بسم الله الرحمن الرحيم




تنبيه أولى الألباب بحقيقة الخلاف والأسباب



كتبه/ الجديد أبو محمد


الحمدُ لله المتفرد بالبقاء الكريم المِعطاء خالق الأرض والسماء وليٌّ المؤمنين السُعداء عدو الكافرين والطغاة والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين خير البشرِ أجمعين وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه وأنتهج نهجه إلى يوم الحق والديّن.

أما بعد ،،

هذه كلمات وإشارات وتنبيهات أبعثها وأهديها لمن أحب لهم الخير والرشاد وأبغى الإجتماع بهم بعد طول خلاف وإفتراق ..
أُهديها .. إلى الذين عايشنا وإياهم طغيان الحُكام وعبدة الأوثان..
أُهديها .. إلى الذين نظنّ بهم خيراً ونراهم أعلى الناس قدراً من مخالفينا ، إلى الباحثين عن الحقيقة المتطلّعين إلى نور الشريعة ..
أُهديها .. إلى الذين فارقوا أقرب أقربائهم من أجل الدين وعادوا السواد الأعظم من أجل تحقيق ملة إبراهيم التي هي الكفر بالطواغيت والمشركين..
أُهديها .. إلى الذين نحسبهم مجاهدين لنفوسهم لمعرفة الحق والعمل به والإستماتة في سبيله وأساله تعالى أن يبارك في جهادهم وأن يعلمهم مالم يعلموا إلى هؤلاء أهدي هذه الكلمات ..
وقد جعلت هذه الورقات عبارة عن حقائق تبيّن حقيقة مسائل الخلاف بيننا وبينكم إذ أنه المحور الوحيد الذي عبره يزول الخلاف ويتم الإتفاق بإذن الملك الخلاّق.


تــــــــــمـــــــهيـــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــد

أيها الأصحاب :
_ إعلموا
أن لقبولِ الحق موانع وأن لإعتناق الباطل دوافع .. فبمجاهدة النفس والإخلاص والصدق في البحث عن الحق وطلبه تزول الموانع وتتكسر الدوافع فيري القلب نور الحق فتحصل الهداية بإذن رب البرايا..
وموانع الحق تتمثل غالباً في المال .. الجاه .. المكانة .. العلاقات الأسرية أو الزوجية .. صعوبة الخروج عن المألوف .. الخوف من قول الناس ..التعاهد على الإصرار على المفهوم وإن بان بطلانه .. الإحساس بالأنفة والإستنكاف .. الركون إلى الدنيا.. وما إلى ذلك من الموانع التي قد تختلف من شخص إلى آخر وعلى حسب الشُبهة أو نوع المُخالفة.
ودوافع الباطل كثيرة منها .. الشيطان .. النفس الأمارة بالسوء .. زوال المكانة في القلوب .. بغض الخصم وعدم إرادة الإجتماع معه ..الظن بضياع المجهود السابق .. وماأجمل الرجوع إلى الحق عند ظهوره والإجتهاد في معرفته وقد أُستتيب أبو حنيفة رحمه الله مرتين من قبل تلاميذه فتاب ورجع.
_ قال تعالى
(وأعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا) إنه أمر من له حق الأمر إنه أمر الله خالق العباد وهاديهم .. فهل أطعناه لننال رضاه !! نحن جميعاً مخاطبون بهذا الأمر .. وجميعاً ذقنا مرارة الإختلاف وتكالب الأعداء وإعدادهم لإطفاء نور الحق وتعاونهم على ذلك .. فهل حرك ذلك فينا شيئاً !! وهل أحسسنا بمسوؤليتنا وواجبنا نحو ديننا !! ألا فلنهزم الشيطان بمعصيته ولنرضي الرحمن بطاعته ونعتصم بحبله إذ أنه سبيل النجاة والفوز من الخسران.
_ قال تعالى
{ تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}إنه خبر من !! إنه خبر أصدق الصادقين الله رب العالمين يخبرنا فيه على أن التواضع وعدم الكبر سبيل المُتقين، وأن طلب علو المنزلة في الدنيا والعمل لأجلها من أسباب حجب القلب عن معرفة الحق، رزقنا الله وإياكم تواضع البشير النذير عليه صلوات الخبير الذي كان يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما كتب لي من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراطٍ مُستقيم).











الحقيقة الأولى :

ماهو التوصيف الصحيح لمسألة الخلاف ؟

تحرير محل الخلاف بين المختلفين أمرٌ أساسي قبل الخوض في الحوار والتدليل على صحة المذهب، لأن بعدمه يكون كل طرف يحاور إنطلاقاً من توصيفه هو للخلاف لا من حقيقة الخلاف، مما يساعد على إتساع الهوة والبعد من الإتفاق.
الإخوة الكرام : أنتم تُعرفون الخلاف بأنه (الدفاع عن النفس أمام الطاغوت) أو (تبرأة الساحة أمام الطاغوت) وهذا التوصيف غير صحيح ومجافى للحقيقة ولا أظنّ بكم إلا إنكم لم تُدققوا في المسألة جيداً ولم ترعوها حق رعايتها فالتوصيف الصحيح للخلاف هو :
(ذهاب المدعى عليه إلى محكمة القضاء الطاغوتية إجابةً لدعوة المحكمة للفصل بينه وبين خصمه ومخاصمته إلى القاضي) وهذا التوصيف توضحه علاقة المُدعى عليه بكل من :

1/ المُدعى

2/ القاضي

(1) علاقة المُدعِى (الشاكي) بالمُدعَى عليه (المُشتكى) تتمحور في :
أولاً: الخصومة التي بينهما أي بين المُدعِى والمُدعَى عليه .
وثانياً : ومخاصمة المُدعَى عليه للمدعِى إلى القاضي وهذا سنوضحه في معني التخاصم في ثنايا هذه الورقات.
(2) علاقته مع القاضي التي تتمحور في : إجابته لدعوته أي: لدعوة القاضي للمثول أمامه مع خصمه من أجل فض النزاع بينه وبين خصمه.

شرح التوصيف :

قولي : إجابةً = بالنظر إلى ظاهره فهو لم يذهب من تلقاء نفسه بل ذهب بعد إستدعاء المحكمة له.
للفصل = ترجع لحقيقة الدعوة الموجهة ضده لأنها بغرض الفصل بينه وبين خصمه.
ومخاصمته إلى القاضي = هي تكذيبه لخصمه وجداله إلى القاضي فكلام المُدعى عليه في جلسة المحكمة موجهاً إلى القاضي لأنه هو الذي أستدعاه ليسمع جوابه وهو الذي سأله فلايسعكم إلا أن تُقرروا هذه الحقيقة.
إلى القاضي = لكون أن هذه المخاصمة ليست مع الخصم فقط فقد أرتبطت المخاصمة بــــــ :
أ/ رفع دعوة المدعى (الشاكي) إلى القاضي
ب/ دعوة القاضي للمدعى عليه.
ج/ إستجابة المُدعى عليه للدعوى.
د/ حقيقة الجلسة جلسة حُكم وتحاكم إلى غير شريعة الله.
هذا هو التوصيف الصحيح للفعل من حيث حقيقته لا من حيث حكمه وقد جاء في المعجم الغني : حَكَمَتْ عَلَيْهِ الْمَحْكَمَةُ بِالبَرَاءةِ " : بَرَّأتْ سَاحَتَهُ. فالبراءة حُكم تُصدِرُه المحكمة بنزاهة المُتهم.
فإن قلتم : أن فعل المُدعى عليه هو مجرد دفاع عن النفس أمام الطاغوت أو خصومة أمامه ..

نقول وبالله التوفيق:

هناك فرق بيّن واضح بين المخاصمة أمام الطاغوت وبين المخاصمة إليه ..
فالخصومة في اللغة هي كما قال ابن منظور في لسان العرب : وقيل للخَصْمَين خَصْمان لأخذ كل واحد منهما في شِقَ من الحِجاج والدَّعْوى.

وعرفها السرخسي في المبسوط بـــقوله: (والخصومة اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاحة) المبسوط للسرخسي الجزء التاسع عشر ص5
فهذه هي حقيقة ومعني الخصومة ولايؤثر فيها أن تكون أمام طاغوت أو غيرها بحث أنها ليست لها علاقة بغير المتخاصمين وهذه هي الصورة الأولى يمكن ويجوز أن تعبروا عنها بالخصومة أمام الطاغوت وذكر الطاغوت هنا كعدمه لأنه ليس له علاقة بموضوع النزاع أساساً.

أما الصورة الثانية والتي نرى أنها صورة الخلاف بيننا وبينكم هي :
المخاصمة إلى الطاغوت وليست المخاصمة امامه.
وقد بيّنا علاقة المُدعى بكل من : المُدعى عليه والحاكم آنفاً.
فكيف يكون الـمُدعَى عليه _ حسب فهمكم _ رجلاً أجنبياً عن المشهد وهو الذي تبلغه دعوة حضور وتكليف من محكمة قضاء للفصل بينه وبين خصمه فيلبيّ الدعوة-طائعاً مختاراً- ويخاصم خصمه إلى القاضي ليثبت أنه مظلوم وأن خصمه أدعى عليه ظلماً وينصت إذا طُلب منه الإنصات ويجيب إذا سُئل علماً بان هذه المحاكم ما أُسست إلا للقضاء بين الناس والفصل في خصوماتهم ؟؟
فنرجوا منكم أن تراجعوا توصيف محل الخلاف بالنظر لما سردناه إليكم من مُعطيات.

الحقيقة الثانية :

إن فعل التحاكم هو المخاصمة إلى الحاكم وهذا يدلُ عليه الشرع واللغة.

