مشهد سقوط بغداد (656 هـ)

يقول ابن كثير رحمه الله:

استهلتْ هذه السنة - سنة ست وخمسين وستمائة - وجنود التتار قد نازلتْ بغداد، صُحبةَ الأميرَيْن اللذين على مُقدِّمة عساكر سلطان التتار هولاكو خان، وجاءتْ إليهم أمْداد صاحب الموْصل، يساعدونهم على البغاددة ومِيرَته وهداياه وتُحَفه، وكلُّ ذلك خوفًا على نفسِه من التتار، ومُصانَعة لهم - قبَّحَهُم الله تعالى.

وقد سُترت بغدادُ، ونُصبت فيها المجانيق والعرَّادات وغيرُها من آلات الممانَعة التي لا ترُدُّ مِنْ قدَرِ الله - سبحانه وتعالى - شيئًا، كما ورد في الأثر: ((لن يغنيَ حذَرٌ من قدر)).

وكما قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ ﴾ [نوح: 4]، وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11].

وأحاطتِ التتارُ بدار الخلافة يرشُقونها بالنِّبال مِن كل جانب، حتى أُصيبَتْ جاريةٌ كانتْ تلعب بين يدي الخليفة وتُضْحِكه، وكانتْ من جملة حظاياه، وكانتْ مُوَلَّدة تُسمى: عرفة، جاءَها سَهْم مِن بعض الشبابيك فقتَلَها وهي ترقُص بين يدي الخليفة، فانْزَعَجَ الخليفة من ذلك وفزع فزعًا شديدًا، وأحضر السهمَ الذي أصابَها بين يديه، فإذا عليه مكتوبٌ: إذا أراد اللهُ إنفاذَ قضائِه وقدره أذْهَبَ مِن ذوي العقول عقولهم.

فأمر الخليفةُ عند ذلك بزيادةِ الاحتِرازِ، وكثْرَة الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها - وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل - إلى بغداد، في ثاني عشر المحرَّم من هذه السنة، وهو شديد الحَنَق على الخليفة؛ بسبب ما كان تقدَّم مِنَ الأمر الذي قدَّرَهُ الله وقضاه، وأنْفَذَه وأمْضاهُ.

وهو أن هولاكو لَمَّا كان أولُ بروزِه من همَدان مُتوجِّها إلى العراق، أشار الوزيرُ مؤَيِّد الدِّين محمد بن العلقمي على الخليفة بأنْ يبعَثَ إليه بهدايا سنية؛ ليكونَ ذلك مُداراةً له عما يُريدُه من قصْد بلادِهم، فخذَّل الخليفةَ عن ذلك دُوَيْداره الصغير أَيْبَك وغيرُه، وقالوا: إنَّ الوزير إنما يُريد بهذا مصانعةَ ملِك التتار بما يبْعثُه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعَثَ بشيءٍ يسير، فأرْسلَ شيئًا من الهدايا، فاحْتَقَرَهَا هولاكو خان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دُوَيْداره المذكور، وسليمان شاه، فلم يبعثْهما إليه، ولا بالى به حتى أزِف قُدُومُه.

ومعامَلة الخلفاء وأمراء أهل السنة خير دليل، ومعاملة المستعصم نموذج؛ فقد كان حسَن الصورةِ، جيد السيرة، صحيح السريرة، صحيح العقيدة، مقتديًا بأبيه المستنصر في المعْدلة وكثرة الصدقات، وإكرام العلماء والعباد، وقد استجاز له الحافظ ابن النجَّار من جماعة من مشايخ خراسان؛ منهم: المؤيد الطوسي، وأبو روح عبدالمعز بن محمد الهروي، وأبو بكر القاسم بن عبدالله بن الصفار وغيرهم، وحدّث عنه جماعة؛ منهم: مؤدِّبه شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن علي بن محمد بن النَّيَّار، وأجاز هو للإمام محيي الدين بن الجوزي، وللشيخ نجم الدين الباذَرائي، وحدثا عنه بهذه الإجازة.

وقد كان - رحمه الله - سُنيًّا على طريقة السلَف واعتقادِ الجماعة، كما كان أبوه وجدُّه، ولكن كان فيه لين وعدم تيقُّظ ومحبةٌ للمال وجمعه، وكانتْ مدة خلافته خمسَ عشرةَ سنة وثمانية أشهرٍ وأيامًا، فرحمه الله، وأكرم مثواه، وبَلَّ بالرأفة ثَراه.

وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرْفِ الجيوش، وإسقاط أَسْهُمِهِمْ من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مائة ألف مقاتل؛ فيهم من الأمراء مَن هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزلْ يجتهد في تقليلهم إلى أن لَم يبقَ سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار، وأطمعهم في أخْذ البلاد، وسهَّل عليهم ذلك، وجَلَّى لهم حقيقةَ الحال، وكشَف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعًا منه أن يزيلَ السُّنَّة بالكلية، وأن يظهِرَ البدعة الرافضيَّة، وأن يُقيم خليفةً مِنَ الفاطميين، وأن يُبيدَ العلماء والمُفْتِينَ.

ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد مِن ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلَّة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس - قارن بين جيش المغول وجيش الخليفة - وهم وبقية الجيش كلهم قد صُرِفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثيرٌ منهم في الأسواق وأبواب المساجد.

وأنشد فيهم الشُّعراء قصائد يرْثون لهم، ويحزنون على الإسلام وأهله، وذلك كلُّه عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لَمَّا كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حربٌ عظيمة، نُهِبَتْ فيها الكرْخ مَحَلَّة الرافضة، حتى نُهِبَتْ دور قراباتِ الوزير.

فاشْتَدَّ حَنَقُه على ذلك، فكان هذا مما أهاجَه على أن دبَّر على الإسلام وأهله ما وقَع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرَّخْ أبْشع منه منذ بُنِيَتْ بغداد، وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول مَن برز إلى التتار هو، فخَرَج بأهله وأصحابه وخدمِه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكو خان - لعنه الله.

ثُمَّ عاد فأشار على الخليفةِ بالخُرُوج إليه، والمُثُول بين يديه؛ لتَقَع المصالحة، على أن يكون نصفُ خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفُقهاء والصوفيَّة ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا مِنْ منزل السلطان هولاكو خان، حُجِبوا عن الخليفة إلا سبعةَ عشر نفسًا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأُنْزِل الباقون عن مراكبِهم ونُهِبتْ، وقُتِلوا عن آخرهم، وأُحْضر الخليفة بين يدي هولاكو، فسأله عن أشياء كثيرةٍ، فيقال: إنه اضطرب كلام الخليفة من هوْل ما رأى من الإهانة والجبروت!

ثم عاد إلى بغداد، وفي صُحبته خوجة نصير الدين الطوسي، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر مِن دار الخلافة شيئًا كثيرًا مِنَ الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو ألا يُصالح الخليفة، وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصَفة لا يستمر هذا إلا عامًا أو عامين، ثم يعود الأمرُ إلى ما كان عليْه قبل ذلك، وحسَّنوا له قتْل الخليفة، فلمَّا عاد الخليفةُ إلى السلطان هولاكو أمَر بقَتْله.

ويقال: إنَّ الذي أشار بقتْله الوزيرُ ابن العلقمي، والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الأَلْموت، وانتزعها مِن أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيرًا لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين ابن جلال الدين، وكانوا ينسبون إلى نِزار بن المستنصر العُبَيْدي، وانتخب هولاكو النصير ليكونَ في خدمتِه كالوزير المشير، فلما قدم هولاكو وتَهَيَّب مِن قتل الخليفة هوَّن عليه الوزير ذلك، فقتلوه رفسًا، وهو في جوالق؛ لئلا يقع على الأرض شيءٌ من دمه، خافوا أن يؤخَذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل: بل خُنِق، ويُقال: بل أغرق، فالله أعلم.

فباؤُوا بإثمه وإثمِ مَن كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاده - وستأتي ترجمة الخليفة في الوفيات - ومالوا على البلد، فقتَلُوا جميع مَن قدروا عليه من الرجال والنساء والوِلْدان والمشايخ والكُهُول والشُّبَّان، ودخل كثيرٌ من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقُنِيِّ الوَسَخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظْهَرون.

وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويُغلِقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار، إمَّا بالكسر وإما بالنار، ثُم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجري الميازِيبُ من الدماء في الأزِقَّة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقُتل الخطباءُ والأئمة وحَمَلَةُ القرآن، وتعطلتِ المساجد والجماعات والجمُعات مدة شهور ببغداد.

وكذلك في المساجد والجوامع والرُّبُط، ولم ينجُ منهم أحدٌ سوى أهلِ الذِّمَّة من اليهود والنصارى، ومَن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار أخَذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالاً جزيلةً حتى سلِموا وسلِمَتْ أموالهم.

وعادتْ بغداد بعدما كانتْ آنَسَ المدنِ كلِّها كأنها خرابٌ، ليس فيها إلا القليلُ من الناس، وهم في خوفٍ وجوع، وذلة وقلة.

ولَمَّا انقضى أمَد الأمْر المقدور، وانقضت الأربعون يومًا، بقيتْ بغدادُ خاويةً على عروشِها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التُّلول، وقد سقط عليهم المطر، فتَغَيَّرَتْ صورُهم، وأنْتَنَتْ مِن جِيَفِهم البلَدُ، وتغيَّر الهواء، فحصل بسببه الوباءُ الشديد، حتى تعدَّى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلْقٌ كثير من تغيُّر الجوِّ، وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاءُ والوباء، والفناء والطعن والطاعون، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.

والله غالبٌ على أمره، وقد ردَّ كيدَه في نَحْره، وأذَلَّه بعد العِزَّة القعْساء، وجعلَه حوشكاشًا للتتار بعدما كان وزيرًا للخلفاء، واكْتَسَب إثْمَ مَن قُتِل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكمُ لله العلي الكبير ربِّ الأرض والسماء.

وأراد الوزيرُ ابن العلقمي - قبَّحَه الله ولعنه - أنْ يُعَطِّلَ المساجد والمدارس والرُّبُط ببغداد، ويستمر بالمشاهد ومحال الرَّفْض، وأن يبنيَ للرافضة مدرسةً هائلةً، ينْشُرون علْمهم بها وعليها، فلم يُقدره الله - تعالى - على ذلك، بل أزال نعْمتَه عنه، وقصف عمره بعد شهورٍ يسيرة مِنْ هذه الحادثة، وأتْبعه بولدِه فاجتمعا - والله أعلم - بالدَّرْك الأسفل من النار.

فمات جهدًا وغمًّا، وحزنًا وندمًا، إلى حيث ألْقَتْ رحلَها أمُّ قشْعَم، فوَلِي بعده الوزارة ولدُه عزُّ الدين أبو الفضل محمد، فألحقه الله بأبيه في بقيةِ هذا العام - ولله الحمدُ والمنة.

وقد رأتْه امرأةٌ - وهو في الذُّلِّ والهوان - وهو راكب في أيام التتار بِرْذونًا - وهو مرسم عليه - وسائق يسوق به ويضرب فرسَه، فوقفتْ إلى جانبه، وقالت له: يا ابن العلقمي، هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعتْ كلمتُها في قلبه، وانْقَطَع في دارِه إلى أن مات كمَدًا وغبينة وضيقًا، وقلة وذلة، في مستهل جُمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر ثلاث وستون سنة، ودُفِن في قُبور الروافض، وقد سمع بأذنيه، ورأى بعينيه من الإهانةِ من التتار والمسلمين ما لا يُحَدُّ ولا يوصَف.
وتوَلَّى بعده ولدُه الخبيث الوزارة، ثم أخذَه الله أخْذ القُرى وهي ظالمة سريعًا.

وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريبٌ مما جرى على أهْل بغداد، كما قصَّ الله - تعالى - علينا ذلك في كتابه العزيز؛ حيث يقول: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴾ [الإسراء: 4، 5]، وقد قُتل من بني إسرائيل خَلْق مِن الصُّلَحاء، وأُسِر جماعة من أولاد الأنبياء، وخُرِّب بيتُ المقدس بعدما كان معمورًا بالعبَّاد والزُّهَّاد، والأحبار والأنبياء، فصار خاويًا على عروشه، واهيَ البناء.

وقد اختلف الناسُ في كمية مَن قُتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتْلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يومًا، وكان قتلُ الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر، وعفَى قبْرُه.

وقُتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقُتل أولاده الثلاثة: عبدالله، وعبدالرحمن، وعبدالكريم، وأكابر الدولة واحدًا بعد واحد، منهم الدُّوَيْدار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد.

لكن بغداد عادتْ تنفض عنها غبار الموت، وازدهرت من جديد بعلمائها وفقهائها ومفكّريها، بل وأصبحت منارة علم تستهوي إليها أفئدة العلماء، ومنارة أدب تستقطب الشعراء والأدباء، كما كانت، وقيض الله لأهل الإسلام من بلاد الشام ومصر من يأخذ بالثأر وينصر دين الله، ويهزم التتر شر هزيمة في التاريخ - معركة عين جالوت - ولكن تلك الحادثة المؤلمة ستبقى في الذاكرة لتنبِّه المسلمين في كل زمان ومكان إلى أخذ الحذر والحيطة؛ لئلا يقعوا في الخطأ نفسِه، وأن يحْذروا من الفرقة والانقسام، وأن يأخذوا بأسباب القوة المادية والمعنوية، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

المصدر: [البداية والنهاية لابن كثير (13 / 226 - 238)]