا إله إلا الله" أولاً قبل النطق بها،، حتى يشهد بها الإنسان على علم ..
    فالجاهل لا يستطيع أن يشهد بشيء يجهله،، وإنما يشهد الإنسان بشيء يعلمه ..
    لذلك قال الله:
    ((شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ....الآية))
    فلا أحد يستطيع أن يشهد أنه لا إله إلا الله إلا أولو العلم الذين يعلمون معناها..بغير ذلك لا يستطيع الجاهل أن يشهد بها..
    فكيف يقولون عن الجاهل أنه مسلم إذن؟
    إنهم هم أنفسهم جاهلون بالإسلام لا يعرفونه!

    إنهم يفهمون الإسلام على أنه مجرد شعائر تؤدى، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم فحسب..
    لذلك يحكمون على الناس بالإسلام لمجرد أنهم يصلون ويزكّون ويصومون كالمسلمين ..
    ويستدلّون بالحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم :
    ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا))
    ولا أدري كيف يفكر هؤلاء؟!
    فهل إذا صلى المشرك مع المسلمين واستقبل قبلتهم في أول اليوم، ثم ذهب في آخر يومه لصنمه كيْ يعبده، فهل بذلك يصير مسلماً؟!

    ألم يطلب المشركون من النبي أن يعبدوا إلهه نصف العام، ويعبد هو إلههم نصف العام الآخر، فرفض النبي وصاح في وجههم: "قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون" ؟

    فهل مجرد الصلاة تعني الدخول في الإسلام؟
    وما فائدة الصلاة إذا كان صاحبها يؤديها وهو يشرك بالله؟

    إنّ هذه العلامات التي وردت في الحديث:
    (من صلى صلاتنا-واستقبل قبلتنا-وأكل ذبيحتنا)
    كانت علامات كافية في زمن النبي للحكم على صاحبها بالإسلام، لأنّ المشركون لم يكونوا يفعلونها، وإنما لم يكن يفعلها إلا المسلم، وكان يتميز بها عن المشركين، لذلك كانت علامة مميزة له عن المشرك..
    ولم يقل النبي :
    (من صلى صلاتنا – وحَجّ حجّنا ......)
    لأنه كان يعلم أنّ الحج يفعله المشركون، ولم يكن المسلمون يتميزون به عن المشركين، بل كان شعيرة مشتركة، يشترك فيها المشركون مع المسلمون لأنّهم كانوا يتمسكون ببقايا من ملة ابراهيم، ومنها حج بيت الله الحرام.

    وهذا يجعلنا نفهم أنّ الصلاة واستقبال القبلة ليس مقصوداً لذاته أنه يعني الدخول في الإسلام، وإنما كان مجرد علامة مميزة للمسلم عن المشرك..فإذا اشترك فيها المشرك مع المسلم لم تعد كافية للتمييز بين المشرك والمسلم ..

    لذلك فالصلاة التي يؤديها المشركون اليوم، وشعائر الإسلام المشتركة بينهم وبين الموحّدين لم تعد كافية لتمييز الموحدين عن المشركين ..
    بل لابد من علامات أخرى أدق للتمييز، تكشف الفوارق الحقيقية بين المسلم والكافر.

    فإذا كان الكفار اليوم يقولون "لا إله إلا الله،محمد رسول الله" ويؤمنون بأركان الإيمان كالملائكة والكتب .. إلخ، ويصلون نفس صلاة المسلمين، ويزكّون نفس زكاتهم ويحجّون نفس حجّهم ويصومون نفس صيامهم،، فما هي العلامات التي تميزهم إذن عن المسلمين؟

    إنّ الإجابة عن هذا السؤال سهلة إذا عرفنا ما هي مظاهر الشرك التي يقع فيها الكفار اليوم:
    فهم يعبدون آلهة مع الله ويشركونها معه في المحبة والدعاء والتوكل والطاعة والخوف والتحاكم ..
    لذلك كان لزاماً عليهم أن يعلنوا كفرهم بهذه الآلهة حتى يكون دخولهم في الإسلام حقيقياً، ولا نكتفي منهم بكلمة "لا إله الله" كما لم يكتفِ النبي بذلك مع النصارى.

    لذلك كانت علامات دخول الإسلام اليوم متمثلة في الكلمات التي يقولها الشخص والتي تدل على كفره بالطاغوت وكفره بالآلهة التي يعبدها الناس اليوم ، والمتمثلة في:


    1. وثن "الوطن".
    2. وثن "الفرق الرياضية".
    3. وثن "الزعماء والملوك".
    4. وثن "الأمراء والقادة".
    5. وثن "الآباء والأجداد والقبيلة والعشيرة".
    6. وثن "الأبناء".
    7. وثن "الفنانين والمشاهير ولاعبي كرة القدم".
    8. وثن "الحبيب والحبيبة".
    9. وثن "المرأة".

    وغيرها من الأوثان التي يشركها الناس مع الله في المحبة.



    1. وثن "إرادة الشعب".
    2. وثن "الديمقراطية".
    3. وثن "شرائع المجتمع الدولي".
    4. وثن "الدساتير الوضعية".
    5. وثن "محكمة العدل الدولية".
    6. وثن "العادات والتقاليد".
    7. وثن "قوانين القبيلة".
    8. وثن "المشايخ والأحبار".
    9. وثن "أقوال العلماء".
    10. وثن "شيخ الإسلام ابن تيمية".
    11. وثن "شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب".
    12. وثن "سيد قطب".
    13. وثن "الأئمة الأربعة".
    14. وثن "الحرية الشخصية".
    15. وثن "العقل".
    16. وثن "الهوى".

    وغيرها من الأوثان التي يشركها الناس مع الله في الحكم والتشريع.



    1. وثن "الأئمة والأولياء الصالحين".
    2. وثن "الأضرحة والقبور".
    3. وثن "سيدنا محمد".

    وغيرها من الأوثان التي يشركها الناس مع الله في الدعاء والاستغاثة.



    1. وثن "السحرة والدجّالين".
    2. وثن "الذات البشرية".
    3. وثن "لوسيفر" (إبليس).

    وغيرها من الأوثان التي يشركها الناس مع الله في التوكل.



    1. وثن "أمريكا".
    2. وثن "الجن والشياطين".
    3. وثن "رؤساء العمل".
    4. وثن "ضباط الجيش والشرطة".

    وغيرها من الأوثان التي يشركها الناس مع الله في الخوف والرهبة.

    فيكفر بكل هذه الأوثان التي يعبدها الناس اليوم مع الله، ويعلن ذلك بوضوح وصراحة، ويعلن أنه ينسب لله جميع صفات الكمال كما هو في توحيد الربوبية..ولا يعبد إلا الله في جميع أشكال العبادة التي ذكرنا، ويكفّر المشركين الذين يعبدون هذه الأوثان مع الله، ويكفّر الكافرين الذين يجهلون معنى شهادة "لا إله إلا الله" ، ولا يقول بالعذر بالجهل، ويؤمن أنّ تكفير المشركين من أصل الدين، وأنّ تكفير المشركين شرط لدخول الإسلام.

    فإذا فعل ذلك كله يكون قد شهد حقاً بأنه لا إله إلا الله ، ويدخل الإسلام.
    بغير ذلك يظل كافراً مهما صلى وصام وزكّى وحجّ..


    وعندما يفعل ذلك فقط ، فيجب عدم التسرع في تكفيره بعد ذلك بسبب كلمة قالها محتملة المعاني أو بسبب فعل محتمل التفسير،، فعدم التسرع في التكفير إنما يكون في حق المسلمين الحقيقيين الذين حققوا الإسلام بالفعل وشهدوا شهادة التوحيد بالطريقة السليمة التي ذكرناها سابقاً، وهؤلاء هم الذين لا ينبغي التسرع بتكفيرهم إلا بدليل واضح كالشمس..
    أما هؤلاء الذين يزعمون أنهم مسلمون لمجرد تأديتهم للصلاة وإيمانهم بالقرآن ، من هذه الجماهير الغفيرة المنتسبة للإسلام اليوم، فهؤلاء كفار أصليون، وليسوا هم المقصودون بعدم التسرع في التكفير، فهم كفار أصلاً في عقائدهم حتى وإن لم يرتكبوا الشرك.
    فهم يقولون "لا إله إلا الله" لكنهم لا يكفرون بالطواغيت التي تُعبَد من دون الله..

    لذلك يربط النبي بين قول "لا إله إلا الله" وبين "الكفر بما يُعبَد من دون الله" ..
    فلا تصح شهادة لا إله إلا الله إلا بالكفر بالطاغوت الذي يُعبَدُ من دون الله.

    هذه هي الأفعال التي تدل على دخول الإسلام اليوم، وليست هي مجرد نطق بكلمة أو تأدية لشعائر.
    والناس اليوم جاهلون بذلك..
    لذلك فالأصل فيهم الكفر حتى يثبت خلاف ذلك.
  17. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ثامناً:
    هل المشركون اليوم أهل كتاب؟


    هذا السؤال لا يترتب عليه شيء مؤثر بخصوص أصل الدين، فالمطلوب من المسلم فقط هو أنْ يكفّر المشركين الذين يعبدون مع الله إلهاً آخر، ويكفّر الكافرين الذين لا يعرفون الله ويجهلون معنى شهادة ألا إله إلا الله..
    فإذا حقق المسلم ذلك، لا يكون مطالباً بعد ذلك بتحديد أصناف الكافرين وأنواعهم ليكمل إيمانه، فهذه مسألة فقهية بحتة، تُعرَف من خلال النصوص الدينية (الكتاب والسُنّة)، ولا علاقة لها بالتوحيد الذي هو أصل الدين ..
    فإذا كنا نعرف من الواقع أنّ الكفار ينقسمون ويتنوعون في أشكال كثيرة كــ أهل الكتاب والوثنيين والملحدين ..إلخ، فإنه يكفي للمسلم أن يعرف أنّ كل هؤلاء كفار لا يعرفون الله، أما مسألة تحديد أصناف المشركين وتمييزها عن بعضها البعض فهذه مسألة زائدة وإضافية، وليس لها فائدة ذات شأن على مستوى التوحيد الذي يُطالَب به الإنسان..ولكنها قد تكون مؤثرة وذات أهمية فيما يتعلق بتحديد الطريقة التي يجب على المسلم أن يتعامل بها مع هؤلاء الكفار ..
    فطريقة التعامل مع الكفار تختلف على حسب أصنافهم، وليست طريقة واحدة دائماً، والذي أمرنا بأنْ نميّز أصناف الكفار عن بعضهم البعض في المعاملة هو الله عز وجل .. فمن جهل أصنافهم فلن يستطيع تطبيق ما أمره الله عز وجل .. إذن فهذه المسألة تنبع أهميتها بسبب أنها متعلقة بامتثال أمر من أوامر الله عز وجل.

    وإذا كنا بصدد الحديث الآن عن طريقة معاملة الكفار، فإنّ أهم ما يجب معرفته في هذا الشأن هو طريقة معاملة أهل الكتاب، لأنّ الله تعالى جعل لهم معاملة خاصة تختلف عن باقي أصناف الكفار..
    فإنّ الله أمر المسلمين بأن يحصروا المشركين الوثنيين في الغزوات بين اختياريْن اثنين:

    • إما أن يُسلموا.
    • وإما أن يُقاتلوا

    وليس هناك خيار ثالث.

    بينما أتاح الله لمشركي أهل الكتاب خياراً ثالثاً وهو :

    • الجزية.

    فمن رفض منهم الدخول في الإسلام، يُعرَض عليه دفع الجزية لينجو بحياته،، فإذا رفض أيضاً فإنه يُقاَتل.

    كما أنّ الله عز وجل أباح للمسلم نكاح المشركات من أهل الكتاب.. بينما حرّم نكاح نساء المشركين الآخرين.
    كما أباح الله للمسلم الأكل من ذبيحة أهل الكتاب .. بينما حرّمت ذبائح المشركين الآخرين.

    وهذه الفروقات تجعل أسلوب المعاملة مختلفاً، وتحتّم على المسلم أن يميّز أهل الكتاب عن غيرهم من الكفار، لكي يعاملهم بالطريقة التي أمر الله بها.

    فمن هم أهل الكتاب إذن؟
    ورد ذكر "أهل الكتاب" في النصوص مُشاراً به إلى اليهود والنصارى الذين يملكون كتاباً سماوياً في الأصل لكن حدث له التحريف بعد ذلك، وهو كتاب التوراة لليهود، وكتاب الإنجيل للنصارى، لذلك قد يبدو أن هذا هو سبب تسميتهم بأهل الكتاب.

    ولكن هل علة (سبب) تسميتهم بأهل الكتاب هي ذلك فقط؟
    أي : هل ينطبق ذلك على كل الكفار الذين كان لديهم في الأصل كتاب سماوي، ثم حدث له تحريف؟
    فإذا كانت الإجابة بنعم، فيمكننا عندئذ اعتبار المجوس أيضاً أهل كتاب باعتبار وجود بقايا كتب سماوية قديمة عندهم،، كما يمكننا إدخال مشركي العرب أيضاً في مصطلح أهل الكتاب باعتبار صحف ابراهيم التي كانت بينهم قديماً،، ويمكننا اعتبار الروافض الإثنا عشرية أيضاً أهل كتاب باعتبار أنّ لديهم القرآن،، كما يمكننا اعتبار النصيرية وطوائف الباطنية أيضاً أهل كتاب لأنّ لديهم القرآن أيضاً ... وهكذا.
    ولكن هذا لم يقل به أي أحد من أهل العلم،، ولو كان ذلك صحيحاً لقال به بعضهم على الأقل.

    كما أنّ مرتدي العرب الذين اتبعوا مسيلمة الكذاب، كانوا يؤمنون بالقرآن، وبرغم ذلك عوملوا من الصحابة معاملة المرتدين لا معاملة أهل الكتاب.. وقد يقول قائل: هذا لأنّهم كانوا حديثي عهد بردّة، بخلاف ما إذا كان استمرّ نسلهم، فقد يُعامل أطفالهم على أنهم كفار أصليون لأنهم لم يدخلوا الإسلام يوماً ولذلك يجوز أن يعاملوا حينئذ معاملة أهل الكتاب الذين كان لديهم كتاب هو القرآن..
    ولكن هذا حدث بالفعل مع الروافض، فقد كان السلف يعلمون بأنّ هذه الطائفة لديها القرآن في الأصل، ثم انحرفوا عن التوحيد، وتوارثوا الكفر جيلاً بعد جيل، لكن مع ذلك لم يعاملهم السلف معاملة أهل الكتاب.

    لذلك فالقول بأنّ العلة في تسمية "اليهود والنصارى" بأهل الكتاب هي مجرد امتلاكهم لكتاب سماوي،، هي على بعيدة وغير صحيحة وحدها..

    لذلك أيضاً لا يمكن اعتبار مشركي زماننا اليوم من عامة الناس والذين ينتسبون للقرآن ويؤمنون بالنبي محمد-لا يمكن اعتبارهم أهل كتاب لمجرد امتلاكهم لكتاب وهو القرآن.
    بل ينبغي معاملتهم كمعاملة المشركين الآخرين الذين يقاتَــــلون دون أخذ الجزية، ولا تُنكَح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم ..
    هذا هو الأسلَم لأنّ قياسهم على أهل الكتاب قد لا يكون صحيحاً،،
    فالقياس الصحيح هو الذي تتشابه فيه العلل، فيقاس حكم شيء على حكم شيء آخر بسبب اشتراكهم في علة واحدة.. لذلك اهتم الفقهاء بمسألة فحص العلل وهي العملية التي يسمونها "السبر والتقسيم" أي سبر أغوار النص للوصول إلى علته الحقيقية.
    وهناك نصوص في القرآن والسنة ذكر الله فيها العلة المرتبطة بالأحكام الواردة فيها..مثل ربط حكم الجمع والقصر للصلوات بمشقة السفر، فجعل العلة هي المشقة..أو حكم الفطر للمريض، فجعل المرض علة الفطر في رمضان ، وهكذا ..
    لكن هناك نصوص أخرى تركها الله لاجتهاداتنا في تحديد العلة المرتبطة بالأحكام الواردة فيها..وهذا الاجتهاد قد يصيب وقد يخطيء،، لذلك فالأسلم حينئذ هو الأخذ بظاهر النص دون تقييده بعلة محتملة وغير يقينية.

    لذلك فالأسلَم هو جَعْل النص على ظاهره فيما يخص أهل الكتاب، أي نجعل هذا المصطلح فقط خاصاُ فقط باليهود والنصارى ولا نتعداه إلى غيرهم..
    فإننا لو جعلنا المتأسلمين اليوم أهلَ كتاب لوجب علينا أن نقرّهم على معابدهم كما يُقَرّ النصارى على كنائسهم ، وهنا سنقع في إشكال كبير بسبب أنهم يصلّون نفس صلاتنا،، فإذا تركنا لهم المساجد يصلون فيها، وأنشأنا لأنفسنا مساجد أخرى ، فأين هو الفارق بيننا وبينهم إذن؟
    فهم يصلون في مساجد، ونحن أيضاً نصلي في مساجد، ويصلون أيضاً بنفس صلاتنا..فلا يمكن التمييز بيننا وبينهم إذن،، وهذا غير مقبول،، لأنّ التمييز بين المسلم والكافر مطلب شرعي من مقتضيات الولاء والبراء.
    كما أننا لو أبحنا نكاح نسائهم، لضاعت عندئذ كل علامات التمايز بيننا وبينهم ..
    فهم يشتركون معنا هكذا في كل شيء ..
    في الصلاة ..
    والصوم ..
    والزكاة ..
    والحج ..
    والزواج ..
    ولم يعد هناك بذلك أي علامة تميز المسلمين عن المشركين ..
    وهذا التمايز ينبغي أن يشعر به المشركون أيضاً حتى نؤكد لهم على حقيقة كفرهم بالله فلا يظنوا أنّ المسلم أقرهم على دينهم بسبب اشتراكه معهم في كل شيء.

    لذلك وجب معاملتهم بمعاملة المشركين الأصليين لا بمعاملة مشركي أهل الكتاب ..

    هذا هو الأسلَم، لكن لا ينبغي الإنكار على من يجعل مشركي زماننا (المتأسلمين) أيضاً أهل كتاب بسبب قياسه على اليهود والنصارى،، فهذا القياس وإن كان خاطئاً فهو يتعلق بحكم فقهي بحت يجوز فيه الاجتهاد، والمسألة ليست متعلقة بأصل الدين إطلاقاً.

    أيضاً من يحدد علة تحريم الأكل من ذبائح المشركين بأنهم لم يكونوا يذكرون اسم الله عليها ويذبحونها لغير الله، ويستنبط من ذلك حكم خاص بمشركي زماننا اليوم أنه يجوز الأكل من ذبائحهم بسبب أنهم يذكرون اسم الله عليها ، ولا يذبحونها لغير الله كالمشركين القدامى، فهذا أيضاً اجتهاد مقبول، وهو رأي وجيه، وهو الأصح في المسألة إن شاء الله.
    فعلة تحريم ذبائح المشركين هو عدم ذكر اسم الله عليها، فإن خالفوا ذلك ووجدناهم يذكرون اسم الله عليها أبيح لنا حينئذ الأكل منها..
    فليست علة تحريم ذبيحة المشرك هي مجرد كونه مشركاً..
    وليست علة إباحة ذبيحة اليهود والنصارى هي مجرد كونهم أهل كتاب..
    فحتى أهل الكتاب قد تحرم ذبائحهم إذا ذبحوها للمسيح بدلاً من الله، فيتحول الحكم بإباحة ذبائحهم إلى التحريم حينئذ.
    فسبب إباحة ذباحهم قديماً هو أنهم كانوا يذكرون اسم الله عليها بحكم وجود بقايا من ملة ابراهيم فيهم، وهذا هو الذي ميز ذبائحهم عن المشركين الآخرين الذين كانوا يذبحون لغير الله.
    فإذا انعكس الوضع في زماننا اليوم، وصار أهل الكتاب يذبحون للمسيح بينما المشركون المتأسلمون يذبحون لله، فإنّ ذبائح أهل الكتاب تكون محرمة وتكون ذبائح المشركين الآخرين مباحة..فالإباحة والتحريم يرتبطان بعلة الذبح لله أو لغير الله، والعلة تدور مع الحكم وجوداً وعدماً، أي إذا كانت الذبيحة مذبوحة لله تصير مباحة، وإذا لم تكن مذبوحة لله تصير محرمة ، بغض النظر عن ديانة الذابح.

    ولو كان تحريم الأكل من ذبائح المشركين لكونهم فقط مشركين، لكان حراماً علينا أن نسمع تلاوة قرآنية من مشرك لمجرد كونه مشركاً..
    ولكان حراماً علينا أن نصلي على النبي إذا أمرنا المشرك بالصلاة عليه، وذلك لمجرد أنّ الأمر صدر من مشرك..
    ولكان حراماً علينا أن نصدّق الكافر في قسمه إذا أقسم بالله على شئ، لمجرد أن الحلف بالله صدر من مشرك..

    وهلمّ جرا !

    لو كان ذكر اسم الله غير معتبر دائماً إذا صدر من المشرك ، فلماذا كان النبي يستحلف الكفار في بعض المواقف قائلاً لهم: ((أنشدكم اللهَ أن تخبروني بكذا وكذا))
    أليس ذلك يدل على أن الكافر - في أعماقه- يعرف الله (في الفطرة الأصلية قبل التحريف)؟ وأنّه إذا ذكر الله أو حلف بالله لكان ذلك مقبولاً منه؟

    ولماذا يستجيب الله لدعاء الكافر إذا استغاث به في البحر قائلاً: ((يا الله لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)) ؟؟
    أليس ذلك يدل على أنّ ذكر الله مقبول من الكافر إذا فعله في لحظة صدق؟؟

    أليس المشركون اليوم يذكرون الله على الذبيحة وهم صادقون؟
    أليسوا في هذه اللحظة يقصدون اللهَ الواحد الأحد رب العالمين- حتى لو كانوا يشركون به في أوقات أخرى-؟
    فلماذا إذن نرفض ذبيحتهم؟!

    وخلاصة هذا الأمر:
    أنّ الأصح في مسألة "أهل الكتاب" هي حصر التسمية فقط على اليهود والنصارى، بسبب عدم وضوح علة تسميتهم بأهل الكتاب، وعدم صحة قياس حالة مشركي زماننا بحالة اليهود والنصارى..
    أما في مسألة "أكل الذبائح" فالعلة فيها واضحة، وقد ذكرها الله صريحةً في قوله تعالى: ((ولا تأكلوا مما لم يُذكَر اسم الله عليه وإنه لفسق)) فعرفنا من النص الصريح أنّ علة تحريم الذبيحة هي كونها مذبوحة لغير الله..لذلك إذا ذبحها المشرك لله يتحول حكم الذبيحة من التحريم إلى الإباحة ، والله أعلم.

    والمسألة كلها كما ذكرنا مسألة فقهية بحتة لا علاقة لها بأصل الدين، ويسعنا فيها الخلاف.
    لذلك حتى لو أخذ أحد الإخوة بالرأي الآخر الذي يربط علة تحريم الذبيحة بديانة المشرك فقط، أي لا يأكل من ذبيحة المشرك حتى وإن ذكر اسم الله عليها، ويأكل من ذبيحة أهل الكتاب حتى وإن ذكروا اسم المسيح عليها..لو فعل بعض الإخوة ذلك فلا لوم عليه، وحتى وإن أخطأ فله أجر.
    ولكن ينبغي ملاحظة أنّ الأخ الذي يبيح لنفسه الأكل من ذبيحة النصراني الذي يذكر اسم المسيح عليها، ويبرر ذلك بأنّ النصراني من أهل الكتاب الذين أباح الله لنا ذبائحهم مطلقاً، فإنه إذا فعل ذلك لابد أن ينكر بقلبه ما يفعله النصراني من ذكر غير اسم الله على الذبيحة.. وهذه أقل مراتب الإنكار،، فإن رضي المسلم بذكر اسم غير الله صار كافراً لرضاه بالكفر.



  18. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    تاسعاً وأخيراً:
    متى يَسمحُ اللهُ للمسلم بارتكاب أفعال الكفر؟


    ذكرنا سابقاً أنّ الإيمان بالله هو في الأصل اعتقاد وشهادة قلبية بأنه لا إله إلا الله،، وأنّ هذا الاعتقاد هو الأساس في عملية الإيمان،، ثم تأتي الأفعال بعد ذلك لتؤكد هذا الاعتقاد أو تخالفه،، فإذا خالفت أفعال الشخص ما يعتقده، كان ذلك دليلاً على كذب ادّعائه بأنه يؤمن بالله.
    مثل من يزعمون أنهم مسلمون ولا يعبدون إلا الله، لكنهم مع ذلك يستغيثون بغير الله عند الأضرحة ويتوكلون على غير الله ويتحاكمون لغير الله .. إلخ، فكل هؤلاء كاذبون في زعمهم بسبب أنّ أفعالهم جاءت مخالفة لادّعاءاتهم..
    لذلك جاءت أهمية الأفعال كما ذكرنا سابقاً ، من حيث دلالتها على إيمان الشخص أو كفره بالله..
    لذلك فكل فعل كفري ارتكبه صاحبه عن وعي ودون إكراه، إنما يدل على أنّ صاحبه كافر بالله، سواءً كان يقصد الكفر ذاته أم لا.
    ولكن هل هذه القاعدة مطلقة وليس لها استثناءات؟
    لا بالطبع،، فهناك استثناءات..والاستثناءات إنما من يحددها هو الله لا نحن.
    والاستثناءات نعني بها كل حالة اضطر فيها المسلم لارتكاب فعل كفري وهو مُكرَه.
    وذلك لقوله تعالى : ((مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).
    فهذه الآية نزلت في عمار بن ياسر الذي ارتكب الفعل الكفري تحت وطأة التعذيب من الكفار، فأخبرَ اللهُ عز وجل بعفوه عن مثل ذلك، طالما أنّ قلبه لا زال مطمئناً بالإيمان وأنه لم يفعل ذلك عن رضا وانشراح صدر، وإنما فعله وهو كاره.

    لذلك قال أهل العلم: أنه لا يجوز للمسلم أن يقصد ارتكاب فعل الكفر إلا في حالة واحدة فقط، وهي حالة الإكراه، وهي الحالة الوحيدة التي يمكن أن تخالف فيها الأفعال الاعتقاد، دون أن يؤثر ذلك على الاعتقاد.

    هكذا قال أغلب أهل العلم قديماً وحديثاً، وحددوا شروطاً لحالات الإكراه المسموح فيها بارتكاب الكفر، حيث قال الإمام "ابن حجر":
    أنّ شروط الإكراه المُلجِيء أربعة (ويعني بالإكراه المُلجيء: الإكراه الذي لا يطيق المسلم مقاومته):
    1_ أن يكون فاعله قادرا ً على إيقاع ما يهدد به , والمأمور عاجزا ً عن الدفع ولو بالفرار .
    2_ أن يغلب على ظنه أنه لو امتنع أوقع به ذلك .
    3_ أن يكون ما هدد به فورياً فلو قال ان لم تفعل كذا ضربتك غدا ً , لا يعد مكرها ً . ويستثنى ما إذا ذكر زمنا ً قريبا ً جداً , أو جرت العادة بأنه لا يخلف .
    4_ أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره .


    ويمكن ملاحظة أنّ جميع الشروط التي أسسوها لتحديد "الإكراه" المعتبَر شرعاً إنما تتعلق بحالة واحدة فقط من الإيذاء، وهي حالة الإيذاء الجسدي،، وإنما فعلوا ذلك بسبب أخذهم بظاهر الآية التي نزلت في حادثة عمار بن ياسر والذي نطق الكفر بسبب التعذيب الجسدي..لكنهم لم ينتبهوا إلى أنّ هذه قضية معينة تتعلق بحادثة شخصية، ولا يمكن تعميمها بحيث نقول أنّ الإكراه المعتبر شرعاً هو فقط الإكراه المرتبط بالإيذاء الجسدي،، فإنّ هذا حصر وتقييد للآية في غير محله.
    فكما نعلم أنّ "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".. فإذا كان سبب نزول الآية هو حدوث الأذى الجسدي لعمار فإنّ هذا لا يعني أنّ الإكراه المقبول فقط هو ما يتعلق بالإيذاء الجسدي، بل عموم اللفظ الوارد في الآية يتحدث عن "الإكراه" على العموم،، فإذا تم تهديد الإنسان في ماله أو عِرضه أو عقله فإنه يكون أيضاً إكراهاً، وليس المقصود فقط تهديد الإنسان في جسده ..

    فكما نعلم أنّ الشريعة جاءت لحفظ خمسة مقاصد، وهي:
    1- الدين. 2- النفس. 3- العِرض. 4- العقل. 5- المال.



    فهذه الخمسة هي الاحتياجات الأساسية لكل إنسان، والتي لا يمكن العيش بدونها، فيسعى كل إنسان لحفظها، لذلك سميت "الضرورات الخمس".

    وتختلف أهمية هذه الضرورات، ويختلف ترتيبها من إنسان لآخَر..
    فهناك إنسان يستطيع التضحية بماله لكنه لا يتحمل أن يفقد عقله..
    وهناك إنسان يتحمل الأذى الجسدي بل يتحمل القتل، لكنه لا يتحمل أن يؤذَى في عِرضه..

    لذلك فالقول بأنّ الإكراه المعتبر شرعاً هو فقط ما يتعلق بالأذى الجسدي، هو قول خاطيء، فكما قلنا : قد يتحمل الإنسان أن يُقتَل لكنه لا يتحمل أن يهدده الكفار بالاعتداء على أخته أو زوجته مثلاً.

    كما أنه لا يصح التحكم في معنى الإكراه بأنه التهديد بقطع عضو أو إتلاف الجسد،، فقد لا يتحمل الإنسان مجرد الحبس والتقييد..
    وقدرات البشر على التحمل متفاوتة ..
    وينبغي مراعاة أنّ هذا الدين يُسر، وأنّ الشريعة المحمدية جاءت لرفع الحرج عن الناس بعد أن شددوا على أنفسهم في الأزمنة الماضية، وأنّ الشريعة أباحت لنا كثيراً من الرُخَص بسبب ذلك.

    والرخصة إنما جاءت لرفع الحرج والمشقة..
    فإذا وجد الإنسان حرجاً أو مشقة في تنفيذ أي أمر شرعي، فإنّ هذه رخصة تبيح له عدم التنفيذ..
    ولا يمكن تحديد مقدار الحرج والمشقة بمقدار معين، فكما قلنا إنّ قدرات البشر على التحمل مختلفة..فكما قال العلماء: الضرورة تقدّر بقدرها..
    وفي النهاية كل إنسان رقيب على نفسه، فلا ينبغي أن يتهاون الإنسان في كل صغيرة وكبيرة بحجّة أنه مضطر ولا يستطيع التحمّل، بل ينبغي أن يصبر ، وهذا أفضَل ، وينبغي ألا يأخذ بالرخص إلا بعد استنفاذ الجهد في تنفيذ الأمر الشرعي، فإذا شعر بأنه فعل كل ما يقدر عليه يمكنه عندئذ أن يأخذ بالرخصة إذا شعر بأنه لا يستطيع فعل شيء أكثر مما فعله.. وهذا أمر باطني يعلمه كل إنسان عن نفسه ولا يطلع عليه إلا الله، لذلك فهو أمر نسبي يختلف من شخص إلى شخص.

    ولكن هل هناك فارق حقيقي بين "الإكراه" و"الاضطرار"؟
    كما ذكرنا فإنّ الإكراه هو أنْ يفعل الإنسان شيئاً بدون رضا منه، بسبب شعوره بالأذى من الآخرين.
    أما الاضطرار فهو: أن يفعل الإنسان شيئاً بدون رضا منه، بسبب شعوره بالأذى عموماً.
    فالإكراه والاضطرار كلاهما يفعل فيه الإنسان شيئاً دون رضا منه وبسبب شعوره بالأذى، لكن يختلفان فقط من حيث أن الشعور بالأذى في حالة الإكراه يكون بسبب ما يفعله الآخرون، أما في حالة الاضطرار فإن الشعور بالأذى يكون عاماً بسبب أي ظروف خارجية لا يقدر الإنسان على مقاومتها.
    ولتوضيح ذلك نقول :
    أنّ شرب الخمر بسبب إجبار الآخرين للإنسان على شربها : إكراه.
    بينما شرب الخمر بسبب الشعور بمقاربة الهلاك وعدم وجود الماء: اضطرار.

    ونقول أيضاً:
    أنّ أكل الميتة الخمر بسبب إجبار الآخرين للإنسان على أكلها : إكراه.
    بينما أكل الميتة بسبب الشعور بمقاربة الهلاك وعدم وجود الطعام: اضطرار.

    وهكذا ، فإنّ الإكراه والاضطرار متقاربان..والفارق بينهما ليس فارقاً جوهرياً.. وكلاهما يشتركان في نفس العلة، وهي الشعور بالضرر المحقق.
    لذلك لا داعي للتفريق المصطنع بينهما، كما يقول البعض أنّه يجوز ارتكاب الفعل الكفري في حالة الإكراه بينما لا يجوز ارتكابه في حالة الاضطرار..وفي الحقيقة لا فارق بينهما من حيث المضمون.

    وأيضاً فإنه لا فارق حقيقي بين "الإكراه" و"الاستضعاف":
    فالاستضعاف هو الوضع الذي يعيشه المؤمن بين الكفار إذا كان ضعيفاً وكانوا هم أقوياء وكانت الغلبة والسيطرة لهم..فإنّ هذا الوضع يُسقِط عن المؤمن كثيراً من التكاليف التي لا يطيق تنفيذها بسبب الاستضعاف..فإذا كان يعيش في دولة كافرة ظالمة تبطش بالمسلمين، فيباح له عندئذ إخفاء دينه وعدم إظهاره لتجنب الأذى، وإذا لم يستطع إخفاء دينه إلا بمسايرة الكفار على بعض أفعالهم الكفرية وتنفيذها معهم فيباح ذلك أيضاً.. وهذه هي "التقية" التي ذكرها الله بقوله : ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة))

    فالتقية هنا لا تعني فقط إخفاء الإيمان، ولكن معناها يتعدّى ذلك إلى إظهار الكفر نفسه أحياناً عند وجود ضرورة تقتضي ذلك..وليس في الآية السابقة ما يفيد حصر "التقية" في مجرد إخفاء الإيمان، وإنما ذكر الله تعالى أنّ موالاة الكفار لا تجوز إلا عند شعور المسلم بالخوف منهم، وهذا له دلالتان:

    • الأولى: أنّ مجرد الشعور بالخوف يبيح للإنسان مسايرة الكفار، وليس كما يقول البعض: أنه لابد من وقوع أذى حقيقي لا مجرد الخوف من وقوعه.
    • الثانية: أنّ الله أباح للمسلم أن يقوم بالأفعال التي يكون فيها موالاة للكفار عند شعوره بالخوف منهم، ومن المعلوم أن الموالاة عمل يقوم به الإنسان في الواقع، أي أنه سيُظهِر لهم الأفعال التي تدل على موالاته لهم، وهي بالطبع ستكون أفعالاً كفرية، وفي هذا ردّ أيضاً على من يحصرون معنى "التقيّة" في مجرد إخفاء الإيمان فقط ويرفضون تفسير معناها بأنها قد تعني إظهار الكفر أيضاً لا مجرد إخفاء الإيمان.



    نستنتج من ذلك كله، أنّ رخصة ارتكاب الفعل الكفري تتوسع لتشمل الضرورات الخمس كلها:
    الدين، والنفس، والعِرض، والعقل، والمال.

    وأنه كما أباح الله للمسلم ارتكاب الكفر للحفاظ على النفس، فيُباح للمسلم أيضاً ارتكاب الكفر للحفاظ على ضرورة المال .. وليست ضرورة المال بأقل شأناً ولا أهمية من ضرورة النفس ..فهناك من يصبر على التعذيب الجسدي لكنه لا يصبر على أخذ ممتلكاته التي تعب في تحصيلها طوال عمره ..
    وفي هذا ردّ على من يقولون: أنه لا يجوز التحاكم للمحاكم الوضعية لأخذ الحقوق.
    بل هذا يجوز، من أجل حفظ المسلم لماله ..

    وقد استأذن الصحابي "الحجاج بن علاط" من النبي صلى الله عليه وسلم أنْ يقول كلمة الكفر لمشركي قريش من أجل أن يسايرهم لاستخراج ماله منهم، وأذن له النبي أن يقول ما شاء، وذلك لضرورة حفظ المال..
    وذلك فيما رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس بن مالك قال:
    (( لما فُتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي فقال يا رسول الله إن لي بمكة مالاً على صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله فأذن له فقال :: إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول. قال: قل . وفي لفظ آخر ( قال الحجاج أفأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئاً فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما يشاء ((.
    (أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وصححاه)


    كما استأذن الصحابي "محمد بن مسلمة" من النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أن يقول كلمة الكفر لليهود، حتى يسايرهم، ويستطيع دخول حصنهم، ليغتال زعيمهم "كعب بن الأشرف"، فإذن له النبي أن يقول ما شاء، وذلك لضرورة حفظ الدين.
    وذلك فيما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
    (( "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟» فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا (أي يقول كلامًا في حق النبي صلى الله عليه وسلم)( قَالَ: «قُلْ». فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ، فَقَالَ: نَعَمِ ارْهَنُونِي. قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ! قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا؛ وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ (يعني السلاح). فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ. قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ. قَال:َ عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ، فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ" ))
    (رواه البخاري(


    وفي الحديثيْن السابقيْن ما يدل على جواز ارتكاب الفعل الكفري من أجل الضرورة،،
    ففي الحديث الأول سمح النبي للحجاج بأن ينطق الكفر من أجل ضرورة المال..
    وفي الحديث الثاني سمح النبي لمحمد بن مسلمة بنطق الكفر من أجل ضرورة الدين (حفظ مصالح المسلمين) ..

    لذلك فتقديم ضرورة من الضرورات الخمس على ضرورة أخرى، هو فعل مرن جداً أقره الشرع الذي راعى الحركية والمرونة من أجل المصالح العامة، وهو نفس السبب الذي أبيح لأجله الكذب في الحرب للمصلحة العامة.
    ولا يصح تفسير البعض للحديثيْن السابقيْن بأنّ كلا الصحابيين الحجاج وابن مسلمة لم ينطقا الكفر صراحةً وإنما عَرّضا به بشكل غير مباشر.. فالكلام كان معناه واضحاً عندما استأذن كلا الصحابيين في أن ينالا من الرسول ويقولا كلاماً في حقه، ومن المعلوم أنّ النيل من الرسول كفر،، وقد أذن النبي بذلك، أي أذن بارتكاب فعل الكفر.

    وإذا كنا نتحدث عن الاستضعاف الذي يكون فيه المسلم مقهوراً وسط الكفار خائفاً منهم،، فإنّ هذا الوضع يشبه وضع "الحرب" بالضبط والذي تكون فيه العلاقة بين المسلمين والكفار علاقة عداء أساساً، خالية من أي معاهدات صلح أو أمان.. وإذا كان الله يبيح لنا الكذب في الحرب من أجل المصلحة العامة، فيمكن أن نفهم أيضاً أنّ الله يبيح لنا نطق الكفر أو ارتكاب أفعال الكفر لخداع الكفار في حال الاستضعاف.

    لذلك يمكن القول بأنه يجوز للمسلم في عصرنا الحالي:
    استعمال الأوراق الثبوتية ..
    من باب مسايرة الكفار، وعدم التميز عنهم، لكيلا ينتبهوا للمسلم ويؤذوه.

    كما يمكن القول بأنه يجوز للمسلم في عصرنا الحالي:
    التحاكم إلى المحاكم الوضعية لأخذ الحقوق واسترداد الأموال وخلافه، إذا كان لا يستطيع حفظ ماله بطرق أخرى.
    ويجوز له الموافقة على الشروط الكفرية الموجودة في أغلب العقود والاتفاقيات ، طالما أنه لا يجد بديلاً لها.
    وغيرها من الأشياء التي عمّت بها البلوى، ولا يستطيع المسلم الفكاك منها.
    وقد قال بعض الفقهاء: "أنّ الحاجات تنزل منزلة الضرورات" وذلك في حالة إذا كانت الحاجات ليس لها بديل.

    لكن ينبغي على المسلم عدم التوسع في الأخذ بالرخص بحجة الاضطرار والاستضعاف،، فيصير بذلك من الذين استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة..
    فلا يُعقَل أنْ يظل المسلم طوال عمره في الوظائف الحكومية مثلاً أو منخرطاً في جيشهم أو مرسلاً لأبنائه ليتعلموا الكفر في مدارسهم، فينصرهم ويعينهم على باطلهم ويجعل نفسه وتداً يثبّتون به أركان حكمهم ويقوّون به كفرهم، ثم يتحجج في النهاية بأنه مضطر ومستضعف!
    فالاضطرار والاستضعاف قد يبيح للمسلم ارتكاب فعل كفري في لحظة صعبة عابرة لا يجد فيها المسلم أي مخرج للهروب من كفر الكفار ولا يجد بديلاً يستطيع به التخلي عن كفرهم ... لكنه لا يبيح للمسلم أن يختار الكفر ويعمل به طوال عمره ويعين عليه لمجرد إيثار الحياة الدنيا وزينتها على رضا الله والآخرة.
    فالوظائف الحكومية لها بديل، ويستطيع المسلم العمل في وظيفة خاصة أو في عمل بعيد عنهم، وأرض الله واسعة.
    وتعليم الأبناء يمكن أن يتحقق بتعليمهم في البيت، بقليل من الصبر، وليس التعليم مقتصراً فقط على مدارس الكفار.
    والخدمة الإجبارية التي يفرضها الطواغيت للدخول في جيشهم يمكن التهرّب منها بسهولة ودفع غرامة بدلاً من الانخراط في صفوفهم ونصرتهم على باطلهم..
    اللهم إلا لو أخذه الكفار بالقوة وأجبروه على القتال معهم، ولم يستطع الهروب منهم، أو أجبروه على قتل المسلمين تحت تهديد السلاح، فهذا إن فعل ذلك يكون معذوراً إن شاء الله، لأنه واقع تحت إكراه حقيقي..
    وهذا مثل الذي ورد في قصة الغلام الذي دَلّ على الراهب بسبب التعذيب، وترتب على ذلك أن جاء الكفار بالراهب وقتلوه..ولم يرد في هذه القصة ما يدل على أي ذم أو توبيخ لما فعله الغلام، بسبب أنه كان واقعاً تحت إكراه حقيقي، ولم يتحمل التعذيب..
    وهذا ردّ على الذين يحصرون معنى "الإكراه" فقط في حالة إجبار المسلم على ارتكاب المحظور، ولايقبلون به في حالة إجبار المسلم على إيذاء أخيه المسلم، فيقولون: أنه لا يجوز للمسلم أن يُقدِم على قتل أخيه المسلم بسبب إجبار الكفار له على ذلك، لينجو بحياته هو، فحياته ليست أغلى من حياة أخيه..
    وهذا الكلام على مجمله صحيح،، لكن الإنسان تحت الإكراه لا يكون بحالة تسمح له دائماً بالتفكير في الأصحّ والأصوب، وإنما قد يرتكب أي شيء ليتخلص من الأذى الواقع عليه، فلا يُحاسَب على ذلك..
    ولو كان الإكراه المسموح به شرعاً مقتصراً فقط على الحالات المرتبطة فقط بالنفس دون التعدي على الآخرين،، لما وجدنا هذا الغلام المؤمن يدل على أخيه الراهب ويتسبب في إيذائه ، بسبب الإكراه.

    ولكن ينبغي عدم ارتكاب كل ما سبق من أفعال كفرية إلا بعد استفراغ الجهد والطاقة للهروب من الكفار بأية طريقة، وعدم موافقتهم على كفرهم إلا بعد حدوث ضرر حقيقي وغير متوهم..

    لذلك عاتب الله "حاطب بن أبي بلتعة" عندما تجسس لصالح المشركين بحجة أنه يخاف على أهله من بطش المشركين، وقد كان هذا ضرراً متوهماً لا حقيقياً..

    وهكذا فإنّه كلما استطاع المسلم إيجاد بديل يهرب به من ارتكاب الكفر، وجب عليه أن يلجأ لهذا البديل حتى لو كان صعباً، ويجب أن يستنفذ المسلم كل الوسائل المتاحة للهروب من الكفر، ولا يقبل ارتكاب فعل الكفر بسهولة ولا يقبله إلا إذا ضاقت به كل السبل ولم يستطع الهروب أو إيجاد بديل.

    لذلك ذمّ الله سبحانه وتعالى المسلمين الذين رضوا لأنفسهم بالإقامة وسط الكفار وارتكاب أفعال الكفر بحجة الاستضعاف، وذلك بالنسبة للمسلمين الذين أقاموا بمكة ولم يهاجروا مع النبي..
    فقد كان بإمكانهم الهجرة، لكنهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة، ولم يرضوا بمفارقة أوطانهم ولا مصالحهم الخاصة في مكة، وفضّلوها على الله ورسوله، فكانوا بذلك مستحقين للذم والتوبيخ والعذاب في الآخرة.
    كما قال الله تعالى:
    ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا))

    ولذلك أيضاً ينبغي عدم التساهل في مسألة التحاكم لغير الله، بحجّة عدم وجود البديل، وهو المحاكم الشرعية، فيجب على المسلم استنفاذ كل السبل في أخذ حقه دون اللجوء لهذه المحاكم الطاغوتية.
    وينبغي أيضاً عدم التساهل في استعمال البرامج التي تُلزم بالموافقة على شروط كفرية كــ"الفيسبوك" و"الواتساب" و"السكايب" وغيرها، فينبغي عدم استعمالها واللجوء لها طالما هناك بدائل أخرى لها خالية من الموافقة على مثل هذه الشروط .. فبرنامج "التليجرام" مثلاً خالي من الشروط الكفرية وهو يحقق نفس غرض "الواتساب"..كما يمكن التخلي عن "الفيسبوك" وعدم الاشتراك فيه، والاكتفاء بتصفحه فقط .. وهكذا

    ***************************

    وبعد هذا الطرح لمسألة "الإكراه" قد يعترض البعض قائلين:
    أنّ ارتكاب الكفر ليس له إلا حالة واحدة فقط وهي حالة الإكراه الذي يعني التعذيب الشديد،، وأنك بذلك تبرر ارتكاب الكفر في حالات أخرى معللاً ذلك بالاستضعاف وربطت المسألة كلها بقضية "وجود البديل أو عدمه"..

    وقد رددنا على ذلك بأدلة شرعية فيما سبق، ولكن يمكن أيضاً الرد بأسلوب عقلي بسيط كالتالي:
    من المعلوم أنّه في حالة وجود دولة إسلامية، فإنّ المسلمون يفرضون على أهل الذمة الموجودين داخل أراضي هذه الدولة بعض القوانين المستمدة أصلاً من شرائع الإسلام، كفرض الجزية، وعدم السماح لهم ببناء كنائس جديدة، وأيضاً اعتبارهم من ضمن رعية دولة الإسلام ومحميين بقوانينها وشرائعها، وهكذا..
    وبرغم موافقة أهل الذمة على الرضوخ لقوانين المسلمين إلا أنّ المسلمون يفهمون أنّ هذه الموافقة لا تعني بالضرورة إيمان أهل الكتاب بشريعة الإسلام وتخليهم عن النصرانية أو اليهودية،، بل المسلمون يعلمون أنّ أهل الذمة لا زالوا متمسكين بدينهم، وإنما وافقوا المسلمين في هذه الأمور فقط من أجل حفظ أرواحهم، واضطرارهم لذلك بسبب استضعافهم داخل أراضي الدولة الإسلامية.
    كما أنّ النصارى أنفسهم (والذين يقيمون خارج أراضي الدولة الإسلامية) لا يكفّرون إخوانهم النصارى الذين يقيمون داخل أراضي هذه الدولة ويرضخون لقوانينها، فهم يعلمون أنهم ما فعلوا ذلك إلا بسبب الاستضعاف وعدم وجود بديل يمكّنهم من الهروب.

    إذن فكما نقول أنّ طاعة الكفار لشرائع المسلمين لا تعني دائماً قبولهم لهذه الشرائع وإيمانهم بها،، فيمكننا أيضاً أن نقول أنه ليس كل ما يفعله المسلم من إرضاء للكفار ومسايرة لهم وهو مستضعف في أراضيهم يعني أنه رضي بدينهم وكفر بدينه.

    وهذه قوانين بديهية يعرفها كل البشر..
    فيعرفون أنّ المستضعف قد يفعل أشياء بسبب اضطراره لها وعدم عثوره على بديل، ولا يعني ذلك أنه رضي بهذه الأشياء المخالفة لدينه.


    لذلك فالأمر فيه سَعَة، والدين يُسر، والشريعة مرنة وتراعي الضعف الإنساني، وجاءت لترفع الحرج.. ولا داعي للتشدد في هذه المسألة وتكفير المسلمين المستضعفين بغير وجه حق بسبب التشديد في شروط الإكراه.

    والغريب في هذا الأمر أنّ مَنْ يشددون على أنفسهم وعلينا ، ولا يقبلون ارتكاب الكفر إلا في حالة التعذيب فقط-الغريب أنّ نفس هؤلاء الإخوة يستعملون البرامج والعقود المحتوية على شروط كفرية كاستعمالهم للفيسبوك والواتساب، ويلجأون للمحاكم الوضعية للحصول على حكم بصحة التوقيع أثناء شرائهم للأراضي والعقارات، وهكذا ..ويبررون ذلك بحجج غريبة، فيقولون أنّ هذه الشروط ليست شروطاً كفرية أصلاً، وإنما هي مجرد موافقة على الاستخدام، وينكرون أشياء معلومة من الواقع بالضرورة.. ويقولون أنّ صحة التوقيع هي من باب اللجوء للخبير في الأمور الدنيوية، وليست تحاكماً حقيقياً، ويتغافلون عن أنّ هذه الأحكام إنما تصدر بإسم الشعب؛ أي أنه تحاكم شركي.
    وهكذا فهم ينكرون أشياء معلومة من الواقع بالضرورة حتى يبرروا لأنفسهم الوقوع في الكفر.. فيقولون أنّ هذا ليس بكفر أصلاً..أي ينكرون كون الكفر كفراً .. وإنما فعلوا ذلك كنتيجة حتمية للتشديد على أنفسهم في قاعدة أنّ : "الإكراه الذي يبيح ارتكاب الكفر هو التعذيب الجسدي فقط" وأنه "لا ضرورة في ارتكاب الكفر" ..
    ونظراً لأنّ التحاكم والموافقة على الشروط الكفرية ليس فيها إكراه وتعذيب جسدي من الكفار للمسلمين، ونظراً لأنهم يرتكبون هذه الأفعال (أي يتحاكمون للمحاكم الوضعية ويوافقون على الشروط الكفرية) فوجدوا أنفسهم في مأزق حرج، فلم يجدوا وسيلة للهروب منه إلا بأن يقعوا في تلك التخبطات وينكروا أنّ هذه الأشياء تدل على الكفر أساساً ..
    وقد كان الأسهل من ذلك كله هو أن نعترف بأنّ هذه الأفعال أفعال كفرية حقاً،، ولكن يجوز لنا ارتكابها للاضطرار وعدم وجود البديل. فنكون صادقين مع أنفسنا ولا نخادع هذا الخداع!

    ************************

    أخيراً..
    قد يستغل بعض المشركين ما قلناه عن "الاضطرار" وجواز ارتكاب الكفر أحياناً بدون تحقق شروط الإكراه الذي ذكره ابن حجر،، فيبررون دخولهم في الانتخابات التشريعية واستعمالهم لمبدأ الديمقراطية كسلّم يصعدون به إلى أهدافهم المتمثلة في تطبيق شرع الله بعد ذلك،، ويبررون ذلك أيضاً بما يقولونه عن النجاشي رحمه الله أنه لم يكن يحكم بما أنزل الله أثناء ملكه للحبشة، وذلك بسبب الاستضعاف، وغير ذلك من الشبهات التي يروّجها المشركون اليوم لتبرير شرك جماعة الإخوان وغيرها من جماعات الإسلام السياسي.
    والاستدلال بقصة النجاشي ليس في محله، وذلك للأسباب الآتية:

    • أولاً لم يثبت عن النجاشي قط في أي كلام منطوق وصريح في أية رواية أنه حكم بغير ما أنزل الله، بل كل ذلك مجرد ظنون وتخمينات ليس عليها دليل.
    • وحتى لو حكم بغير شريعة القرآن، فربما حدث ذلك بسبب ابتعاده عن النبي صلى الله عليه وسلم ووجوده في أرض أخرى، وعدم بلوغ الشرائع إليه، فلم يكن يحكم إلا بما وصله بالفعل وعلمه.
    • أو أنه كان يحكم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل بالأحكام الأصلية قبل التحريف، بسبب أن أحكام القرآن لم تصله كما قلنا، والحكم بالتوراة والإنجيل هو حكم بشريعة الله، لأن التوراة والإنجيل هي كتب الله عز وجل.
    • يبقى الاحتمال الأخير وهو أنّ النجاشي وصلته أحكام القرآن ولم يستطع تنفيذها بسبب أنه كان كافراً ثم أسلم حديثاً، ولم يكن يقدر على مواجهة قومه بحقيقة ما يؤمن به، ولم يكن يقدر على تنفيذ حكم القرآن بينهم بسبب أنهم نصارى.
      وقد ذكرنا سابقاً-أثناء شرحنا لقضية التحاكم-أنّه ليس كل مخالفة في تنفيذ حكم الله تكون كفراً، فمجرد المخالفة في التنفيذ لا يعني سوى أنها كالمخالفة في تنفيذ أي أمر من أوامر الله بسبب العجز أو الضعف وهي حالة المعاصي التي يرتكبها الإنسان،سواءً بعذر أو بغير عذر، فيصير عاصياً ولا يصير كافراً، لأنه لم يعارض شريعة الله ولم يردّ أحكامه ويتمرد عليها.


    فأين هذا كله من حالة الجماعات التي تسمي نفسها إسلامية اليوم ؟
    فهذه الجماعات لم تخالف فقط في تنفيذ أحكام الله، وإنما أعلنت بشكل واضح وصريح أنّ الحكم للشعب وأنها تؤمن بالديمقراطية مثل الجماهير الغفيرة من الناس..
    إذن فالمخالفة هنا لأحكام الله ليست مجرد معصية عادية، وإنما هي كفر يعلنون فيه مضاهاة شريعة الله بشرائع أخرى لها المرجعية بدلاً من الله .
    كما أنّ حالة الاستضعاف لا تنطبق على هؤلاء، وفارق بينهم وبين النجاشي، فالنجاشي أسلم وهو في المُلك، ولم يستطع فراق قومه (لأسباب لا نعلمها لكنّا نحسن الظن به) .. أما هؤلاء فسعوْا إلى الملك باختيارهم وهم يعلمون أنهم سيعجزون فيه عن الحكم بشريعة الله.
    والأهم من ذلك كله أنهم لا يفهمون الإسلام أصلاً من البداية، فهم كغيرهم من الناس: كفار جاهلون بعقيدة التوحيد، لا يعرفون معنى شهادة "لا إله إلا الله"،، ويظنون أنّ الشرك بالله مجرد معصية عادية لا تناقض الإسلام.. وما سعيهم للحكم بالديمقراطية إلا ترجمة عملية لعقائدهم الفاسدة التي يعتقدونها أصلاً من البداية.
    وقد كان يمكننا أن نلتمس العذر لهم لو أنهم حققوا الإسلام أصلاً ثم تأوّلوا في مسألة الاضطرار فيما بعد،، لكنا لا يمكن أن نفعل معهم ذلك لإيماننا بأنهم كفار أصليون من البداية ولم يحققوا الإسلام يوماً حتى نعذرهم فيما يفعلونه بعد ذلك.


    **************************

    الهجرة سبيل المؤمنين:
    قد يتساءل البعض : كيف نتمسك بإسلامنا إذن ونحن محاصرون بالكفر من جميع الجهات؟
    فلا يكاد المسلم يستطيع الحصول على حقوقه إلا بالتحاكم لمحاكم الكفار..
    ولا يكاد يخلو عقد بيع أو شراء من شرط كفري..
    ولا يكاد يخلو برنامج كمبيوتر أو هاتف من شرط كفري عند استخدامه..
    ولا يكاد يفعل المسلم أي فعل أو حركة في هذا المجتمع الجاهلي إلا باستخدامه للأوراق الثبوتية..
    ولا يكاد يخلو أي عمل أو حركة في الحياة من الالتزام بقوانين الكفار الدستورية..

    والحل لمواجهة كل هذا هو الهجرة ..
    الهجرة التي طبقها الرسول وصحابته الكرام للفرار بدينهم من هذه الفتن التي تموج كموج البحر، وتحيط بالمسلم من كل جانب..
    ولا تنقطع الهجرة حتى تقوم الساعة..
    والهجرة باقية طالما كان المسلمون مستضعفين،، فيجب أن يسعوا بجدية لتكوين الدولة المسلمة التي يعبدون فيها الله دون خوف، ويجهرون بتوحيدهم لله على مسمع من العالَم كله، ويستردون مكانتهم وريادتهم في هذه الدنيا، ويكونون كما قال "ربعيّ بن عامر وأصحابه" :
    "قوم جاؤوا ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"
    ثم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم في سبيل هذا الدين العظيم، وفي سبيل هذه الكلمة التي قامت بها السمواتُ والأرض؛ كلمة "لا إله إلا الله".




    سبحانك اللهم وبحمدك .. نشهد ألا إله إلا أنتَ .. نستغفرك ونتوب إليك



    كتبه : "واحد من المسلمين"
    مصر
    22 / 08 / 2017 م












  19. شكراً : 15
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2015
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    المراجع
    1. الفطرة.
    2. العقل.
    3. الكتاب والسُنّة.
    4. مشاهدات الواقع والحياة.
    5. كتاب "الأصول الثلاثة" للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
    6. كتاب "نواقض الإسلام" للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
    7. كتاب "مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد" للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
    8. كتابات "سيد قطب".
    9. كتابات "ابن تيمية".
    10. كتاب "الملة الغائبة" للشيخ محمد سلامي.
    11. كتاب "فضائح المشركين" للشيخ محمد سلامي.
    12. كتاب "الرد على الأثبجي في دفاعه عن المشركين" للأخ أبي الزبير الأنباري.
    13. كتاب "موقف الموحدين من شرائع الطواغيت والمشركين" لـــ جماعة من طلبة العلم بالجزائر.
    14. كتاب "أصل الدين بين الغلو والتفريط" إعداد مدونة أصول الإسلام: على الإنترنت.
    15. كتاب "الكلمة الطيبة" إعداد مدونة أصول الإسلام: على الإنترنت.
    16. سلسلة محاضرات "فقه مستجدّات الواقع" على اليوتيوب: للشيخ حلمي هاشم.
    17. كتاب "وقفات مع مسألة طلب الدعاء والشفاعة من الأموات" للأخ أبي مارية النجدي.
    18. كتاب "الحقائق في التوحيد" لــ "علي الخضير".
    19. كتاب "شروط وموانع التكفير" لــ "تركي البنعلي" أحد علماء تنظيم الدولة.
    20. كتاب "تبصير الحائر ببطلان إطلاق تكفير العاذر" لـــ "أبو محمد العربي" أحد علماء تنظيم الدولة.
    21. محاورات ومناظرات مع شرعيي (علماء) تنظيم الدولة.
    22. منتدى "التوحيد الخالص" على الإنترنت.
    23. مناظرات "مجلس الألوكة العلمي" على الإنترنت،، بعنوان "هل تكفير المشركين من أصل الدين؟" والأخرى بعنوان "هل أسلمة الموحدين من أصل الدين؟".