فمن حيث اللغة :

أ/ جاء في القاموس المحيط في مادة (حكم) وحاكَمَهُ إلى الحاكِمِ: دعَاهُ وخاصمَهُ أهــ. فدعاه غير خاصمه فالمُدعى (الشاكي) تقع منه دعوة الخصم إلى التحاكم ومخاصمة خصمه إليه أما المُدعى عليه فتقع غالباً منه (المخاصمة إلى الحاكم).
ب/ ورد في لسان العرب في مادة (حكم) والمُحاكَمَةُ : المخاصمة إلى الحاكِمِ، واحْتَكَمُوا إلى الحاكِمِ وتَحاكَمُوا بمعنى. أهـــ. فإبن منظور عرف المُحاكمة بــــ : المخاصمة إليه وأن أحتكموا وتحاكموا بمعني واحد وهذا هو عين مايفعله المُدعى عليه.
ج/ وجاء فى معجم اللغة العربية المعاصر:
تحاكمَ إلى يتحاكم، تحاكُمًا، فهو مُتحاكِم، والمفعول مُتحاكَم إليه
تحاكم الطَّرفان إلى فلان: التجآ إليه، رفعا الأمرَ إليه ليقضي بينهما "تحاكم النَّاسُ إلى العقل- {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} معجم اللغة العربية المعاصرة
والتحاكم فى المعجم الصرفى يأتى على وزن تفاعل ،والتفاعل له معنيان
المعنى الاول:المشاركة المعنى الثانى: الاصطناع
وزن تفاعل يدل على المشاركة، وإظهار غير الحقيقة، والمطاوعة: تحاكم الخصمان، تمارض، باعدته فتباعد.".اهـ الموجز في قواعد اللغة العربية.1/37
قلت : والطرفان يشتركان في نفس الفعل وهو التحاكم.
والخلاصة من كلام أهل اللغة أن المحاكمة إلي الحاكم هي المخاصمة إليه كما نقلنا عن ابن منظور : ((والمُحاكَمَةُ: الْمُخَاصَمَةُ إِلى الحاكِمِ)) والمُحاكم خصمه إلى الحاكم متحاكم سواء كان هو الذي ابتدأ بالمخاصمة أم خاصمه بعدما أجاب دعوة الحاكم لجلسة حكمه !! فكل من تحقق أو أنطبق عليه وصف المُحاكِم خصمه إلى الحاكم يسمى متحاكم في اللغة، والذي يفعله المُدعى عليه في محاكم الطاغوت اليوم هو عيّن المُحاكمة إليه إذ أن المُدعى عليه يشجب ويدين خصمه ويكذبه ويجحد كونه على الباطل وخصمه على الحق ولاينكر ذلك إلا مُكابر ينكر الحس والواقع.

ومن حيث الشرع:

1/ قوله تعالي : (يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت) فالله عز وجّل قد حكم على من يريد _أي ينوي _ فصل خصومته عند الطاغوت بالكفر فكان من فعل _ فض نزاعه وخصومته عند الطاغوت _ وهذا هو فعل التحاكم الذي علق الله الكفر على من نوى فعله والإرادة في الآية هي النية لأن الآية بينت حكماً ظاهراً منضبطاً.
2/ قول الرسول صلى الله وعليه وسلم من حديث أم سلمة زوج النبي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما اقطع له قطعة من النار)
و يقول الشافعي رحمه الله في كتابه الأم في نفس الحديث :(... وفي مثل معنى هذا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله : " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)
فأخبر أنه يقضي على الظاهر من كلام الخصمين وإنما يحل لهما ويحرم عليهما فيما بينهما وبين الله على ما يُعلِمان .)اهــــ
وقال الزركشي :( وظاهره أنه لا يحكم إلا بما يسمع في حال حكمه ، وقد روي : ( وإنما أحكم ) وهذا صريح أو كالصريح في أنه لا يحكم إلا بما يسمع .) اهــــــ
يقول ابن بطال: ( إنما أقضى على نحو ما أسمع ) ولم يفرق بين سماعه من الشهود أو المدعى عليه فيجب أن يحكم بما سمعه من المدعى عليه كما يحكم بما سمعه من الشهود .)اهـ

قلت : دلّ هذا الحديث دلالة قاطعة على :

أن حقيقة فعل التحاكم هو التخاصم إلى الحاكم وهذا من قوله (تختصمون إلى) والمُدعى عليه المُستجيب لجلسة حكم الطاغوت يخاصم خصمه إلى الحاكم، ومن فسر قوله: صلى الله عليه وسلم (تختصمون إلى) برفع المُخاصمة إليه فقط وأخرج المحاققة والمجدالة والمفاعلة التي تتم بين الخصوم والحاكم عن حقيقة الإختصام إلى الحاكم فقد أخطأ وذلك لأمور :

أ/ إهماله لقوله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الفقرة مباشرة وهو (فلعل بعضكم يكون ألحن من بعض) فلو كان الإختصام إليه يقتصر على رفع المخاصمة فقط فما هي دلالة هذا القول منه صلى الله عليه وسلم ؟؟ وهل بمجرد الإتفاق على رفع المخاصمة تتبين حجة الخصمين؟؟

ب/ إهماله لقوله صلى الله عليه وسلم في ذات النص وهو (فأقضي له على نحو ما أسمع منه) وهذا صريح أن الحاكم يحكم بما يسمع من أقوال الخصمين وهذا الفعل نفسه يسمى في اللغة والشرع (المخاصمة إلى الحاكم) وهو فعل التحاكم نفسه الذي حكم الله على نوى أن يفعله بالكفر.

وعليه نقول :

إن كان تعريف التحاكم يقتصر على طلب الحُكم !! أو يقتصر على الإتفاق عليه!! فماهو فعل التحاكم أصلاً ؟؟ وماهو الفعل الذي كفّر الله عز وجل من نوى أن يفعله ؟؟ وماحكم المفاعلة التي تتم أمام القاضي من قبل المتنازعين ؟؟ وماهى ماهية التخاصم إلى الحاكم ؟؟ فالله عزوجل قال: (يريدون أن يتحاكموا) ولم يقل : (ألم تر إلى الذين تحاكموا) فماهو فعل التحاكم الذي أراده المنافق ؟؟ أليس هو المخاصمة إلى الحاكم وفض النزاع عنده؟؟

الحقيقة الثالثة :

الفرق بين تعريف التحاكم وطريقتة وصورته فمثلاً إذا كانت إرادة التحاكم تتمثل في طلب الحُكم وفعل التحاكم يتمثل في المخاصمة إلى الحاكم فكيف تتم هذه الصور في الواقع ؟؟

الجواب :

قد تختلف الصورة أو الطريقة من واقع لآخر ولكن يبقي المضمون واحد والحقيقة واحدة، بالنسبة لطلب الحكم تكون صورته وطريقته حسب واقعنا، التظلم عند الهيئة القضائية (محكمة القضاء) وهو عبارة عن خطاب يكتبه المُدعى ويكتب فيه مظلمته مثلاً :( أن فلان بن فلان قد ضربني فلان وأخذ مالي ووو) فلا يشترط عليه أن يكتب أنا أطلب حُكمكم أو أرضي به أما بالنسبة للمدعى عليه فصورته بأن يلبي الدعوة _دعوة محكمة القضاء للفصل بينه وبين خصمه _ ويمثل أمام القضاء ويُسأل عن القضية المُتنازع فيها فيجيب ويكذب خصمه ويجرمه فلا يشترط عليه أن يُقرر بأنه يرضي بهذه الجهة _ محكمة القضاء _ حاكماً بل تُعد تلبيته للدعوة وإجابته للأسئلة ومخاصمته خصمه إلى الحاكم تحاكماً فلابد من التفريق بين التعريف وبين مايدُل عليه في الواقع حتى لانخرج صورة من صور التحاكم بحكم أن التعريف لايشملها أو بأنها لا تتطابق مع تعريف التحاكم، كمن يُقرر أن تعريف التحاكم هو طلب الحُكم ودليله :( فأحكم بيننا بالحق ) فإذا لم يُقرر المُدعى (الشاكي) للحاكم أو القاضي بأنه يريد التحاكم إليه بقوله :(فأحكم بيننا) فليس متحاكماً، وبالتالي لايكفر حتى من تظلم لمحكمة القضاء اليوم لأن الإجراء الشكلي الذي يقوم به لاينطبق مع التعريف تماماً.

الحقيقة الرابعة :

إن أفعال الكفر لايُشترط لتكفير فاعلها النية وأن كل فعل تسبقه نية فمن عبد غير الله أو تحاكم إلى الطاغوت لا يُنظر إلى قصده ونيته هل يقصد التحاكم إلى الطاغوت أم يقصد أن يدافع عن نفسه أو أن يسترد حقه، وهذا الضابط يرجع لقاعدة أصولية مهمة من قواعد أهل السنة والجماعة وهي (قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن) التي برهانها حديث النبي صل الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا فسدت فسد الجسد كله ...) فمن فعل مُكفراً –ولم يكن مكرهاً-كان كافراً ظاهراً وباطناً بخلاف أهل الإرجاء والتجهم الذي يقولون نكفره ظاهراً مع تجويز إيمانه باطناً، فلا يجوز لكم بحال أن تشترطوا النية في القضية الخلافية كقولكم نحن لم نذهب لكي نتحاكم إلى الطاغوت وإنما ذهبنا لكي ندافع عن أنفسنا !!! كما أنكم لاتقبلوا أن يحتج لكم المُدعى (الشاكي) بأنه لم يذهب لكي يتحاكم إليهم وإنما ذهب ليسترد حقه.

الحقيقة الخامسة :

أن حال المتحاكم إلى الطاغوت _ المخاصم خصمه إليه _ يكون على حالين إما مُكرهاً فينتفي عنه حكم الكفر وإما مختاراً فيكون كافراً ظاهراً وباطناً وبرهانُ ذلك قوله تعالى :( إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم ...) فالآية بينتّ حالين فمن أتى مٌكفراً إما أن يكون مُكرهاً وإلا كان شارحاً بالكفر صدراً، فما هو حال المُدعى عليه الذي يخاصم خصمه إلى الحاكم ويرى أن ذلك مباحاً في دين الله من هذين الحالين !!! هل يُعد مُكرهاً أم الثانية !!!

الحقيقة السادسة :

نسألكم : ماهي حقيقة الدعوة المُقدمة من قبل محكمة الطاغوت إلى الموحد الذي يكفر بالطاغوت ويكفّر من لا يكفره ؟؟
ألا تُقررون أنها دعوة إلى التحاكم إليه ؟؟
ألا تعتقدون بكفر من يرفع مثل هذه الدعوى إليه ؟؟
ماذا يسمى عندكم فض النزاع بحكم ؟؟ ألا يسمى تحاكما ؟؟
أوليس من يُطلب ويُدعى, يُطلب لإجل فضل النزاع بينه وبين خصمه بحكم طاغوتي؟؟
ألستم أنتم من تُقررون أن الحاكم بغير شريعة الله طاغوت ؟؟
أليس أنتم من تُقررون أن الله وصف من أراد التحاكم إلى الطاغوت بالإيمان به في قوله (وقد أمروا أن يكفروا به) ؟؟
ألا تعلمون أن الدعوة التى أختلفنا في حكم إجابتها دعوة من محكمة الطاغوت؟؟
ألا تعلمون أنها بخصوص نزاع بينكم وبين خصومكم ؟؟
ألا تعلمون أن الطاغوت يحكم لكم أو عليكم وفق أقوالكم وأقوال خصومكم بقانونه الوضعي الذي طالما صدعتم رؤوس مخالفيكم لأجل الكفر به ؟؟
نقول لكم : لايخدعنكم الشيطان بسبب تمسككم ببعض الألفاظ التي تجدونها هنا وهناك وتطيرون بها فرحاً على مخالفكم فالحق أبلج واضح ويُقرر بصريح النصوص وبصحيح العقول فتأملوا كيف أنكم جوزتم ما دعوتم الناس للكفر به !!
والحقيقة التي لايسع أحد إلا الإقرار بها هي :
أن هذه الدعوة الموجهة إليك من قبل الطاغوت هي دعوة للكفر بالله !! دعوة إلى الإيمان بالطاغوت إلى فض النزاع عند الطاغوت وقد قامت هذه الدعوة على :

1/ نزاع بينك وبين خصمك
2/ رفع هذا النزاع إلى جهة قضائية طاغوتية لفضه بحكم.
3/ هذه الجهة تحكم بحكم الطاغوت.
4/ وُجهت إليك دعوة من محكمة القضاء الطاغوتية بخصوص النزاع القائم بينك وبين خصمك.
5/ الدعوة مفادها يامن تزعم أنك كفرت بي وبقانوني تعال وأمثل أمامي لأحكم لك أو عليك بقانوني.
6/ للدعوة وقت مُحدد لاتستطيع أن تأتى بعده ولا قبله ولا تتكلم إلا عندما يُطلب منك وقد تُرفع الجلسة مرات ومرات وماعليك ان تخالف فلابد أن تتقيد بكل ماتصدره المحكمة من قرارات.
7/ سيُحكم لك أو عليك بناءً على أقوالك وتكذيبك لخصمك على مقتضى القانون الوضعي.
فيا عبد الله !! ويا أمة الله !! سألتكم بالله هل يجوز الإجابة لمثل هذا الكفر الصراح ؟؟
وهل تقطعون بأن ماتستدلون به على جواز هذه المسألة ينطبق على واقعنا المعاصر ؟؟
وهل تعتقدون أن أنبياء الله عليهم السلام يعتقدون جواز تلبية مثل هذه الدعوة ؟؟
ألا يناقض تجويزكم لمثل هذه الدعوة دعوتكم الناس للكفر بهذه المحاكم الطاغوتية وعدم التحاكم اليها ؟؟

لا أظن بكم أنكم تقولون :

لبيك وسعديك أتيناك أتيناك ..... تلبيةً لدعوتك سنأتي مسرعينا

لأن الله قد مدح المؤمنين بإسراعهم لإجابة الدعوة للتحاكم الى كتابه بقوله :
(وماكان قول المؤمنين إذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا)
بل ظني بكم ستقولون:
كفرانك لاسبحانك يانذل ياطاغوت ..... دعواك كفر بذي العزة والجبروت

.الحقيقة السابعة:

عدم تعارض الفروع الجزئية للقواعد الكلية بل تندرج تحتها وفي هذا يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : (وهذا الموضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى التمسك بالكليات إذا عارضها الجزئيات وقضايا الأعيان ، فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة ، فإن تمسك بالجزئي لم يُمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي فثبتت في حقه المعارضة ، ورمت بهِ أيدي الإشكالات في مهاوِ بعيدة ، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين لأنه إتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع المحكمات ] أهـ الموافقات
وفي قضيتنا هذه التحاكم إلى الطاغوت _ المخاصمة إلى الحاكم _ والتي جاءت النصوص المتواترة بكفر مرتكبهِ بل نقل العلماء ومنهم ابن كثير الإجماع بين المسلمين على ذلك ، وهذا شأن القواعد الكلية في كونها لاتستند إلى آحاد الأدلة بل تتكرر النصوص وتتواتر عليها أدلة حتى تتقرر وتنتشر فتتأكد ويؤتى بها شواهد على معان أصولية فلا تتطرق إليها الإحتمالات، فإن قال المخالفين كيف تثبتون أن قصة يوسف وحادثة الصحابة مع النجاشي قضايا جزئية ؟؟
نقول: يُعرف ذلك بتعريف القواعد الكلية والفروع الجزئية فالقضايا الكلية هي التي كثُرت شواهدها والتي قامت على النصوص القطعية الدلالة بعكس القضايا الجزئية التي هي قضايا الأعيان وحكايات الأحوال كما يقول الشاطبي في الموافقات:
إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا يؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال والدليل على ذلك:
1/ أن القاعدة مقطوع بها ، وقضايا الأعيان مظنونة.
2/ أن القاعدة غير محتملة لإستنادها إلى الأدلة القطعية ، وقضايا الأعيان وآحاد الجزئيات محتملة.
أن قضايا الأعيان جزئية ، والقواعد المطردة كليات ، ولا ينهض الجزئي للكلي.أهــــ. 3/
فالشيخ عبّر عن القواعد الكلية بــــــــــ = بالقواعد العامة أو المطلقة.
وعبّر عن القضايا الجزئية بـــــ = قضايا الأعيان وحكايات الأحوال.

