1. شكراً : 1
     
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 248
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    س: ما حكم من يذهب للدفاع عن نفسه أمام محكمة الطاغوت وهو لم يطلب حكمه ولم يرض به؟


    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبه نستعين

    سؤال يكثر طرحه هذه الأيام نظرا للشبهة المثارة والجدل القائم حوله مما سبب في غموض المسألة عند البعض، ولم تكن بهذا الغموض قبل أن يتصدر أناس للفتوى بإجازة هذا الأمر والبحث عن مسوغ شرعي له.

    أسأل الله أن تكون هذه الكلمات سببا في بيان الحق وجلاء الشبهة لا سببا في زيادة غموضها.

    أقول: من المعلوم أنه لا يؤمن أحد بالله إلا إذا آمن بأنه لا إله إلا الله عقيدة وقولا وعملا، والإيمان بأنه لا إله إلا الله هو أصل الإسلام، وهو الكفر بالطاغوت أولاً مع الإيمان بالله.

    ومن الكفر بالطاغوت الكفر بالقوانين الوضعية والشرائع الجاهلية وهي كل شرع لم يأذن به الله، والكفر بمن شرعها، وبمن حكم بها، أو تحاكم إليها.


    وقد نفى الله عز وجل الإيمان عمن تحاكم إليها في قوله:
    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء : 60].

    فالتحاكم إلى الطاغوت يناقض الكفر به، وهو بالتالي يناقض الإيمان بأنه لا إله إلا الله
    فهذا الذي يرد إليه الناس النزاع ويحكم بينهم بشرع غير شرع الله سواء كان من تشريعه هو أو من تشريع غيره، هو في الحقيقة يُعبِّد الناس لغير الله، لأنه يلزمهم بحكم فصل يذعنون إليه ليزول النزاع وترتفع الخصومة، وكل من جعل المرجعية في حكمه غير شرع الله فحكمه حكم طاغوت وإن كان موافقا لحكم الله.


    ومعلوم أن الحكَم يُلزِم الطرفين المتخاصمين بحكمه، وهذا يختلف عن حالة الصلح فالإلزام فيه من الشخص نفسه عند التراضي.

    فالتحاكم هو رد النزاع، أو هو: طلب حكم في محل الخلاف لحل النزاع، أو بتعبير آخر: الرجوع إلى جهة معينة لطلب حكم في مسألة معينة حدث فيها خلاف أو نزاع أو خصومة للفصل فيها.

    يقال: تحاكم الخصمان إلى الحاكم: رفعا خصومتهما إليه.

    ويقال: حاكمه إلى الله تعالى، وإلى الكتاب، وإلى الحاكم: خاصمه ودعاه إلى حكمه.

    وفي اللغة: جاء في لسان العرب: {وَفِي الْحَدِيثِ: (وبكَ حاكَمْتُ) أَي رَفَعْتُ الحُكمَ إِليك وَلَا حُكْمَ إِلا لَكَ، وَقِيلَ: بكَ خاصمْتُ فِي طَلَبِ الحُكْمِ وإِبطالِ مَنْ نازَعَني فِي الدِّين، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الحُكْمِ.

    وحَكَّمُوهُ بَيْنَهُمْ: أَمروه أَن يَحكمَ. وَيُقَالُ: حَكَّمْنا فُلَانًا فِيمَا بَيْنَنَا أَي أَجَزْنا حُكْمَهُ بَيْنَنَا. وحَكَّمَهُ فِي الأَمر فاحْتَكَمَ: جَازَ فِيهِ حُكْمُه ... وَيُقَالُ: حَكَّمْتُه فِي مَالِي إِذا جعلتَ إِليه الحُكْمَ فِيهِ فاحْتَكَمَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ. واحْتَكَمَ فلانٌ فِي مَالِ فُلَانٍ إِذا جَازَ فِيهِ حُكْمُهُ.
    والمُحاكَمَةُ: الْمُخَاصَمَةُ إِلى الحاكِمِ. واحْتَكَمُوا إِلى الحاكِمِ وتَحاكَمُوا بِمَعْنًى.

    ... وَيُقَالُ: حَكَّمْتُ فُلَانًا أَي أَطلقت يَدَهُ فِيمَا شَاءَ. وحاكَمْنا فُلَانًا إِلى اللَّهِ أَي دَعَوْنَاهُ إِلى حُكْمِ اللَّهِ}. انتهى

    يقال: حكَّم فلانا في الشيء: جعله حكَما، وفوَّض الحكم إليه، قال الله تعالى في كتابه:

    {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء : 65].
    والحكَم هو من يُختار للفصل بين المتنازعين.

    فالاحتكام إلى جهة معينة أو التحاكم إليها أو تحكيمها كلها بمعنى واحد وهو قبول بها، والتزام بحكمها، واعتراف بأهليتها للحكم.

    فالتحاكم يشتمل على: حاكم، وحُكْم، ومحكوم فيه، ومحتكمين.


    قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ*إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ*إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ*قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص : 21 - 24]

    ومن مقتضى إسلام المسلم ألا يرد النزاع إلا إلى شرع الله، وأن يرفض من دعاه للاحتكام لغير شرع الله، وهذا من معنى لا إله إلا الله، فإسلامه يحتم عليه ألا يبتغي غير الله حكما، ولا يرضى بغيره حكَماً

    قال الله تعالى:
    {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} الأنعام : 114]]

    فالمسلم لا يتحاكم ولا يحاكم ولا يقبل التحاكم إلا لمن يتخذ شرع الله وحده مصدرا لأحكامه

    قال الله تعالى:
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء : 59]،

    وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
    [النساء : 65]
    وقال:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} الشورى : [10]

    كذلك من مقتضى إسلام المسلم ألا يرفض من دعاه لفض النزاع بينهما إلى شرع الله، بل عليه أن يقبل ويستجيب ويذعن لذلك؛ فإن رفض الاحتكام لحكم الله فقد كفر وخرج من الإسلام، إلا إذا كان رفضه للتحاكم لمن يحكم بحكم الله هروبا من إقامة الحد عليه أو استرجاع ما أخذه بغير حق مع إقراره بمعصيته ومخالفته لأمر الله وليس رفضا وردا لحكم الله؛ فهذا ظالم فاسق ليس كافرا.

    فلا يسع مسلما أن يرد النزاع إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، أو إلى من يتخذ غيرهما مصدرا لحكمه؛ فإن هذا تحاكم إلى الطاغوت

    قال الله تعالى:
    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء : 60].

    ولا يسع مسلما أن يجيب دعوة من دعاه إلى التحاكم إلى الطاغوت سواء علِم أنه سيحكم له أم عليه، وسواء علِم أن حكم الطاغوت في القضية المتنازع عليها موافق لحكم الله أم لا، لأن من جمع بين شرع الله وشرع غيره يتعامل مع أحكام الله كما يتعامل مع القانون الوضعي، ورجوعه لحكم الله بناء على هواه، أو على ما يُقرُّه القانون ويأذن فيه.

    فإذا قبِل تحكيم الطاغوت فقد كفر.

    فإذا تشاجر مسلم مع كافر فرفع الكافر الخصومة إلى الطاغوت ليحكم بينهما، ثم ذهب المسلم إلى الحكَم الذي اختاره الكافر ليحكي له تفاصيل الحادثة ويسمع منه كما يسمع من الكافر وعلى ضوئها يحكم بينهما بالعدل أو بالظلم، بما يوافق الشرع أو بما يخالفه، فإن فِعْله هذا يُعدُّ قبولا بتحكيم الطاغوت، سواء ذهب إلى المحكمة بناء على طلب الاستدعاء ولم يقبض عليه أو ذهب من تلقاء نفسه، وسواء رضي بالحكم أو لم يرض به.

    والمسألة واضحة وضوح الشمس، فالخصم الكافر حاكَم خصمه إلى جهة معينة لفصل النزاع بحكم ملزِم، فأيُّ عمل أو قول من المسلم يعد موافقة على تحكيم هذه الجهة هو في الحقيقة قبول بالتحاكم لهذه الجهة، حتى ولو لم يكن المسلم هو الطالب في البداية الذي رفع الخصومة.

    فمن رفع الخصومة لهذه الجهة بداية، والخصم المنازع الذي يوافق ويستجيب له قد قبلا التحاكم لهذه الجهة، وبقبولهما التحاكم لهذه الجهة قد قبِلا حكم هذه الجهة بمجرد الطلب أو الاستجابة لهذا الطلب.

