قال الفند الزمانى*:-
صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ *** وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ
وعَسَى الأَيَّامُ أنْ يَرْجعْنَ *** قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا
فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر *** فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ
ولَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ *** دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا
مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ *** غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ
بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ *** وَتَخْضِيعُ وإقْرَانُ
وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ *** غَذَا وَالزِّقُّ مَلاْنُ
وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ *** لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ
وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ *** لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ

قال عبدالقادر البغدادى فى خزانة الأدب:-
...هذه الأبيات من قصيدة للفند الزمّاني، قالها في حرب البسوس؛ أورد قطعة منها أبو تمام في أول الحماسة...
الصفح: العفو؛ وحقيقته أعرضنا عنهم وأوليناهم صفحة عنقنا. وروي: عن بني هند، وهي هند بنت مرّ بن أدّ أخت تميم. وقوله: عسى الأيام الخ، قال المرزوقيّ: لا يجوز أن يكون الذي بمعنى الذين، لأن الموصول والصلة يصير صفة لقوم آخرين كالقوم المذكورين، بل التقدير: أن يرددن دأب القوم كائناً كالدأب الذي كانوا عليه.
وفي هذا الوجه يجوز أن يكون الذي للجنس، كما قال تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به " ثم قال: أولئك. والفصل بين هذا الوجه والوجه الأول أنه أمّل في الوجه الأول أنهم إذا عفوا عنهم أدّبتهم الأيام وردّت أحوالهم كأحوالهم فيما مضى: في الاتفاق والتوادّ؛ وفي الوجه الثاني أمّل أن ترجع الأيام أنفسهم، إذا صفحوا عنهم، كما عهدت: سلامة صدور وكرم عهود انتهى.
ومعنى يرجعن: يرددن من باب فعل وفعلته، يقال: رجع فلان رجوعاً ومرجعاً ورجعاناً ورجعته رجعاً؛ والعائد محذوف، أي: كالذي كانوه، وهو خبر كان.
وهذا البيت أورده ابن هشام في المغني على ان بعضهم استدل به على أن المعرفة إذا أعيدت نكرة كانت عينها، على القاعدة المشهورة.
وصرّح بمعنى انكشف، ويأتي أيضاً متعدّياً بمعنى كشفه. وجملة وهو عريان خبر أمسى؛ وذكر العريان مثل لظهور الشرّ. وروي: فأضحى وهو عريان وهذه احسن، لأن الشيء في الضحى أشهر.
وقوله: ولم يبق سوى العدوان معطوف على قوله صرّح.
وقوله: دنّاهم.. الخ جواب لما. والعدوان: الظلم الصريح. والدين: الجزاء. وأورد البيضاوي هذا البيت في قوله تعالى: " مالك يوم الدين " على أن الدين الجزاء. والمعنى: لما أصرّوا على البغي وأبوا أن يدعوا الظلم، ولم يبق إلا أن نقاتلهم ونعتدي عليهم كما اعتدوا علينا، جازيناهم بفعلهم القبيح كما ابتدؤونا به. وإطلاق المجازاة على فعلهم مشاكلة، على حد قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " .
وقوله: مشينا مشية الخ، هذا تفصيل لما أجمله في قوله دنّاهم، وتفسير لكيفية المجازاة. وكرّر الليث ولم يأت به مضمراً، تفخيماً وتعظيماً.
والمعنى: مشينا إليهم مشية الأسد ابتكر وهو جائع. وكنى عن الجوع بالغضب، لأنه يصحبه. وغدا بمعجمة فمهملة، ولا يجوز بمهملتين لأن الليث لا يكون ماشياً عادياً في حال. فإن قيل: اجعله من العدوان،، قلت: الليث لا يمشي في حال عدوانه وإنما يشدّ شدّاً؛ ويجوز على رواية شددنا شدة الليث على أنه من العدوان.
وقوله: بضرب فيه توهين الخ، الباء تتعلق بمشينا. والتوهين: التضعيف. والإقران: مواصلة لا فتور فيها. وروي:
بضرب فيه تفجيع ... وتأييم وإرنان
والتأييم: جعل المرأة أيّماً؛ والأيّم هي التي قتل زوجها أو مات. والإرنان، من الرنين والبكاء، يقال: رنّ وأرنّ.
وقوله: وطعن كفم الزقّ الخ، غذا بمعجمتين بمعنى سال، يقال: غذا يغذو غذواً والاسم الغذاء، أي: وطعن في اتساعه وخروج الدم منه كفم الزق إذا سال بما فيه وهو مملوء. وجملة إذا مع ضميره بتقدير قد، حالية.
وقوله: وبعض الحلم الخ، الإذعان: الانقياد، يقال: أذعن لكذا: إذا انقاد له؛ وأذعن بكذا: إذا أقرّ به. اعتذر في هذا البيت عن تركهم التحلم مع الأقرباء، بأنه كان يفضي إلى الذل.
وقوله: وفي الشر نجاة الخ أراد في دفع الشر؛ ويجوز أن يريد وفي عمل الشر نجاة، كانه يريد: وفي الإساءة مخلص إذا لم يخلّصك الإحسان.
*الفند الزماني بتشديد الزاي والميم هو شهل بن شيبان بن ربيعة من بن زمان بن مالك من بكر بن وائل لقب بالفند وهو القطعة الكبيرة من الجبل لأنه قال لأصحابه في حرب البسوس أستندو الي فاني لكم فند وهو أحد فرسان ربيعة المعدودين ومن شعرائها في الجاهلية ابلى في حرب البسوس بلاء حسنا وكان عمره قرابة المائة وكان يعد بالف رجل
وكان أحد فرسان ربيعة المشهورين المعدودين، وشهد حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة السنة ، فأبلى بلاءً حسناً، وكان مشهده في يوم التحالق الذي يقول فيه طرفة بن العبد:
سائلوا عنا الذي يعرفـنـا بقوانا يوم تحلاق اللـمـم
يوم تبدي البيض عن أسؤقها وتلف الخيل أعراج النعـم
وقد مضى خبره في مقتل كليب بن ربيعة. فأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه قال: أرسلت بنو شيبان في محاربتهم بني تغلب إلى بني حنيفة يستنجدونهم ، فوجهوا إليهم بالفند الزماني في سبعين رجلاً ، وأرسلوا إليهم إنا قد بعثنا إليكم ألف رجل.