تشريع مالم يأذن به الله
أيْ تشريع مايخالف شرع الله، أن التشريع للخلق من أفعال الله تعالى التي لايصح التوحيد إلا بإفراده بها كما قال تعالى (إن الحكم إلا لله) وقال تعالى (ولايُشرك في حكمه أحداً). فبناءً على ذلك يكون من شرع للناس من دون الله قد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته وألوهيته، ويكون قد نصب نفسه رَبّاً للناس وكَفَر بذلك، وبهذه الأوصاف كلها وصفه الله تعالى كما يدل عليه:
1 ــ
قوله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله) الشورى 21.
فثبـت بهـذا النـص أن مـن شـرع للنـاس مالـم يأذن به الله فقد جعل نفسه شريكا لله في ربوبيته، ومن أطاعه في ذلك واتبع التشريع المخالف فقد أشرك بالله.
وقوله تعالى (مـن الـديـن) أي من الطريقـة المتبعة والتشريع المعمول به والنظام السائد كما بيّنته في معاني (الدين) في المقدمة الأولى بالمسألة الخامسة. وسواء كانت (من) في قوله (مِن الدين) تبعيضية: أي شرعوا لهم بعض الدين أي بعض التشريع المخالف، أو كانت بيانية: أي شرعوا لهم دينا من الأديان الباطلة، فالأمر سواء.
وفي تفسـير هـذه الآيـة قال ابن كثير رحمه الله (وقـوله جل وعلا «أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله»: أي هم لايتبعون ماشرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ماشرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ماحرّموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة) (تفسير ابن كثير) 4/ 111.
وقـال ابن تيمية رحمه الله (قال تعالى: (أم لهـم شركـاء شـرعـوا لهـم مــن الـدين مـالـم يـأذن بـه اللــه) الشوري 21. فمن ندب إلى شيء يُتَقَرَّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله، شرع له من الدين مالم يأذن به الله.) (اقتضاء الصراط المستقيم) صـ 267، ط المدني.
2 ــ
وقوله تعالى (ولايُشرك في حكمه أحداً) الكهف 26.
ويقـال فيهـا ماقـيل في الآية السابقـة، أن مـن شرع للناس مالم يأذن به الله فقد شارك الله في تشريع الأحكام لخلقه وجعل نفسه شريكا لله، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، والله تعالى قد أمر أمراً شرعيا بألا يشاركه أحد في الحكم والتشريع الذي أفرد نفسه به كما قال جل شأنه (إن الحكم إلا لله) يوسف 40، وقال (ولايُشرك في حكمه أحداً) الكهف26.
وقوله تعالى (وكذلك زيَّن لكثير من المشركين قَتْل أولادِهم شركاؤهم) الأنعام 137.
وردت هـذه الآيـة في سـياق قوله تعالى (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ــ إلى قوله ــ قد خَسِرَ الذين قتلوا أولادَهم سفهاً بغير علمٍ وحرّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين) الأنعام 136 ــ 140. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام «قد خسر الذين قتلوا أولادهم ــ إلى قوله ــ وماكانوا مهتدين» رواه البخاري. ويعني ابن عباس رضي الله عنهما ماكان عليه العرب في الجاهلية من الجهل والشرك بالله. وذلك أن شركاءهم من شياطين الإنس والجن كانوا قد حللوا لهم وحرّموا عليهم مالم يأذن به الله ومن ذلك ماكانوا عليه من قتل الأولاد خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار. انظر (تفسير ابن كثير) 2/ 179 ــ 181. وأول من شرع لهم هذه الشرائع الباطلة هو عمروبن لُحي الخزاعي . (شركاؤهم) فوصف الله تعالى من شرع للناس مالم يأذن به الله بأنه شريك لله، كما في آيتي الشورى والكهف السابقتين، ومن جعل نفسه شريكا لله في تشريع مالم يأذن به الله فقد كَفَر .