حديث ذات أنواط المفترى عليه:
- حديث ذات أنواط من الأحاديث التي تعد مطمعاً لكل صاحب هوى، لذا كان واجباً علينا أن نلقى الضوء على بعض الأمور التي وردت بالحديث متجردين من وجهات النظر الخاصة، والتى ربَّما لو وضحت لما أصبح الحديث مطمعاً لكل زائغ ولا بغية لكل مضل.

- وحديث ذات أنواط إذا سَلَّمْنا بصحة ثبوته، لم يَسْلَمْ لأحد دلالته في أنَّه طلبٌ من الصحابة للشرك، ولكن الكلُ يحاول أن يستخرج من الحديث بغيته.

- فالبعض يحلو له أن يوجه الحديث كدليل يعذر به مرتكب الشرك الأكبر:

- حيث يرى أنَّ الصحابة قد طلبوه ثم أنَّ الرسول وإن شدد عليهم فإنَّه عذرهم ولم يكفرهم وكل هذا يستنبطه هو حسب رؤيته ونظره الشخصى في الحديث، بالرغم من أنَّه حتى هذه لا تخلص لأحد، فليس في متون الحديث التي ذكرها الرواة رواية صريحة تفيد أنَّه كفَّرهم أو تفيد أنَّه لم يكفرهم، ذلك لأن الأمر لم يصل إلى الشرك أصلاً كما سنبيِّنهُ، وتغليظ الرسول عليهم بقوله في رواية أبى واقد عند الترمذى:

(الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إِلهًا كما لهم آلهة).

وبقوله في رواية الْمُزَنِيِّ عند الطبرانى:

(إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنَو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَقَالَ: أَغَيْرَ اللهِ أبْغِيكُمْ إِلَهًا، وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ).

- وكلتا الروايتين والتي بنى عليهما من ذهب لتكفيرهم بهذا الطلب ما بناه ليست قطعية في إثبات أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كفَّرهم به.

- فالكاف في لغة العرب تفيد التشبيه وليس المماثلة إلَّا إذا كان ما بعدها فيه تصريحاً بتمام المشابهة، وهو ما أشار إليه ابن تيمية رحمه الله بقوله التشبه المطلق في اقتضاء الصراط المستقيم عند كلامه عن التشبه بالمشركين وذكر أنَّه يوجب الكفر.

- وإلى نفس هذا الفهم من الحديث ذهب الشاطبى رحمه الله عندما قال:
«فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا» . . . الْحَدِيثَ.

فَإِنَّ اتِّخَاذَ ذَاتِ أَنْوَاطٍ يُشْبِهُ اتِّخَاذَ الْآلِهَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لَا أَنَّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ فَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الِاعْتِبَارُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

- ووجه الشبه بين قول صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وقول أصحاب موسى عليه السلام في طلب مشابهة المشركين هو أنَّ كلاهما يُعدُّ طلباً لمشابهة المشركين في عبادة يفعلونها، وأنَّ هذا الطلب كان طلباً ممن يقِرُّون له بحق التشريع لهم بلاغاً عن ربِّه.

- ولكنَّ طلب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يشبه طلب أصحاب موسى عليه السلام تماماً وليس هو نفسه، فطلب أصحاب موسى -حتى وإن كان ممن له حق التشريع لهم بلاغاً عن ربِّه- طلبهم منه بمجرد رؤيتهم للمشركين عاكفين على آلهة لهم أن يجعل لهم إلهاً كما لهم ألهه وهذا يدل على أنَّهم اعتقدوا وقتها جواز إتخاذ آلهة مع الله وهذا شركٌ بيِّن، ولذلك قال لهم موسى عليه السلام كما ذكره سبحانه:
" قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)"الأعراف، فكان طلبهم وإن كان من رسولهم إلَّا أنَّه طلب ينقض توحيدهم للألوهية بلا شك.

- أمَّا طلب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منه حيث هم يعرفون ويَقِرُّون بأنَّ له حق التشريع بلاغاً عن ربِّه، طلبهم منه بمجرد رؤيتهم ذات أنواط كان أن يجعل لهم شجرة مثلها يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم طلباً للبركة ،والتي إن وافقه ربُّه فشرع لهم ذلك ستكون تلك البركة مستمدة من مباركة الله لها، وغاية ذلك أنَّهم طلبوا منسكاً من الوجهة التي يمكن طلبه منها.

- وهذا الأمر بمجرده ليس فيه شركاً أكبر أو حتى أصغر، وإن كان تقديماً بين يدى الله ورسوله في طلب نسك لمجرد رؤية نسكاً مشابهاً يقوم به المشركين لألهتهم، فهم مثلاً لم يذهبوا ويتخذوا من تلقاء أنفسهم شجرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم، حيث هم يعرفون أنَّهُ لا يمكن إلتماس البركة من شجر أو حجر أو غيره إلَّا أن يباركها الله ويجعلها منسكاً لهم فيتبرَّكوا به مثل الحجر الأسود حيث نسك تقبيله أولمسه أوالإشارة إليه عند الطواف وماء زمزم الذى نسك الشرب منه والإكثار منه بقدر المستطاع.

- كما أنَّهم تبرأوا من ألهه المشركين التي يعبدونها ويظنون أنَّ لها تصرفاً في ملك الله فهى تمنح البركة لمثل هذه الأشياء، فلما كانو يعلمون ذلك جيداً طلبوا ما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حيث هو الصلة بينهم وبين ربهم بما يُوحَى إليه، فعلم من ذلك الطلب ذاته أنَّهم يقِرُّون أن البركة ليس لها مصدرٌ إلَّا من الله، كما أنَّ التشريع لهم لا يكون إلَّا عن طريق رسوله فطلبوها منه، ، فكيف يدَّعى عليهم مدعٍ أنَّهم أشركوا بذلك شركاً أكبر أو أصغر!!!.

- ولكن سداً لذريعة طلب التشبه بالمشركين كلَّما رأوهم يقدِّمون عبادة لألهتهم بمثيلتها وإن قدمت لله كان التغليظ من رسول الله عليهم كما ورد فى الحديث، ولبيان ما يمكن أن يفضى إليه التشبه بالمشركين في تلك العبادات، كان مثال أصحاب موسى الذى ضربه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

- وإلى نفس هذا المعنى ذهب شخ الإسلام ابن تيمية عندما علَّق على هذا الحديث في إقتضاء الصراط المستقيم جـ 2 صـ 117 بقوله:
(ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم»فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم.
فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟) أ.هـ

- ومثال ذلك كثير في سد ذريعة مشابهة المشركين في عبادة يقدمونها لألهتهم، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه(4/278/1374) من حديث عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ وفيه:
(فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّار).

ومعلوم أنَّ المسلم حين يسجد حتى حين تطلع الشمس إنَّما يسجد لله ولكن سداً لذريعة التشبه بالمشركين في عبادة يقدمونها لألهتهم التي يعبدون من دون الله، والتي قد تفضى إذا طال على الناس الأمد إلى عبادة تلك الألهة نفسها كما فعل قوم نوح، لذا كان هدى الرسول في الأمر بمخالفة المشركين والتحذير من التشبه بهم فيما يختصون به عموما وفى عباداتهم خصوصاً.

- والبعض يوجه الحديث كطلبٍ للشرك ولكنه يعتبر أنَّهُ كان شركاً أصغر: وعلة ذلك حسب ما يراه أنَّه كان طلباً لإتخاذ شجرة تكون سبباً تحصل به البركة وليس إلتماساً مباشراً للبركة من الشجرة نفسها، ولا أدرى من ذهب إلى مثل هذا التقسيم كيف سيفسر قول الله على لسان المشركين:
"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)" الزمر

وقد ذكر ابن جرير في تفسيره:

(حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" قالوا: ما نعبد هؤلاء إلا ليقرّبونا، إلا ليشفعُوا لنا عند الله.) أ.هـ

- فواضحٌ أنَّهم ما قدَّموا لهم العبادات إلَّا ليكونوا سبباً ليشفعوا لهم عند الله، فهم لم يعبدوهم لإلتماس الشفاعة منهم مباشرة، ومع ذلك ذكر الله عزَّوجلَّ كفرهم بذلك في كلام صريح فقال:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ".
- والبعض يوجه الحديث على أنَّه من البدع المكانية :

وهذا قد أخطأ الطريق من أوَّله، إذ البدع المكانية لا تكون في عبادة تقدم للأوثان، بل تكون لعبادة يقصد بها الشخص أن تكون لله ولكنه خص بها مكاناً أوبقعه لم يخصها الشارع بتلك العبادة وإنَّما كانت من مجرد إستحسانه لذلك.

وعلى هذا يُفهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا.) أ.هـ
- والبعض الآخر وهم علماء السلف يوجِّهون الحديث كطلب للتشبه بالمشركين:

ويرى أن مشابهة المشركين في الأعمال المخالفة لشريعة المسلمين التي يعملونها، لها أحكاماً مختلفة بالقدرالمشترك الذى شابههم فيه، وإن كانت مجرد مشابهتهم في تلك الأعمال حرام في جميع الأحوال إلَّا أن بعضها أعظم من بعض، فمشابهتهم في الكفر أوالشرك غيرمشابهتهم في الحرام وغير مشابهتهم في المعاصى وهكذا.

- ومن ذلك ما ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم جـ 1 صـ (213-215 ):
(وأيضا ما هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو النضر يعني هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن ثابت حدثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من تشبه بقوم فهو منهم»

وهذا إسناد جيد فإن ابن أبي شيبة وأبا النضر وحسان هم من رجال الصحيحين......ثم ذكر في باقى رجال السند قوله: ليس به بأس وهو ثقة وقال في آخر: هو مستقيم الحديث....إلى أن قال وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث.
ثم قال: وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة.

فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها كان حكمه كذلك.
وبكل حال يقتضي تحريم التشبه بعلة كونه تشبها) أ.هـ


وختاماً، أناشدكم الله أن تتقوا الله في أحاديث نَبيِّه، وأن تتقوا الله في صحابة نَبيِّه.