خُذوا الإسلام من أفواهِ أعدائه

يقول الله عز وجل في سورة الأعراف (103/137):
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ...)
لم يغيّر رسالة رب العالمين ولم يحذف منها ما يُغضب فرعون.

(...قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ...)

فلا توجد دولة تقبل شعبا يدين بالولاء لسلطة غير سلطتها ويتبع غير مبادئها، والإسلام قبل ذلك لا يقبل مَن يَدين بالولاء والبيعة لمن يقود الناس بغير الإسلام، ويتبع قانونا غيره.
ولو كان الإسلام مجرد عقيدة غيبية وشعائر يؤديها الافراد لعاش في ظل أي حكم يسمح له بالحفاظ عليها، ولو كان في الشيوعية إلحادٌ فقط لعاشت في أمريكا أيضا، فالملحدون في الغرب والشرق يتمتعون بالحرية، لكن لا يقبل الشيوعيون أن يحكمهم نظام ليبرالي لأنهم يؤمنون بنظام آخر لتسيير الحياة العامة.
لكننا نرى الذين يحملون اسم المسلمين يؤمنون بعقائد العلمانية وشرائعها دون حرج، قائلين: نحن منكم وأنتم منا، لنا مالكم وعلينا ما عليكم، أمة واحدة من دون الناس، نسالم من سالمكم ونعادي من عاداكم.
ونرى الأعداء يصرّحون: عليكم أن تنبذوا الإسلام جملة وتفصيلا لنقبلكم بيننا، يؤمنون أكثر منهم بـ (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون: 6)، ولم يقولوا كالأولين: نعبد إلهك عاما وتعبد آلهتنا عاما.
قال رئيس مجلس النواب الأميركي السابق نيوت غينغريتش: (علينا بصراحة أن نُخضع جميع من لهم خلفية إسلامية هُنا للاختبار، وإن كانوا يؤمنون بالشريعة فينبغي إذاً أن يتمّ ترحيلهم).
وقال: (بالنسبة للمُسلمين المعاصرين الذين تخلّوا عن الشريعة، فنحن سُعداء بوجودهم لدينا كمواطنين، وسنكون مُبتهجين تماماً لكونهم إلى جوارنا).
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) (إبراهيم: 14).
(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف: 89).
لكن الذين يعتبرون أنفسهم مسلمين اليوم قد اتخذوا بين ذلك سبيلا، فقد قال مدير مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" نهاد عوض: (عندما يقترح رئيس مجلس النواب السابق، نيوت غينغريتش، أن يخضع المسلمون الأميركيون لاختبار ديني على غرار محاكم التفتيش، ثم يطردون من ديارهم وأمتهم، فإنه بذلك يلعب لصالح المجندين للإرهاب ويخون القيم الأميركية التي يزعم التمسك بها).
ولو عاش هذا في زمن اضطهاد بني إسرائيل لقال أن تصرفات فرعون هي في صالح موسى وهارون، ولأسدى النصح لفرعون وأعطاه الوصفة المناسبة لاستمالة بني إسرائيل إلى صفّه، بعيدا كل البعد عن موقف مؤمن آل فرعون.
جاء مثلا في المبادئ الأساسية لهذه الهيئة: (يعارض المجلس السياسات المحلية التي تقمع الحقوق المدنية وتسمح بالتصنيف العنصري أو العرقي أو الديني وتتعدى على الإجراءات القانونية الواجبة، أو السياسات التي تمنع المسلمين وغيرهم من الإنخراط التام في الحياة المدنية الأمريكية).

فهو يرفض (الاستجواب الديني) أو (تكوين سجل بأسماء المسلمين) لا حماية لهم فقط، ولكنهم لا يريدون أن يتميزوا عن باقي المشركين في كفرهم، ولا يريدون أن يفتضح كفرهم بحكم الله الذي يرتلونه صباح مساء، فهم يؤمنون بجانب منه فقط والبقية لحكم الطاغوت.
يرى ترامب وجوب (توقيف كامل وشامل لدخول المسلمين إلى الولايات المتحدة).
لكن "كير" الذي يؤكد على الإنتماء العقائدي والولاء السياسي للأمة الأمريكية له رأي آخر، إذ قام برفع دعوى قضائية ضد ترمب بعد حظر (دخول المسلمين) من سبع بلدان باعتباره تمييزاً ضدهم ومخالفاً للدستور الأمريكي، وأعلن قائلا: (المسلمون لن يغادروا أمريكا ولن يخضعوا للإقصاء وتكميم الأفواه).

ولا أدري لمَ تكمّم أفواههم وهم أشد ولاءً لأمريكا من اليهود.
وبالله عليكم أي الفريقين أقرب إلى فهم حقيقة الإسلام، أهؤلاء الذين ملأوا ملعب شيكاغو في صلاة العيد أم أعداؤهم من الملحدين وعبّاد الصليب؟!
لقد انقسموا إلى جمهوريين وديمقراطيين، يدعون في المساجد للتوجه إلى مراكز الإقتراع: لا تهدر حقك الدستوري، انتخبْ وافتخر بصوتك، على طريقة (شاذّ وأفتخر).
فعن أي إسلام يتحدث هؤلاء؟ إن ما يدينون به يفوق الولاء فهو ديانة بدين الكفار.
فالتعاون والتعايش المشترك وتعدد الأديان لا يوجب الدخول في العلمانية، والاستئمان في بلاد الكفار لا يعني التخلي عن الدين ومناصرتهم، وإظهار الصورة الإيجابية عن الإسلام يتحقق بالتمسك بأحكامه لا بالتنازل عنها.
وهؤلاء الذين يحملون جزرة ويدغدغون عواطفهم بتهنئتهم يوم العيد يريدونهم جزءا منهم، وليس حالهم كحال أبي طالب الذي حمى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتدخل في شأنها ولم يشترط تعديل الإسلام كما تفعل ديمقراطية أمريكا، وما كان بإمكانها أن تخترع لهم دينا من العدم، بل وجدتهم كذلك فركّزت على نقاط ضعفهم.
فكندا التي ترحب بالمهاجرين إليها تختبرهم في دينهم فيتعهدون بالعيش في إطار دينها قولا وعملا واعتقادا دون اكتراث، فأول ما يطلبون منهم التصريح بما يلي: (أعلن أنني أريد أن أعيش في كيبيك في إطار ومع احترام هذه القيم المشتركة)، وهي الديمقراطية والعلمانية وسيادة القانون وغيرها.
أجاب سابقا وزير الإسكان الحالي بين كارسون عن سؤال إن كان بإمكان المسلمين أن يشاركوا في مجتمع ديمقراطي يحكمه القانون قال: (فقط، إن كانوا مصابين بالشيزوفرينيا، لا أرى كيف يمكن أن يفعلوا ذلك بطريقة أخرى، فلديهم فلسفتان مختلفتان تناقض إحداهما الأخرى، سيكون هذا صعباً جداً).
ونِعمَ التشبيه، يقول المختصون أن الشيزوفرينيا مرض عقلي يعني انفصام الشخصية أو انقسام العقل، يعيش المصابون به في الوهم منسحبين من الواقع، فتصرفاتهم غير منطقية، وعاطفتهم غير مناسبة للواقع، كالفرح في موطن الحزن، والرحمة في موطن الشدة.
وأجاب عن سؤال إن كان يرى الإسلام متسقا مع الدستور الأمريكي فقال: (لا، لا أعُدّه كذلك).
وصدق عدو الله وكذب من يزعم أنه يدافع عن دين الله، فلو سألنا نهاد عوض أحد الذين يعانون من ازدواجية الهوية لقال أنه معتنق للدستور الأمريكي والإسلام معا، فهما لا يتعارضان عنده.
وأجاب بين كارسون عن سؤال إن كان يرى دين مرشح الرئاسة مهمّا للناخبين قائلا: (أظن أن هذا يتوقف على الدين المقصود، إن كان غير متّسق مع القيم والمبادئ الأميركية، فبالتأكيد يجب أن يهمّ الناخبين، لكن إن كان يتفق مع أميركا ومتسقاً مع دستورها، فلا مشكلة).
وقال: (لن أؤيد تعيين مسلم قائداً لهذه الأمة، لن أوافق على هذا مطلقاً).
لكن من يدّعون أنهم مسلمون يؤيدون وينتخبون رئيسا من أي دين بكل أريحية، تاركين دين موسى عليه السلام إلى دين فرعون، كأنهم لم يفتحوا المصحف يوما.
وقال نيوت غينغريتش: (أعتقد أن الشريعة الإسلامية تمثل تهديدا قاتلا لصمود الحرية في الولايات المتحدة والعالم على النحو الذي نعرف).
إنهم يرفضون الإنقياد لشرع الله جملة لأنه من الله لا من طواغيتهم، إنهم يعرفون دينهم وما يميزه عن الإسلام، والناس عندنا يجهلون ذلك، ويؤمنون بالطاغوت (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) (النساء: 60).
فبين ثنايا الحرب على دين الله نستشفّ إدراكا من الأعداء لحقيقة الإسلام وموقفه من جاهليتهم، أفلا يخجل قوم يدّعون الإسلام وأعداء الإسلام أعلم منهم بدين الله؟
إن مشكلة الإسلام ليست مع من يعاديه فقط، فتلك عادة الإسلام والكفر، (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف: 9)، لكن مشكلة الإسلام الكبرى ـ كما أرى ـ هي مع من ينتسب إليه فيحرفه ويتراجع به ولا يريده أن يظهر على الدين كله ويحل محل العلمانية، بل يريده تابعا لها، لأنه يخشى تحمّل التزاماته وتبعاته.

(...قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ...)

وهذا المستوى من الحوار العام وحرية التعبير لم يصل إليه الديمقراطيون اليوم فضلا عن غيرهم، إلا ما كان في إطار دينهم، لأنهم حفظوا الدرس من سلفهم.

(...وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا...)
يبدو أن تهمة الإرهاب والمؤامرة الأجنبية وتقسيم الوطن كانت حاضرة على الدوام، وللحرية في كل الأنظمة والملل سقف وخط أحمر معيّن لا يسمحون بتجاوزه.

(...فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ...)
تُرى هل واجهوا هذا القمع بتأكيد الولاء للوطن وحماية مبادئه كسائر المواطنين؟

(...قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
ولم يأمرهم برفع دعاوى قضائية ضد جلاّديهم، كما لم يقوموا بالإبلاغ والتنسيق والتعاون مع أجهزة أمن العدو ضد من يريد تفريق صف الأمة وينشر الكراهية والتعصب الديني ولا يؤمن بالتعصب الوطني.
كما يفعل أولئك الذين نزلوا بالإسلام إلى مستوى أحطّ من الشيوعية التي نافست الغرب في عقر داره وواجهتها قوانين الماكارثية الأمريكية في خمسينيات القرن العشرين بحملات قمع وتنكيل على شاكلة الأنظمة العربية والشيوعية، ولم نر الشيوعيين ـ يا للعارـ يداهنون في دينهم ويحرفونه حتى تقبله الرأسمالية.

فالحرية الديمقراطية التي ضاقت على الشيوعية يريدونها أن تتسع للإسلام، لا بتوسيع الحرية الديمقراطية، ولكن بتقزيم الإسلام حتى تحويه في جيبها.
قال مايكل فلين مستشار الأمن القومي والمدير السابق للاستخبارات العسكرية الأميركية: (الخوف من المسلمين منطقي، أرجوكم شاركوا هذا مع الآخرين، الحقيقة لا تخشى التشكيك).
أقول: نعم، هو منطقي ومعقول وأمر عادي أن يخاف ذو دين من دين غيره ويحذرهم على بلده، ويؤمن بنظرية المؤامرة، وليس دينا ما لم يخَفه أعداؤه، فإذا لم يعادوك فأنت منهم، وإن كنا لا نستعديهم ولا نتمنى لقاء العدو فإن منطق الأشياء يفرض ذلك، ولهذا يخوّفون شعوبهم من الإسلام.
لكن هل عند هؤلاء الذين يسميهم بالمسلمين ما يخشاه فيهم؟ كيف وهم أشد حرصا على الديمقراطية وعلمانية الدولة منه؟ كيف وهم يقاتلون خلفه بإخلاص؟ بل يقولون أن دينهم يأمرهم بذلك! يريدون أن يكونوا من ملإ فرعون ومن المقربين، ناسفين كل ما تلهج به ألسنتهم في الصلاة.
يقول خليل زاد المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة: (الحضارة الإسلامية لها قدرات خارقة ومميزات باهرة ويمكنها ابتلاع العالم).

ويقول السناتور الجمهوري بات بوكانان: (مسألة عودة الإسلام كنظام حياة مجرد وقت لا أكثر).

فيردون عليهم: إن خوفكم من الإسلام مجرد رُهاب (فوبيا) لا حقيقة له غذّته الحروب الصليبية، وأن الإسلام ليس دين عنف وهو مكوّن من مكونات الحضارة ومصدر لثرائها، ويعتذرون عن جهاد المسلمين قديما بأنه مجرد دفاع عن النفس، كأن كل ذلك الفتح والإنتشار في الشرق والغرب مجرد دفاع عن مكة.
يقول الغربيون أن الإسلام فيه عبادات لله وأخلاق حسنة، ونحن مع هذا، لكن لا ننسى أن في الإسلام جانب تشريعي يحكم الحياة العامة، ويغيّر كل ما تعارفنا عليه، وهذا خطر على مجتمعاتنا.
قال مايكل فلين أنه لا يرى (الإسلام ديناً وإنما أيديولوجية سياسية).
فعادة العلمانيين أن يفرقوا بين الدين والأيديولوجيا، والدين وصفٌ يطلقونه على الأخلاق والغيبيات والطقوس التعبدية فقط، والأيديولوجيا هي الأفكار والنظم الوضعية التي تسيّر حياة المجتمعات، ولذلك عندما قرأ بعضهم القرآن قالوا أن الإسلام أيديولوجيا في ثوب الدين.
وخطأهم في الحقيقة خطأ لفظي اصطلاحي، أما هؤلاء الذين يحملون اسم المسلمين فإنهم أقرّوا هذا التعريف الخاطىء للدين، وحذفوا الجانب المسمى بالأيديولوجيا، حذفوه حقيقة، لكن هذا الأمريكي يقر بوجوده وأنه من صميم الإسلام ولذلك يعاديه.
ويقول مايكل فلين: (الدين الإسلامي، بحد ذاته، مصدر المشكلة).
وتقول ميشيل باكمان عضو مجلس الشيوخ الأمريكي: (كلمة متطرف تكرار لكلمة إسلام).
فهم لا يحاربون جماعة متشددة لا تمثل الإسلام كما يقول أوباما في تصريحاته المدغدغة للمغفّلين، بل يحاربون الإسلام ذاته، واستعمال السلاح ضد جهة محدّدة هو جزء صغير من الحرب الشاملة على الإسلام.
فكيف يرد الطرف الآخر؟ إنهم يسعون لإقناع الغربيين أن الإسلام دين سلام لا دين حرب، بمعنى أنه ليس دين حُكم، وهذا تغيير للعقيدة لتكييفها مع العلمانية، ويدعون لما يسمونه (تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام)، ويرددون دوما: يجب التمييز بين الإسلام والمتطرفين، وأنه ليس الإسلام الذي يثير المشاكل، ويعتذرون للغربيين بأن في كل دين متطرفين، وأن المتطرفين لا يمثلون المسلمين.. هكذا يتصورون أنهم يدافعون عن الإسلام ويحمونه من التشويه! تماما مثلما كان موقف اليهود من أنبيائهم المتأخرين وممالأتهم للرومان، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) (النساء: 51).
وليس المطلوب الهجرة من أمريكا، فليست بلاد العرب بأقل كفرا، وليس المطلوب إعلان الحرب على أهلها، ولكن يجب أن نحدد الدين ومبادئه الأساسية أوّلا، على أي دين نحن؟ ثم ننظر في الحالات الإستثنائية من إكراه واضطرار واستضعاف وما فيها من رخص شرعية.
وتحدّى مايكل فلين (قادة العالم العربي والفارسي أن يعلنوا أن أيديولوجيتهم الإسلامية مريضة ويجب علاجها).
يقصد تعديل الإسلام بما يتناسب مع دينه، والواقع أن دين الإسلام يجري تحريف عقائده وأحكامه وتعديلها قبل أن يولد هذا الفلين، والقادة هنا يشتغلون على قدم وساق بمباركة العلماء لتثبيت هذا التحريف واقعا ونظريا، وما يجري هو صراع مع القوى الصاعدة المناهضة لهذا التحريف المزمن، فكلامنا عن أمريكا مجرد مثال فقط، لأن علمنة الإسلام هي عقيدة الأمة منذ أجيال.

(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا...)
لا بما داهنوا وحرّفوا دينهم لإرضاء الفراعنة، ولو فعلوا لَتلقّوا الكثير من أوسمة الإستحقاق عرفانا بجهودهم وتضحياتهم في الدفاع عن الدولة، كما هي عادة القوم اليوم، عوَض أن يُظهروا حقيقة هذا الدين ويفخروا به ويتحَدّوا هذه الجاهلية الرعناء جعلوه خادما لها، فلا أرضوا ربهم ولا أرضوا عدوهم.

لذلك نتساءل:
هل يلزمهم دوما أن يأخذوا دروسا عن الإسلام من أعدائه؟
هل يلزمهم ضربات من العدو ليرجعوا إلى الإسلام؟ أم سيزدادون ولاء ومداهنة له؟
هل يلزم أن يعاملهم العدو بالتمييز ليتذكروا أن الدين الذي ينتسبون إليه ليس كغيره من الأديان؟ أم سيزدادون تميّعاً وتسيّبا؟
هل يلزم أن ينقلب عليهم الديمقراطيون ليعلموا أن الديمقراطية ليست من الإسلام ولا تؤدي إليه؟ أم سيزدادون تشبثا بها؟
هل يلزم أن يتعرّضوا للإبادة من طرف الشيعة ليتذكروا أن واجبهم الإجتماع على السنّة؟ أم سيتمسكون بالوطنية وعلمانية الدولة؟
هل يلزم أن يوجّه العدو سهامه نحو شرع الله ليدركوا أن الإسلام يجب أن يحكم الدولة وأنهم ليسوا مسلمين وهم يتبعون غيره؟ أم سيتنازلون أكثر وأكثر عن شرع الله؟
هل يلزم أن يتمسك اليهود بيهوديتهم ليتذكر هؤلاء أن الصراع صراع إسلام وكفر؟ أم سيتمسكون بالشرعية الدولية؟
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، لا يغيّرون دينهم ليتماشى مع رغبات العدو.
لذلك ننذرهم أن عودوا إلى دين الله قبل أن يسلط الله عليكم عدوكم، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ وَمَنْ أَسْخَطَ اللَّهَ بِرِضَا النَّاسِ وَكَلَهُ اللَّهُ إلى الناس) (رواه الترمذي وابن حبان).

(... وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)
وقد كانوا يحدّثون أنفسهم بمثل غرور فوكوياما في كون الليبرالية الأمريكية هي نهاية التاريخ.