بسم الله الرحمن الرحيم

قد يتخيل إلي كثير ممن يعتدون بأوامر الأمراء وأقوال العلماء مع تعلق قلبهم بالأمير والعالم نظرا لما يروه من إخلاص الأمير أو العالم أو أسبقيته أنهم يحسنون صنعا وفي الحقيقة هم الأخسرون أعمالا.
وعن ذلك يحدثنا شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب عن عبادة القلوب فيقول:
وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية له بقدر ذلك ، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مديرا لأمورهم متصرفا بهم.
فالعاقل ينظر إلي الحقائق لا إلي الظواهر.
فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة _ولو كانت مباحة له_ يبقي قلبه أسيرا له تتحكم فيه وتتصرف بما تريد وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها أو مالكها ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها ، فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه ، بل أعظم ، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن ، واستعباد القلب اعظم من استعباد البدن ، فإن من استعبد بدنه واسترق واسر لايبالي ما دام قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا ، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص ، واما إذا كان القلب _الذي هو ملك الانسان_ متيما لغير الله ، فهذا هو الذل والأسر المحض ، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب.

وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب ، فإن المسلم لو أسره الكافر او استرقه فاجر بغير حق ، لم يضره ذلك اذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات.
ومن استعبد بحق اذا أدي حق الله وحق مواليه فله أجران ، ولو أكره علي التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك ، وأما من استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك كل الضرر ولو كان في الظاهر ملك الناس.

فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما أن الغني عني النفس. قال النبي صلي الله عليه وسلم "ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغني غني النفس"....

ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله ، فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شئ قط أحلي من ذلك ولا ألذ ولا أمتع ولا أطيب....
والانسان لا يترك محبوبا الا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه ، أو خوفا من مكروه فالحب الفاسد انما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح أو بالخوف من الضرر.

ثم يكمل شيخ الاسلام قائلا:

وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الارض قلبه رقيق لمن يعينه عليها ، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم ، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم ، فيبذل لهم الأموال والولايات ، ويعفوا عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه ، فهو في الظاهر رئيس مطاع ، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم.

والتحقيق أن كلاهما فيه عبودية للآخر ، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله.
وإذا كان تعاونها علي العلو في الأرض بغير الحق ، كانا بمنزلة المتعاونين علي الفاحشة أو قطع الطريق ، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه مستعبد للآخر ، وهكذا أيضا طالب المال فإن ذلك المال يستعبده ويسترقه....
وهذا مالا يحتاج العبد إليه فهذا لا ينبغي له أن يعلق قلبه به ، فإذا علق قلبه به صار مستعبدا له ، وربما صار معتمدا علي غير الله ، فلا يبقي معه حقيقة العبادة لله ، ولا حقيقة التوكل عليه ، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله ، وشعبة من التوكل علي غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صلي الله عليه وسلم :"تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، تعس عبد القطيفة ن تعس عبد الخميصة" رواه البخاري وابن ماجه.
وهذا هو عبد هذه الأمور ، فإنه لو طلبها من الله ، فإن الله إذا أعطاه إياها رضي ، وإذا منعه إياها سخط ، وانما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ويسخطه ما يسخط الله ، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ن ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله تعالي وهذا هو الذي استكمل الإيمان ، كما في الحديث "من أحب لله وأبغض لله ، وأعطي لله ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان" وقال "أوثق عري الإيمان الحب في الله والبغض في الله".
وفي الصحيح عنه صلي الله عليه وسلم "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه الا لله ، وأن يكره أن يعود الي الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار".
فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب ، وهو موافقته في حب ما يحب ، وبغض ما يبغض ، والله يحب الإيمان والتقوي ، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان.(انتهي كلام شيخ الاسلام رحمه الله).

فختاما لهذا الكلام :
أن القلب والقالب أي الباطن والظاهر لابد أن يتوافقا في العبودية لله قال الله عز وجل "وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" لقمان(22
).