كبار العلماء

أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز أمرا ملكيا بإعادة تشكيل هيئة كبار العلماء، مثلهم مثل سائر موظفي الدولة من مستشارين ووزراء وغيرهم.

ويتفرع عن الهيئة لجنة دائمة للإفتاء يختارهم الأمر الملكي الذي يعيّن المفتي أيضا، وهذا المستوى ربما لم ينحدر إليه الفاتيكان قبل اعتزاله السياسة وبعدها، إذ المنطق يفرض أن يكون تسيير الشأن الداخلي للهيئات المحترمة وغير المحترمة خاصا بأعضائها.

كما
صدر أمر ملكي من قبل ينص على ألا تزيد مدة العضوية في الهيئة عن أربع سنوات ما لم يصدر أمر ملكي آخر بتمديدها، ولو نبس أحدهم بالدعوة إلى تحديد مدة الخدمة لخادم الحرمين لقيل: بدعة في الدين وتشبّه بالكافرين.

ولا يُعلم أي مبرّر شرعي أو عقلي وجيه لتحديد فترة "الخدمة العلمية" إلا باعتبارها وسيلة ضغط بل تحكّم مفضوح في من يدّعون ـ يا ويحهم ـ التوقيع عن رب العالمين، فهي آلية فرزٍ
لمن رضي عنه السلطان ومن توجّس منه خيفة، وخشية تسلل المغضوب عليهم الذين يمكن أن يجهروا بـ: لا، فيفسدون مخططات الحاكم ومن وراءه.

وهكذا يقيل السلطان هذا الشيخ من منصبه ويعيّن الآخر مكانه، ويمدّد خدمة مشايخ آخرين، وفق حاجات الدولة في المرحلة القادمة، حيث يرى الحكام أن دعم الغرب لعروشهم رهين بمدى قدرتهم على إقناع شعوبهم بدين الغرب، باسم "تجديد الخطاب الديني" بعد إيجاد الأرضية الملائمة لاستنبات ما يسمى في الغرب بالتيار الإصلاحي المناوىء للمحافظين الذين سيتوارون عن الأنظار شيئا فشيئا هم وما بقي لهم من دين، إذا قدّر للخطة المرسومة أن تنجح على المدى الطويل.


ومن يتصور أن غلمان آل سعود يمكنهم أن يتمردوا بسهولة على دين سادتهم إذا خالفوا دين الله كمن يتصور تمرد مراجع قمّ ومشهد على سياسات "المعصوم" خامنئي.


وهذا لم يحدث يوم كانت أجهزة الدولة بدائية ما بالك بهذا الزمان الذي تربّي فيه الدولة عبيدها من المهد إلى اللحد، وتتراكم فيه الملفات في دهاليز الأجهزة الأمنية عن كل صغيرة وكبيرة من حياة الأشخاص، فهي تسيّر ما يسميه العلمانيون بالقطاع الديني كما تسيّر القطاعات الأخرى.


يقولون: لو كنا على باطل ما كان العلماء معنا، فإن قيل لهم: وهل خالفوكم يوما؟ يقولون: هذه مؤسسة من مؤسسات الدولة
! وهكذا يستدلون بأنفسهم، إذ العلماء على دين الدولة وجزء منها، ولا يمكن بحال أن يعوّل عليهم في معرفة صحة أو بطلان أمرٍ هم ضالعون فيه.

إن العلمانية السعودية نموذج لأبشع العلمانيات استغلالا للإسلام، حيث عزلته عن التحكم في سياسات الدولة واقعا وبطريقة احترافية، وقد استُبعدت عقيدة التوحيد تماما من مواقف الدولة الداخلية والخارجية وشرائعها، ولا تظهر أي محاولة للإقتراب من الإسلام في الشرق والغرب إلا ناصرت المملكة أعداءها.


والعلماء الأكابر قد ورثوا كابرا عن كابر اجتهادهم في طاعة ولي الأمر، ليس في معصية الخالق، حاشا وكلا، فولي الأمر لا يأمر بشرب الخمر ولا ينهى عبدا إذا صلى، ولكن يطيعونه في هدم "لا إله إلا الله".


فقد تحولت البقية الباقية من دعوة محمد بن عبد الوهاب إلى فرقة علمانية بامتياز تشارك بحماس في الحرب على الإسلام، غير أنها لم تفتضح في نسائها لحد الآن، ثم يُضحك على الناس بالتطبيق النسبي للشريعة الإسلامية التي يطبقها حكام كابول أيضا.


بينما تتحكم الدولة بقضّها وقضيضها في توجيه هذا الدين لخدمتها، وتمتصه إلى آخر قطرة، وللمزيد من المعلومات انظر في أرشيف فتاوى كبار العلماء مقارنا لها مع تواريخ الأحداث السياسية.

فحتى المواقف المستعجلة التي يتراجع عنها الحكام بين ليلة وضحاها لا يخجلون من تبريرها وإقحام الآيات والأحاديث في تقلبات سياساتهم الرعناء ضمن خطب مكتوبة تذاع من فوق منبر المسجد الحرام والمسجد النبوي، حتى كدنا نصيح: ارحموا هؤلاء المساكين، فلم يبق لهم ما يستر عورتهم، وإن الذي يرضونه لا يقبله أي إعلامي يحترم نفسه ومهنته.


وإن القوى التي تخطط لمنع الإسلام من الظهور تسعى لوضعه في نفس الحالة التي وصلت إليها النصرانية يوم التصقت الكنيسة بالقصر والإقطاع قديما، وارتبطت بالظلم السياسي والإجتماعي، فكان رد الفعل هو الإلحاد المعاصر، وهذا ما يراد للإسلام بتحويل هؤلاء العلماء إلى بيادق وأبواق في يد الطغاة، حتى إذا طالب الناس بحقوقهم طالبوا بالديمقراطية أو الإشتراكية لا الإسلام الذي شوّهوه بالأطماع حتى تجهّما، ولولا أن الله سخّر القرضاوي وإخوانه وبن لادن وأنصاره لرأينا تلك الثورات تحرق المساجد مع قصور الحكام، وترفع شعار: اشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر عالم.


وإذا كان الأوربيون لم يجدوا حلا إلا الإلحاد لأنه لم يبق في النصرانية ما يصلح كنموذج للحياة وقيادة المجتمعات، فإنه من الممكن جدا تقويم مسيرة المجتمعات المنتسبة إلى الإسلام وتوجيهها نحو الإسلام حقا نظرا لبقاء الأصل كما نزل، وقد تقدم الوعي عند الناس أشواطا وقلّت ثقتهم بهؤلاء العلماء عن ذي قبل، وهم يفرقون إلى حد كبير بين أحكام دين الله والفتاوى المملاة التي ما أنزل الله بها من سلطان.


وإن الحل الأنجع لمكافحة هذا التحريف الممنهج والمنظّم هو توعية الناس بوجوب تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فلا ينقصهم الوعي السياسي أو الفقهي فقط، ولكن يجب إقناعهم بأن ما هم فيه لا يكفي ليكونوا مسلمين، وأن كبراءهم يقدمون بهم على النار.