البيّان في أن من طلب مع الله إلهاً آخر ليس من أهل الإيمان



الحمدُ لله والصلاة والسلام على رسول الله ،

قال أصحاب العذر بالجهل أدعياء السلفية الذين يصرحون أن من يدعو مع الله آلهة أخرى من الموحدين وعلى ملة إبراهيم :

أن المسلم إذا وقع في الشرك الأكبر جهلاً لايكفر والدليل على ذلك قوله تعالى:

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) الأعراف : 138
فقالوا : فهؤلاء قوم موسى عليه السلام طلبوا منه صراحة أن يجعل لهم صنم يعبدونه مع الله ولم يكفروا ولم يُكفِرهم موسى عليه السلام بل نهاهم وبيّن أن طلبهم هذا جهلٌ بالرب سبحانه وتعالى.

أقول وبالله التوفيق والسداد:

إن تقريركم من هذه الآية أن من طلب وأراد الشرك لايسمى مشركاً بل يكون موحداً ، هو تقرير باطلٌ من سبعة أوجه :

أولاً:

لم يرد في هذا النص أو في غيره أن موسى عليه السلام عذرهم بالجهل ولم يُكفرهم، وعدم ذكر الله لتكفيره لهم عليه السلام لايدلّ على عدمه، وأنتم استدللتم بهذا النص لكي تثبتوا أن موسى لم يكفرهم، ولكي يكون إستدلالكم صحيحاً يجب عليكم أن توردوا نصاً يصرح فيه عدم تكفيرهم وإعذارهم بالجهالة.

ثانياً:

لقد نفيتم عن بني اسرائيل الكفر بمقالتهم هذه فيلزمكم إيراد الدليل على هذا النفي، أما نحن فنثبت أن كل من فعل الشرك سُمِيّ مشركاً لغةً وشرعاً ولاننفى عن بنى إسرائيل الكفر بمقالتهم هذه إلا إذا تحقق أن الله عز وجلّ نفى عنهم الكفر بهذه المقالة.

ثالثاً:

لو تنزلنا جدلاً على إفتراضكم أن الآية لم تبيّن أو تذكر أنهم كفروا بهذا القول فنطالبكم بالدليل من ذات النص أن الله سبحانه وتعالى نفى عنهم الكفر بمقالتهم هذه !! وبهذا يسقط إستدلالكم بالآية تماماً لكونكم أنتم من استدل بها على العذر ولم يرد في نصها العذر.

رابعاً:

أن الله سبحانه وتعالى قد حكم بالشرك لمن أراد وطلب الحُكم من غيره وهو قوله تعالى:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)

فالآية تبيّن أن من أراد التحاكم إلى الطاغوت كان كافراً به ومشركاً وذلك في قوله : (يريدون أن يتحاكموا) والإرادة هي النية وإرادة الكفر كفر وطلب فعل الكفر كفر لأن الإرادة كلمة تدلُّ على الطلب والإختيار، وبيان حكم من أراد التحاكم الى الطاغوت في الآية حكماً ظاهراً منضبط وذلك في ثلاث مواضع من الآية :

1/ يزعمون أي : تكذيب لهم ما أدعوه من الإيمان
2/ وقد أمروا أن يكفر به : وعدم الكفر بالطاغوت إيمان به.
3/ (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدا): كما قال: (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدا).

فوجه الدلالة من الآية أن من أراد الكفر كفر بذلك وطالب الكفر مُريد له، وهذا يدلُ دلالة قاطعة أن قوم موسى عليه السلام كفروا بمقالتهم هذه.

خامساً:

كلمة الجهل الوارد في الآية (أنكم قومٌ تجهلون) لاتدُل على زوال اسم الشرك عمن أراده وطلبه وإنما تدلُّ على الشرك والكفر والإفتراء كما ورد في عدة آيات منها :

1/ (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) ،وفي الآية أن المشركين وإن نزلت عليهم الآيات فإنهم ليفترون على الكذب ومعني (يجهلون) في الآية يفترون كذباً.

وتفسير قوله تعالى: (أنكم قومٌ تجهلون) بـــ تفترون أقرب للصواب لأمرين:
الأول: أن موسى عليه السلام بلغهم وأخبرهم بوحدانية الله وأن عبادة غيره لاتجوز وأنها من الشرك الأكبر وهذا أمرٌ قطعي فيلزم من عدم القول به القدح في نبي الله موسى عليه السلام بأنه لم يبلغهم رسالة ربه وحاشاه.
الثاني : أن كلمة (الجهل) فى اللغة والقرآن ليست محصورة على عدم العلم فقط ومن ذلك في اللغة قول عمرو بن كلثوم:

أَلا لا يَجْهَلَنْ أَحدٌ علينا *** فنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ الجاهِلينا

فيقال : (جهل علىّ) أى : إفترى على كذِباً
وعليه (قوم تجهلون) : تفترون على الله عز و جلّ كذِباً
قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى : (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ) أي : تجهلون عظمة الله وجلاله ، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل.اهـــ

قال صاحب تفسير البحر المُحيط في قوله تعالى : (اجعل لنا إلها ) خالقا مدبرا ؛ لأن الذي يجعله موسى لا يمكن أن يجعله خالقا للعالم ومدبرا ، فالأقرب أنهم طلبوا أن يعين لهم تماثيل وصورا ، يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى ، وقد حكي عن عبادة الأوثان قولهم : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وأجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله كفر سواء اعتقد كونه إلها للعالم ، أو أن عبادته تقرب إلى الله.

قلتُ: فمن يجهل مايجب أن يُنزه الله عنه من الشريك والمثيل لايكون موحداً على الإطلاق ..

ومن القرآن قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
فهل يقال أن يوسف عليه السلام يخشى على نفسه من عدم العلم ؟
المعنى الصحيح ما ذكره الطبري في تفسيره : وقوله: (وأكن من الجاهلين) ، يقول: وأكن بصبوتي إليهن، من الذين جهلوا حقك، وخالفوا أمرك ونهيك اهــ.
فمخالفة أمر الله والولوغ في عصيانه يسمى جهلاً..

سادساً:

من الواضح انهم انتهجوا في طلبهم هذا ما اعتادوا عليه في تعنتهم علي أنبيائهم من كفر وردة وعناد كما تقدم من قولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾, فبعد أن شاهدوا المعجزات الباهرات التي اظهرها الله سبحانه وتعالي لموسي علي فرعون, وبعد أن أهلك الله سبحانه وتعالي فرعون وجنوده أمام أعينهم, ونجاهم بقدرته من العذاب, وكل هذه المواقف وهذه المقامات يتغافلون عنها ليقولوا هذا الكفر: ﴿ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ فجهلوا وحدانيته سبحانه وارتدوا عن دينه.

قوله تعالى: (إنكم قومٌ تجهلون) يدُل على أنهم كافرين، إما أنهم كفروا بمقالتهم هذه وإما أنهم كفروا من قبل ذلك وكانت هذه المقالة دلالة على كفرهم كما ذكر ذلك عنهم ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير حيث قال :
"ونداؤهم موسى وهو معهم مستعمل في طلب الإصغاء لما يقولونه ، إظهارا لرغبتهم فيما سيطلبون ، وسموا الصنم إلها لجهلهم ، فهم يحسبون أن اتخاذ الصنم يجدي صاحبه ، كما لو كان إلاهه معه ، وهذا يدل على أن بني إسرائيل قد انخلعوا في مدة إقامتهم بمصر عن عقيدة التوحيد وحنيفية إبراهيم ويعقوب التي وصى بها في قوله:( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) لأنهم لما كانوا في حال ذل واستعباد ذهب علمهم وتاريخ مجدهم واندمجوا في ديانة الغالبين لهم فلم تبق لهم ميزة تميزهم إلا أنهم خدمة وعبيد" اهــ.
والجهل وصف الله عز وجل للكافرين كما ماورد في كثير من الآيات التي منها:
قول لوط عليه السلام لقومه :(إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون)

وقول هود عليه السلام لقومه (ولكني أراكم قوما تجهلون)
وقوله تعالى مخبراً عن الكفار (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ )

وقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴾
وقوله تعالى وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)

سابعاً:

لو أننا تنزّلنا جدلاً لكلامكم بأن بني إسرائيل كانوا جاهلين حين طلبوا من موسى أن يجعل لهم صنماً يعبدونه فأين دلّ الدليل على أن موسى عليه السلام عذرهم بجهلهم بل الصحيح أنه عليه السلام وصفهم بالجهل ذاماً لهم بـــ ( إنكم قوم تجهلون ) وليس عاذراً لهم فيا من جهلتم أن العبودية لله وحده ( أغير الله أبغيكم إلهاً ) كيف أجعل لكم معبوداً مع الله فكيف يوصف من جهل وحدانية الله بالتوحيد !! ولايقول بهذا القول إلا جاهلاً بمعني ( إله ، ألوهيه ، آلهه ).

والحمدُ لله الذي تتمُ بنعتمه الصالحات ..

الجديد أبومحمد