    ولا يُقبل دعواه أنه غير راض بالتحاكم للطاغوت إذا ذهب باختياره؛ لأن واجبه هنا الذي يمليه عليه إسلامه أن يرفض التحاكم إليه ظاهرا وليس باطنا فقط، ولا يسعه غير ذلك، وعليه أن يحاكم خصمه إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن رفض الكافر فكيف يقبل المسلم دعوى الكافر إلى تحكيم طاغوته، وإن زعم أن غير راض فسعيه إليه باختياره يناقض زعمه.

    وقولهم (ذهب ليدافع عن نفسه، أو يبرئ نفسه، أو يرد الاعتداء) يعني أنه ذهب كطرف في القضية يُدلي بحجته كما يُدلي بها خصمه، ويدافع عن نفسه كما يفعل خصمه لئلا يُحكم عليه ظلما فقط، وفي النهاية يحكم الطاغوت بينهما بحكم ملزم بسلطان القانون، فهل سيرضى به إن كان في صالحه، ويعترض عليه إن كان ظلما؟ فهو إذاً يرفض الظلم لا تحكيم الطاغوت من البداية.


    فإجابة المحكمة للحضور للنظر في الخصومة أولاً ثم إصدار الحكم، هو قبول للتحاكم للطاغوت، بغض النظر عن السبب، ما دام الشخص طليقاً، فإن أُخذ بالقوة وأُحضر إلى المحكمة فهو مكرهٌ هنا على الحضور، فلا يكون حضوره قبولا ورضا بالتحاكم، ولا إجابته أسئلة القاضي كذلك.

    فإذا وضحت هذه الصورة فمسألة طلب استئناف الحكم من الوضوح الذي لا يجادل فيه مسلم.
    والله أعلم


    كتبها الأخ: عبد الله الحارث

    منقول من صفحته على الفيس بوك


  2. شكراً : 1
     
    تاريخ التسجيل : Oct 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 248
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    أخطأ العبد الظلوم الجهول عبد الله الحارث

    أخطأ العبد الظلوم الجهول عبد الله الحارث في قوله: { ولا إجابته أسئلة القاضي كذلك}، المذكور في آخر المشاركة المعنون لها (ما حكم من يذهب للدفاع عن نفسه أمام محكمة الطاغوت وهو لم يطلب حكمه ولم يرض به؟).

    حيث رأيت أن (إجابة المسلم لأسئلة القاضي) وهو مكره على (الحضور) لا دلالة فيها على قبول التحاكم، وأنها داخلة تحت الإكراه.
    فبان لي أن مسألة إجابة المسلم عن أسئلة القاضي والدفاع عن نفسه أمامه في المحكمة الكفرية أمر مستقل عما أكره إليه وهو الحضور (التواجد في المحكمة)، فالإكراه هنا على الحضور فقط، ولم يشمل الإكراه إجابته عن أسئلة القاضي والدفاع عن نفسه أمامه، وهو فعل آخر غير الحضور، فلا يجوز إلا تحت الإكراه بضابطه الشرعي الذي يرخص له في قول وفعل الكفر، وكل فعل أو قول دل على قبوله التحاكم أو عدم رفضه له كفر لا يسع أحد فعله إلا تحت الإكراه، فما لم يكره عليه يبقى على حكمه، ولا يكفي عدم الرضا بالقلب.

    وقد التبست علي المسألة لجهلي وتقصيري وظننت أن الإكراه يشملها، فبان لي أنها غير داخلة تحت الإكراه، فالإكراه كان على الحضور لا على الكلام والجواب والدفاع، فحكمها في هذه الحالة حكم من فعلها اختيارا. والله أعلم

    والحمد لله أوّلا أن هداني للصواب، ووفقني لفهم المسألة، وأعانني على نفسي ويسّر لي الرجوع عنها، وأمدَّ عمري حتى أُبيِّن ما أخطأت فيه، وأمهلني ولم يأخذني أخذ عزيز مقتدر لقولي في دينه بغير علم، وأستغفر الله وأتوب إليه.

    والحمد لله ثانيا أن يسَّر لي إخوة بيَّنوا لي الصواب بأسلوب غير منفِّر جزاهم الله عني خير ما جزى به محسنا على إحسانه، وبارك فيهم، ويسر لهم الهدى والسداد، وجعل لهم في كل أمور الدين فرقانا.

    أطلب من الإخوة أينما وجدوا كلامي السابق منشورا في النت أن يرفقوه بهذا البيان، فأنا بريء من كل قول يخالف هذا.


  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jun 2014
    عضو جديد
    المشاركات: 1
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    هل مجرد رد الإتهام أمام طاغوت رضى بحكمه أو قبولاً للحكم منه ؟



    - مجرد رد إتهام أمام طاغوت لا يلزم منه أنَّك رضيت بحكمه أو قبلت الحكم منه والأدلة على ذلك كثيره ومنها:

    أولاً:
    - أنَّ نبى الله موسى عليه السلام رد إتهام فرعون له تارة فيما يخص دينه وتارة فيما يخص شخصه.

    أمَّا فيما يخص دينه :
    - فعندما اتهمه فرعون فى دينه بعد ما أتى به من بينات أنَّ هذا سحراً فقال كما ذكره تعالى فى سورة طه:
    " قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58)" ، وهنا رد عليه موسى قائلاً كما ذكره تعالى:" قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)" بالرغم من أنَّه عليه السلام كان يعلم أن فرعون ما طلب ذلك "فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا" إلَّا لكى يأتيه بسحر يدحض به أياته التى أيدها به ربه أى لكى يأتيه بكفر " فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ".
    - فإن قال قائلٌ: نعم ولكن ذلك كان ردَّا للإتهام فيما يخص الدين وهذه رسالة لابد له كرسول أن يبلغها ، بل إن ربه هو الذى أمره بالذهاب إلى فرعون فقال فى سورة الشعراء:
    "وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)"
    وقال:" فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16)"
    وقال فى سورة طه:
    " اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)"
    فهذا إن دلَّ فإنَّما يدل على أن رد الإتهام قد يكون جائزاً أمام الطاغوت ولكن فيما يخص الدفاع عن الدين فقط .
    والردُّ على ذلك:
    - أنَّ موسى عليه السلام وكما ذكره الله عزَّ وجلَّ فى سورة الشعراء من الأية (16) وحتى الأية (28) جمع بين رد الإتهام عن الدين ورد الإتهام عن النفس، قال تعالى:
    " فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)" الشعراء
    - فبالرغم من أنَّ موسى وكما أمره ربُّه ذهب إلى فرعون فى مهمة تخص الدين وهى إبلاغه رسالة ربه إليه:" إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)"
    إلَّا أنَّ فرعون بادره باتهامين فى شخصه فقال له كما ذكره تعالى :" قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)"
    فبادره يمن عليه مثرِّباً ومبكِّتا قائلاً له: ربَّيناك صغيراً ومكثت فى بيتنا سنين قبل أن تقتل القبطى ثم تأتى إلينا الآن وتقول ما تقوله ؟!!، ثم لا تنس أنَّك يا من تقول ذلك قتلت القبطى وأنت من الكافرين على ديننا هذا الذى تعيبه ، أو قتلته وأنت من الكافرين على قولك اليوم ، أو قتلته كفراناً بنعمتنا عليك إذ ربَّيناك صغيراً فقتلت منا نفساً!!، وقد أورد الطبرى فى تفسيره كل هذه التأويلات فى قوله تعالى:" وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ " فقال:
    [وقوله:"وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ" اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين بالله على ديننا.]أ.هـ
    [إلا أن يقول قائل: إنما أراد: وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى، على قولك اليوم، فيكون ذلك وجها يتوجه.]أ.هـ
    [وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتنا عليك.]أ.هـ
    - فما كان من موسى عليه السلام إلَّا أن ردَّ الإتهام عن نفسه أمام فرعون فى تلك التهمة وهى تخص شخصه لا دينه:
    فقال كما ذكره تعالى:" وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) "
    أى تمن على أن ربَّيتنى فى بيتك صغيراً وتركت إستعبادى وقد عبدَّت قومى , وفى ذلك يقول الطبرى فى تفسيره:
    [يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون"وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ"، يعني بقوله: وتلك تربية فرعون إياه، يقول: وتربيتك إياي، وتركك استعبادي، كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ بحقّ.]أ.هـ
    وكما ذكره تعالى: "قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)"
    أى فعلتها ولم يكن عندى من الله ما يُحرِّم على ذلك ، وفى ذلك يقول الطبرى فى تفسيره:
    ["وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ". يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله]أ.هـ
    - فإن قال قائل: إن موسى ذهب إلى فرعون بتوجيه من الله لكى يبلغ رسالة ربه إلى فرعون أى ذهب لدعوة فرعون إلى دين الله ، فكان لزاماً عليه أن يرد التهمة عن نفسه حتى لا يظهر بصورة المُدان ولم يكن ذلك من أجل كف الضررعن نفسه بقدر ما كان من أجل دعوته فى المقام الأول.
    والرد على ذلك ببساطة شديده:
    - وهل يغنى كون ذلك من أجل الدعوة لدين الله إذا كان مجرد الذهاب إلى طاغوت وأنت تعلم أنَّه سيصدر حكماً على كل ما تقوله سواء كان ذلك فى دينٍ أو فى دنيا، وأنَّ حكمه سيكون نافذاً عليك ، فهل يغنى ذلك عن الكفر شيئاً إذا كان بمجرده يُعدُّ تحاكماً إليه كما تدَّعُون؟!!
    - وهل دعوة الرسل إلى دين الله يمكن أن تكون من خلالِ عملٍ كُفرىٍّ كما تدَّعون؟!!
    - فموسى عليه السلام ومن قبله علَّام الغيوب الذى أرسله ليجادل عن دينه يعلم أن فرعون عالٍ فى الأرض وأنَّه سيحكم على كل ما سيقوله موسى له وأنَّ حكمه فى النهاية سيكون نافذاً عليه ، ومع ذلك لم يكن ذهاب موسى إلى فرعون بحال قبولاً منه لحكمه على دعوته التى سيبلغها له ، أو قبولاً لما سيحكم به حتى على نفسه وفرعون عليه لعائن الله قد حكم بالفعل على موسى نفسه بالسجن إذا استمر فى دعوته " قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)" الشعراء، ثم تحول للحكم على دعوته بالسحر تارة،"قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)" الشعراء ، وبالجنون تارة أخرى "قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)" الشعراء، ذلك بعد أن أظهر له موسى الأيات التى أيَّده بها ربُّه انظر إلى سياق الأيات من الأية (29) وحتى الأية (37) من سورة الشعراء:
    "قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) الشعراء
    - فكان رد موسى الإتهام دفاعاً عن نفسه محاولة منه لمنع فرعون من أن يظلمه أو يطغى عليه وكان عنده وعند أخيه هارون عليه السلام إحساساً وشعوراً بالخوف من فرعون لما عرف عنه من ظلم وطغيان ، فضلاً عن أنَّ موسى كان خائفاً أن يقتله فرعون بالقبطى الذى قتله، قال تعالى:
    "قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)" الشعراء
    وقال تعالى:" قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)" طه
    جاء فى تفسير الطبرى:
    [وقوله"قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا" يقول تعالى ذكره: قال موسى وهارون: ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا أن ندعوه إليه، أن يعجل علينا بالعقوبة.]أ.هـ
    - حتى أنَّهما إحتاجا إلى أن يطمئنهما ربُّهما بأن يخبرهما بمعيته وأنَّه معهما يسمع ويرى، قال تعالى:
    " قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)" طه
    وأيَّد موسى عليه السلام بالأيات، قال تعالى :
    " وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22 لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) طه
    - ثم أنَّ موسى بعد أن أيَّدهُ ربُّه بالأيات التى ينبهر لها الجميع والتى وصفها ربنا بقوله " آيَاتِنَا الْكُبْرَى" ، طلب ربَّه منه أن يذهب إلى فرعون برسالته فقال:
    "اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)" طه
    - ومع إخباره وأخيه هارون عليهما السلام بمعية الله وتأييد موسى عليه السلام بالأيات كان له مطالب أخرى لمعرفته بثقل المهمة المكلف بها ومعرفته طغيان فرعون فطلب كما ذكره تعالى:
    " قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)" طه، وفى ذلك يقول الطبرى:
    [يقول: ربّ اشرح لي صدري، لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون]
    وكان بموسى عليه السلام عجمة فى لسانه تمنعه من الإنطلاق بالبيان وتوضيح الكلام وهذا هو قوله تعالى:" وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)" فطلب من الله أن يصلح ذلك عنده حتى يستطيع أن يبين لفرعون رسالة ربه إليه ، وهذه العجمة وضعف البيان هما ما قصده فرعون عليه لعائن الله من إنتقاص موسى عليه السلام عندما قال كما ذكره ربنا:"أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)" الزخرف
    وطلب موسى أيضاً من ربه أن يؤيده بأخيه هارون بل ويشركه معه فى إبلاغ رسالة ربه إلى فرعون ، قال تعالى:
    " وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)" طه
    فاستجاب له ربه فقال تعالى بعد هذا الطلب:" قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)" طه
    - فمع كل ما سبق ذكره من معية الله وتأييده بالأيات وإصلاح عجمة اللسان وتأييده بأخيه هارون، إحتاج موسى عليه السلام أن يردَّ التهمة عن نفسه أمام فرعون كمحاولةٍ منه لمنعه من ظلمه أو الطغيان عليه ، فكان ذلك دليلاً على أن رد الإتهام أمام طاغوت لمنعه من ظلمك لا شىء فيه.

    - فإن قال قائل :
    ومن قال أنَّ ما قد يصدره فرعون على موسى سيكون حكماً كالذى يصدره قضاة المحاكم بل هوعقوبة قد يعاقب بها فرعون موسى عليه السلام ليس أكثر.
    والرد:
    وهل الحكم إلَّا عقوبة أو جزاء ممن له القدرة على توقيعه على المذنب فى نظره وتنفيذه عليه ؟!!، وهل فرعون عندما أصدر حكماً على موسى بأنَّه سيسجنه إذا استمر فيما يقوله وإتخذ إلهاً غيره لم يكن هذا فى موضع الحاكم الذى يحكم على أحد رعيته - فى ظنِّه - إذا خالفه فى شىء؟!!
    فإن قال قائل:
    ما هذا الذى تقوله إنَّ ما كان بين موسى عليه السلام وفرعون لم يكن أكثر من مناظرة بينهما وأنَّ الأخير( فرعون) لجأ إلى تهديد موسى فقط ، وإلَّا فقل لنا ما الذى منع فرعون من تنفيذ قضائه على موسى بأن سجنه إن كان هذا حكماً وقضاءاً ؟!!
    والرد:
    نعم كان هذا قضاءاً من فرعون على موسى وبسبب دعوته والذى منع فرعون من تنفيذ الحكم الذى أصدره بالسجن على موسى إذا استمر فى اتخاذ إلهاً غيره هو رهبته وخوفه من الأيات التى أيَّد الله بها موسى انظر إلى السياق الواضح فى قوله تعالى:
    " قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)" الشعراء
    وهذا ما أورده الطبرى فيها:
    [حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام بن عليّ، قال: ثنا الأعمش، عن المنهال، قال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها، فجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك. بالذي أرسلك، قال: فأخذه بطنه.]أ.هـ من الطبرى
    - وقد تجد هناك من يقاطعك قائلاً : نعم، ولكن كانت هذه عقوبة من الحاكم لأنَّها حتى وإن أوقعها على موسى عليه السلام فلن تكون حكماً نتيجة لمحاكمة كما يحدث من قضاة المحاكم ، فالمحاكمة لن تكون محاكمة إلَّا باكتمال ثلاثة أطراف فيها عند البعض وهما خصمين وحكم، أو أربعة عند البعض الآخر وهما خصمين وحكم وشريعة يُتحاكم إليها، ولذلك فالذهاب إلى الحاكم وإن كان طاغوتاً بخلاف الذهاب إلى قاضيه!!!
    والرد على ذلك:
    أولاً: بأى دليل من كتاب الله أو سنة رسول الله فرَّقت بين الطاغوت كحاكم والطاغوت كقاضى وتولية القاضى القضاء فى قضاء الطاغوت أو فى القضاء الإسلامى لا تكون إلَّا بتولية الحاكم أو الإمام له ذلك !!!
    ثانياً:
    - أنَّ الصورة المشهورة للقضاء نعم هى خصمين وحكم ولكن ثلاثية أطراف التحاكم هذه قد تتحقق بشخصين فقط أحدها يكون خصماً وحكماً كما هو الحال بين فرعون وموسى عليه السلام وكما هو الحال بين فرعون والسحرة، فلم يكن لزاماً أن ينازع أحد موسى أمام فرعون حتى يقضى عليه بالسجن إن اتخذ إلها غيره ، ولم يكن لزاماً أن ينازع السحرة أحد إن آمنوا لموسى حتى يقضى عليهم بما قضى.
    - بل إنَّ هذه الصورة والتى فيها يقضى الحاكم على المذنب فى نظره هى الصورة المعروفة للقضاء الإسلامى فيما يخص الحدود ، فمن يصيب حداً من المسلمين يقيم عليه الإمام هذا الحد ، وهذا من الإمام يُعدُّ قضاءاً، ذلك لأنَّ الحدود قضاءاً وكيف لا وكل من له أدنى علم بشريعة الإسلام إذا أراد أن يتكلم عن تطبيق الشريعة الإسلامية يبدأ بالكلام عن الحدود.
    - وقد يعطى الإمام ولاية الفصل فى الحدود وإقامتها من يولِّيه القضاء أو يقصر يده عنها فالحكم والفصل هو وظيفة الإمام أو الحاكم العام فى المقام الأول والقاضى إنَّما يتولّى ذلك نيابة عنه.
    - كما أنَّه ليس من اللازم أن يخاصم أحداً من أصاب الحد حتى يقضى عليه الإمام أو قاضيه بالنيابة عنه، فمن الحدود من لا يمتد أثره إلى أحد حتى يخاصم من أصاب ذلك الحد كشرب الخمر مثلاً ، فمن ذا الذى سيخاصم شارب الخمر أمام الإمام أو قاضيه بالنيابة حتى يقضى عليه بالحد ، بخلاف السرقة أو الزنا أو القذف مثلاً.
    - وليس أدل على ذلك من فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله مع قدامة بن مظعون عندما شرب الخمر وأراد عمر أن يقضى عليه بالحد فخاصمه وبدأ يحتج عليه بنفسه، فكانا مع وجود الخصومة خصمان وحكم وكان أمير المؤمنين خصماً وحكماً فى نفس الوقت:
    جاء فى معانى القرآن للنحاس (2/375) فى تفسير قوله تعالى:
    "لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)" المائدة
    [وروى الزهري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر لما أراد حد قدامة بن مظعون ، قال قدامة ما كان لكم أن تجلدونى ، قال الله جل وعز: "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا" الآية، فقال عمر: أخطأت التأويل انك إذا أيقنت اجتنبت ما حرم الله عليك ، ثم أمر به فجلد.]أ.هـ من معانى القرآن
    وروى القرطبى فى تفسيره (6/298-299) فى ذلك أيضاً:
    [وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال:
    لما قدم الجارود من البحرين قال: يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك.
    فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟
    فقال: أبو هريرة.
    فدعا عمر أبا هريرة فقال: علام تشهد يا أبا هريرة؟
    فقال: لم أره حين شرب، ورأيته سكران يقي، فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة.
    ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر، فقال: أقم على هذا كتاب الله.
    فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خصم؟
    فقال الجارود: أنا شهيد
    قال: قد كنت أديت الشهادة
    ثم قال لعمر: إني أنشدك الله!
    فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك
    فقال الجارود: أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ابن عمك وتسوءني! فأوعده عمر.فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة.
    فقال عمر: يا قدامة إني جالدك
    فقال قدامة: والله لو شربت- كما يقولون- ما كان لك أن تجلدني يا عمر.
    قال: ولم يا قدامة؟
    قال: لان الله سبحانه يقول:
    " لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا" الآية إلى" الْمُحْسِنِينَ".
    فقال عمر: أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله.
    ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في جلد قدامة؟
    فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعا ، فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟
    فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وجعا
    فقال عمر: إنه والله لان يلقى الله تحت السوط، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي! والله لأجلدنه، ائتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: أخذتك دقرارة أهلك، ائتوني بسوط غير هذا.
    قال: فجاءه أسلم بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد.]أ.هـ من القرطبى
    - فانظر كيف أنَّ قدامة بن مظعون حتى حين خاصم عمر رضى الله عنه لم يمنع ذلك عمر من أن يقضى عليه ويجلده وهذا قضاء ، وهذا من أظهر أدلتنا فى نقض مسألة ثلاثية أطراف المنازعة من حيث الإلزام والإعتبار بثلاثية الأطراف كأركان للمحاكمة لكى تكون محاكمة ، بدلا من الإعتبار بها كمحاكمة بمجرد توافر أركان المحاكمة ذاتها وهما الخصمين والحكم حتى وإن كانا طرفين فقط فكان أحد الخصمين خصماً وحكماً فى نفس الوقت.
    - جاء فى تبصرة الحكام فى أصول الأقضية ومناهج الأحكام(1/26):
    وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالْمَنْقُولُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحُدُودِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ : وَلَا يُقِيمُ الْحُدُودَ إلَّا الْحَاكِمُ ، قَالَ : هَذَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّهُ لِلْخُلَفَاءِ وَلِلْقُضَاةِ ، وَالْقَتْلُ لَا يَكُونُ لِكُلِّ الْقُضَاةِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ لَا تَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ بَلْ وَلَا لِكُلِّ وَالٍ ؛ لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ الْمُسَارَعَةُ إلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالتَّهَارُجِ .
    وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى الْوُلَاةَ عَنْ الْقَتْلِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ أَحْكَامٌ مِنْ فِسْقِ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَجِبُ التَّحَوُّطُ لَهَا بِقَصْرِهَا عَلَى بَعْضِ الْوُلَاةِ.]أ.هـ
    - فليس هناك فرق كما يدَّعى البعض بين الحاكم ومن يولِّيه القضاء فى إعتبارمن الذى يعتبر حكمه قضاءاً منهما ومن الذى يعتبر حكمه عقوبه ؟!!! فكلاهما قضاء ، بل الأصل فى القضاء أنَّه للحاكم وهو الذى يولِّى فيه من يشاء ، بل وله أن يقصر يد القاضى عمَّا يشاء مثل قصر يد عمر بن الخطاب يد ولاته عن القتل وهذا بيِّن.


    ثانياً:
    أنَّ سحرة فرعون بعد أن آمنوا اتهمهم فرعون بأنَّ ذلك كيدٌ منهم ومكرٌ مكروه فى المدينة ليخرجوا منها أهلها ، وأنَّهم تواطأوا مع موسى عليه السلام على ذلك حيث هو كبيرهم الذى علَّمهم السحر ،قال تعالى:
    "قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)" الأعراف
    وقال تعالى :" قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ(71)" طه
    وقال تعالى :" قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (49)" الشعراء
    - فما كان من السحرة إلَّا أن دفعوا تلك التهمة الخبيثة التى اتهمهم بها فرعون ليبرر للناس إيمانهم لمَّا رأوا أيات ربِّهم ، فردُّوا التهمة عن أنفسهم أمامه وهو طاغوت ويعلمون جيداً أنَّه سيحكم عليهم بعد أن يردوا تلك التهمة أمامه وأن حكمه سيكون نافذا عليهم ، لأنَّه العالى فى الأرض بتقديرٍ ربَّانى ليس لهم يد فيه وأن قضاؤه هذا سيكون نافذا ولكنه سيكون نافذاً فى الحياة الدنيا فقط ، فقالوا إنَّ هذا لم يكن كيداً منا أوترتيباً مع موسى كما تدعى ولكنَّها أيات الله بهتتنا فآمنا ، قال تعالى:
    "قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)" الأعراف
    وقال تعالى:"قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)" الشعراء
    وقال تعالى:" قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)" طه

    - ولا إعتبار بقول من يقول أنَّ هذه لم تكن محاكمة لكون الحَكَمُ هنا كان خصماً وأن أطراف النزاع الثلاثة فى المحاكمة لم تكتمل، وسمَّاها من أجل ذلك عقوبة أو جزاء وليست قضاءاً، وقد سبق الرد على ذلك بما يغنى عن إعادته هنا.
    - وقائل تلك المقولة جهل أوتجاهل أنَّ الحكم بعقوبة أو جزاء ما هو إلَّا قضاءاً!! وأبلغ ردٍّ على مثله أنَّ الله سمَّى عقاب فرعون للسحرة قضاءاً فقال على لسانهم:"فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا"
    فسمَّى الله عقوبة فرعون للسحرة قضاءاً بالرغم من أنَّه لم يذهب أحد وينازع السحرة عند فرعون بسبب إيمانهم ، وإنَّما فرعون هو الذى اتهمهم وهو الذى عاقبهم بأن قضى عليهم بحكمٍ فكان خصماً وحكماً فى نفس الوقت فاكتملت بذلك أطراف التحاكم الثلاثة ولكن بطرفين فكان السحرة خصماً وكان فرعون خصما وحكماً فى نفس الوقت ، وهذا مشهورٌ ليس فقط فى قضاء الطاغوت بل فى القضاء الإسلامى أيضاً.
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع