1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم



    (سورة الأنعام)
    (مكيّة وآياتها خمس وستون ومائة)


    بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه السورة مكية .. من القرآن المكي .. القرآن الذي ظل يتنزل على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثلاثة عشر عاما كاملة ، يحدثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير ، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر.

    ذلك أن الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة ، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى! لقد كان يعالج القضية الأولى ، والقضية الكبرى ، والقضية الأساسية ، في هذا الدين ،
    «قضية العقيدة» ممثلة في قاعدتها الرئيسية .. الألوهية والعبودية ، وما بينهما من علاقة.

    لقد شاءت حكمة اللّه أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوة لها منذ اليوم الأول للرسالة.
    وأن يبدأ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أولى خطواته في الدعوة ، بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن يمضي في دعوته يعرّف الناس بربهم الحق ، ويعبدهم له دون سواه.

    ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى :
    «إله» ومعنى : «لا إله إلا الله» .. كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا .. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد اللّه - سبحانه - بها ، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ، ورده كله إلى اللّه .. السلطان على الضمائر ، والسلطان على الشعائر ، والسلطان على واقعيات الحياة .. السلطان في المال ، والسلطان في القضاء ، والسلطان في الأرواح والأبدان ..

    كانوا يعلمون أن :
    «لا إله إلا اللّه» ثورة على السلطان الأرضي ، الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية ، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها اللّه ..

    ولم يكن يغيب عن العرب - وهم يعرفون لغتهم جيدا ، ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة :
    «لا إله إلا اللّه» - ماذا تعنيه هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم .. ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف ، وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام ..


    فلما تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة .. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. لما تحرر الناس من سلطان العبيد ، ومن سلطان الشهوات سواء .. لما تقررت في القلوب :
    «لا إله إلا الله» ..


    صنع اللّه بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون ..

    تطهرت الأرض من الرومان والفرس .. لا ليتقرر فيها سلطان العرب .. ولكن ليتقرر فيها سلطان اللّه ..
    لقد تطهرت من الطاغوت كله : رومانيا وفارسيا وعربيا على السواء.
    وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته.
    وقام النظام الإسلامي يعدل بعدل اللّه ، ويزن بميزان اللّه ، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم اللّه وحده؟ ويسميها راية الإسلام ، لا يقرن إليها اسما آخر ويكتب عليها :
    «لا إله إلا اللّه»!
    وتطهرت النفوس والأخلاق ،
    وزكت القلوب والأرواح دون أن يحتاج الأمر إلى الحدود والتعازير التي شرعها اللّه - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هنالك في الضمائر ولأن الطمع في رضى اللّه وثوابه ، والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة ومقام العقوبات ..
    وارتفعت البشرية في نظامها ،
    وفي أخلاقها ،
    وفي حياتها كلها
    ، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام ..

    ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم ، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدا واحدا ، لا يدخل فيه الغلب والسلطان ..

    ولا حتى لهذا الدين على أيديهم .. وعدا واحدا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا .. وعدا واحدا هو الجنة .. هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني ، والابتلاء الشاق ، والمضي في الدعوة ، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان ، في كل زمان وفي كل مكان ،
    وهو :
    «لا إله إلا اللّه»!

    فلما أن ابتلاهم اللّه فصبروا ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم ولما أن علم اللّه منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنا ما كان هذا الجزاء ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم ، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم ، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض. ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت ..

    لما أن علم اللّه منهم ذلك كله ، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى. أمناء على العقيدة التي يتفرد فيها اللّه سبحانه بالحاكمية في القلوب والضمائر وفي السلوك والشعائر ، وفي الأرواح والأموال ، وفي الأوضاع والأحوال .. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة اللّه ينفذونها ، وعلى عدل اللّه يقيمونه ، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم ولا لعشيرتهم ولا لقومهم ولا لجنسهم إنما يكون السلطان الذي في أيديهم للّه ولدينه وشريعته ، لأنهم يعلمون أنه من اللّه ، هو الذي آتاهم إياه.

    ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوي الرفيع ، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء ، وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها .. راية لا إله إلا اللّه .. ولا ترفع معها سواها .. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره المبارك الميسر في حقيقته.

    وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص للّه ، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية ، أو دعوة اجتماعية ، أو دعوة أخلاقية .. أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد :
    «لا إله إلا اللّه» ..

    هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة وأن تتم خطواتها على مهل وفي عمق وتثبت .. وهكذا ينبغي ألا تكون مرحلة بناء العقيدة مرحلة دراسة نظرية للعقيدة ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة في صورة حية ، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ومتمثلة في بناء جماعي يعبر نموه عن نمو العقيدة ذاتها ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك لتتمثل العقيدة حية وتنمو نموا حيا في خضم المعركة.

    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)

    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم



    (الحلقه الأولى )



    "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"

    "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3)"

    إنها اللمسات العريضة للحقيقة الكبيرة والإيقاعات المديدة في مطلع السورة. وهي ترسم القاعدة الكلية لموضوع السورة ولحقيقة العقيدة :

    «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» ..

    إنها اللمسات الأولى .. تبدأ بالحمد للّه. ثناء عليه ، وتسبيحا له ، واعترافا بأحقيته للحمد والثناء ، على ألوهيته المتجلية في الخلق والإنشاء .. بذلك تصل بين الألوهية المحمودة وخصيصتها الأولى .. الخلق .. وتبدأ بالخلق في أضخم مجالي الوجود .. السماوات والأرض .. ثم في أضخم الظواهر الناشئة عن خلق السماوات والأرض وفق تدبير مقصود .. الظلمات والنور ..

    واللمسة الثانية :
    «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ قَضى أَجَلًا ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ»

    واللمسة الثالثة تضم اللمستين الأوليين في اطار واحد وتقرر ألوهية اللّه في الكون والحياة الإنسانية سواء :
    «وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ ، يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ، وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ» ..
    إن الذي خلق السماوات والأرض هو اللّه في السماوات وفي الأرض. هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء.
    وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما.




    "وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8)
    وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)"



    «وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ، وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ» ..

    إنهم يتخذون موقف الإعراض عنادا وإصرارا. فليس الذي ينقصهم هو الآيات الداعية إلى الإيمان ، ولا العلامات الدالة على صدق الدعوة والداعية ، ولا البراهين الناطقة بما وراء الدعوة والداعية من ألوهية حقة ، هي التي يدعون إلى الإيمان بها والاستسلام لها .. ليس هذا هو الذي ينقصهم ، إنما تنقصهم الرغبة في الاستجابة ، ويمسك بهم العناد والإصرار ، ويقعد بهم الإعراض عن النظر والتدبر :

    «وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» ..
    وحين يكون الأمر كذلك. حين يكون الإعراض متعمدا ومقصودا - مع توافر الأدلة ، وتواتر الآيات ووضوح الحقائق - فإن التهديد بالبطش قد يحدث الهزة التي تفتح نوافذ الفطرة حين تسقط عنها حاجز الكبر والعناد :
    «فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ. فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ..

    إنه الحق هذا الذي جاءهم من لدن خالق السماوات والأرض ، وجاعل الظلمات والنور ، وخالق الإنسان من طين ، والإله في السماوات والأرض الذي يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون .. إنه الحق وقد كذبوا به ، مصرين على التكذيب ، معرضين عن الآيات ، مستهزئين بالدعوة إلى الإيمان .. فليرتقبوا إذن أن يأتيهم الخبر اليقين عما كانوا به يستهزئون!

    ويتركهم أمام هذا التهديد المجمل ، الذي لا يعرفون نوعه ولا موعده .. يتركهم يتوقعون في كل لحظة أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون! حيث يتكشف لهم الحق أمام العذاب المرتقب المجهول! وفي موقف التهديد يلفت أعناقهم وأنظارهم وقلوبهم وأعصابهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم - وقد كانوا يعرفون بعضها في دور عاد بالأحقاف وثمود بالحجر ، وكانت أطلالهم باقية يمر عليها العرب في رحلة الشتاء للجنوب وفي رحلة الصيف للشمال ، كما كانوا يمرون بقرى لوط المخسوفة ويعرفون ما يتناقله المحيطون بها من أحاديث - فالسياق يلفتهم إلى هذه المصارع وبعضها منهم قريب.


    «أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ، وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً ، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ. فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ» ..

    ألم يروا إلى مصارع الأجيال الغابرة. وقد مكنهم اللّه في الأرض ، وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط مثله للمخاطبين من قريش في الجزيرة وأرسل المطر عليهم متتابعا ينشئ في حياتهم الخصب والنماء ويفيض عليهم من الأرزاق .. ثم ماذا؟ ثم عصوا ربهم ، فأخذهم اللّه بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم جيلا آخر ، ورث الأرض من بعدهم ومضوا هم لا تحفل بهم الأرض! فقد ورثها قوم آخرون! فما أهون المكذبين المعرضين أصحاب القوة والتمكين من البشر! ما أهونهم على اللّه وما أهونهم على هذه الأرض أيضا! لقد أهلكوا وغبروا فما أحست هذه الأرض بالخلاء والخواء إنما عمرها جيل آخر ومضت الأرض في دورتها كأن لم يكن هنا سكان ومضت الحياة في حركتها كأن لم يكن هنا أحياء! وهي حقيقة ينساها البشر حين يمكن اللّه لهم في الأرض. ينسون أن هذا التمكين إنما تم بمشيئة اللّه ، ليبلوهم فيه : أيقومون عليه بعهد اللّه وشرطه ، من العبودية له وحده ، والتلقي منه وحده - بما أنه هو صاحب الملك وهم مستخلفون فيه - أم يجعلون من أنفسهم طواغيت ، تدعي حقوق الألوهية وخصائصها ويتصرفون فيما استخلفوا فيه تصرف المالك لا المستخلف.

    وإنه لمما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي ، أو المستهتر الفاسد ، أو الملحد الكافر ، ممكنا له في الأرض ، غير مأخوذ من اللّه .. ولكن الناس إنما يستعجلون .. إنهم يرون أول الطريق أو وسطه ولا يرون نهاية الطريق ..

    ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجي ء! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث .. والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون - في حياتهم الفردية القصيرة - نهاية الطريق فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق!


    "قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)
    وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)"




    ويصاحب عرض حقيقة الألوهية ، في هذه الصورة ولهذا الغرض ، جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب.
    تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء. وحقيقة أن اللّه هو الذي يطعم ولا يطعم. وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من اللّه وفوزا عظيما. وعرض القدرة على الضر والخير. وعرض الاستعلاء والقهر.
    وعرض الحكمة والخبرة .. ثم الإيقاع الرهيب المزلزل ، المتمثل في الأمر العلوي الهائل : قل. قل. قل :

    فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة ، جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل .. إيقاع الإشهاد على التوحيد ، وإنكار الشرك ، والمفاصلة الحاسمة مصحوبا كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة :
    «قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟» .. «قُلِ : اللَّهُ» .. «قُلْ : لا أَشْهَدُ» .. «قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ» .. مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب!

