1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    المشاركات: 233
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صلاح الدين


    فصل خاص
    في مناقشة نظرية التوقف
    نبدأ دراسة ومناقشة أصحاب نظرية التوقف في الحكم على الناس في المجتمع الكفري

    (دار الكفر) من خلال التعرف على حقيقة (التوقف) كما ورد بمصنفات الفقه وأصوله. وهي البداية الواجبة كمدخل وباب للتعامل مع موضوع التوقف عامة، سواء في قضية الحكم على الناس أو غيرها من الموضوعات، وقد قال تعالى: (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) من أتي الشيء من قبل وجهه تبين له ووفق إلى الحق فيه، هكذا قال السلف، وهكذا ينبغي أن نكون.

    لذا نجد علماء الأصول قد ذكروا التوقف كمسلك للفقيه أو العامل بالشريعة في ثلاثة مواضع تحديداً وهي:

    الأول – عند دراسة ألفاظ (الصريح والكناية).

    والثاني – عند دراسة المشكل والمتشابه من الألفاظ.

    والثالث – عند دراسة التعارض الظاهري بين النصوص.

    § ونحن نتناول هذه المواضع بالتوضيح المختصر حتى تتجلى في النظر حقيقة (التوقف) وطبيعته وكما ورد بمصنفات أهل العلم، فتزيدك بصراً وبصيرة في فهم موضوع قد يلبّس على المسلم أمور عقيدته ودينه إن لم يكن على وعي تام به. فنقول وبالله التوفيق.

    الموضع الأول
    : وهو موضوع اللفظ الصريح والكناية:

    1) فإن اللفظ الصريح في تعريفه: هو ما ظهر المراد منه ظهوراً قوياً، بحيث لا يحتاج إلى مبين آخر من غيره أو من خارجه للتعرف على معناه؛ حيث معناه ظاهر بذاته.

    ومثاله: قول الرجل لامرأته (أنت طالق).

    ومن الأفعال: استخدام آلة من شأنها القتل في التعدي على الآخريين؛ فقد دلت بذاتها على نية العدوان وتعمد القتل.

    وحكم الصريح من الألفاظ أو الأفعال: أنه يثبت الحكم بمقتضاه مباشرة دون حاجة إلى النظر في نية الفاعل أو المتكلم. فصراحة اللفظ أو دلالة الفعل أغنانا عن الحاجة إلى النظر في النية لظهور المعنى المراد ظهوراً قوياً لا يحتاج إلى مزيد بيان.

    ولذا لا يقال للرجل في مثل هذا الحالة: ماذا تقصد بقولك لامرأتك أنت طالق ؟

    بل لا يقبل منه ادعاء مخالف لظاهر اللفظ، كأن يدعي أن قصده أنها طالق من القيد لا الطلاق الذي ينهى علاقة الزوجية، هذا لا يقبل لبعده ومعارضته لدلالة اللفظ الصريحة. وهكذا لا يقبل من القاتل ادعاء عدم نية القتل في حالة اعتدائه على المقتول بآلة من شأنها القتل.

    2) أما اللفظ غير الصريح (الكناية):

    فهو ما لا يظهر المراد منه ظهوراً لا يختلف فيه، بل يحتاج إلى مبين من خارجه للتعرف على المعنى المراد، وبالتالى فلا يعلم المراد منه إلا بالاستفصال من المتكلم أو بقرينه من شاهد الحال أو المقال، وذلك ما قد يطلق عليه (تعرية المقاصد) ولا يكون إلا مع الألفاظ أو الأعمال غير الصريحة وغير الدالة على المراد بوضوح ويقين.

    وقد ضربوا المثل لذلك بقول الرجل لامرأته إلحقي بأهلك، أو حبلك على غاربك. فهل يقصد بذلك الطلاق أو مجرد الإغضاب. لا نستطيع أن نقطع بالقول أن المقصود هو الطلاق تحديداً.

    وهكذا فالقول غير الصريح الدلالة – أو الفعل – لا نستطيع أن نقطع له بدلالة إلا بالاستفصال أو تبيين المقصد من قبل المتكلم أو الفاعل.

    ولذا قيل في حكم مثل هذا الألفاظ أو الأفعال غير صريحة الدلالة:

    عدم جواز العمل بمقتضاها، بل يجب التوقف عن الحكم بها
    ، فلا يثبت بها حكم شرعي حتى يرد المبين للمراد المقصود من اللفظ أو الفعل.

    فالتوقف عن العمل بمقتضى هذا اللفظ أو الفعل غير الصريح يعنى اعتباره غير موجود، فلا يرتب حكماً ويظل الحال على ما هو عليه، فلا يغير حتى يتم تعرية المقاصد من مثل هذه الأقوال أو الأفعال غير الصريحة.

    وفى المثال السابق تبقى علاقة الزوجية قائمة ثابتة بالدليل الأول حتى يثبت انفصام عراها باللفظ الصريح والبينة القاطعة.

    § وبهذا يتبين أن (التوقف) كمسلك يثبت مع اللفظ أو الفعل غير الصريح.

