بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام علي أشرف الخلق وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين
أما بعد:

فيسعدني كل السعادة أن أتحدث عن فهم إقامة دين الحنيفية
وفهم الحالات التي يقام بها دين الاسلام ... فقد ذكرنا المولي تبارك وتعالي في سورة يونس بقمة في اتخاذ الدين بقوة وإعلاء الهمة وإعلان أنه من صلب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة تلك الآيات التي بينت هذه الحالات وهي بأعلي الحالات

وإليكم هذه الرسالة الطيبة في إقامة دين الحنيفية وهي ثماني حالات لشيخ الاسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله:

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى:
قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين?وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} [سورة يونس]

فيه ثماني حالات:
الأولى: ترك عبادة غير الله مطلقا، ولو حاوله أبوه وأمه بالطمع الجليل والإخافة الثقيلة، كما جرى لسعد مع أمه .

الحال الثانية: أن كثيرا من الناس إذا عرف الشرك وأبغضه وتركه، لا يفطن لما يريد الله من قلبه من إجلاله وإعظامه وهيبته; فذكر هذه الحال بقوله: {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ } [سورة يونس آية : 104] .

الحال الثالثة: إن قدرنا أنه ظن وجود الشرك والفعل منه، فلا بد من تصريحه منه بأنه من هذه الطائفة; ولو لم يقض هذا الغرض إلا بالهرب عن بلاد كثير من الطواغيت الذين لا يبلغون الغاية في العداوة، حتى يصرح بأنه من هذه الطائفة المحاربة لهم.

الحال الرابعة: إن قدرنا أنه ظن وجود هذه الثلاث، فقد لا يبلغ الجد في العمل بالدين; والجد والصدق هو إقامة الوجه للدين.

الحال الخامسة: إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الأربع، فلا بد له من مذهب ينتسب إليه، فأمر أن يكون مذهبه الحنيفية، وترك كل مذهب سواها ولو كان صحيحا، ففي الحنيفية عنه غنية.

الحال السادسة: أنا إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الخمس، فلا بد أن يتبرأ من المشركين، فلا يكثر سوادهم .

الحال السابعة: أنا إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الست، فقد يدعو من قلبه نبيا أو غيره لشيء من مقاصده، ولو كان دينا يظن أنه إن نطق بذلك من غير قلبه لأجل كذا وكذا، خصوصا عند الخوف، أنه لا يدخل في هذا الحال.

(((الحال الثامنة))): إن ظن سلامته من ذلك كله، ولكن غيره من إخوانه فعله خوفا أو لغرض من الأغراض، هل يصدق الله أن هذا – ولو كان أصلح الناس – قد صار من الظالمين ؟ أو يقول: كيف أكفره وهو يحب الدين ويبغض الشرك؟! وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من يفهمه وإن لم يعمل به! بل ما أعز من لا يظنه جنونا!!!!!! ا.هـ

هذا هو التطبيق الحقيقي لاقامة دين الحنيفيه فليس الامر حفظ كلام ومعاني وفقط انما الامر دين تدين الي الله به كي يكون وقعا عمليا في حياتك فتدرج مع الحالات الثمانيه وانظر هل انت علي هذا الدين ام لا وستخرج بفائده جميله وقويه تهديك سبل السلام فالي جنة عرضها السماوات والارض

وبمشيئة الله ساقوم بشرح للحالات الثمانيه

فمع شرح الحالة الأولي التي بدأت بترك عبادة غير الله مطلقا.
ترك الشرك بكل صدق وإخلاص والدخول في التوحيد بكل صدق وإخلاص حتي لو قوبل المسلم بمن ينادونه باسم الأبوة والبنوة علي أن يترك دينه ما ترك دينه ... كما حدث لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه مع أمه

فبعد أن أسلم سعد بن أبي وقّاص ، سمعت أمه بخبر اسلامه حتى ثارت ثائرتها فأقبلت عليه تقول :

( يا سعد ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين أمك و أبيك؟ والله لتدعن دينك الجديد أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت

فيتفطر فؤادك حزنا علي ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت وتعيرك الناس أبد الدهر )

فقال لاتفعلي يا أماه فأنا لا أدع ديني لأي شيء )

إلا أن أمه اجتنبت الطعام ومكثت أياما على ذلك فهزل جسمها وخارت قواها فلما رأها سعد قال لها:

( يا أماه اني على شديد حبي لك لأشد حبا لله ولرسوله ووالله لو كان لك ألف نفس فخرجت منك نفسا بعد نفس ما تركت ديني هذا بشيء )

فلما رأت الجد أذعنت وأكلت وشربت

ونزل قوله تعالى :

(وأن جاهَدَاك على أن تُشْرِك بِي ما ليْسَ لك بِهِ عِلم فلا تُطِعْهما وصَاحِبْهُما في الدنيا مَعْروفـا واتّبِع سَبيـل مَنْ أنابَ اليّ ثُمّ إليّ

مَرْجِعكـم فَأنَبّئَكـم بما كُنْتُم تعملـون ) ﴿لقمان: 15﴾
___________
شرح الحالة الثانية من إقامة دين الحنيفية:

أن كثيرا من الناس إذا عرف الشرك وأبغضه وتركه لا يفطن بما يريد الله من إجلاله ورهبته وذكر هذه الحالة بقوله "ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم"
فمن يقتني التوحيد يلزمه معه طاعة ورغبة فيما عند الله ورهبة من عذاب الله ... يلزم مع التوحيد الأخلاق التي بعث رسول الله صل الله عليه وسلم لتمام مكارم الأخلاق
يلزم مع التوحيد التذكرة بأن الله كما بدأه يعيده وأنه إلي الله ترجع الأمور
يلزم مع التوحيد أن يتذكر الموحد أن مع كل ما يفعله في الحياة أنه ميت وأنه سيلاقي الله وأنه سيحاسب علي كل كبيرة وصغيرة
يلزم مع التوحيد المعاملة الحسنة فالدين المعاملة
يلزم مع التوحيد الخشية لله سبحان ه وتعالي بكثرة العبادة وآداء النوافل وصلاة قيام الليل
هذا هو معني إجلال الله ورهبته
________
شرح الحالة الثالثة لإقامة دين الحنيفية :
إن قدرنا أنه ظن وجود الترك والفعل أي ترك الشرك وفعل التوحيد وخشي الرحمن بالغيب وخشعت جوارحه وسكنت لله فلا تتحرك إلا بأمر الله ولا تفعل إلا بأمر الله وتنتهي إذا نهاها الله
فلا بد أن يصرح بأنه من الطائفة المؤمنة وذلك قوله تعالي "وأمرت أن أكون من المؤمنين"
ولو كلفه ذلك بأن يهرب أو يهاجر من بلد فيها كثير من الطواغيت إلي بلد قل فيها الطواغيت لا يبلغون الغاية في العداوة حتي يصرح ولو بفعله أنه من هذه الطائفة المؤمنة.
__________
شرح الحاله الرابعه...ان قدرنا وجود هذه الثلاث... فقد لا يبلغ الجد في العمل بالدين,والجد والصدق هو اقامة الوجه للدين.
لان الايمان عباره عن تصديق بالقلب وعمل بالجوارح فالايمان قول وعمل وليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل
فالاسلام يحتاج الي تطبيق عملي للدين وتنزيل الاحكام علي ارض الواقع والسير بين الناس بهذا الدين
كماحدث من عبد الله بن مسعود عندما سارع لتبليغ سورة الرحمن
وشج أذنه في سبيل الله تعالي
فالدين يحتاج لمن يأخذه بقوه ويحيا بين أحضانه ويقيم الوجه للدين حنيفا متجنبا للشرك وأهل الشرك ويكفرهم ويعاديهم ويبغضهم
فاوثق عري الايمان الحب في الله والبغض في الله...والموالاة في الله والمعاداة في الله
الجد في الجد والحرمان في الكسل...فانصب تصب عن قريب غاية الامل
__________
شرح الحاله الخامسه ....
إن تيقن سلامته فيما سبق .فأمر ان ينتسب الي مذهب .. فامر أن يكون مذهبه الحنيفيه ففي الحنيفيه عنه غنيه
هذه الحاله هي من اخطر الحالات في تطبيق دين الحنيفيه.
وهي ما اشار اليها النبي صلي الله عليه وسلم في وصفه الفرقه الناجيه والطائفه المنصوره في قوله "ما أنا عليه وصحابتي اليوم"
فكان النبي صلي الله عليه وسلم رسول يدعو الي دين الاسلام
وكان الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم مسلمون يدعون الي الاسلام
فحقيقة الموحد ان يقول اني مسلم وديني الاسلام
فالفرق والجماعات والسبل الكثيره التي لا تري في الحقيقه الا غثاء السيل العرم .لا حظ ولا نصيب لها في الاسلام
ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم
"منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين 31 من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون 32" الروم
قال صلي الله عليه وسلم "تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وسنتي"
وما معني ففي الحنيفيه عنه غنيه ؟؟
اي ان الاسلام فيه الدعوه الي الله وفيه الجهاد وفيه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه كفالة اليتيم وفيه الاخوه وفيه الخيريه وفيه الشرعيه
فلا ينبغي ان نسمي جماعه بفرع من فروع الدين فالاسلام فيه كل هذه المسايات.
ففي الحنيفيه عنه غنيه
_____________
شرح الحالة السادسة : أمر أن يتبرأ من المشركين فلا يكثر سوادهم
والبراءة من المشركين في بغضهم وكرههم وكره ماهم عليه من كفر وشرك وضلال
والبراءة من المشركين تقتضي البعد
قال تعالي في سورة يونس "وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (41)
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ. وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}
وقال صلي الله عليه وسلم "أوثق عري الإيمان الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله"
وقال صلي الله عليه وسلم "من كثر سواد قومم حشر معهم"
وقال تعالي "فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ "
وخلاصة القول أن البراءة عامة في كل الأحوال من المشركين والبراءة تقتضي البعد ... والبراءة من المشركين واقع عملي في حياة الموحدين.
__________
شرح الحالة السابعة : فقد يدعو من غير قلبه نبيا
حقيقة لا مراء فيها : العمل لا بد أن يكون خالصا أي بنية طيبة وصوابا أي علي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم
ولذلك فسر الفضيل بن عياض قوله تعالي "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" قال : أي أخلصه وأصوبه ... قيل يا أبا علي (إذا كان العمل خالصا وغير صوابا) قال "لم يقبل وإن كان صوابا وغير خالصا حتي يكون خالصا صوابا والخالص ما كان لله والصواب ما كان علي السنة"
فنحن نحكم بالظاهر والله يتولي السرائر ... هكذا علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم.
__________
شرح الحالة الثامنة : أخوه فعله خوفا أو طمعا فهل يصدق الله في أنه قد صار من الظالمين؟!!!
أو يقول كيف يكفر كيف يكفر وهو يحب الله ورسوله؟؟!!!!
فما أعز من يتخلص من هذا بل ما أعز من لا يظنه جنونا!!!
وذلك عملا بقوله تعالي "فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين"
فمن فعل الشرك مشرك ومن فعل الكفر كافر ومن فعل المعصية عاص
والجملة الفعلية تتكون من الفعل والفاعل والمفعول ... فالذي يفعل الفعل هو الفاعل ... فالنجارة صنعة النجار والحدادة صنعة الحداد والشرك صنعة المشرك والكفر صنعة الكافر.
قال تعالي { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } يوسف (108).


وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين ... وصل اللهم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.