تكفير المعين

قال الله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
فأثبت سبحانه وتعالى إمكانية وقوع الردة من المؤمنين عامة ، وقال صلى الله عليه وسلم مبيناً حكم من يرتد من المسلمين : (( من بدل دينه فاقتلوه )) ، وهو حكم أوحد لا يمكن إيقاعه إلا على معيَّن من الناس ، وإلا فكيف يمكن أن يُقتل جنس من قال كذا أو فعل كذا ؟! هذا قول بيّن البطلان وتعطيل لأحكام الله وحدوده .
فنذكر ما قاله الأئمة في مسألة تكفير المُعين :
ـ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :
( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم ، سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . أما بعد :
وصل مكتوبك ، تقرِّر المسألة التي ذكرت ، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته ، ثم ورد منك مراسلة ، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ أزال عنك الإشكال ، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام . وعلى أي شيء يدل كلامه ، من أن من عبد الأوثان عبادة ، أكبر من عبادة اللاَّت والعزى ، وسبَّ دين الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما شهد به ، مثل من سبَّ أبي جهل ، أنه لا يكفر بعينه . بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره مثل ابن فيروز ، وصالح ابن عبد الله ، وأمثالهما ، كفراً ظاهراً ينقل عن الملّة ، فضلاً عن غيرهما ، هذا صريح واضح في كلام ابن القيم الذي ذكرت وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله ودعاهم في الشدائد والرخاء وسب دين الرسل بعد ما أقرَّ به ودان بعبادة الأوثان بعدما أقرَّ بها …… ولم يبقى عليك إلا رتبة واحدة ، وهي : أنك تصرح مثل ابن رفيع تصريحاً بمسبة دين الأنبياء وترجع إلى عبادة العيدروس وأبي حديدة وأمثالهما ، ولكن الأمر بيد مقلب القلوب .
فأول ما أنصحك به : أنك تفكر هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك صلى الله عليه وسلم ينهى عنه أهل مكة ؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه ؟ أم هذا أغلظ ؟ ……
وذكرت : أن من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحداً ، ولم يُكفِّروه من أهل الملّة . الأدلة على تكفير المُعيَّن : ثم قال رحمه الله : أَََمَا ذكرت قول الله تعالى : ( لئِن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ) ( الأحزاب : 6 ) إلى قوله : ملعونين أينما ثُقِفوا أُخِذوا وقُتِلوا تقتيلاً ( الأحزاب : 61 ) . واذكر قوله : ستجدون ءاخرين يُريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردّوا إلى الفتنة أُركسوا فيها ( النساء : 91 ) إلى قوله : فخذوهم واقتلوهم … الآية ( النساء : 91 ) . واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء : أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ( آل عمران : 80 ) . واذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله ، فأي هذين أعظم ؟ تزوج امرأة الأب ؟ أم سب دين الأنبياء بعد معرفته ؟ . واذكر أنه قد همّ بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة ، حتى كذَّب الله من نقل ذلك . واذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهاداً : (( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة )) . واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم . واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة وكفرهم وردَّتهم لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة . واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص مستدلاً بقوله تعالى : ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ( المائدة : 93 ) مع كونه من أهل بدر . وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي ، مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر وردتهم وقتلهم فأحرقهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وهم أحياء ، فخالفه ابن عباس في الإحراق ، وقال : يُقتلون بالسيف ، مع كونهم من أهل القرن الأول ، أخذوا العلم عن الصحابة . واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم على قتل الجعد بن درهم ، وأمثاله ، قال ابن القيم : شكر الضحـية كُل صاحب سُـنةٍ لله درك مــن أخـي قـربـان ولو ذهبنا نُعدِّد من كفَّره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردَّته وقتله لطال الكلام ، لكن من آخر ما جرى قصة بني عُبيد ملوك مصر وطائفتهم ، وهم يدَّعون أنهم من أهل البيت ويصلون الجمعة والجماعة ونصبوا القُضاة والمفتين ، وأجمع العلماء على كُفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب ، يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم . واذكر كلامه في الإقناع وشرحه في الردة كيف ذكروا أنواعاً كثيرة موجودة عندكم ، ثم قال منصور : وقد عمَّت البلوى بهذه الفرق ، وأفسدوا كثيراً من عقائد أهل التوحيد ، نسأل الله العفو والعافية ، هذا لفظه بحروفه ، ثم ذكر قتل الواحد منهم وحكم ماله . هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة إلى زمن منصور إن هؤلاء : يكفر أنواعهم لا أعيانهم ؟ وأما عبارة الشيخ : التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله ولو نقول بها لكفَّرنا كثيراً من المشاهير بأعيانهم ، فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة ، فإذا كان المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه : أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه ، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ( الأنعام : 25 ) … فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه في كفر المعين ، وتأمل تكفيره رؤوسهم ، فلاناً وفلاناً بأعيانهم وردتهم ردّة صريحة ، وتأمَّل تصريحه بحكاية الإجماع على ردّة الفخر الرازي عن الإسلام ، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة ، هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه : أن المعين لا يكفر ؟ ) .

ـ وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله :
( بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين إلى الأخ المكرم عبد الله بن شومر سلَّمه الله تعالى وعافاه ووفقه لما يُحبه ويرضاه . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ……
وما سألت عنه من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر إذا ارتكب شيئاً من المكفرات ؟ فالأمر الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أن مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه كفر . فمن ارتكب شيئاً من هذا النوع أو حسنه فهذا لا شك في كُفره ولا بأس بمن تحققت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل . يُبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتداً كافراً ، ويستفتحون هذا الباب بقولهم من أشرك بالله فقد كفر ، وحكمه أنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل ، والاستتابة إنما تكون مع معين، ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي رحمه الله أن القرآن مخلوق، قال : كفرت بالله العظيم . وكلام العلماء في تكفير المعين كثير ، وأعظم أنواع هذا الشرك عبادة غير الله وهو كُفر بإجماع المسلمين ، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، لأن من زنا قيل فلان زان، ومن ربا قيل فلان رابا ) .

ـ وقال أيضاً رحمه الله تعالى : ( نقول في تكفير المعين : ظاهر الآيات والأحاديث وكلام جمهور العلماء يدل على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره ، ولم تفرق الأدلة بين المُعيَّن وغيره ، قال تعالى : إن الله لا يغفر أن يُشرك به ( النساء : 48 ) ، وقال تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( التوبة : 5 ) ، وهذا عام في كل واحد من المشركين . وجميع العلماء في كتب الفقه يذكرون حكم المرتد ، وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردّة الشرك ، فقالوا : إن من أشرك بالله كفر ، ولم يستثنوا الجاهل ، ومن زعم أن لله صاحبة أو ولداً كفر ولم يستثنوا الجاهل ومن قذف عائشة كفر ومن استهزأ بالله أو رسله أو كتبه كفر إجماعاً لقوله تعالى : لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ( التوبة : 66 ) ويذكرون أنواعاً كثيرة مجمعاً على كفر صاحبها ، ولم يُفرقوا بين المعيَّن وغيره . ثم يقولون : فمن ارتد عن الإسلام قُتل بعد الاستتابة ، فحكموا بردته قبل الحكم باستتابته ، فالاستتابة بعد الحكم بالردة ، والاستتابة إنما تكون لمعين ) .

وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى:
( أما كلام شيخ الإسلام ـ أي ابن تيميه ـ في عدم تكفير المُعيَّن ، فالمقصود به في مسائل مخصوصة قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء ، فإن بعض اقوالهم تتضمن أموراً كفرية من أدلة الكتاب والسنة المتواترة ، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً ، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل ، وعدم العلم بنفس النص أو بدلالته ، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها ، ولذلك ذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء ، وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة قال : وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يُقال بعدم التكفير ، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية ، أو ما يعلم من الدين بالضرورة ، فهذا لا يتوقف في كفر قائله ) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : ( وذكر شيخ الإسلام رحمه الله : أن الفخر الرازي ، صنف : ( السر المكتوم في عبادة النجوم ) فصار مرتداً إلاَّ أن يكون قد تاب بعد ذلك ، فقد كفَّر الرازي بعينه لما زيَّن الشرك …… فانظر إلى هذا الإمام الذي نسب عنه من أزاغ الله قلبه عدم تكفير المُعيَّن ، كيف ذكر عن الفخر الرازي وأبي معشر وغيرهما من المصنفين المشهورين أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام ، وتأمل قوله : حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام لتعلم ما وقع في آخر هذه الأمة من الشرك بالله ، وقد ذكر الفخر الرازي في ردِّهِ على المتكلمين ، وذكر تصنيفه ( السر المكتوم ) ، وقال : فهذه ردّة صريحة باتفاق المسلمين ) .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان ، ( وقد تقدم كلام الشيخ في الرازي وتصنيفه في دين المشركين وأنها ردّة صريحة ، وهو مُعيَّن ، وتقدم في كلام الشيخ عبد اللطيف رحمه الله حكاية إجماع العلماء على تكفير بشر المريسي وهو رجل مُعيَّن ، وكذلك الجهم بن صفوان ، والجعد ابن درهم ، وكذلك الطوسي نصير الشرك ، والتلمساني ، وابن سبعين ، والفارابي أئمة الملاحدة وأهل الوحدة ، وأبي معشر البلخي ، وغيرهم . وفي إفادة المستفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تكفير المُعيَّن ما يكفي طالب الحق والهدى )
وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ، ( فقد بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدعي العلم والدين وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب إن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يُطلق عليه الكفر والشرك بعينه وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به فقال له الرجل لا تطلق عليه الكفر حتى تُعرِّفه ، وكان هذا وأجناسه لا يعبأون بمخالطة المشركين في الأسفار وفي ديارهم بل يطلبون العلم على من هو أكفر الناس من علماء المشركين ، وكانوا قد لفقوا لهم شُبُهات على دعواهم يأتي بعضها في أثناء الرسالة ـ إن شاء الله تعالى ـ وقد غزو بها بعض الرعاع من أتباعهم ومن لا معرفة عنده ومن لا يعرف حالهم ولا فرق عنده ولا فهم ، متحيزون عن الإخوان بأجسامهم وعن المشايخ بقلوبهم ومداهنون لهم ، وقد استوحشوا واستوحِش منهم بما أظهروه من الشُبه وبما ظهر عليهم من الكآبة بمخالطة الفسقة والمشركين ، وعند التحقيق لا يكفرون المشرك إلا بالعموم وفيما بينهم يتورعون عن ذلك ، ثم دبت بدعتهم وشبهتهم حتى راجت على من هو من خواص الإخوان وذلك والله أعلم بسبب ترك كتب الأصول وعدم الاعتناء بها وعدم الخوف من الزيغ . رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ قدس الله روحه ـ ورسائل بنيه فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشُبه جداً كما سيمر ، ومن له أدنى معرفة إذا رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحير جداً ولا حول ولا قوة إلا بالله وذلك أن بعض من أشرنا إليه بحثته عن هذه المسألة ، فقال: نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك ، فانظر ترى واحمد ربك واسأله العافية ، فإن هذا الجواب من بعض أجوبة العراقي التي يرد عليها الشيخ عبد اللطيف ) .

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد : ( وقال أبو العباس أيضاً في الكلام على كفر مانعي الزكاة : والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها ، هذا لم يُعهد عن الخلفاء والصحابة ، بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما : ( والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ) فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب ، وقد روى أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها ، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة وهي قتل مُقاتِلَتِهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم ، والشهادة على قتلتِهم بالنار وسموهم جميعهم أهل الردّة ، وكان من أعظم فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم أن ثبته الله عند قتالهم ولم يتوقف كما توقف غيره فناظَرهم حتى رجعوا إلى قوله ، وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة ، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم . انتهى . فتأمل كلامه رحمه الله في تكفير المعيَّن والشهادة عليه إذا قُتل بالنار وسبي حريمه وأولاده عند منع الزكاة ، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين . قال رحمه الله بعد ذلك : وكفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردّة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى الكتاب والسنة ، انتهى كلامه ……

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في إنكار تعظيم القبور : وقد آل الأمر إلى هؤلاء المشركين أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً سماه : ( مناسك المشاهد ) ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عبادة الأصنام ، انتهى .

وهذا الذي ذكره ابن القيم ، رجل من المصنفين يُقال له ابن المفيد ، فقد رأيت ما فيه بعينه ، فكيف ينكر تكفير المعين . وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير ، فنذكر منه قليلاً من كثير : وما زال الكلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب .
أما كلام الحنفية : فكلامهم في هذا من أغلظ الكلام ، حتى إنهم يُكفرون المُعيَّن إذا قال مُصيحف أو مُسيجد أو صلى صلاة بلا وضوء ونحو ذلك .
وقال في النهر الفائق وعلم أن الشيخ قاسماً قال في شرح درر البحار : إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً ياسيدي فلان إن رُدَّ غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب أو الفضة أو الشمع أو الزيت كذا باطل إجماعاً لوجوه ، إلى أن قال : ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر ، إلى أن قال ، وقد ابتلى الناس بذلك لا سيما في مولد أحمد البدوي ، انتهى كلامه . فانظر إلى تصريحه إن هذا كفر ، مع قوله أنه يقع من أكثر العوام ، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته .
وقال القرطبي رحمه الله لما ذكر سماع النقر أو صورته قال : هذا حرام بالإجماع . وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام جمال الملّة أن مستحل هذا كافر ، ولما عُلِم أن حرمته بالإجماع لزم أن يكفر مستحله ، فقد رأيت كلام القرطبي وكلام الشيخ الذي نقل عنه في كفر من استحل السماع والرقص مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع بكثير .
وقال أبو العباس رحمه الله : حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال : كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا كان كافراً ذكياُ ، فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا وهو رجل معيَّن مصنف يتظاهر بالإسلام . وأما كلام المالكية : في هذا فهو أكثر من أن يُحصر وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس ، وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء من ذلك طرفاً ، ومما ذُكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر ، وكل هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه .
وأما كلام الشافعية : فقال صاحب الروضة رحمه الله : أن المسلم في الكلام إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر .
وقال أيضاً : من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر ، وكل هذا دون ما نحن فيه . وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الأربعين على حديث ابن عباس : إذا سألت فاسأل الله ، وما معناه إن من دعا غير الله فهو كافر ، وصنف في هذا النوع كتاباً مستقلاً سماه ( الإعلام بقواطع الإسلام ) ذكر فيه أنواعاً كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يُخرج من الإسلام ويُكفَّر به المُعيَّن ، وغالبه لا يساوي عُشير معشار ما نحن فيه …… فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقيناً ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام ، كما ذُكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله ، ومثل همّه بغزو بني المصطلق لمّا قيل أنهم منعوا الزكاة ، ومثل قتال الصديق وأصحابه لمانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين ، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا لما فهموا من قوله تعالى : ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا ( المائدة : 93 ) حل الخمر لبعض الخواص ، ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان في تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه ، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم ، ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه ، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن أتبعه مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين وأهل البيت ، ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين وهلم جرا ، من وقائع لا تُعد ولا تُحصى . ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره كيف تقتل بني حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويزكون ، وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا وهلم جرا ، إلى زمن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة ونصب القضاة والمفتين لمّا أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم ولم يتوقفوا فيه وهم زمن ابن الجوزي والموفق ، وصنف ابن الجوزي كتاباً لما أخذت مصر منهم سماه ( النصر على فتح مصر ) . ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين أن أحداً أنكر شيئاً من ذلك أو استشكل لأجل ادعائهم الملة ، أو لأجل قول لا إله إلا الله أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم إن هذا هو الشرك ، ولكن من فعله أو حسنه أو كان مع أهله أو ذم التوحيد أو حارب أهله لأجله أو أبغضهم لأجله إنه لا يكفر ، لأنه يقول لا إله إلا الله أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة ، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الإسلام ، هذا لم يُسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين ، فإن ظفروا بحرف واحد من أهل العلم أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه ، ولكن الأمر كما قال اليمني في قصيدته : أقاويـل لا تعزى إلى عالم فـلا تساوي فلسـاً إن رجعت إلى نقـد ) .

ـ وقال الشيخ عبد الله والشيخ إبراهيم أبناء الشيخ عبد اللطيف والشيخ سليمان بن سحمان عليهم رحمة الله : ( وأما قوله : نقول بأن القول كفر ولا نحكم بكفر القائل ، فإطلاق هذا جهل صرف ، لأن هذه العبارة لا تنطبق إلا على المُعيَّن ، ومسألة تكفير المُعيَّن مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً ، فيُقال من قال بهذا القول فهو كافر ، لكن الشخص المُعيَّن إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر بها تاركها ، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك . فما قاله أهل الأهواء فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من ردّ أدلة الكتاب والسنة المتواترة ، فيكون القول المتضمن لردّ بعض النصوص كفراً ولا يُحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم بنقض النص أو بدلالته ، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها ، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه في كثير من كتبه ؛ وذكر أيضاً تكفير أُناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسائل قال : وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يُقال بعدم التكفير ، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يُعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله . ولا تُجعل هذه الكلمة عكازاً تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة) .