    § وأن التوقف يعني عدم العمل بمتقضى هذا اللفظ غير الصريح وعدم إثبات أحكام به، بل يعتبر كأن لم يكن ولم يوجد حتى نتبين حقيقة المراد به بالاستفصال أو بأى وسيلة من وسائل التبيين.

    - فالتبين بالنسبة لغير الصريح واجب حتمي إذا أردنا ترتيب أى حكم عليه أو العمل بمقتضاه. ولذا تجد في نصوص الذكر الحكيم الأمر بهذا (التبين) في موضعين:

    الأول:
    مع اللفظ غير الصريح الدلالة (ظني الدلالة) وكما ورد في سورة النساء في قوله تعالى:

    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً)
    .

    والثانى:
    مع اللفظ غير الصريح الثبوت (ظنـي الثبوت) كالوارد في سورة الحجرات في قوله تعالى:

    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)
    .

    ففي كلا الموضعين ثبت عدم صلاحية بناء الأحكام على الألفاظ غير الصريحة في الدلالة والألفاظ غير الموثوق بثبوتها. وبالتالي يجب (التوقف) عن ترتيب أي أحكام عليها، كما لا يصح أن يخالف بها الأحكام الثابتة بأدلتها.

    والموضع الثاني –
    والذي ورد فيه القول بالتوقف في مصنفات الأصول هو الموضع المتعلق بالمتشابه أي المشكل والمجمل من الألفاظ.

    واللفظ المشكل كما عرفه الأصوليون: هو اللفظ الذي يوهم التعارض بين النصوص، وكلام الله تعالى منزه عن ذلك؛ قال تعالى: (
    1
    )

    ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافاً كَثِيراً)
    [النساء].

    فالقرآن لا يعارض القرآن، والسنة لا تعارض القرآن ولا تعارض السنة. فإذا ظهرت من ألفاظ النصوص ما يعارض بعضها وهو أمر لا يمكن أن يوجد حقيقة ولكن لعله في النظر الأول إن وجد. فإن تعلق التعارض بمعارضة لفظ في نص لأصل من أصول الدين الراسخة، أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة وهو علم قطعي يقينى، أو حتى إذا عارض لفظ لنص أقوى منه في الثبوت أو الدلالة فإن هذا اللفظ المعارض يسمى (باللفظ المشكل).

    وقد بين علماء الأصول ما ينبغي أن يكون عليه العمل مع اللفظ المشكل والمتمثل في أمرين تحديداً:

    أ- التوقف عن المعارضة به لما هو أصل أو معلوم ضرورة من الدين.

    ب- تأويل هذا اللفظ على نحو يصرفه عن هذه المعارضة.

    فاللفظ المشكل له ظاهر متبادر في النظر. هذا الظاهر المتبادر مُعارض لما هو أقوى وأرسخ منه في الدلالة والثبوت، ولذا فالواجب عدم التسليم لهذا الظاهر المتبادر والتوقف عن القول بهذه الدلالة المتبادرة لثبوت فسادها بسبب معارضتها لأصول الدين أو أساسياته، ولذا فالواجب الشرعي معها هو وجوب تأويلها أي صرفها عن ظاهرها إلى معنى آخر يحتمله لفظها للضرورة التي أوجبت ذلك.

    وقد قالوا أيضاً في معنى هذا التأويل: هو صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح للضرورة التي أوجبت ذلك.

    ولهذا النوع من التأويل معالم وشروط لابد من الالتزام بها وإلا عُد تحريفاً لا تأويلاً. على تفصيل تناولته مصنفات الأصول فليرجع إليه.

    والموضع الثالث
    – الذى ذكر فيه التوقف في مصنفات الأصول هو حالة (التعارض الظاهرى بين النصوص).

    ويختلف هذا الموضع عن سابقه أى عن (المشكل) من الألفاظ في أن التعارض في هذا الموضع تعارض ظاهري بين النصين:

    أ- من قوة واحدة. ب- وفى موضوع واحد.

    أما المشكل من الألفاظ فالتعارض فيه بين لفظ وأصل من الأصول أو معلوم من الدين بالضرورة، لذا كان التأويل بصرف هذا اللفظ عن ظاهرة.

    أما في حالة التعارض الظاهرى بين النصوص فقد اشترطوا للقول بحدوثه شرطان:

    أ- وحدة الموضوع. ب- وحدة القوة بين الدليلين.

    فإذا تخلف شرط منهما انتفى التعارض في حقهما، وكان لكل دليل مجال عمله.


    * ثم إذا ثبت التعارض ، فهناك مبادئ وقواعد للترجيح واجب اتباعها والالتزام بها لإنهاء هذا التعارض الظاهري غير الحقيقى، والتي تبدأ:

    أ- بالبحث في الدليل الناسخ والدليل المنسوخ.

    ب- ثم قواعد الترجيح من خلال مراتب دلالات ألفاظ النصوص ودرجة قوتها على النحو الموضح بالأصول.

    ج- ثم مراتب وضوح هذه الدلالة: المحكم فيها والمفسر والنص الظاهر.

    د- ثم قواعد الجمع والتوفيق بالتعرف على العام والخاص والمطلق والمقيد.

    هـ- أيضاً ينظر في قوة الدليل من حيث الثبوت (متواتر- مشهور- آحاد) والبحث عن الحكم الثابت بالإجماع أو بالقياس أو خلافه.

    § فإذا ثبت التعارض كمرحلة أولى. وهو تعارض ظاهرى لا حقيقى.

    § ثم تم اتباع قواعد الترجيح كمرحلة ثانية.

    ولم يمكن مع ذلك التعرف على الحق في المسألة كان الواجب على الفقيه في هذه الحالة (التوقف) عن العمل بالدليلين كمرحلة ثالثة.

    § ثم البحث عن دليل غيرهما في المسألة وهو آخر مدار العمل فيها.

    ولا يمكن أن يكون مثل هذا التعارض في قواعد هذا الدين الأساسية أو أصوله الجامعة الكلية، بل لا يكون إلا في المسائل الفروعية الجزئية.

    § فهذا التوقف مسلك يسلكه الفقيه عند عجزه عن الترجيح بين الدليلين المتعارضين بين يديه في النظر ولم يمكنه الترجيح بينهما.

    وهو مسلك غير ملزم لغيره من الفقهاء والذين قد ينجح منهم من يستطيع الترجيح الذي عجز عنه الفقيه الأول.

    مما سبق يتضح أن التوقف مسلك يتبعه الفقيه في الحالات والمواضع السابق عرضها وكما ذكرتها مصنفات الأصول.
    نقلا عن كتاب الدار و الديار للشيخ عبد الرحمن شاكر
    [/quote]
    [quote="صلاح الدين"]
    §كما ثبت أيضاً أن التوقف لا يعني أبداً إلغاء العمل بالأحكام الثابتة بأدلتها الصحيحة الصريحة. ولا يعنى تعطيل القواعد العامة والأصول الحاكمة عند الاشتباه. لأن الحقيقة الشرعية الثابتة أن عند الاشتباه تطبق القواعد العامة الحاكمة ولا تعطل، بل الذى يعطل هو هذا الأمر المشكل أو المتشابه؛ حيث يجب إسقاطه من النظر وعدم التعويل عليه. ثم الانطلاق في الالتزام وتطبيق القواعد العامة لا تعطيلها بادعاء وجود مشكلة أو متشابه، وهذا هو الخطأ الذي سقط فيه أهل التوقف حيث عطلوا العمل بالقاعدة العامة والأصل الثابت في موضوع أحكام الديار بحجة الاشتباه في حكم الأفراد الذين جاءت هذه القواعد لتخضعهم لحكمها بالأصالة لا بالاجتهاد. وقد ادعوا لذلك مصطلحاً أطلقوه على الأفراد لإدعاء الاشتباه في حقهم حيث أطلقوا مسمى (مجهول الحال) على كل من لا يعلموه فعطلوا القاعدة العامة الحاكمة لأفراد المجتمع أو الطائفة الممتنعة أو الدار والأصل الواجب رد حكمهم إليه، عطلوا جميع ذلك لادعاء أن هؤلاء الأفراد والذين جاءت هذه القاعدة لحكمهم بالأصالة ادعوا فيهم مسمى (مجهول الحال).
    وعلى القول بادعاء الشبهة في هذه الحالات إن صح، فإن الأصول تقضي مع الشبهة بوجوب الرد إلى الأصل والعمل به دون معارضة، ولذا قيل أن الأصول حاكمة لنوعين من الأفراد:
    أ- الأفراد الذين جاءت بالأصالة لحكمهم.
    ب- وحالات الاشتباه والتردد إذا لم تخضع لحكم خاص بها بالدليل الخاص وإلا ردت إلى حكم الأصل. ولا يحل العمل أبداً بالمتشابه.
    لذا قيل في مثال ذلك:
    § أنه إذا اختلطت الميتة بالمزكاة من الذبائح فالحكم المنع من التناول وهو الأصل الواجب الرد عليه عند الاشتباه؛ حيث الأصل التحريم.
    § وفى حالة ادعاء حق في ذمة آدمى دون بينة فالأصل براءة الذمة إن عجز عن إثبات الحق بالبينة الصادقة.
    وهكذا فإن حكم الأصل ثابت ما لم يرد ما يغير هذا الحكم بيقين. فكيف إذا لم يكن هناك إشكالاً وكان هؤلاء الأفراد المتنازع فيهم هم الذين جاءت القاعدة العامة لإثبات الحكم في حقهم بالأصالة.
    هذا ما ذكره علماء الأصول عن المواضع التي يثار فيها القول بالتوقف.
    أما أهل التوقف القائلين به في قضية الحكم على الناس، فقد ظنوا أن التوقف حكماً شرعياً في ذاته، فتعلقوا بالقول به واجتهدوا في جمع كل المسائل المتشابهة أو المشكلة الذى ذكر فيها الفقهاء القول (بالتوقف) ثم قاموا بصياغتها على أنها أدلة دامغة على وجوب القول بالتوقف، وحتى في القضايا التي حكمتها القواعد العامة والأصول الحاكمة مثل قضية الحكم على الناس في مثل هذه المجتمعات.
    ولذلك تجد عامة أدلة أهل التوقف هى النصوص العامة:
    أ- التي تحذر من اتباع المتشابه.
    ب- أو تلك التي تحذر من بناء الأحكام على الظن.
    ج- أو تلك التي تحذر من القول بغير علم.
    وذلك كقوله تعالى:
    ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)
    [الإسراء].
    وكقوله تعالى:
    ( إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا)
    [الحجرات].
    وغير ذلك مما هو في معناه.
    وكما لو كانت قضية الحكم على الناس القول فيها سيكون قطعاً بغير علـم
    لأنهـا – على زعمهم الفاسد – تتعلق (بمجهول الحال) من الناس فهي من قبيل اتباع الظن والمتشابه.
    وهكذا وضعوا قضية الحكم على الناس موضع التهمة والشك والجهالة والظن بحيث أسقطوا جميع ما يتعلق بها من أدلة وقواعد وأصول؛
    وكما قال:
    وكم من عائب قولاً سديداً وآفته من الفهم السقم.
    § وقد كان من أجَلّ أدلتهم الآية من سورة الفتح:( َلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ )[الفتح: 25].
    فظن أهل التوقف أن قوله): فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ (دليل إدانة في حق الفاتحين إذا أطلقوا الحكم في حق أهل الدار، وأوجبوا بالتالي حكم التوقف في أهل الدار – أي لا القول بالكفر ولا بالإيمان – حتى لا يصاب القائل بخلاف التوقف بمعرة. وليس الأمر كذلك والحمد لله. وذلك من أوجه:
    أولها:
    أن الآية تتحدث عن القتال لا عن التكفير، وإلا فإن الأدلة أوجبت الغزو على الفاتحين لهذه القرية – مكة – لمَّا وقع من أهلها من كفر وعناد ومظاهرة على المسلمين، ولكن رحمة من الله أوقع الفتح على هذا النحو الذي لم تراق فيه كثير الدماء ولم يجرى فيه الرمي العشوائى بالمنجانيق أو غيره كما وقع – بعده- في غزوة الطائف مما قد كان يمكن أن يصاب فيه من لا يستحق القتل. والمسلمون مع ذلك معذورون إذا وقع... ودليل ذلك:
    الوجه الثانى:
    فقد ذكر أهل العلم في بيان القيمة العلمية الشرعية لقوله تعالى "بغير علم" في هذه الآية بأن ذلك من بديع البيان وأحد أقسامه والمسمى بالإطناب، بل هو أحد أقسام أو أنواع الإطناب ويسمى (بالتكميل أو الاحتراس) وقد عرَّفه السيوطى بقوله:
    وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود فيكمل بما يدفع ذلك الوهم
    نحو: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).
    فإنه لو اقتصر على " أَذِلَّةٍ " لتوهم أنه لضعفهم فدفعه بقوله " أعزة " على الكافرين
    § ومثله: " أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ".
    فلو اقتصر على " أَشِدَّاء " لتوهم أنه لغلظتهم فدفعه بقوله " رُحَمَاء ".
    § ومثله: " تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ "
    فلو اقتصر على " بَيْضَاء " لتوهم أنه لمرض فدفعه بقوله " مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ".
    § ومثله:" لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"
    احتراس لئلا يتوهم نسبة الظلم إلى سليمان.
    § ومثله: " َتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ " أ.هـ [1]
    أى احتراس لئلا يتوهم نسبة الظلم إلى الصحابة الفاتحين.
    وقد كان ذلك المعنى موافق تماماً للمعنى الوارد في سورة النساء الدال على سقوط دية المؤمن المقيم بين ظهراني المشركين والثابت في قوله تعالى:
    ( فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)
    [النساء].
    وذلك أيضاً هو الموافق للحديث الشريف المثبت لبراءة الرسول (r) من كل مسلم مقيم بين ظهراني المشركين. وقد سبق بيان جميع ذلك. والحمد الله رب العالمين.
    § ومن الجدير بالذكر أن أهل التوقف القائلين به في قضية الحكم على الناس في دار الكفر لا يحكمون لأي من أفراد الدار بالإسلام إلا بالدليل الخاص المثبت لإسلامه، فهم متفقون على العمل في إثبات الإسلام بذلك.
    لذا نجد كثير منهم يؤكد اتفاقه مع أصحاب العقيدة الصحيحة تماماً بحجة أننا متفقون في كيفية إثبات الحكم بالإسلام للأفراد (المعين) في دار الكفر بالدليل الخاص.
    ولكن الذي لا ينتبه إليه أهل التوقف أن أحكام الديار تشكل أصل. وأن هذا الأصل هو في الحقيقة قاعدة عامة. وأنهم – أي أهل التوقف – إذا كانوا قد اتفقوا في الحكم للأفراد بالإسلام وفق الدليل الخاص إلا أنهم مخالفين لأصحاب العقيدة الصحيحة في إثبات حكم الأصل والقاعدة العامة في حق سائر أفراد الطائفة الممتنعة أو الدار.
    هذه المخالفة التي أوردتهم وأورثتهم الشك في كفر الكافرين مما ألجأهم إلى القول بالتوقف.
    فالمتوقف شاك في كفر الكافرين الثابت كفرهم بالقاعدة العامة القائمة على الأدلة الصحيحة والتى قصدت هؤلاء الأفراد بالأصالة لا بالاجتهاد ولا بالظن.
    هؤلاء الأفراد الذين قطعت بحكمهم القاعدة العامة في أحكام الديار هم الذين ظنَّ فيهم أهل التوقف توصيف (مجهول الحال) [2]، وطبقوه عليهم ظلماً وعدواناً فجهلوا القاعدة والأصل في هذا الشأن، وشكوا في كفر الكافرين وابتدعوا للقضية اسماً مستحدثاً بدعي غريب، وهو مصطلح (مجهول الحال) فما زادهم إلا شكاً وتخليطاً ولم ينتهوا معه إلى شيء سوى الشك والحيرة في حكم الكافرين من أصحاب القرية الظالم أهلها.
    ولا ننسى أن أحكام الديار ارتبط بها الكثير من الأحكام الشرعية المؤكدة لكونها أصل كبير تفرع عنه العديد من الأحكام الجزئية والفرعية وقد سبق بيان ذلك.
    * وعلى هذا يمكن أن نقول أن أهم وأخطر الأسباب الرئيسية في اختلاط الفهم لدى أهل التوقف هو النظرة الخاطئة لموضوع (قضية الحكم على الناس) وما أوجدوه في ظنهم مما أسموه (بمجهول الحال) ثم اعتقادهم أن هذا الموضوع من المسائل الفقهية غير المتعلقة بالاعتقاد وقضية التوحيد.
    وقد غاب عن أهل التوقف في ذلك أن الشارع الشريف إذا أمر بشيء فقد أمر به وبما لا يتم إلا به.
    ولذا فإن موضوع الولاء والبراء إذا كان أحد أهم معالم التوحيد الأساسية فإن ذلك لن يكون إلا بتمييز المؤمنين عن المشركين لنوالي هؤلاء ونعادي أولئك.
    ومن ناحية أخرى
    :
    فإن أحكام الديانة (مقاصد ووسائل لتحقيق هذه المقاصد)، وأن للوسائل نفس حكم المقاصد طالما لا سبيل لتحقيق هذه المقاصد إلا من خلال هذه الوسائل.
    ولذا يمكن القول أنه إذا كان الولاء والبراء أحد مقاصد الدين الأساسية المتعلقة بتحقيق التوحيد، وأن هذا المقصد لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تمييز الناس مسلمهم وكافرهم، لهذا كانت لقضية الحكم على الناس نفس أهمية وحكم موضوع الولاء والبراء، والتي لا يمكن أن نتوصل إليها كمقصد شرعي إلا من خلال تمييز الناس مسلمهم وكافرهم. لذا فإن قضية الحكم على الناس من صميم موضوع الولاء والبراء، علم هذا من علم. وجهله من جهل. لا يغير من حقيقة الأمر شيء.
    :.والحمد لله رب العالمين.:
    انتهى
    [1]
    الإتقان في علوم القرآن السيوطي، جـ2، صـ120.
    [2]
    الوارد في الشريعة (مستور الحال) وهو من كان مستوراً لا يعرف بشيء من المعاصى من المسلمين. وضده (الفاجر) وهو من كان مشتهراً بالمعاصى معلناً بها لا يبالى ما ارتكبه. يراجع جامع العلوم والحكم الحديث 36.
    * وفى علم مصطلح الحديث (مجهول الحال) أي مجهول عدله أو ضبطه من حمله حديث رسول الله ولا يكون إلا مسلماً
    نقلا عن كتاب الدار و الديار للشيخ عبد الرحمن شاكر .

    التعديل الأخير تم بواسطة الموحده ; 2010-09-05 الساعة 12:33
  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    المشاركات: 233
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صلاح الدين
    وبناءا على ما سبق كان لزاما تفصيل مسألة المسؤولية الفردية و الجماعية :لإيضاح المسألة أكثر :
    *********************************************
    في قواعد المسؤولية الجماعية



    · يذكر علماء الأصول موضوع (الفرض) أو الواجب كأحد أقسام الحكم التكليفي والذي ينقسم إلى خمسة أقسام هي: الفرض و الواجب و المندوب و المحرم و المكروه و المباح.

    · وقد عرف علماء الأصول الفرض بأنه: ما أمر به الشارع الشريف أمراً لازماً على سبيل الاستعلاء واللزوم؛ بحيث يأثم التارك لتنفيذه ويعاقب.

    · ومن أمثلة ذلك: الأمر بالصلاة، والأمر بالصيام، ووجوب الطهارة للصلاة، وغير ذلك كثير جداً.

    · غير أن هذا الفرض أو الواجب قد ورد عليه أنواعاً من التقسيمات الداخلية المشهورة الهامة والتي أحدها تقسيمه إلى (فرض عين)، (وفرض كفاية):

    أولاً – فرض العين:

    وقد عرف علماء الأصول فرض العين بقولهم: وهو ما توجه فيه الطلب واللزوم إلى كل مكلف بعينه لا يجزئه أن يقوم به غيره.

    فالواجب العيني هو ما طلب الشارع حصوله من كل فرد من أفراد الأمة بعينه، فلا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بالأداء، لأن قصد الشارع في هذا الواجب لا يتحقق إلا إذا فعله كل مكلف بعينه. ومن ثم تاركه يأثم ويلحقه العقاب، فالمنظور إليه في هذا الواجب هو الفاعل نفسه وبذاته.

    ومن أمثلة فرض العين: الطهارة والوضوء للصلاة، الصلاة المفروضة، صيام رمضان وغير ذلك كثيرجداً.

    ثانياً – الفرض الكفائي:

    وهو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين لا من كل فرد منهم على حده، لأن مقصود الشارع حصوله في الجماعة، فإذا فعله البعض سقط الفرض عن الباقين ممن لم يساهموا في الأداء، لأن فعل البعض يقوم مقام فعل الجميع.

    وفي المقابل إذا لم يقم به أحد أثم الجميع: القادر منهم على الفعل وغير القادر. ومن أمثلة الفرض الكفائي: الجهاد وولاية القضاء والتفقه في الدين، والحكم بين الناس بما شرع الله، والآذان الشرعي للصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو لك مما يحقق المصالح العامة للمجتمع المسلم، لأن فروض الكفاية تهدف بالأساس إلى تحقيق المصالح العامة للأمة.

    · هذا وقد يُعلم أن لفرض العين وفرض الكفاية دلالة ومعاني وتطبيقات هامة اعتنى بشرحها علماء الفقه الجنائي الإسلامي، حيث اعتمدوا على هذين النوعين من الفرض في تقرير نوعين من المسؤولية: المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية.

    النوع الأول – المسؤولية الفردية:

    وهي التي يطلق عليها في مصنفات الفقه الجنائي الإسلامي (بشخصية المسؤولية) أي شخصية الجريمة وشخصية العقوبة.

    والأصل في هذا النوع من المسؤولية يستند في تقريره إلى العديد من النصوص المقررة له؛ وذلك كقوله تعالى:

    ] وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [ وردت في العديد من المواضع في الذكر الحكيم.

    وكقوله تعالى: ] كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ [المدثر: 38]

    وكقوله تعالى: ] اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ [الإسراء:14]

    وغير ذلك من النصوص العديدة المقررة لذلك المبدأ من (شخصية المسؤولية) بحيث لا يؤاخذ آخرين عن أمر لا ذنب لهم فيه ولا جريرة.

    · غير أن هذا المبدأ ليس وحده المقرر لقواعد المسؤولية الجنائية في الفقه الجنائي الإسلامي، بل هو جزء من هذه القواعد يتعلق بفرض العين منها حسبما سبق بيانه، حيث التكليف فيه قد تعلق بكل مكلف بعينه لا يجزئه أن يقوم به غيره، بيد أن هناك في قواعد المسؤولية الجنائية مبدأ آخر أو وجهاً آخر وهو:
    النوع الثاني –

    المسؤولية الجماعية:

    كتطبيق أساسي لمبدأ الفرض الكفائي، وحيث التكليف فيه يتعلق بالأمة مجتمعة لتحقيق المصالح العامة حسب قصد الشارع في تحقيقها للأمة وبالأمة، بحيث يتعلق التكليف بالجميع، فإذا قام به البعض سقطت المسؤولية عن الباقين، وإذا قعد الجميع عن أداء هذا الفرض الكفائي، تعلقت المسؤولية الجنائية برقاب الجميع وكان الجميع مسؤولاً مسؤولية كاملة عن هذا التخلف عن الأداء، القادرين منهم وغير القادرين لا يتخلف أحد منهم عن هذه المسؤولية.

    · فالقادر مسؤول ومؤاخذ لعدم قيامه بما وجب في حق الأمة والمتضمن لحقه وحق الآخرين، وقد كان في إمكانه الأداء فلم يؤد.

    · وغير القادر – أي العاجز – لأنه لم يحمل الآخرين من القادرين على فعله ويحثهم عليه.

    · قال صاحب (الوجيز): وعلى هذا التصوير للواجب الكفائي، وجب على الأمة مراقبة الحكومة وحملها على القيام بالواجبات الكفائية أو تهيئة الأسباب اللازمة لأدائها لأن الحكومة نائبة عن الأمة في تحقيق المصالح العامة وقادرة على القيام بأعباء الفروض الكفائية، فإذا قصرت في ذلك أثمت الأمة جميعها بما في ذلك السلطة التنفيذية:

    (الأمة) لعدم حملها الحكومة على تهيئة ما تقام به الفروض الكفائية.

    (والحكومة) لعدم قيامها بالواجب الكفائي مع القدرة عليه أ. هـ (1) (2)

    · هذا ومن التطبيقات النصية الشهيرة لمبدأ المسؤولية الجماعية قوله تعالى: ]وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [ [المائدة:62/23]

    قال ابن كثير في تفسير ذلك:) لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [ يعني هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك. والربانيون: هم العلماء والعمال أرباب الولايات عليهم / والأحبار هم العلماء فقط.

    ]لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ[ يعني من تركهم ذلك.

    قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين عملوا. وعن ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية.

    وكذلك قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها. إنا لا ننهى.

    وقال: خطب عليّ بن أبي طالب: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

    " أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً ولا يقرب أجلا.

    وقال الإمام أحمد – بسنده – قال رسول (r): (ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع ولم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب) وفي رواية لأبي داود عن جرير قال: سمعت رسول الله (r) يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدروا أن يغيروا عليه فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا. أ. هـ
    .

    نقلا عن كتاب الدار و الديار للشيخ عبد الرحمن شاكر

    وقد قيل مثل هذا في تقرير مبدأ المسؤولية الجماعية في تفسير قوله تعالى:

    ] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ* تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ* وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أوليَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ* [ [المائدة:78/81]

    قال ابن كثير رحمه الله في ذلك:

    [كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ [ أي كان لا ينهى أحد منهم أحد عن ارتكاب المآثم والمحارم ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه فقال: ) لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [.

    قال الإمام أحمد رحمه الله – بسنده – قال: قال رسول الله (r[): (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، قال يزيد: وأحسبه قال: وأسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.)] أ.هـ.

    وقد روي أيضاً في تفسير هذه الآية ما رواه الإمام أحمد بسنده عن عدي بن عميرة يقول: سمعت النبي (r) يقول: (إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة) أ.هـ

    وتعذيب العامة بعمل الخاصة هو المقصود بالمسؤولية الجماعية مع أن الفعل الإجرامي كان من البعض (الخاصة) لا الكل.

    · فإذا تعلقت المسؤولية برقاب الجميع، كان بعد هذا التخلص منها فرض عين على كل من تعلقت به ورغب في النجاة. ولذا كان من ينكر ويبرأ ويسعى للتغيير أو هجر مكان السوء ليس كمن سكت.

    فقد صح الحديث عن رسول الله (r) من رواية أبي سعيد الخدري قال:

    سمعت رسول الله (r) يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.

    قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: [فدلَّت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه. وأن إنكار القلب لابد منه. فمن لم ينكر قلبه المنكر دلَّ على ذهاب الإيمان من قلبه.

    وقد روى عن أبي جحيفة قال: قال علي: إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد: الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم. فمن لم يعرف قلبه المعروف وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله.

    وسمع ابن مسعود رجلاً يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر. فقال ابن مسعود: هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر.

    - ويشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد ممن لم يعرفه (1) أ. هـ (2)
    .

    ومن أجمل النماذج التطبيقية للخروج من دائرة المسؤولية الجماعية لدار الكفر وما تواطئ عليه أهلها حكاماً ومحكومين على تحكيم غير شرائع الرحمن فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وأقاموا على ذلك. نقول من أجمل النماذج التطبيقية للخروج من دائرة الكفر هذه ما أورده الذكر الحكيم:

    1- عن امرآة فرعون الطيبة الصالحة حين قالت وفيما يذكره الذكر الحكيم:

    ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( [التحريم: 11]

    فهذه المرأة المؤمنة قد تبرأت إلى الله مما عليه فرعون وقومه (الحاكم والمحكومين)، (الراعي والرعية)، عندما عصوا رسول ربهم واتبعوا أمر كل جبار عنيد ولم يزد براءتها وإنكارها لما هم عليه بأكثر من اعتقاد صحيح في القلب، وبراءة باللسان، وتوجة إلى الرحمن، وتوكل عليه، وتضرع بين يديه، فتقبلها ربها بقبول حسن.

    2- مؤمن آل فرعون هو أحد النماذج الوضاءة أيضا في الخروج على حالة المسؤولية الجماعية لما اجتمع عليه القوم في دار كفر وقد نصَّ الذكر الحكيم على ما كان من هذا الرجل الصالح في أجمل بيان ونموذج لأسوة تحتذى في ظلمات الكفر أو الشرك إذا أحاط بالمؤمن من جميع جوانب المجتمع؛ حيث يقول تعالى عنه:

    ) وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ. يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ( [غافر: 28/29] إلى آخر الآيات.

    قال بن جرير عن بن عباس y: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرآة فرعون والذي قال: يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. رواه ابن أبي حاتم.

    فانظر كيف يعد المؤمنون في دار الكفر أفراداً نزاعاً عن أقوامهم منبوذون منهم حتى يكاد كل منهم أن يدفع حياته ثمناً لإيمانه وسط اضطهاد قومه له حكاماً ومحكومين.


    3- أيضاً من النماذج الشهيرة الجميلة لحالة الخروج عن المسؤولية الجماعية للمجتمع الكافر ما يذكره الذكر الحكيم عن هؤلاء الفتية الذين امنوا وبيانوا قومهم فزادهم الله هدى؛ قال تعالى:


    ) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى* وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً* هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً* وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً* ً ( [الكهف: 13/16]


    قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات الجليلة عن هذا النموذج الأسوة:

    " فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله ([][3][/]) الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية. فكان أول من جلس منهم أحدهم. جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الاخر فجلس إليها، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقاً من حديث يحى بن سعيد عن عمرة عن عائشة y قالت: قال رسول الله (r) (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) وأخرجه مسلم في صحيحة من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله (r) والناس يقولون (الجنسية علة الضم). والغرض أنه جعل كل واحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال أخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما ([][4]). وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك. وقال آخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة فصاروا يداً واحدة وإخوان صدق فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله عز وجل. ولهذا أخبر تعالى بقوله: )وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً( ولن لنفي التأبيد أي لايقع منا هذا أبدا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم " لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً " أي باطلاً وبهتاناً. (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ)

    أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً 5])(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً) يقولون بل هم ظالمون كاذبون في قولهم، فيقال: أن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كان عليه، وكان هذا من لطف الله بهم فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه؛ كما جاء في الحديث: (يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع. فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله تعالى: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ( أي وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضا بأبدانكم " َفأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته " أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم.

    " ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم " الذي انتم فيه " مِّرْفَقاً " أي أمرا ترتفقون به أ.هـ
    وهكذا تتعدد النماذج والأدلة لتقرير ذلك المبدأ الأصيل مبدأ المسؤولية الجماعية ومبدأ الخروج عنها.


    ([1]) هذا قول الصحابة وأهل العلم الكرام من السلف أما قومنا المعاصرين فيرون عذره بالجهل فإذا أنكرنا ذلك قالوا: خوارج مبتدعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.


    ([2]) جامع العلوم.ابن رجب الحنبلي شرح الحديث 34.


    ( ([3]ومازال هذا المعتقد والفعل الشركي يمارس حتى الآن باسم الذبح للأولياء.


    ([4]) انظر كيف استدل علي وجوب توحيد العبادة والإلهية بمجرد الإقرار بآية الخلق والربوبية.


    [5]
    )) وفي هذا الدليل واضحاً للمبدأ الشرعي الثابت في العديد من النصوص الصريحة أن المشرك بالله او الذي أشرك بالله هو الذي عليه أن يأتي بالحجة والبرهان على صحة ما ذهب اليه وخالف فيه الأصل الثابت والحق المبين وهو توحيد رب العالمين.

    ([1]) الوجيز في أصول الفقه. أ. عبد الكريم زيدان.

    ([1]) ومن هذا يتبين أن الحكم بما شرع الله تعالى هي مسؤولية الأمة جميعها وتخلف الحكومة وهي نائبة عن الأمة عن الحكم بذلك يوقع الأمة كلها في الحرج وفي نطاق المسؤولية الجماعية عن ذلك وإذا غلب هذا الوضع على المجتمع صار دار كفر أو مرتدين.

    ([1]) هذا قول الصحابة وأهل العلم الكرام من السلف أما قومنا المعاصرين فيرون عذره بالجهل فإذا أنكرنا ذلك قالوا: خوارج مبتدعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

    ([1]) جامع العلوم.ابن رجب الحنبلي شرح الحديث 34.

    ( ([1]ومازال هذا المعتقد والفعل الشركي يمارس حتى الآن باسم الذبح للأولياء.

    ([1]) انظر كيف استدل علي وجوب توحيد العبادة والإلهية بمجرد الإقرار بآية الخلق والربوبية.

    [1])) وفي هذا الدليل واضحاً للمبدأ الشرعي الثابت في العديد من النصوص الصريحة أن المشرك بالله او الذي أشرك بالله هو الذي عليه أن يأتي بالحجة والبرهان على صحة ما ذهب اليه وخالف فيه الأصل الثابت والحق المبين وهو توحيد رب العالمين.


    نقلا عن كتاب الدار و الديار للشيخ عبد الرحمن شاكر... إنتهى

    ولمن أراد المزيد عليه برابط الكتاب كاملا :

    بصيغة ملف وورد :

    http://www.twhed.com/mktba/upload/adar-wa-adiar.zip


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة tdphk
    نرجو رفع الملف مرة ثانية مشكورين
    .
    التعديل الأخير تم بواسطة الموحده ; 2010-09-05 الساعة 12:37
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 790
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    تم تعديل الرابط أعلاه
    حمل من هنا
  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 255
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    [align=justify]
    بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
    لقد تم الرد على هذا الكلام وغيره في هذا الموضوع وإليكم الرابط

    www.ghoraba.110mb.com/doc/alkodsi/rad-3ala-kitab-altawakof.pdf
    بصيغة pdf

    وهذا بصيغة وورد
    www.ghoraba.110mb.com/doc/alkodsi/rad-3ala-kitab-altawakof.zip

    [/align]
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع