بسم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛

نلاحظ في دعوة الأنبياء لأقوامهم أنها كانت دعوة واقعية، أي دعوة تتحدث عن واقع الناس وتحلله وتنقده وتشخّص الداء الموجود فيه ثم تقدّم وصفات دقيقة لعلاجه.
وما هذا إلا لأنّ الإسلام دين واقعي، جاء ليمتزج بحياة الناس ويستوعبها بكل ما فيها من تفاصيل وأحداث، ولم يأتِ ليكون مجرد طقوس خيالية بعيدة عن الواقع.
من أجل ذلك لم يكتفِ الأنبياء بمجرد العرض النظري لعقيدة التوحيد بطريقة: (إنّ أول ما افترض الله على الإنسان هو الكفر بالطاغوت، وأنّ عبارة "لا إله إلا الله" عبارة تحتوي على نفي وإثبات، فشق النفي هو كذا وكذا وشق الإثبات هو كذا وكذا، وأنّ أنواع التوحيد ثلاثة هي توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات،،،إلخ إلخ) ..
لم يعرض الأنبياء التوحيد على أقوامهم بهذه الطريقة العلمية التجريدية الصعبة والمملة! فالناس أبسط من ذلك، وليس لديهم صبر لفهم واستيعاب هذا التجريد، وإنما يحتاجون لمن يهبط إلى مستواهم، ويتحدث بلغتهم، ويفهم مشاعرهم، ويضرب لهم الأمثلة على كلامه من واقعهم.. بهذه الطريقة فقط يستطيع أن يقترب منهم وتحقق دعوته صدى على أرض الواقع، وبغير ذلك تصبح دعوته مجرد مؤلفات في الكتب لا يفهمها سوى المتخصصون.

ودائماً ما كان الأنبياء يشيرون إلى مظاهر الشرك المنتشرة في مجتمعاتهم إشارة صريحة، فلا يكتفون فقط بتحذير أقوامهم من الشرك، فربما لو اكتفوا بذلك لما عاداهم أحدٌ! فكثير من الناس عندما يسمع التحذير من الشرك لا يعير انتباهاً، وذلك لسبب بسيط: أنه يظن نفسه بمنأى عن هذا التحذير لأنه ينظر لنفسه باعتباره مؤمناً بالله وأنّ هذا التحذير موجّه لغيره، ولكن عندما يصارحه الداعي بأنه هو المعني بالكلام وأنه مشرك، وليس ذلك فقط، بل إنّه ينتمي لمجتمع كامل واقع في الشرك، فعند هذه اللحظة يبدأ بالانتباه والاستماع، وعندئذ تبدأ المفاصلة، وعندئذ يبدأ العداء، وفي نفس الوقت يبدأ الناس في معرفة دين الله، فيدخل فيه من وفقه الله، ويبدأ تكوين الجماعة المسلمة وتتمايز عن الشرذمة الكافرة.
بغير ذلك يبقى الإسلام غامضاً مجهولاً مدى الحياة!

يظن بعض الدعاة الآن أنّ تكفير الناس ليس غاية، وأنّ قضية الحكم على الناس ليست من الأولويات، وأنّ المهم فقط هو التركيز على دعوتهم إلى الإسلام، وهذا كلام بعيد عن الواقع الحالي، فالناس يظنون أنهم على الإسلام، وأنّ الشرك بالله مجرد معصية غير مخرجة من الملة طالما أنهم مؤمنون بالقرآن وبالأنبياء، وأنّ عليهم فقط التوبة من الشرك باعتباره من الكبائر، ولا يفهمون أنهم كفار ويحتاجون للدخول في الإسلام من البداية، ويتحمل مسئولية ذلك الدعاة الذين لا يواجهونهم بحقيقة كفرهم بالله، ظناً منهم بأنّ المهم فقط عدم وقوع الناس في الشرك وعبادة الله وحده، دون فهم أنّ هذا تغيير لدين قديم ودخول دين جديد.

وربما مشركو الأمس ليسوا كمشركي اليوم، من حيث أنّ مشركي الأمس كانوا أكثر ذكاءً وصدقاً مع النفس، فقد كانوا يعلمون أنهم مشركون بالله، وأنّ ما يدعوهم إليه أنبياؤهم يمثل دعوة إلى دخول دين جديد، لذلك لم تكن كلمة : ((أنتم كفار)) مهمة وحاسمة بنفس الدرجة التي هي عليها اليوم.
فمشركو الأمس كانوا يعلمون أنهم كفار بدين أنبيائهم، ولم تحتاج هذه الحقيقة إلى توضيح في كل مرة، فكلا الطرفيْن (الأنبياء وأقوامهم) كانا يعلمان بأنّ كل واحد منهما على دين يخالف دين الآخر، لذلك لم يحتاج النبي أن يكرر عبارة ((أنتم كفار)) في كل مرة يدعوهم فيها، لأنهم كانوا يفهمون ببساطة أنّه بمجرد دعوته إياهم إلى توحيد الله فإنه بذلك يدعوهم لدخول دين جديد.
وفي الأوقات التي كانوا يُظهرون فيها المهادنة والملاينة، مثلما دعوا النبي محمد للمزج بين دينه وبين دينهم، عند ذلك كان الحسم يجيء: ((قل يا أيها الكافرون.......لكم دينكم ولي دينِ)) ليذكرهم بهذه الحقيقة عندما يغفلون عنها أو يحاولون تمييعها وتضييعها، وهي حقيقة التمايز بين المسلم والكافر.

مشركو اليوم في الحقيقة لا يدركون هذا التمايز إطلاقاً، لذلك فإنّ عبارة: ((أنتم كفار)) هي عبارة مهمة جداً وحاسمة ومحورية في الدعوة اليوم، وينبغي تكرارها بصورة مستمرة، لا من أجل إهانتهم أو تحقيرهم، وإنما لأجل تذكيرهم بحقيقة هذا التمايز كلما أرادوا تضييع هذه الحقيقة مثلما حاولت قريش مع النبي محمد.
وهذا هو فقه الواقع الذي نتحدث عنه، فالناس اليوم ربما شبعوا من سماع أنواع التوحيد وأنواع الشرك على يد مشايخ السلفية التقليديين، وهم في كل مرة يسمعون فيها ذلك يظنون أنّهم مسلمون، وأنهم يحتاجون فقط لإكمال إيمانهم وليس لتأسيسه من جديد، أما عندما يسمعون كلمة : ((يا أيها الكافرون)) فهذه هي الفيصل..
فتجريم التكفير واعتبار البشر إخوة في الإنسانية هو الداء الحقيقي لشعوب العالَم المتأثرة بالعلمانية اليوم، ذلك الدين العالَمي الجديد الذي يؤمن به الجميع، والذي ينص على أنّ الأخلاق هي الأهم وليس العقيدة. ومقارعة هذه الفكرة ومواجهتها بالنقيض هو المطلوب.

وليستْ مواجهة الكافرين بحقيقة كفرهم فقط هي المطلوبة، وإنما لابد أنْ يتبع ذلك تبيين وتوضيح وحصر بأسماء وأنواع الآلهة التي يعبدونها مع الله في الواقع، فلا نكتفي فقط بأن نقول لهم: "أنّ العبادة تشتمل على المحبة والتوكل والخوف ..إلخ وأنّ الدليل على ذلك قال الله كذا وكذا"
هذا وحده لا يكفي، فلابد من توضيح أمثلة على شرك المحبة الذي يرتكبونه، من واقعهم المُشاهَد.
ولابد من ضرب أمثلة على شرك التوكل الذي يرتكبونه، من واقعهم .
وهكذا في شرك الخوف .. وهكذا.

فأغلب الدعاة اليوم يركزون بشكل غريب على قضية "شرك الحاكمية" ويضربون لها الأمثلة من الواقع بوجود أنظمة الحكم الديمقراطية والمحاكم الوضعية ، ويضربون أمثلة للناس على شرك الذبح والنذر والاستغاثة الذي يحدث عند الأضرحة مثلاً..
ولكنهم في نفس الوقت لا يشرحون أنواع الشرك الأخرى للناس بنفس القدر من الحماس، وأعني هنا شرك المحبة وشرك الخوف وشرك التوكل وأنواع أخرى..وذلك لسبب بسيط أنّ ضرب أمثلة للناس على هذه الأنواع من الشرك يحتاج لمجهود أكبر والدخول في تفاصيل تخص حياة الناس الاجتماعية أكثر.
فلا يحتاج الأمر لعناء كبير في شرح شرك التحاكم وشرك الاستغاثة ، وذلك لأنّ كلاهما متعلق بأمور عامة يفعلها الناس بوضوح، والمتمثلة في وضع الدساتير والذهاب للأضرحة، بينما يحتاج الأمر لبعض الجهد في شرح أنواع أخرى من الشرك أكثر دقة وخفاءً لأنها لا تحدث إلا داخل حياة الناس الخاصة.
فيكتفي الدعاة بسرد هذه الأنواع الدقيقة من الشرك سرداً عاماً عن طريق ذكر النصوص الشرعية دون الدخول في تفاصيل حياة الناس،، فيبدو الأمر وكأنّ هؤلاء الدعاة يمارسون الدعوة بشكل حفظوه حفظاً ويرددونه ترديداً ويكررونه على مسامع الناس بشكل روتيني ممل.
فعند ذكر شرك المحبة يقولون: والدليل على ذلك قوله تعالى: ((ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)) ويكتفون بذلك،، ولم يحاولوا أن يشرحوا للناس كيف تكون المحبة كمحبة الله، ومتى تصل لدرجة الشرك، وما الفرق بين المحبة الطبيعية وبين المحبة الشركية، وما هي الأمثلة من حياة الناس على هذه المحبة الشركية، ومتى تكون محبة الأبناء لآبائهم محبة شركية، ومتى تكون محبة الزوج لزوجه محبة شركية، ومتى تكون محبة الوطن محبة شركية.
وفي شرك الخوف متى يكون الخوف طبيعياً ومتى يكون شركياً، مع ضرب أمثلة من حياة الناس الخاصة على شرك الخوف الذي يرتكبونه..
وفي شرك التوكل ما هو الفارق بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الأسباب .. مع ضرب أمثلة من واقع الناس لمواقف يتوكلون فيها على غير الله في حياتهم الخاصة.
وفي خضم ذلك كله يتم التوضيح لهم بأسماء الآلهة التي يعبدونها .. فلا نكتفي بالقول بأنّه ينبغي الكفر بالطاغوت، بل ينبغي تسمية طواغيتهم التي يعبدونها ليتجنبونها، فكثير من الناس عندما يسمع دعوة التوحيد بشكل نظري ، يسأل في النهاية: ((وما هو المطلوب مني الآن لكي أدخل في الإسلام؟)) وما كان له أن يسأل هذا السؤال لو أن الداعية وضح له من البداية الآلهة التي يعبدها هذا المدعو مع الله وسمّاها له بأسمائها من الواقع.

فهذا نبي الله نوح يسمي الآلهة المزعومة لقومه : (وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً)
وهذا نبي من أنبياء الله يقول لقومه : (أتدعون بعلاً وتذرون أحسنَ الخالقين)
وهذا نبي الله ابراهيم يكسّر أصنام قومه بيده، ويشير إليهم : (اسألوهم إن كانوا ينطقون)
وهذا نبي الله محمد يحارب (هبل واللات والعزى ومناة) ويذكرهم بأسمائهم ويسفههم. وكأنه يعطي الصدمة الكهربائية لقومه كي يفيقوا من أوهامهم.

هذه هي دعوة التوحيد عندما تمتزج بالواقع ، وتحدد للمشركين أنواع شركهم وآلهتهم المزعومة وتسميها بأسمائها، وتضغط على أعمق نقطة حساسة في أعصابهم، لتؤلمهم وتستفزهم وتوقظهم من غفلتهم وتواجههم بالحقيقة المُرّة ، وتجعلهم يصرخون، ثم يُجبَرون بعد ذلك على اختيار إحدى الطريقيْن: إما طريق الهدى وإما طريق الضلالة، فيتمايز المسلمون والكافرون.
هذه هي دعوة التوحيد عندما تؤتي ثمارها على أرض الواقع، وليست دعوة التوحيد هي تلك الشروحات العلمية المملة التي لا يفهمها أحد سوى الجالسون في الأعلى؛ في الأبراج العاجية فقط!