الحقيقة الثامنة :

عدم تعارض المُحكم بالمتشابه كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ يقول الإمام ابن كثير : يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب أي : بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على احد ، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم فمن ردٌ ما اشتبه إلى الواضح منه وحكٌم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ، ومن عكس انعكس ، ولهذا قال تعالى : ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب ِ﴾ أي : أصله الذي يُرجع إليه عند الإشتباه ، وقوله تعالى : ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات ٌ﴾ أي : تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد) أهـ تفسير القران العظيم، فإن قلتم :كيف تُقررون ان هذه القصص من المتشابه ؟؟ قلنا: بتعريف المتشابه وهو: المحتمل بعكس المُحكم الذي لايحتمل إلا معنىً واحداً.

الحقيقة التاسعة :

القاعدة تقول: إذا ورد الإحتمال بطل الإستدلال وفي هذا يقول الشوكاني في نيل الأوطار (73/1): والمحتمل لا يكون حجة على الخصم اهـــ.
وقال الشاطبي في كتاب الاعتصام (179/1): "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله" وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة ، حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه .ويشترط في ذلك أن لا يعارضه أصل قطعي . فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعي كظهور تشبيه ، فليس بدليل ، لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهراً في نفسه ، ودالاً على غيره ، وإلا احتيج إلى دليل ، فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن لا يكون دليلاً، فما تستدلون به في هذه المسألة الخلافية بيننا لم توردوا فيه نصٌ صريح لايدل إلا على ماقررتموه فكل ما توردونه محتمل وليست نصوصاً في حد ذاتها فتنبهوا لهذا بارك الله فيكم.

الحقيقة العاشرة :

أركان التحاكم ثلاثة وهي : المُدعى والمُدعى عليه والحاكم بينهما وهو بالضرورة غير المتخاصمين فإن تخلف ركن لم يكن هناك تحاكم والأدلة على كثيرة منها :
1/ (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول)
فإن تنازعتم : نزاع بين شخصين أو مجموعتين أو دولتين وهما المُدعى والمُدعى عليه.
في شئ :قضية متنازع فيها.
فردوه : إلى جهة ثالثة محايدة غير المتنازعين.
2/ ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله)
فالحاكم جهة والذين يحكم بينهم طرفان والتنازع شرط التحاكم كما قال:(فإن تنازعتم)
فلابد للجهة التي رُد إليها النزاع أن تكون مُحايدة غير المتنازعين.

الحقيقة الحادي عشر :

التحاكم فعلٌ ظاهر والدليل قوله تعالى: ( وكيف يحكمونك ..) جاء فى تَقْرِيبَ الْأَسَانِيدِ وَتَرْتِيبَ الْمَسَانِيدِ : " قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيُّ جَاءُوا مُحَكِّمِينَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَمُخْتَبِرِينَ فِي الْبَاطِنِ هَلْ هُوَ نَبِيُّ حَقٍّ أَوْ مُسَامِحٌ فِي الْحَقِّ فَقَبِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إفْتَاءَهُمْ وَتَأَمَّلَ سُؤَالَهُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ انْتَهَى " ( تَقْرِيبَ الْأَسَانِيدِ وَتَرْتِيبَ الْمَسَانِيدِ ، زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، جـ 8 ، صـ)152
ولايجوز الإحتجاج في الأفعال الظاهرة بالمقصد من الفعل والداعي اليه وإنما يثبت حكم الفاعل بمجرد تلبسه بالفعل وهذا موضع عظيم الفائدة.

من الأسباب التي أدت إلى هذا المفهوم الخاطئ :

أولاً :

عدم إحاطتكم بالتعريف الصحيح لفعل التحاكم الذي هو:(المُخاصمة إلى الحاكم) والذي يكون من طلبه أوقبله به أو أراده متحاكماً..
فأنتم قصرتم تعريف فعل التحاكم بإرادة التحاكم أو بطلب فض النزاع أو بالإتفاق على التحاكم أو بالإصطلاح على التحاكم وأهملتم حقيقة فعل التحاكم (المخاصمة إلى الحاكم) التي هي السبب الرئيس في كفر الطالب والموافق والمريد للتحاكم، فنحن لاننكر أن من طلب أو رضي بالتحاكم له حكم الـمتحاكم ولكن ننكر عليكم قولكم أن من فعل (فعل التحاكم) أي خاصم خصمه إلى الحاكم وكان مُدعياً عليه ليس متحاكماً ..
فانتم جعلتم العلة المؤثرة في الحُكم الإبتداء فمن أبتدأ بالمخاصمة متحاكم ومن لم يبتدئ وإنما طُلب منه فأمتثل وخاصم خصمه الى الحاكم لم يكن متحاكماً وهذا تفريق لمتماثلين بغير دليل.

ثانياً:

ربط الحُكم بالإرادة بمعني النية(الدافع على الفعل) رغم أنكم تخالفون قولكم عندما يكون الكلام عن المُدعى (الشاكي) ويظهر ذلك في قولكم (نحن لانذهب لكي نتحاكم إلى الطاغوت وإنما نذهب لكي ندافع عن أنفسنا) فلو تأملتم قليلاً في قولكم (نحن لانذهب لكي) !! وإنما لكي !! فهذه هي النية !! التي يقررها المُدعى (الشاكي) نفسه (أنا لاأذهب لأجل أن اتحاكم إليهم ولكن من أجل أن أسترد حقي) فالصحيح هو عدم إشتراط الإرادة والنية لتكفير من يفعل فعل التحاكم (المخاصمة إلى الحاكم).

ثالثاً :

عدم تفريقكم بين النص والظاهر والدليل والإستدلال :
فالنص هو مالايحتمل إلا معني واحداً.
والظاهر هو معنى الدليل لغةً وقد يراد المعني اللغوي أحياناً وقد لايُراد.
والدليل هو مادل على معني مع تجويز غيره.
والإستدلال هو إستنباط الفقيه للحكم من الدليل.
ولاشك أن قضايا الكفر والإيمان لايصح التدليل عليها إلا بالنص لانها مسائل تتعلق بثبوت الإيمان ونقضه، والناظر لإستدلالاتكم لايجد نصاً واحداً فيها.

ثالثاً:

عدم تفريقكم بين التحاكم الإختياري (التحكيم) وبين التحاكم الإجباري (التقاضي) فتشترطون الرضي في حالة (التقاضي) مع أنه شرطٌ في حالة (التحكيم) والفرق بينهما أن التحكيم تكون الجهة فيه من إختيار الطرفين الذين رضيا بها حكماً وفي التقاضي تكون الجهة أساساً مُنصبة من قبل الحاكم العام ولها صلاحية إحضار المُدعى عليه إن رفض الحضور لجلسة الحُكم من المعلوم أن القضاء نوعان:

1/ قضاء عام ( إجباري ) قد يتم بطلب المتخاصمين من القاضي أن يفصل بينهما .. أو قد يتم بطلب أحد الخصمين الحكم ، وإتيان الآخر مذعناً لجلسة الحكم ..وإجابة أسئلة القاضي .
قال الله تعالى ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين)
قال ابن كثير رحمه الله " أي وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاءوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله "مذعنين" ، وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ليروج باطله ، ثم فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق بل لأنه موافق لهواه ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره.

2/ قضاء إختياري وهو ( التحكيم ) وهو الذي يشترط فيه أن يطلب المتخاصمين شخصا يختارونه لكي يحكم بينهم ويفض النزاع .فإذا لم يطلب كلا من الخصمين فض النزاع من المُحكَّم أو لم يرضى احدهما به فلا يعتبر تحاكماً.
فالقضاء العام أعلى مرتبة من التحكيم وأشمل
ويسمى من طلب الحكم أوأجاب الدعوة للحكم له أو عليه إنه تحاكم بمعنى إنه قبل الحكم لفض الخصومة بقوله أو فعله..
يقول د. ناصر بن ابراهيم المحيمد – رئيس محاكم منطقة عسى
في بحثه ( الرقابة القضائية على التحكيم ) :[ المطلب الثالث:الفرق بين القضاء والتحكيم " :التحكيم وإن كان نوعا من القضاء وجزء منه إلا أن بينه وبين القضاء فروقا متعددة ، وهذه الفروق لا تُخرج التحكيم عن دائرة القضاء لكنها توضح خصوصية التحكيم في المتخاصمين لأنه يكتسب الولاية منهم ، وقد توسع جملة من الفقهاء في إيراد هذه الفروق وإيضاحها وأظهر هذه الفروق ما يلي:
أولا : أن الولاية للمحكّم في التحكيم صادرة من المتخاصمين أما في القضاء فإن ولاية القاضي صادرة من ولي الأمر.
ثانيا :أن التحكيم لابد فيه من رضا المتحاكمين ، وأما القضاء فإنه لا يشترط عند التحاكم إليه رضاهما به.
ثالثاً: أن المحكم ولايته قاصرة على القضية التي تم التحاكم والاتفاق على التحاكم بها عنده ولا يتعداها إلى غيرها فولايته تنتهي بالحكم في هذه القضية ، وأما القاضي فإن له النظر في جميع ما ولي عليه من قبل الإمام.
رابعاً: أن القضاء يشمل جميع الحقوق والقضايا وأما التحكيم فلا يدخل في بعض القضايا كقضايا الحدود والقصاص واللعان ونحوها.
خامساً:القضاء تجري أحكامه على القاصر عقلاً وسناً ومن في حكمهما وأما التحكيم فلا تجري أحكامه عليهم دون إجازة القاضي له.
سادساً :القضاء له ولاية مكانية خاصة يتقيد بها وأما التحكيم فإنه لا يتقيد بمكان معين بل يحكم في جميع القضايا التي يتراضى عليها المتحاكمون ولو كانوا في غير ولايته المكانية.
سابعاً : ولاية القضاء أعلى رتبة من ولاية التحكيم.

والناظر لواقع النصوص التي أستدللتم بها يجد أنها كانت في وقت يغلب فيه إنتشار حالة (التحكيم) كما ظاهر في قصة المنافق واليهودي فانهما تخيرا حكم الرسول صلى الله عليه وسلم على غيره، أما حالتنا التي أختلفنا فيها هي حالة (التقاضي) فلايُشترط فيه على المُدعى أو المُدعى عليه أن يتفقا على التحاكم وإنما يكفى أن يذهب أحدهم وترسل المحكمة للآخر لكي يحضر، إذن مراعاة هذا الفرق مهمة لان تنزيل النص الشرعي يحتاج إلى فقه الواقع المراد تنزيل الحُكم.

رابعاً:
من الأسباب التي أدت إلى هذا المفهوم الخاطئ (تصوركم لحال أصل مسألة الدفاع عن النفس وأنها على الإباحة) نقول : نعم أصل مسألة الدفاع عن النفس أنها مباحة وقد تكون مستحبة وقد تكون واجبة في بعض الأحيان ولكن يجب الأتي :

أولاً : تصور حقيقة الفعل الذي يقوم به المُدعى عليه هل هو مجرد دفاع عن النفس !! لا طبعاً فقد وضحنا ذلك في الحقيقة الأولى.

ثانياً: أن الحال الذي يدافع فيه المُدعى عليه عن نفسه وهو واقع تحاكم فالطواف في أصل مشروعيته عبادة لله فمن أداها في غيره بيته كان مشركاً بالله.

تساؤلات ولوازم للمخالفين

ماهو تعريفكم للتحاكم ومالدليل عليه ؟
ماهو مناط كفر المتحاكم للطاغوت؟
ماذا تسمون التخاصم إلى الحاكم؟
ماهي الصور العلمية للمتحاكم ؟
هل يكون المُدعى عليه متحاكماً إذا أثبت التهمة على نفسه ؟؟
مامعني المخاصمة إلى الحاكم وكيف تكون بالفعل ؟؟
مالفرق بين دعوة المُدعى عليه إلى جلسة الحُكم إن كانت من خصمه أو من الحاكم ؟؟
ما تفهمون من قوله (يريدون أن يتحاكموا) ومامعني الإرادة في الآية ؟؟
أهي الحب والرضا القلبي ؟؟ أم النية والعزم على الفعل ؟؟
ماهو الدليل على أن التحاكم هو طلب حكم ؟؟
مالفرق بين التحاكم وطلب التحاكم وإرادة التحاكم ؟؟
من قال بقولكم صراحة بأن هذه الحادثة تدل على أن المسلم إذا كان مُدعياً عليه في محكمة الطاغوت جاز له أن يخاصم خصمه إلى الحاكم إستناداً على هذه الآية ؟؟
هل هذا الفعل على أصل الإباحة؟؟
هل الحاكم في القصة الشاهد أم العزيز ؟؟
وكيف يكون الشاهد حاكماً وهو مختلف في ماهيته وارجح الاقوال أنه صبي أنطقه الله في المهد ؟؟
أشترطتم في التحاكم إتفاق الطرفين فهل إمراة العزيز أتفقت مع يوسف ؟؟
هل الشاهد قاضي نصبه العزيز ام حكماً مُحكماً من قبله ؟؟
وإن كان حكماً حكمه العزيز هل وافق عليه يوسف أم لا ؟؟
إن قلتم لم يوافق عليه قلنا كيف يكون حكماً مُحكماً وأحد الأطراف لم يرض به ؟؟وإن قلتم رضي به حكماً كفرتم ؟؟ وإن قلتم كان قاضياً منصباً من قبل العزيز يلزمكم الدليل على ذلك ؟؟
فإن قلتم العزيز هو الحاكم نقول لكم كيف يكون حاكماً والمرأة لم تطلب منه الحكم ابتداءاً بل طلبت منه معاقبة يوسف عليه السلام فقالت:(ما جزاء من أراء بأهلك سوءاً)
أين البرهان من كلام رب العالمين أو كلام المفسرين على صحة دعواكم على أن حادثة اخوة يوسف كانت تحاكم ؟؟
من المتخاصمين ومن هو الحاكم بينهم في الحادثة ؟؟
والحمدُ لله رب العالمين ..