    «قُلْ : لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلْ لِلَّهِ ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ، الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»
    ..

    إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير ، ثم المفاصلة .. ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لهذه المواجهة. مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن اللّه هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق فيجعلون له شركاء مع اللّه في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض ، مستقصيا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان :
    «ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» .. مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادلون فيها والتي حكى القرآن في مواضع أخرى إقرارهم الكامل بها : «قُلْ : لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلْ : لِلَّهِ» ..


    «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» ..

    فهو سبحانه المالك ، لا ينازعه منازع ، ولكنه - فضلا منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة. كتبها بإرادته ومشيئته لا يوجبها عليه موجب ولا يقترحها عليه مقترح ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه ، وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة ..

    ولننظر كيف مثل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لهذه الرحمة بما يقرّبها للقلوب شيئا ما :

    أخرج الشيخان - بإسناده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه - قال :
    «قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لما قضى اللّه الخلق - وعند مسلم : لما خلق اللّه الخلق - كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي» ..

    وعند البخاري في رواية أخرى :
    «إن رحمتي غلبت غضبي» ..

    وأخرج الشيخان - بإسناده عنه رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
    «جعل اللّه الرحمة مائة جزء. فأمسك عنده تسعة وتسعين ، وأنزل في الأرض جزءا واحدا. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق ، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» ..

    وأخرج مسلم - بإسناده عن سلمان الفارسي - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - :
    «إن للّه مائة رحمة. فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم ، وتسعة وتسعون ليوم القيامة» ..

    وله في أخرى :
    «إن اللّه تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة. كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض. فجعل منها في الأرض رحمة واحدة ، فيها تعطف الوالدة على ولدها ، والوحش والطير بعضها على بعض. فإذا كان يوم القيامة أكملها اللّه تعالى بهذه الرحمة» ..

    وهذا التمثيل النبوي الموحي ، يقرب للإدراك البشري تصور رحمة اللّه تعالى .. ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها ، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة ، والضعف والمرض وبالأقرباء والأوداء والأصحاب وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات اللّه سبحانه .. فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما! وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى :

    عن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه -
    قال : قدم على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بسبي. فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها ، إذ وجدت صبيا في السبي ، فأخذته ، فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا : لا واللّه وهي تقدر على ألا تطرحه. قال : «فاللّه تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها» .. (أخرجه الشيخان).

    وكيف لا. وهذه المرأة إنما ترحم ولدها ، من فيض رحمة واحدة من رحمات اللّه الواسعة؟

    ومن تعليم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية ، بهذا الأسلوب الموحي ، كان ينتقل بهم خطوة أخرى ليتخلقوا بخلق اللّه هذا في رحمته ، ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعا ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها ، كما تذوقتها في معاملة اللّه لهم بها من قبل.

    عن ابن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنهما - قال :
    قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - «الراحمون يرحمهم اللّه تعالى. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» .. (أخرجه أبو داود والترمذي).

    وعن جرير - رضي اللّه عنه - قال :
    قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : «لا يرحم اللّه من لا يرحم الناس» ... (أخرجه الشيخان والترمذي).

    وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - :
    قال صلى اللّه عليه وسلم : «لا تنزع الرحمة إلا من شقي».

    وعن أبي هريرة كذلك. قال :
    «قبل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الحسن بن علي - رضي اللّه عنهما - وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا! فنظر إليه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثم قال : «من لا يرحم لا يرحم» .. (أخرجه الشيخان).

    ولم يكن - صلى اللّه عليه وسلم - يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان اللّه عليهم - عند حد الرحمة بالناس.
    وقد علم أن رحمة ربه وسعت كل شيء. وأن المؤمنين مأمورون أن يتخلقوا بأخلاق اللّه وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقا بخلق اللّه سبحانه. وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها :

    عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال :
    قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا ، فنزل فيها فشرب ، ثم خرج ، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش. فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني ، فنزل البئر ، فملأ خفه ماء ، ثم أمسكه بفيه حتى رقي ، فسقى الكلب. فشكر اللّه تعالى له فغفر له». قالوا : يا رسول اللّه وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال : «في كل كبد رطبة أجر» .. (أخرجه مالك والشيخان).
    وفي أخرى : إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر ، قد أدلع (أي أخرج) لسانه من العطش فنزعت له موقها (أي خفها) فغفر لها به.

    وعن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن أبيه - رضي اللّه عنه - قال :
    كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفر.فرأينا حمرة (طائر) معها فرخان لها فأخذناهما. فجاءت الحمرة تعرّش (أو تفرش) - (أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض) فلما جاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها». ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال : من أحرق هذه؟ قلنا : نحن. قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار» ... (أخرجه أبو داود) ..

    وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال :
    قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - «قرصت نملة نبيا من الأنبياء.فأمر بقرية النمل فحرقت. فأوحى اللّه تعالى إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟» ... (أخرجه الشيخان).

    وهكذا علم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أصحابه هدى القرآن. ليتذوقوا رحمة اللّه من خلال مزاولتهم للرحمة .. أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات اللّه الكثيرة؟!
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    (تابع الحلقه الأولى)


    «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» ..

    لقد خسروا أنفسهم وفقدوها فلم تعد لهم نفس تؤمن! .. وهو تعبير دقيق عن حالة واقعة .. إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين - مع عمق ندائه وإيحائه للفطرة بموجبات الإيمان ودلائله - هؤلاء لا بد أن يكونوا قد فقدوا قبل ذلك فطرتهم! لا بد أن تكون أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية في كيانهم معطلة مخربة أو محجوبة مغلفة. فهم في هذه الحالة قد خسروا أنفسهم ذاتها ، بفقدانهم أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية الحية في كيانها ، ومن ثم فهم لا يؤمنون .. إذ أنهم لم يعودوا يملكون أنفسهم التي بها يؤمنون ..
    وهذا هو التفسير العميق لعدم إيمانهم مع توافر دلائل الإيمان وموحياته من حولهم .. وهذا هو الذي يحدد مصيرهم في ذلك اليوم. وهو الخسارة الكبرى المترتبة على خسارتهم من قبل لنفوسهم!

    والآن ، وقد تقرر أن اللّه وحده هو الخالق ، وأن اللّه وحده هو المالك .. يجيء الاستنكار العنيف للاستنصار بغير اللّه ، والعبودية لغير اللّه ، والولاء لغير اللّه. ويتقرر أن هذا مناقض لحقيقة الإسلام للّه ، وأنه هو الشرك الذي لا يجتمع مع الإسلام. وتذكر من صفات اللّه سبحانه : أنه فاطر السماوات والأرض ، وأنه الرازق المطعم ، وأنه الضار النافع ، وأنه القادر القاهر. كما يذكر العذاب المخوف المرهوب .. فتجلل الموقف كله ظلال الجلال والرهبة ، في إيقاع مدوّ عميق :
    «قُلْ : أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ، فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ؟ قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» ..

    إن هذه القضية .. قضية اتخاذ اللّه وحده وليا. بكل معاني كلمة (الولي). أي اتخاذه وحده ربا ومولى معبودا يدين له العبد بالعبودية ممثلة في الخضوع لحاكميته وحده ويدين له بالعبادة فيقدم له شعائرها وحده.

    واتخاذه وحده ناصرا يستنصر به ويعتمد عليه ، ويتوجه إليه في الملمات .. إن هذه القضية هي قضية العقيدة في صميمها. فإما إخلاص الولاء للّه - بهذه المعاني كلها - فهو الإسلام. وإما إشراك غيره معه في أي منها ، فهو الشرك الذي لا يجتمع في قلب واحد هو والإسلام!


    ثم ..
    «قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..

    والإسلام وعدم الشرك معناهما المتعين ألا أتخذ غير اللّه وليا. فاتخاذ غير اللّه وليا - بأي معنى - هو الشرك. ولن يكون الشرك إسلاما ..

    قضية واحدة محددة ، لا تقبل لينا ولا تميعا .. إما إفراد اللّه سبحانه بالتوجه والتلقي والطاعة والخضوع والعبادة والاستعانة والإقرار له وحده بالحاكمية في كل أمر من هذه الأمور ورفض إشراك غيره معه فيها وولاء القلب والعمل ، في الشعيرة والشريعة له وحده بلا شريك .. إما هذا كله فهو الإسلام .. وإما إشراك أحد من عباده معه في شيء من هذا كله فهو الشرك. الذي لا يجتمع في قلب واحد مع الإسلام.

    لقد أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعلن هذا الاستنكار في وجه المشركين الذين كانوا يدعونه إلى الملاينة والمداهنة ليجعل لآلهتهم مكانا في دينه ، مقابل أن يدخلوا معه في هذا الدين. وليترك لهم بعض خصائص الألوهية يزاولونها إبقاء على مكانتهم وكبريائهم ومصالحهم ، .. وأولها تقاليد التحريم والتحليل ..
    في مقابل أن يكفوا عن معارضته ، وأن يجعلوه رئيسا فيهم ويجمعوا له من مالهم ، ويزوجوه أجمل بناتهم! لقد كانوا يرفعون يدا للإيذاء والحرب والتنكيل ، ويمدون يدا بالإغراء والمصالحة واللين ..

    وفي وجه هذه المحاولة المزدوجة أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يقذف بهذا الاستنكار العنيف ، وبهذا الحسم الصريح ، وبهذا التقرير الذي لا يدع مجالا للتمييع.

    وأمر كذلك أن يقذف في قلوبهم بالرعب والترويع في الوقت الذي يعلن فيه تصوره لجدية الأمر والتكليف ولخوفه هو من عذاب ربه ، إن عصاه فيما أمر به من الإسلام والتوحيد :
    «قُلْ : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ» ..

    إنه تصوير لحقيقة مشاعر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تجاه أمر ربه له وتجسيم لخوفه من عذابه. العذاب الذي يعتبر مجرد صرفه عن العبد رحمة من اللّه وفوزا مبينا. ولكنه في الوقت ذاته حملة مزلزلة على قلوب المشركين في ذلك الزمان ، وقلوب المشركين باللّه في كل زمان. حملة مزلزلة تصور العذاب في ذلك اليوم العظيم.

    «قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ اللَّهُ. شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ، أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ ، قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» ..
    إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة ، ومشهدا مشهدا ، ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور ..

    فها هو ذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يؤمر من ربه هذا الأمر .. ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون اللّه أولياء يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع اللّه ويدعون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به! كأن ذلك يمكن أن يكون! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان ، من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلما للّه بينما هو يتلقى من غير اللّه في شؤون الحياة وبينما هو يخضع لغير اللّه ويستنصر بغير اللّه ، ويتولى غير اللّه!


    ها هو ذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يواجه هؤلاء المشركين ، ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم ، وبين توحيده وشركهم ، وبين إسلامه وجاهليتهم. وليقرر لهم : أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم ، إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه. وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر لأنه يفترق معهم في أول الطريق! وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف :
    «قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟» ..
    «قُلِ : اللَّهُ» ..

    نعم! فاللّه - سبحانه وتعالى - هو أكبر شهادة .. هو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين .. هو الذي لا شهادة بعد شهادته ، ولا قول بعد قوله. فإذا قال فقد انتهى القول ، وقد قضي الأمر.

    فإذا أعلن هذه الحقيقة : حقيقة أن اللّه سبحانه هو أكبر شهادة ، أعلن لهم أنه - سبحانه - هو الشهيد بينه وبينهم في القضية :
    «شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» ..

    فإذا أعلن إليهم أن شهادة اللّه - سبحانه - متضمنة في هذا القرآن ، أعلن إليهم مضمون هذه الشهادة في صورة التحدي والاستنكار لشهادتهم هم ، المختلفة في أساسها عن شهادة اللّه سبحانه. وعالنهم بأنه ينكر شهادتهم هذه ويرفضها وأنه يعلن غيرها ويقرر عكسها ويشهد لربه بالوحدانية المطلقة والألوهية المتفردة وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد :
    «أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ ، قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» ..


    .. إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات .. قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة .. هي قضية هذه العقيدة وهي الحقيقة الكبرى فيها. وإن العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة ..

    إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض ، نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات ، لتحدد على ضوئها موقفها ، ولتسير على هذا الضوء في طريقها وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات ، لترسم طريقها على هداها.

    لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويوم جاءها الإسلام مبنيا على قاعدته الكبرى :
    «شهادة أن لا إله إلا اللّه» .. شهادة أن لا إله إلا اللّه بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس ، وهو يسأله : «ما الذي جاء بكم؟» فيقول : «اللّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» ..

    لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا اللّه. فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد ، وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا اللّه ، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن : «لا إله إلا اللّه» دون أن يدرك مدلولها ، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها ، ودون أن يرفض شرعية «الحاكمية» التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد ، أو كتشكيلات تشريعية ، أو كشعوب. فالأفراد ، كالتشكيلات ، كالشعوب ، ليست آلهة ، فليس لها إذن حق الحاكمية .. إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية ، وارتدت عن لا إله إلا اللّه. فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية. ولم تعد توحد اللّه ، وتخلص له الولاء ..


    «قُلْ : أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ؟ قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..

    ذلك لتعلم أن اتخاذ غير اللّه وليا - بكل معاني «الولي» .. وهي الخضوع والطاعة ، والاستنصار والاستعانة ..يتعارض مع الإسلام ، لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس ..

    ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير اللّه هو تقبل حاكمية غير اللّه في الضمير أو في الحياة .. الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء. ولتعلم أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعا من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات ..

    وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية :
    «قُلْ : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» ..

    فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها ، وبإعراضها وعنادها ، وبالتوائها وكيدها ، وبفسادها وانحلالها .. ما أحوج من يواجه هذا الشر كله ، أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذه المشاعر .. مخافة المعصية والولاء لغير اللّه. ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة .. واليقين بأن الضار والنافع هو اللّه. وأن اللّه هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه.

    إن قلبا لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف «إنشاء» الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية ..
    وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال! ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد اللّه سبحانه بالولاء بكل مدلولاته وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر .. ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى.

    وأن تقول ما أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يقوله وأن تقذف في وجه الجاهلية ، بما قذف به في وجهها الرسول الكريم ، تنفيذا لأمر ربه العظيم :
    «قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ : اللَّهُ ، شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ. قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» ..

    إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض ، من الجاهلية التي تغمر الأرض ، هذا الموقف. لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية ، قاطعة فاصلة ، مزلزلة رهيبة .. ثم تتجه إلى اللّه تعلم أنه على كل شيء قدير ، وأنه هو القاهر فوق عباده. وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن اللّه وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن اللّه ، وأن اللّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم




    (الحلقه الثانيه)


    "الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20)"


    إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند اللّه ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة ومن خير وصلاح ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها وبالأخلاق التي تنبثق منها وبالنظام الذي يقوم عليها. ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله ويعلمون جيدا أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين! ..

    إنهم يعرفون ما فيه من حق ، ويعرفون ما هم فيه من باطل .. ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها ، وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم ، لا يمكن أن يهادنها هذا الدين ، أو يبقي عليها .. وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض ، ويستعلي هذا الدين ، ويكون الدين كله للّه ..

    أي أن يكون السلطان في الأرض كله للّه وأن يطارد المعتدون على سلطان اللّه في الأرض كلها. وبذلك وحده يكون الدين كله للّه ..

    إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه الحقيقة في هذا الدين .. ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم .. وهم جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة وينقبون عن أسرار قوته وعن مداخله إلى النفوس ومساربه فيها ويبحثون بجد :
    كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين؟ كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله؟ كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه؟ كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به؟ كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية وتسترد سلطان اللّه في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان ، وتجعل الدين كله للّه .. إلى حركة ثقافية باردة ، وإلى بحوث نظرية ميتة ، وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ؟ كيف يفرغون مفهوماته في أوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له.

    إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة لا لأنهم يبحثون عن الحقيقة - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين!
    كلا!
    إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة ،
    لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين!
    لأنهم يببحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها!
    لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها!
    وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم!

    ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك ..وأن نعرف معه أننا نحن الأولى بأن نعرف ديننا كما نعرف أبناءنا!


    «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ؟ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..

    والظلم هنا كناية عن الشرك. في صورة التفظيع له والتقبيح.
    وهو التعبير الغالب في السياق القرآني عن الشرك.
    وذلك حين يريد أن يبشع الشرك وينفر منه.
    ذلك أن الشرك ظلم للحق ،
    وظلم للنفس ،
    وظلم للناس.
    هو اعتداء على حق اللّه - سبحانه - في أن يوحد ويعبد بلا شريك.
    واعتداء على النفس بإيرادها موارد الخسارة والبوار.
    واعتداء على الناس بتعبيدهم لغير ربهم الحق ،
    وإفساد حياتهم بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس هذا الاعتداء ..
    ومن ثم فالشرك ظلم عظيم ،
    كما يقول عنه رب العالمين.
    ولن يفلح الشرك ولا المشركون :
    «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» ..


    «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..

    إن الشرك ألوان ،
    والشركاء ألوان ،
    والمشركين ألوان ..
    وليست الصورة الساذجة التي تتراءى للناس اليوم حين يسمعون كلمة الشرك وكلمة الشركاء وكلمة المشركين : من أن هناك ناسا كانوا يعبدون أصناما أو أحجارا ، أو أشجارا ، أو نجوما ، أو نارا .. إلخ .. هي الصورة الوحيدة للشرك!
    إن الشرك في صميمه هو الاعتراف لغير اللّه - سبحانه - بإحدى خصائص الألوهية .. سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير إرادته للأحداث ومقادير الكائنات.
    أو كانت هي التقدم لغير اللّه بالشعائر التعبدية والنذور وما إليها.
    أو كانت هي تلقي الشرائع من غير اللّه لتنظيم أوضاع الحياة ..
    كلها ألوان من الشرك ، يزاولها ألوان من المشركين ، يتخذون ألوانا من الشركاء!
    والقرآن الكريم يعبر عن هذا كله بالشرك ويعرض مشاهد يوم القيامة تمثل هذه الألوان من الشرك والمشركين والشركاء ولا يقتصر على لون منها ، ولا يقصر وصف الشرك على واحد منها ولا يفرق في المصير والجزاء بين ألوان المشركين في الدنيا وفي الآخرة سواء ..


    ويواجه الله تعالى المشركين بمصيرهم يوم البعث الذى يكذبون به وهم محشورون جميعا ،
    مسؤولون سؤال التبكيت والتأنيب ،
    وسؤال التشهير والتعجيب :
    «أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟» وهم في رعب وفزع ،
    وفي تضعضع وذهول يقسمون باللّه ويعترفون له وحده بالربوبية :
    «وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ»! ..

    «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟» ..
    والمشهد شاخص ،
    والحشر واقع ،
    والمشركون مسؤولون ذلك السؤال العظيم ..
    الأليم :
    «أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟» ..

    «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» ..
    إن الحقيقة التي تجلت عنها الفتنة ،
    أو التي تبلورت فيها الفتنة ،
    هي تخليهم عن ماضيهم كله وإقرارهم بربوبية اللّه وحده وتعريهم من الشرك الذي زاولوه في حياتهم الدنيا ..
    ولكن حيث لا ينفع الإقرار بالحق والتعري من الباطل ..
    فهو إذن بلاء هذا الذي تمثله قولتهم وليس بالنجاة ..
    لقد فات الأوان .. فاليوم للجزاء لا للعمل ..
    واليوم لتقرير ما كان لا لاسترجاع ما كان ..

    لذلك يقرر اللّه سبحانه ، معجبا رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - من أمر القوم ، أنهم كذبوا على أنفسهم يوم اتخذوا هؤلاء الشركاء شركاء ، حيث لا وجود لشركتهم مع اللّه في الحقيقة. وأنهم اليوم غاب عنهم ما كانوا يفترونه ، فاعترفوا بالحق بعد ما غاب عنهم الافتراء :
    «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..

    فالكذب منهم كان على أنفسهم فهم كذبوها وخدعوها يوم اتخذوا مع اللّه شريكا ، وافتروا على اللّه هذا الافتراء. وقد ضل عنهم ما كانوا يفترون وغاب ، في يوم الحشر والحساب!





    "وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ، وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ، حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ ، يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ، وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ. وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ! بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ" ..


    إنهما صفحتان متقابلتان : صفحة في الدنيا يرتسم فيها العناد والإعراض وصفحة في الآخرة يرتسم فيها الندم والحسرة .. يرسمهما السياق القرآني ، ويعرضهما هذا العرض المؤثر الموحي ويخاطب بهما الفطر الجاسية ويهز بها هذه الفطر هزا ، لعل الركام الذي ران عليها يتساقط ، ولعل مغاليقها الصلدة تتفتح ، ولعلها تفيء إلى تدبر هذا القرآن قبل فوات الأوان.

    «وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها» ..

    وهذا يعبر عن قضاء اللّه فيهم بألا يتلقى إدراكهم هذا الحق ولا يفقهه وبألا تؤدي أسماعهم وظيفتها فتنقل إلى إدراكهم ما تسمع من هذا الحق فتستجيب له ، مهما يروا من دلائل الهدى وموحيات الإيمان.
    غير أنه يبقى أن نلتمس سنة اللّه في هذا القضاء ..
    إنه سبحانه يقول :
    «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» ..

    ويقول :
    «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» ..

    فشأن اللّه - سبحانه - أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها .. فأما هؤلاء فلم يتجهوا إلى الهدى ليهديهم اللّه.


    «وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ، وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ» ..

    لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين. وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون!

    «وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ»!
    وهل يهلك إلا نفسه من يجاهد نفسه ويجاهد غيره دون الهدى والصلاح والنجاة ، في الدنيا والآخرة؟

    "وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ ، وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»!

    إنه المشهد المقابل لمشهدهم في الدنيا .. مشهد الاستخذاء والندامة والخزي والحسرة. في مقابل مشهد الإعراض والجدال والنهي والنأي والادعاء العريض!

    «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» ..

    لو ترى ذلك المشهد!
    لو تراهم وقد حبسوا على النار لا يملكون الإعراض والتولي!
    ولا يملكون الجدل والمغالطة! لو ترى لرأيت ما يهول!
    ولرأيتهم يقولون :
    «يا لَيْتَنا نُرَدُّ ، وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» ..
    فهم يعلمون الآن أنها كانت
    «آيات ربنا»! وهم يتمنون لو يردون إلى الدنيا. وعندئذ فلن يكون منهم تكذيب بهذه الآيات ، وعندئذ سيكونون من المؤمنين! ولكنها ليست سوى الأماني التي لا تكون!

    «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ. وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ. وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» ..
    إن اللّه يعلم طبيعتهم ويعلم إصرارهم على باطلهم ويعلم أن رجفة الموقف الرعيب على النار هي التي أنطقت ألسنتهم بهذه الأماني وهذه الوعود ..
    «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» ..


    وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ. قالَ : أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا : بَلى وَرَبِّنا. قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..

    هذا مصير الذين قالوا : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» ..
    وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه ، لا يبرحون الموقف.
    وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب :
    «قالَ : أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟» ..
    وهو سؤال يخزي ويذيب!
    «قالُوا : بَلى وَرَبِّنا» ..
    الآن. وهم موقوفون على ربهم.
    في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون!
    وفي اختصار يناسب جلال الموقف ، ورهبة المشهد ، وهول المصير ،
    يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير :
    «قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..

    «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ. حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا : يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها!» ..

    فهي الخسارة المحققة المطلقة ..
    خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوي الأدنى ..
    وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا ..
    والمفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حسابا :
    «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا : يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها!» ..
    ثم مشهدهم كالدواب الموقرة بالأحمال :
    «وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» ..
    بل الدواب أحسن حالا.
    فهي تحمل أوزارا من الأثقال.
    ولكن هؤلاء يحملون أوزارا من الآثام!
    والدواب تحط عنها أوزارها فتذهب لتستريح.
    وهؤلاء يذهبون بأوزارهم إلى الجحيم. مشيعين بالتأثيم :
    «أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ!» ..

    «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ، وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ. أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» ..

    هذه هي القيمة المطلقة الأخيرة في ميزان اللّه للحياة الدنيا وللدار الآخرة ..


    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  5. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    (تابع الحلقه الثانيه)


    "قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) "

    أن هذه الكلمات موجهة من رب العالمين إلى نبيه الكريم ..
    النبي الصابر من أولي العزم من الرسل ..
    الذي لقي ما لقي من قومه صابرا محتسبا
    ، لم يدع عليهم دعوة نوح - عليه السلام - وقد لقي منهم سنوات طويلة ، ما يذهب بحلم الحليم! ..
    تلك سنتنا - يا محمد - فإن كان قد كبر عليك إعراضهم ، وشق عليك تكذيبهم ، وكنت ترغب في إتيانهم بآية .. إذن .. فإن استطعت فابتغ لك نفقا في الأرض أو سلما في السماء ، فأتهم بآية! ... إن هداهم لا يتوقف على أن تأتيهم بآية. فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول ..

    «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى . فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ».
    و ذلك بيان للفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، ولمواقفهم المختلفة في مواجهة الهدى ، الذي لا تنقصه البينة ولا ينقصه الدليل .

    «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» ..
    إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند اللّه وهم فريقان :

    فريق حي ، أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية ، عاملة ، مفتوحة .. وهؤلاء يستجيبون للهدى. فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه ، فتستجيب له :
    «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» ..

    وفريق ميت ، معطل الفطرة ، لا يسمع ولا يستقبل ،
    ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب ..
    ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه ،
    ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه ، فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة ،
    وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي!
    وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول ،
    ولا مجال معهم للبرهان.
    إنما يتعلق أمرهم بمشيئة اللّه.
    إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم ، وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا ، وبقوا أمواتا بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة.
    «وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» ..
    هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة! تكشف حقيقة الموقف كله ، وتحدد واجب الرسول وعمله ، وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد.

    «وَقالُوا : لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ! قُلْ : إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ ءٍ ، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ، وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..

    إن اتجاه الإنسان إلى طلب الهدى ، أو اتجاهه إلى الضلال ، كلاهما ينشأ من خلقته التي فطره اللّه عليها بمشيئته.
    فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة اللّه.
    والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها اللّه بمشيئته كذلك.


    «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ»
    والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجة من السورة نهى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية - أية آية - مما يطلبون.

    وقيل للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - :
    «وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ. إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» ..

    وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عند ما أقسموا باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها! قيل لهم :
    «قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» ..

    ليعلموا أولا أن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية والدليل على الحق ،
    ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون ،
    وأنهم موتى ،
    وأن اللّه لم يقسم لهم الهدى - وفق سنة اللّه في الهدى والضلال كما أسلفنا - ثم ليعلموا كذلك أن هذا الدين يجري وفق سنة لا تتبدل ،
    وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم!



    «قُلْ : أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ، أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ - إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ - إِنْ شاءَ - وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ» ..

    إنها مواجهة الفطرة بتصور الهول ..
    عذاب اللّه في الدنيا عذاب الهلاك والدمار أو مجيء الساعة على غير انتظار ..
    والفطرة حين تلمس هذه اللمسة وتتصور هذا الهول تدرك - ويعلم اللّه سبحانه أنها تدرك - حقيقة هذا التصور ،
    وتهتز له لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها ، يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور فتهتز لها وترتجف!
    وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم ليكون تعبيرا عن الصدق في فطرتهم :
    «أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ .. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ».
    ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق ، المطابق لما في فطرتهم بالفعل ، ولو لم تنطق به ألسنتهم :
    «بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ .. فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ .. وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ».

    بل تدعونه وحده وتنسون شرككم كله! ..
    إن الهول يعرّي فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى اللّه وحده.
    وتنسى أنها أشركت به أحدا.
    بل تنسى هذا الشرك ذاته.

    «َلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ، فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ، وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ ءٍ ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ».

    واللّه يقول الحق ويعلم ماذا كان ، ولما ذا كان. ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلا - جانبا من أسرار سنته وقدره ليأخذوا حذرهم ويتعظوا وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا. ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون ، استنادا إلى سنة اللّه التي لا تتبدل .. هذه السنة التي يكشف اللّه لهم عنها ..

    لقد أخذهم اللّه بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم ، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى اللّه ، ويتذللون له ، وينزلون عن عنادهم واستكبارهم ، ويدعون اللّه أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة ، فيرفع اللّه عنهم البلاء ، ويفتح لهم أبواب الرحمة ..
    ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريا أن يفعلوا. لم يلجأوا إلى اللّه ، ولم يرجعوا عن عنادهم ، ولم ترد إليهم الشدة وعيهم ، ولم تفتح بصيرتهم ، ولم تلين قلوبهم. وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد :
    «وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..

    «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ ءٍ. حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..

    إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة. وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة! واللّه يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة. يبتلي الطائعين والعصاة سواء. بهذه وبذاك سواء .. والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ، ويبتلى بالرخاء فيشكر. ويكون أمره كله خيرا ..

    وفي الحديث :
    «عجبا للمؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (رواه مسلم).

    فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل ، والتي يقص اللّه من أنبائها هنا. فإنهم لما نسوا ما ذكروا به ، وعلم اللّه - سبحانه - أنهم مهلكون ، وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا .. فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء ..

    والتعبير القرآني :
    «فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ ءٍ» .. يصور الأرزاق والخيرات ، والمتاع ، والسلطان ..
    متدفقة كالسيول بلا حواجز ولا قيود! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة! إنه مشهد عجيب يرسم حالة في حركة على طريقة التصوير القرآني العجيب .
    «حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا» ..
    وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها - بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات ، وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع. وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع ، بعد فساد القلوب والأخلاق وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها ..
    عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل :
    «أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ» ..
    فكان أخذهم على غرة وهم في سهوة وسكرة. فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه. وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم.
    «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا» ..
    ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى! ..
    و«الذين ظلموا» تعني هنا الذين أشركوا ..
    كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين ..
    «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..

    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  6. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم



    (الحلقه الثالثه)


    «قُلْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ!» ..


    .. إن خالق الفطرة البشرية يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد ، وما وراءه من حق ..
    أنها تدرك أن اللّه قادر على أن يفعل بها هذا.
    قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار ،
    وأن يختم على القلوب ،
    فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها.
    وأنه - إن فعل ذلك - فليس هناك من إله غيره يرد بأسه ..

    وفي ظلال هذا المشهد ، الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال ، ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك ، وضلال اتخاذ الأولياء من دون اللّه ..
    في ظلال هذا المشهد يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات ، وينوعها ،
    ثم هم يميلون عنها كالبعير الذي يصدف أي يميل بخفه إلى الجانب الوحشي الخارجي من مرض يصيبه!
    «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ!» ..


    «قُلْ : أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ، هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ؟» ..

    إن عذاب اللّه يأتي في أية صورة وفي أية حالة.
    وسواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقعونه ،
    أو جاءهم جهرة وهم صاحون متأهبون.
    فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين


    «وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» ..

    فالرسول بشر ، يرسله اللّه ليبشر وينذر ، وهنا تنتهي وظيفته ، وتبدأ استجابة البشر ، ويمضي قدر اللّه ومشيئته من خلال هذه الاستجابة ، وينتهي الأمر بالجزاء الإلهي وفق هذه الاستجابة ..
    فمن آمن وعمل صالحا يتمثل فيه الإيمان ، فلا خوف عليه مما سيأتي ولا هو يحزن على ما أسلف.
    فهناك المغفرة على ما أسلف ، والثواب على ما أصلح ..

    ومن كذب بآيات اللّه التي جاءه بها الرسول ، والتي لفته إليها في صفحات هذا الوجود.
    يمسهم العذاب بسبب كفرهم ، الذي يعبر عنه هنا بقوله :
    «بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» حيث يعبر القرآن غالبا عن الشرك والكفر بالظلم والفسق في معظم المواضع ..


    «قُلْ : لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ : إِنِّي مَلَكٌ. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. قُلْ : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ؟ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ؟» ..

    إنه - صلى اللّه عليه وسلم - يؤمر من ربه أن يقدم لهم نفسه بشرا مجردا من كل الأوهام التي سادت الجاهليات عن طبيعة النبي والنبوة.
    وأن يقدم لهم كذلك هذه العقيدة بذاتها مجردة من كل إغراء ..
    لا ثراء. ولا ادعاء ..
    إنها عقيدة يحملها رسول ،
    لا يملك إلا هداية اللّه ، تنير له الطريق!
    ولا يتبع إلا وحي اللّه يعلمه ما لم يكن يعلم ..
    إنه لا يقعد على خزائن اللّه ، ليغدق منها على من يتبعه ،
    ولا يملك مفاتح الغيب ليدل أتباعه على ما هو كائن ولا هو ملك كما يطلبون أن ينزل اللّه ملكا ..
    إنما هو بشر رسول وإنما هي هذه العقيدة وحدها ، في صورتها الناصعة الواضحة البسيطة ..

    ثم ليعلموا أنهم حينئذ إنما يفيئون إلى النور والبصيرة ، ويخرجون من الظلام والعماء :
    «قُلْ : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ؟ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ؟» ..
    ثم .. إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر ،
    والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى ..
    هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة ..
    فما شأن العقل البشري في هذا المجال؟

    سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط ..
    إن هذا العقل الذي وهبه اللّه للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي ،
    وإدراك مدلولاته .. وهذه وظيفته ..
    ثم هذه هي فرصته في النور والهداية وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.


    «وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» ..

    أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ، حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم.
    ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند اللّه إلا بإذنه ،
    وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى اللّه أن يشفع عند اللّه فيهم ..
    فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون اللّه - ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ،
    وأسمع له ، وأكثر انتفاعا به ..
    لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا ما يعرضهم لعذاب اللّه في الآخرة.
    فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح.
    بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه ،
    ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر فلا يقعون فيما نهوا عنة بعد ما تبين لهم .


    «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» ..

    لا تطرد هؤلاء الذين أخلصوا نفوسهم للّه فاتجهوا لعبادته ودعائه في الصباح والمساء يريدون وجهه سبحانه!
    ولا يبتغون إلا وجهه ورضاه ..
    وهي صورة للتجرد ، والحب ، والأدب ..
    فإن الواحد منهم لا يتوجه إلا إلى اللّه وحده بالعبادة والدعاء.
    وهو لا يبغي وجه اللّه ، إلا إذا تجرد.
    وهو لا يبغي وجه اللّه وحده حتى يكون قلبه قد أحب.
    وهو لا يفرد اللّه - سبحانه - بالدعاء والعبادة ابتغاء وجهه إلا ويكون قد تعلم الأدب ، وصار ربانيا يعيش للّه وباللّه ..

    روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ، قال :
    كنا مع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ستة نفر. فقال المشركون للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا! قال : وكنت أنا وابن مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ، ورجلان لست أسميهما .. فوقع في نفس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما شاء اللّه أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل اللّه عز وجل : «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» ..


    «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ ءٍ ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ ءٍ ، فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» ..


    فإن حسابهم على أنفسهم ، وحسابك على نفسك.
    وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند اللّه ، لا شأن لك به.
    كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند اللّه لا شأن لهم به.
    ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه.
    فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان اللّه ، ولا تقوّم بقيمة ..
    فكنت من الظالمين .. وحاشا لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يكون من الظالمين!

    وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبقي ضعاف الجاه الأقوياء باللّه في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم والذي يستحقونه بدعائهم للّه لا يبتغون إلا وجهه.
    واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره اللّه ..

    عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون : كيف يمكن أن يختص اللّه من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء؟

    إنه لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه ولهدانا اللّه به قبل أن يهديهم!
    فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمنُّ اللّه عليهم من بيننا ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه!
    وكانت هذه هي الفتنة التي قدرها اللّه لهؤلاء المتعالين بالمال والنسب والذين لم يدركوا طبيعة هذا الدين وطبيعة الدنيا الجديدة التي يطلع بها على البشرية ، مشرقة الآفاق ،
    مصعدة بهذه البشرية إلى تلك القمة السامقة التي كانت يومذاك غريبة على العرب وعلى الدنيا كلها وما تزال غريبة في ما يسمونه الديمقراطيات على اختلاف أشكالها وأسمائها!
    «وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا : أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟» ..
    ويرد السياق القرآني على هذا الاستفهام الاستنكاري الذي يطلقه الكبراء :
    «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ»؟


    «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ، ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ، فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..

    وهو التكريم - بعد نعمة الإيمان واليسر في الحساب ،
    والرحمة في الجزاء ،
    حتى ليجعل اللّه - سبحانه - الرحمة كتابا على نفسه للذين آمنوا بآياته ويأمر رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - أن يبلغهم ما كتبه ربهم على نفسه.
    وحتى لتبلغ الرحمة أن يشمل العفو والمغفرة الذنب كله ، متى تابوا من بعده وأصلحوا - إذ يفسر بعضهم الجهالة بأنها ملازمة لارتكاب الذنب فما يذنب الإنسان إلا من جهالة وعلى ذلك يكون النص شاملا لكل سوء يعمله صاحبه متى تاب من بعده وأصلح.
    ويؤيد هذا الفهم النصوص الأخرى التي تجعل التوبة من الذنب - أيا كان - والإصلاح بعده ، مستوجبة للمغفرة بما كتب اللّه على نفسه من الرحمة ...


    قال أبو جعفر الطبري : حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو زبيد ، عن أشعث ، عن كردوس الثعلبي ، عن ابن مسعود ، قال :
    مر الملأ من قريش بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ، ونحوهم من ضعفاء المسلمين. فقالوا : يا محمد ، رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك! فنزلت هذه الآية :
    «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» .. «وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ» إلى آخر الآية.


    وقال : حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، قال : حدثنا أبي ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود ، عن خباب في قول اللّه تعالى ذكره :
    «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» .. إلى قوله : «فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» .. قال : جاء الأقرع ابن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب ، في أناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حقروهم. فأتوه فقالوا : إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك ، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال : نعم! قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتابا. قال : فدعا بالصحيفة ، ودعا عليا ليكتب. قال : ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بهذه الآية :

    «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ ءٍ ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ ءٍ ، فَتَطْرُدَهُمْ ، فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» .. ثم قال : «وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا : أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ؟» .. ثم قال : «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» .. فألقى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول : «سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» .. فكنا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا.
    فأنزل اللّه تعالى : «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا» .. (سورة الكهف : 28)
    قال : فكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقعد معنا بعد ، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم !
    وكان - صلى اللّه عليه وسلم - بعدها إذا رآهم بدأهم بالسلام ، وقال : «الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أبدأ هم بالسلام».


    وفي صحيح مسلم : عن عائذ بن عمرو ، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ، ونفر. فقالوا :
    واللّه ما أخذت سيوف اللّه من عدو اللّه مأخذها! قال : فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟
    فأتى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فأخبره. فقال : «يا أبا بكر ، لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك». فأتاهم أبو بكر فقال : يا إخوتاه ، أغضبتكم؟ قالوا : لا. يغفر اللّه لك يا أخي ..


    «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ» ..
    بمثل هذا المنهج ،
    وبمثل هذه الطريقة ،
    وبمثل هذا البيان والتفصيل .. نفصل الآيات
    ، التي لا تدع في هذا الحق ريبة ولا تدع في هذا الأمر غموضا ولا تبقى معها حاجة لطلب الخوارق فالحق واضح ،
    والأمر بين ،
    بمثل ذلك المنهج الذي عرض السياق القرآني منه ذلك النموذج ..

    على أن كل ما سبق في السورة من تفصيل لدلائل الهدى وموحيات الإيمان ومن بيان للحقائق وتقرير للوقائع ، يعتبر داخلا في مدلول قوله تعالى :
    «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ» ..
    أما ختام هذه الآية القصيرة :
    «وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ» ..

    فهو شأن عجيب! ..
    إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة!
    إن هذا المنهج لا يعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب.
    إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضا ..
    إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين.
    وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق!

    ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شيء من هذا ..
    إنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين ،
    في أوطان كانت في يوم من الأيام دارا للإسلام ، يسيطر عليها دين اللّه ، وتحكم بشريعته ..
    ثم إذا هذه الأرض ، وإذا هذه الأقوام ، تهجر الإسلام حقيقة ، وتعلنه اسما.

    وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادا وواقعا.
    وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادا!

    فالإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه .. وشهادة أن لا إله إلا اللّه تتمثل في الاعتقاد بأن اللّه - وحده - هو خالق هذا الكون المتصرف فيه. وأن اللّه - وحده - هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله. وأن اللّه - وحده - هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله .. وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا اللّه - بهذا المدلول - فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد. كائنا ما كان اسمه ولقبه ونسبه. وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا اللّه - بهذا المدلول - فهي أرض لم تدن بدين اللّه ، ولم تدخل في الإسلام بعد ..


    «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ» ..


    أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى اللّه هذه العقبة وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل اللّه لا تصدها شبهة ،
    ولا يعوّقها غبش ،
    ولا يميعها لبس.
    فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم «المسلمون» وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل اللّه هم «المجرمون» ..
    كذلك فإنهم لن يحتملوا متاعب الطريق إلا إذا استيقنوا أنها قضية كفر وإيمان.
    وأنهم وقومهم على مفرق الطريق ،
    وأنهم على ملة وقومهم على ملة.
    وأنهم في دين وقومهم في دين .



    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  7. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم


    (تابع الحلقه الثالثه)

    "قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)"


    هذه عودة إلى «حقيقة الألوهية» بعد بيان «حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول» وبعد استبانة سبيل المجرمين واستبانة سبيل المؤمنين .
    وحقيقة الألوهية تتجلى في مجالات شتى نجملها هنا :

    *تتجلى في قلب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم :
    وهو يجد في نفسه بينة من ربه ،
    هو منها على يقين ،
    لا يزعزعه تكذيب المكذبين.
    ومن ثم يخلص نفسه لربه ،
    ويفاصل قومه مفاصلة المستيقن من ضلالهم يقينه من هداه
    «قُلْ : إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قُلْ : لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ، قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. قُلْ : إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ. ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ» ..

    *وتتجلى في حلم اللّه على المكذبين ،
    وعدم استجابته لاقتراحاتهم أن ينزل عليهم خارقة مادية حتى لا يعجل لهم بالعذاب عند تكذيبهم بها - كما جرت سنته تعالى - وهو قادر عليه.
    ولو كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يملك هذا الذي يستعجلون به ،
    ما أمسكه عنهم ،
    ولضاقت بشريته بهم وبتكذيبهم.
    فإمهالهم هذا الإمهال هو مظهر من مظاهر حلم اللّه ورحمته
    ، كما أنها مجال تتجلى فيه ألوهيته :
    «قُلْ : لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ» ..

    *وتتجلى في علم اللّه بالغيب وإحاطة هذا العلم بكل ما يقع في هذا الوجود في صورة لا تكون إلا للّه ولا يصورها هكذا إلا اللّه :
    «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ..

    *وتتجلى في هيمنة اللّه على الناس وقهره للعباد في كل حالة من حالاتهم ،
    في النوم والصحو ،
    في الموت والحياة ،
    في الدنيا والآخرة :
    «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ، وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ،حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ، وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ. أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ».

    *وتتجلى في فطرة المكذبين أنفسهم ،
    حين يواجهون الهول فلا يدعون إلا اللّه لرفعه عنهم ..
    ثم هم مع ذلك يشركون ، وينسون أن اللّه ، الذي يدعونه لكشف الضر ، قادر على أن يذيقهم ألوان العذاب فلا يدفعه عنهم أحد :
    «قُلْ : مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً : لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ؟ قُلِ : اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ. قُلْ : هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ».


    «قُلْ : إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قُلْ : لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ. قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ، وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» ..


    يأمر اللّه - سبحانه - نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يواجه المشركين هذه المواجهة ،
    وأن يفاصلهم هذه المفاصلة كما أمره من قبل في السورة بمثل هذا وهو يقول :
    «أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ. قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» ..

    ولقد كان المشركون يدعون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يوافقهم على دينهم ، فيوافقوه على دينه!
    وأن يسجد لآلهتهم فيسجدوا لإلهه!
    كأن ذلك يمكن أن يكون!
    وكأن الشرك والإسلام يجتمعان في قلب!
    وكأن العبودية للّه يمكن أن تقوم مع العبودية لسواه!
    وهو أمر لا يكون أبدا. فاللّه أغنى الشركاء عن الشرك.
    وهو يطلب من عباده أن يخلصوا له العبودية ولا يقبل منهم عبوديتهم له إذا شابوها بشيء من العبودية لغيره ..
    في قليل أو كثير ..


    «قُلْ : إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ، ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، يَقُصُّ الْحَقَّ ، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ» ..
    وهو أمر من اللّه - سبحانه - لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجهر في مواجهة المشركين المكذبين بربهم - بما يجده في نفسه من اليقين الواضح الراسخ ، والدليل الداخلي البين .
    وهو الشعور الذي وجده الرسل من ربهم ،
    وعبروا عنه مثل هذا التعبير أو قريبا منه :
    -قالها نوح - عليه السّلام - :
    «قالَ : يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ؟ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ؟» ..
    -وقالها صالح - عليه السّلام - :
    «قالَ : يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً ، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ؟ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ» ..
    -وقالها إبراهيم - عليه السّلام - :
    «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ. قالَ : أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ؟» ..
    -وقالها يعقوب - عليه السّلام - لبنيه :
    «فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ : إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟» ..

    فهي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب أوليائه ممن يتجلى اللّه لهم في قلوبهم فيجدونه - سبحانه - حاضرا فيها ويجدون هذه الحقيقة بينة هنالك في أعماقهم تسكب في قلوبهم اليقين بها.
    وهي الحقيقة التي يأمر اللّه نبيه أن يجهر بها في مواجهة المشركين المكذبين الذين يطلبون منه الخوارق لتصديق ما جاءهم به من حقيقة ربه ،
    الحقيقة التي يجدها هو كاملة واضحة عميقة في قلبه :
    «قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ» ..


    «ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ» ..
    إن إيقاع العذاب بهم بعد مجيء الخارقة وتكذيبهم بها حكم وقضاء وللّه وحده الحكم والقضاء.
    فهو وحده الذي يقص الحق ويخبر به وهو وحده الذي يفصل في الأمر بين الداعي إلى الحق والمكذبين به.
    وليس هذا أو ذلك لأحد من خلقه.

    واستطرادا في بيان حقيقة الألوهية يجلي هذه الحقيقة في مجال ضخم عميق من مجالاتها الفريدة ..
    مجال الغيب المكنون ،
    وعلم اللّه المحيط بهذا الغيب إحاطته بكل شي ء ،
    ويرسم صورة فريدة لهذا العلم ويرسل سهاما بعيدة المدى تشير إلى آماده وآفاقه من بعيد :
    «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ ، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ..
    إنها صورة لعلم اللّه الشامل المحيط الذي لا يند عنه شيء في الزمان ولا في المكان ،
    في الأرض ولا في السماء ،
    في البر ولا في البحر ،
    في جوف الأرض ولا في طباق الجو ،
    من حي وميت ويابس ورطب ...

    ولمسة أخرى من حقيقة الألوهية ..
    لمسة القوة القاهرة فوق العباد.
    والرقابة الدائمة التي لا تغفل.
    والقدر الجاري الذي لا يتقدم ولا يتأخر ،
    والمصير المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب.
    والحساب الأخير الذي لا يني ولا يمهل ..
    وكله من الغيب الذي يلف البشر ويحيط بالناس :
    «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ، حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ، أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ» ..


    «قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً : لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» ..

    إنها تجربة يعرفها كل من وقع في ضيقة ،
    أو رأى المكروبين في لحظة الضيق ..
    وظلمات البر والبحر كثيرة.
    وليس من الضروري أن يكون الليل لتتحقق الظلمات.
    فالمتاهة ظلام ، والخطر ظلام ، والغيب الذي ينتظر الخلق في البر والبحر ظلام..
    وحيثما وقع الناس في ظلمة من ظلمات البر والبحر لم يجدوا في أنفسهم إلا اللّه يدعونه متضرعين أو يناجونه صامتين ..
    إن الفطرة تتعرى حينئذ من الركام فتواجه الحقيقة الكامنة في أعماقها ..
    حقيقة الألوهية الواحدة ..
    وتتجه إلى اللّه الحق بلا شريك لأنها تدرك حينئذ سخافة فكرة الشرك ،
    وتدرك انعدام الشريك!
    ويبذل المكروبون الوعود :
    «لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» ..
    واللّه - سبحانه - يقول لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ليذكرهم بحقيقة الأمر :
    «قُلِ : اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ».
    فليس هنالك غيره يستجيب ،
    ويقدر على دفع الكروب ..
    ثم ليذكرهم بتصرفهم المنكر العجيب :
    «ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ» ..

    وهنا يواجههم ببأس اللّه الذي قد يأخذهم بعد النجاة!
    فما هي مرة وتنتهي ،
    ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون :
    «قُلْ : هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» ..

    وتصور العذاب الغامر من فوق ،
    أو النابع من تحت ،
    أشد وقعا في النفس من تصوره آتيا عن يمين أو شمال.
    فالوهم قد يخيل للإنسان أنه قد يقدر على دفع العذاب من يمين أو شمال!
    أما العذاب الذي يصب عليه من فوق ،
    أو يأخذه من تحت ،
    فهو عذاب غامر قاهر مزلزل ،
    لا مقاومة له ولا ثبات معه!
    والتعبير الموحي يتضمن هذا المؤثر القوي في حس الإنسان ووهمه ،
    وهو يقرر حقيقة قدرة اللّه على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء وكيف شاء.

    ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة اللّه والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء لونا آخر بطيئا طويلا لا ينهي أمرهم كله في لحظة ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار :
    «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» ..
    وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد الذي يذوقونه بأيديهم ،
    ويجرعونه لأنفسهم إذ يجعلهم شيعا وأحزابا ،
    متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض ،
    ولا يفاصل بعضها بعضا ،
    فهي أبدا في جدال وصراع ،
    وفي خصومة ونزاع ،
    وفي بلاء يصبه هذا الفريق. على ذاك ..


    إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم ،
    ثم يزاول هذا الحق فعلا!
    إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعا ملتبسة لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعا واحدا ،
    ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيدا لبعض ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها
    - لأنها غير مقيدة بشريعة من اللّه - ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص ..
    ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض!
    وهم شيع ولكنها ليست متميزة ولا منفصلة ولا مفاصلة!
    والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد!

    وطريق هذه الدعوة واحد.
    ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل اللّه جميعا ،
    صلوات اللّه عليهم وسلامه :
    «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» ..

    واللّه نسأل أن يجعلنا ممن يصرف اللّه لهم الآيات فيفقهون ..

    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  8. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم


    (الحلقه الرابعه)



    "وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)"


    «وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ - وَهُوَ الْحَقُّ - قُلْ : لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» ..


    يأمر اللّه تعالى نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يبرأ من قومه ،
    وينفض منهم يده ،
    وأن يعلنهم بهذه المفاصلة ،
    ويعلمهم أنه لا يملك لهم شيئا وأنه ليس حارسا عليهم ولا موكلا بهم بعد البلاغ ،
    ولا مكلفا أن يهدي قلوبهم - فليس هذا من شأن الرسول - ومتى أبلغهم ما معه من الحق ،
    فقد انتهى بينه وبينهم الأمر وأنه يخلي بينهم وبين المصير الذي لا بد أن ينتهي إليه أمرهم. فإن لكل نبأ مستقرا ينتهي إليه ويستقر عنده. وعندئذ يعلمون ما سيكون!


    «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» ..

    وفي هذا الإجمال من التهديد ما يزلزل القلوب ..

    إنها الطمأنينة الواثقة بالحق الواثقة بنهاية الباطل مهما تبجح ،
    الواثقة بأخذ اللّه للمكذبين في الأجل المرسوم ،
    الواثقة من أن كل نبأ إلى مستقر وكل حاضر إلى مصير.

    وما أحوج أصحاب الدعوة إلى اللّه - في مواجهة التكذيب من قومهم ،
    والجفوة من عشيرتهم ، والغربة في أهلهم ، والأذى والشدة والتعب واللأواء ..

    ما أحوجهم إلى هذه الطمأنينة الواثقة التي يسكبها القرآن الكريم في القلوب!
    فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ ، وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة ..

    فإنه - صلى اللّه عليه وسلم - مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات اللّه بغير توقير ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة ويجعلون الدين موضعا للعب واللهو بالقول أو بالفعل حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه. فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم ، ثم تذكر ، قام من فوره وفارق مجلسهم :

    «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..

    ولقد كان هذا الأمر للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويمكن في حدود النص أن يكون أمرا لمن وراءه من المسلمين ..

    «وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ ءٍ ، وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» .
    .


    فليست هنالك تبعة مشتركة بين المتقين والمشركين.
    فهما أمتان مختلفتان - وإن اتحدتا في الجنس والقوم فهذه لا وزن لها في ميزان اللّه ، ولا في اعتبار الإسلام ..
    إنما المتقون أمة ، والظالمون (أي المشركون) أمة ،
    وليس على المتقين شيء من تبعة الظالمين وحسابهم.
    ولكنهم إنما يقومون بتذكيرهم رجاء أن يتقوا مثلهم ، وينضموا إليهم ..
    وإلا فلا مشاركة في شي ء ، إذا لم تكن مشاركة في عقيدة!



    «وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ، وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها. أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا ، لَهُمْ شَرابٌ مِنْ
    حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» ..


    ونقف من الآية أمام عدة أمور :


    أولها :

    أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم - وينسحب الأمر على كل مسلم - مأمور أن يهمل شأن الذين يتخذون دينهم لعبا ولهوا ..
    وهذا يتم بالقول كما يتم بالفعل ..
    فالذي لا يجعل لدينه وقاره واحترامه باتخاذه قاعدة حياته اعتقادا وعبادة ،
    وخلقا وسلوكا ،
    وشريعة وقانونا ،
    إنما يتخذ دينه لعبا ولهوا ..

    و الذين ينكرون حاكمية اللّه المطلقة في حياة الناس الواقعية : السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية ..

    ويقولون : إن للبشر أن يزاولوا هذا الاختصاص دون التقيد بشريعة اللّه ...
    أولئك جميعا من المعنيين في هذه الآيات بأنهم يتخذون دينهم لعبا ولهوا.
    وبأن المسلم مأمور بمفاصلتهم ومقاطعتهم إلا للذكرى.
    وبأنهم الظالمون - أي المشركون - والكافرون الذين أبسلوا بما كسبوا ،
    فلهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ..


    وثانيها :

    أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وينسحب الأمر على كل مسلم - مأمور بعد إهمال شأن هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا - أن يقوم بتذكيرهم وتخويفهم من أن ترتهن نفوسهم بما كسبوا ، وأن يلاقوا اللّه ليس لهم من دونه ولي ينصرهم ، ولا شفيع لهم كما أنه لا يقبل منهم فدية لتطلق نفوسهم بعد ارتهانها بما كسبت.

    فأما أولئك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا فهؤلاء قد ارتهنوا بما كسبوا وحق عليهم ما سبق في الآية وكتب عليهم هذا المصير :

    «أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا ، لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» .
    .

    لقد أخذوا بما فعلوا وهذا جزاؤهم :
    شراب ساخن يشوي الحلوق والبطون وعذاب أليم بسبب كفرهم ،
    الذي دل عليه استهزاؤهم بدينهم ..

    وثالثها
    :

    قول اللّه تعالى في المشركين :
    «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً» ..

    فهل هو دينهم؟ ..


    إن النص ينطبق على من دخل في الإسلام ، ثم اتخذ دينه هذا لعبا ولهوا ..
    وقد وجد هذا الصنف من الناس وعرف باسم المنافقين .. ولكن هذا كان في المدينة ..

    فهل هو ينطبق على المشركين الذين لم يدخلوا في الإسلام؟

    إن الإسلام هو الدين .. هو دين البشرية جميعا ..
    سواء من آمن به ومن لم يؤمن ..
    فالذي رفضه إنما رفض دينه ..
    باعتبار أنه الدين الوحيد الذي يعده اللّه دينا ويقبله من الناس بعد بعثة خاتم النبيين.


    ورابعها :


    حدود مجالسة الظالمين - أي المشركين - والذين يتخذون دينهم لعبا ولهوا ..




    "قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)"



    «قُلْ : أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا؟» ..

    قل لهم يا محمد ما هم عليه من دعوة غير اللّه والاستعانة به وإسلام مقادهم لهؤلاء الذين يدعونهم من دونه ،
    وهم لا يملكون نفعا ولا ضرا.
    ان ما يدعونه وثنا أو صنما ، حجرا أو شجرا ، روحا أم ملكا ،
    شيطانا أم إنسانا.

    فكلهم سواء في أنهم لا ينفعون شيئا ولا يضرون.
    فهم أعجز من النفع والضر.
    وكل حركة إنما تجري بقدر من اللّه.

    فما لم يأذن به اللّه لا يكون ،
    ولا يكون إلا قدره وما جرى به قضاؤه من الأمور

    قل لهم مستنكرا دعوة غير اللّه ، وعبادة غير اللّه ، والاستعانة بغير اللّه ، والخضوع لغير اللّه. وسخف هذا التصرف وهذا الاتجاه ..
    وسواء كان ذلك ردا على ما كان يقترحه المشركون على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من مشاركتهم عبادة آلهتهم ليشاركوه عبادة ربه!
    أو كان ذلك استنكارا مبتدأ لما عليه المشركون ،
    وإعلانا للمفارقة والمفاصلة فيه من جانب النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ..



    «قُلْ : أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا؟» ..


    فهو ارتداد على الأعقاب ورجوع إلى الوراء بعد التقدم والارتقاء ..

    «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ .. حَيْرانَ .. لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى : ائْتِنا» ..


    إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد ،
    ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد ،والآلهة المتعددة من العبيد!
    ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال ، فيذهب في التيه ..

    إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس :
    «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ» -
    ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله - ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه ،
    فيكون له اتجاه صاحب القصد الموحد - ولو في طريق الضلال!
    -
    ولكن هناك ، من الجانب الآخر ، أصحاب له مهتدون ، يدعونه إلى الهدى ، وينادونه
    «ائتنا» - وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء «حيران» لا يدري أين يتجه ، ولا أي الفريقين يجيب!
    إنه العذاب النفسي يرتسم ويتحرك ،
    حتى ليكاد يحس ويلمس من خلال التعبير!




    «قُلْ : إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى » ..


    هو وحده الهدى وإنه لكذلك عن يقين ..

    وإن البشرية لتخبط في التيه ، كلما تركت هذا الهدى ، أو انحرفت عن شيء منه واستبدلت به شيئا من تصوراتها هي ومقولاتها ،
    وأنظمتها وأوضاعها ، وشرائعها وقوانينها ، وقيمها وموازينها ،
    بغير «علم» ولا «هدى» ولا «كتاب منير» ..



    «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ» ..

    إن ذكر الربوبية للعالمين هنا له موضعه ..
    إنه يقرر الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها وهي استسلام الوجود كله ،
    وما فيه من عوالم مشهودة ومغيبة ،للنواميس التي وضعها اللّه لها وهي لا تملك الخروج عليها

    وبعد إعلان الاستسلام لرب العالمين تجيء التكاليف التعبدية والشعورية :

    «وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ».


    فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين ،
    وسلطانه وتربيته وتقويمه.
    ثم تجيء العبادات الشعائرية
    لتقوم على قاعدة الاستسلام ..
    فإنها لا تقوم إلا إذا رسخت هذه القاعدة ليقوم عليها البناء.


    وهنا مجموعه من الحقائق الأساسية في العقيدة :

    حقيقة الحشر ..
    وحقيقة الخلق.
    وحقيقة السلطان.
    وحقيقة العلم بالغيب والشهادة.
    وحقيقة الحكمة والخبرة ..


    و من خصائص الألوهية ، التي هي الموضوع الرئيسي في هذه السورة :

    «وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. وَيَوْمَ يَقُولُ : كُنْ فَيَكُونُ. قَوْلُهُ الْحَقُّ ، وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» ..

    «وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» ..


    إن الاستسلام لرب العالمين ضرورة وواجب ..
    فهو الذي إليه تحشر الخلائق ..
    فأولى لهم أن يقدموا بين يدي الحشر - الحتمي - ما ينجيهم وأولى لهم أن يستسلموا اليوم له استسلام العالمين قبل أن يقفوا أمامه مسؤولين .


    «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» ..


    فاللّه وحده هو الذي يؤمرون بالاستسلام له هو الذي خلق السماوات والأرض - والذي يخلق يملك ويحكم ويقضي ويتصرف -

    ولقد خلق السماوات والأرض «بالحق».

    «وَيَوْمَ يَقُولُ : كُنْ فَيَكُونُ» ..

    فهو السلطان القادر ، وهي المشيئة الطليقة ، في الخلق والإبداع والتغيير والتبديل ..


    «قَوْلُهُ الْحَقُّ» ..

    سواء في القول الذي يكون به الخلق : «كن فيكون».
    أو في القول الذي يأمر به بالاستسلام له وحده.
    أو في القول الذي يشرع به للناس حين يستسلمون.
    أو في القول الذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل.
    وعن الخلق والنشأة والحشر والجزاء.
    قوله الحق في هذا كله ..
    فأولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضر من خلقه.
    ومن يتبعون قول غيره .


    «وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» .
    .
    ففي هذا اليوم يوم الحشر .. يوم ينفخ في الصور
    وهو اليوم الذي يكون فيه البعث والنشر بكيفية غيبية لا يعلمها البشر ،
    فهي من غيب اللّه الذي احتفظ به.

    في هذا اليوم الذي ينفخ فيه في الصور يبرز - حتى للمنكرين - ويظهر - حتى للمطموسين - أن الملك للّه وحده ،
    وأنه لا سلطان إلا سلطانه ،
    ولا إرادة إلا إرادته ..
    فأولى لمن يأبون الاستسلام له في الدنيا طائعين أن يستسلموا قبل أن يستسلموا لسلطانه المطلق يوم ينفخ في الصور.


    «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» ..
    «وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» ..

    يصرف أمور الكون الذي خلقه ،
    وأمور العباد الذين يملكهم في الدنيا والآخرة بالحكمة والخبرة ..
    فأولى أن يستسلموا لتوجيهه وشرعه ،
    ويسعدوا بآثار حكمته وخبرته.
    ويفيئوا إلى هداه وحده.
    ويخرجوا من التيه ، ومن الحيره
    إلى ظلال الحكمة والخبرة
    وإلى كنف الهدى والبصيرة ..



    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  9. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم


    (الحلقه الخامسه)


    "وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)
    إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)
    وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88)
    أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (90) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
    وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)"


    .. إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة - وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، وما بينهما من ارتباطات - ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة .. يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه

    يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح - عليه السّلام ، إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم -
    وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية -
    كما تتجلى في فطرة عبد من عباد اللّه الصالحين - إبراهيم عليه السّلام - ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة ،
    وهي تبحث عن إلهها الحق ، الذي تجده في أعماقها ، بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها.
    إلى أن يخلص لها تصور حق ، يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق.
    ويقوم على ما تجده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس!

    ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليه السّلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق ،
    واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه :

    «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ. قالَ : أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟».


    ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول يقوده الرهط الكريم من رسل اللّه على توالي العصور حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له ،
    يتناثر على جانبي الموكب الجليل ،
    الماضي في طريقه الموصول.
    وحيث يلتحم آخره مع أوله فيؤلف الأمة الواحدة ،
    يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها ،
    دون اعتبار لزمان أو مكان ودون اعتبار لجنس أو قوم ، ودون اعتبار لنسب أو لون ..
    فالحبل الموصول بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم.



    إنه مشهد رائع كذلك يبدو من خلال قول اللّه تعالى لرسوله الكريم بعد استعراض الموكب العظيم :

    «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ. فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. قُلْ : لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ» ..



    وبعد استعراض هذا الموكب الجليل يجيء التنديد بمن يزعمون أن اللّه لم يرسل رسلا ، ولم ينزل على بشر كتابا ..
    إنهم لم يقدروا اللّه حق قدره.
    فما قدر اللّه حق قدره من يقول :
    إنه - سبحانه - تارك الناس لأنفسهم وعقولهم وما يتعاورها من الأهواء والشهوات والضعف والقصور.
    فما يليق هذا بألوهية اللّه وربوبيته ،
    وعلمه وحكمته وعدله ورحمته ..
    إنما اقتضت رحمة اللّه وعلمه ورحمته وعدله أن يرسل إلى عباده رسلا ،
    وأن ينزل على بعض الرسل كتبا ،
    ليحاولوا جميعا هداية البشرية إلى بارئها ،
    واستنقاذ فطرتها من الركام الذي يرين عليها ،
    ويغلق منافذها ،
    ويعطل أجهزة الالتقاط والاستجابة فيها ..

    ويضرب مثلا الكتاب الذي أنزل على موسى.
    وهذا الكتاب الذي يصدق ما بين يديه من الكتب جميعا ..
    وينتهي باستنكار الافتراء ممن يفتري على اللّه ،
    وادعاء من يزعم أنه يوحى إليه من اللّه ،
    وادعاء القدرة على تنزيل مثل ما أنزل اللّه ..
    وهي الدعاوى التي كان يدعيها بعض من يواجهون الدعوة الإسلامية ،
    وفيهم من ادعى الوحي وفيهم من ادعى النبوة.


    وفي الختام يجيء مشهد الاحتضار المكروب للمشركين :

    «وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ، وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ، وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ! لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ!» ..


    هو مشهد كئيب مكروب رعيب يجلله الهوان ويصاحبه التنديد والتأنيب.
    جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب ..



    «قالَ : يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»
    ..

    فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض.
    الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك.
    وهي الكلمة الفاصلة ، واليقين الجازم ، والاتجاه الأخير ..
    فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة
    التي في الضمير


    «وَكيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ ، وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟».

    إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق هذا الوجود.
    إنه إن كان أحد قمينا بالخوف فليس هو إبراهيم -
    وليس هو المؤمن الذي يضع يده في يد اللّه ويمضي في الطريق -
    وكيف يخاف آلهة عاجزة - كائنة ما كانت هذه الآلهة ، والتي تتبدى أحيانا في صورة جبارين في الأرض بطاشين وهم أمام قدرة اللّه مهزولون مضعوفون!



    «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ، أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» ..


    الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم للّه ،
    لا يخلطون بهذا الإيمان شركا في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه.
    هؤلاء لهم الأمن ، وهؤلاء هم المهتدون ..

    روى ابن جرير - بإسناده - عن عبد اللّه بن إدريس ،
    قال : «لما نزلت هذه الآية : «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» ، شق ذلك على أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقالوا : أينا لم يظلم نفسه؟ قال :
    فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - «ليس كما تظنون. وإنما هو ما قال لقمان لابنه : «لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»
    ..


    وروى كذلك - بإسناده - عن ابن المسيب ، أن عمر بن الخطاب قرأ :
    «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ» فلما قرأها فزع. فأتى أبيّ بن كعب. فقال : يا أبا المنذر ، قرأت آية من كتاب اللّه. من يسلم؟
    فقال : ما هي؟ .. فقرأها عليه .. فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال : غفر اللّه لك! أما سمعت اللّه تعالى ذكره يقول :

    «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»؟ إنما هو : ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.


    وروى - بإسناده - عن أبي الأشعر العبدي عن أبيه ، أن زيد بن صوحان سأل سلمان ، فقال :
    يا أبا عبد اللّه ، آية من كتاب اللّه قد بلغت مني كل مبلغ : «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ»! فقال سلمان :
    هو الشرك باللّه تعالى ذكره. فقال زيد : ما يسرني بها أني لم أسمعها منك ، وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه.




    «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .


    وهذا تقرير لينابيع الهدى في هذه الأرض.
    فهدى اللّه للبشر يتمثل فيما جاءت به الرسل.
    وينحصر المستيقن منه ،
    والذي يجب اتباعه ، في هذا المصدر الواحد ،
    الذي يقرر اللّه - سبحانه - أنه هو هدى اللّه وأنه هو الذي يهدي إليه من يختار من عباده ..
    ولو أن هؤلاء العباد المهديين حادوا عن توحيد اللّه وتوحيد المصدر الذي يستمدون منه هداه ، وأشركوا باللّه في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي ، فإن مصيرهم أن يحبط عنهم عملهم :
    أي أن يذهب ضياعا.


    «أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ. فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» ..

    وهذا هو التقرير الثاني .. فقرر في الأول مصدر الهدى ،
    وقصره على هدى اللّه الذي جاءت به الرسل.
    وقرر في الثاني أن الرسل الذين ذكرهم والذين أشار إليهم ، هم الذين آتاهم اللّه الكتاب والحكمة والسلطان والنبوة
    - «والحكم» يجيء بمعنى الحكمة .


    "أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. قُلْ : لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ» .
    .

    وهو التقرير الثالث ..
    فهؤلاء الرهط الكرام الذين يقودون موكب الإيمان ،
    هم الذين هداهم اللّه.
    وهداهم الذي جاءهم من اللّه فيه القدوة لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن آمن به.
    فهذا الهدى وحده هو الذي يسير عليه.
    وهذا الهدى وحده هو الذي يحتكم إليه ،
    وهذا الهدى وحده هو الذي يدعو إليه ويبشر به ..
    قائلا لمن يدعوهم :

    «لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً» .. «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ» ..
    للعالمين .. لا يختص به قوم ولا جنس ولا قريب ولا بعيد ..
    إنه هدى اللّه لتذكير البشر كافة.
    ومن ثم فلا أجر عليه يتقاضاه. وإنما أجره على اللّه!



    «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْ ءٍ. قُلْ : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ - تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً - وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ؟ قُلِ : اللَّهُ. ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ. وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» ..

    لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يقولون :
    إن اللّه لم يرسل رسولا من البشر ولم ينزل كتابا يوحي به إلى بشر.
    بينما كان إلى جوارهم في الجزيرة أهل الكتاب من اليهود ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب ،
    ولا أن اللّه أنزل التوراة على موسى - عليه السّلام - إنما هم كانوا يقولون ذلك القول في زحمة العناد واللجاج ،
    ليكذبوا برسالة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - لذلك يواجههم القرآن الكريم بالتنديد بقولتهم :
    ما أنزل اللّه على بشر من شيء كما يواجههم بالكتاب الذي جاء به موسى من قبل
    !


    «وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» .
    .


    فالذين يؤمنون بأن هناك آخرة وحسابا وجزاء ،
    يؤمنون بأن اللّه لا بد مرسل للناس رسولا يوحي إليه ولا يجدون في نفوسهم مشقة في التصديق به بل إنهم ليجدون داعيا يدعوهم إلى هذا التصديق.
    كما أنهم لإيمانهم بالآخرة وبهذا الكتاب يحافظون على صلاتهم ،
    ليكونوا على صلة دائمة وثيقة باللّه وليقوموا بطاعته ممثلة في الصلاة .






    «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ، أَوْ قالَ : أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ ءٌ ، وَمَنْ قالَ : سَأُنْزِلُ مِثْلَما أَنْزَلَ اللَّهُ؟ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ، وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ. الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ ، بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ! لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ»
    ..
    وقد ورد عن قتادة وابن عباس - رضي اللّه عنهم - أن الآية نزلت في مسيلمة الكذاب وسجاح بنت الحارث زوجته والأسود العنسي وهم الذين تنبأوا في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وادعوا أن اللّه أوحى إليهم.

    أما الذي قال سأنزل مثلما أنزل اللّه - أو قال أوحي إلى كذلك - ففي رواية عن ابن عباس أنه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وكان أسلم وكتب الوحي لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأنه لما نزلت الآية التي في «المؤمنون» :
    «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» دعاه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فأملاها عليه.
    فلما انتهى إلى قوله :
    «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ» عجب عبد اللّه في تفصيل خلق الإنسان فقال : «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ». فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : «هكذا أنزلت عليّ» .. فشك عبد اللّه حينئذ وقال :
    لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال! فارتد عن الإسلام ، ولحق بالمشركين. فذلك قوله :
    «وَمَنْ قالَ : سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» .. (رواه الكلبي عن ابن عباس) ..



    «وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» ..

    وجزاء الاستكبار العذاب المهين ،
    وجزاء الكذب على اللّه هذا التأنيب الفاضح ..




    «وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ» ..

    هؤلاء الذين كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم في الشدائد ، وكنتم تشركونهم في حياتكم وأموالكم ،
    وتقولون :
    إنهم سيكونون عند اللّه شفعاءكم (كالذي كانوا يقولون : «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى!»)
    سواء كانوا ناسا من البشر كهانا أو ذوي سلطان أو كانوا تماثيل من الحجر ،
    أو أوثانا ، أو جنا أو ملائكة ، أو كواكب أو غيرها مما يرمزون به إلى الآلهة الزائفة ،
    ويجعلون له شركا في حياتهم وأموالهم وأولادهم .

    فأين؟ أين ذهب الشركاء والشفعاء؟


    «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ» ..

    تقطع كل شيء. كل ما كان موصولا.
    كل سبب وكل حبل! «
    وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» ..

    وغاب عنكم كل ما كنتم تدّعونه من شتى الدعاوى.
    ومنها أولئك الشركاء ،
    وما لهم من شفاعة عند اللّه أو تأثير في عالم الأسباب!
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  10. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم






    (الحلقه السادسه)


    "إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

    وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)
    وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109)
    وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)"


    إن معجزة انبثاق الحياة من الموات يجيء ذكرها كثيرا في القرآن الكريم - كما يجيء ذكر خلق الكون ابتداء - في معرض التوجيه إلى حقيقة الألوهية ،
    وآثارها الدالة على وحدة الخالق ،
    لينتهي منها إلى ضرورة وحدة المعبود ،
    الذي يدين له العباد بالاعتقاد في ألوهيته وحده ،
    والطاعة لربوبيته وحده ،
    والتقدم إليه وحده بالشعائر التعبدية ،
    والتلقي منه وحده في منهج الحياة كله ،
    والدينونة لشريعته كذلك وحدها ..


    إن هذا الدين يهدف إلى تقويم تصور البشر - بإعطائهم العقيدة الصحيحة - لينتهي إلى تقويم حياة البشر الباطنة والظاهرة.


    وذلك لا يكون أبدا إلا بردهم إلى عبادة اللّه وحده وإخراجهم من عبادة العباد.
    وإلا أن تكون الدينونة في الحياة الدنيا ،
    وفي شئون الحياة اليومية للّه وحده ،
    وإلا أن يخرج الناس من سلطان المتسلطين ،
    الذين يدعون حق الألوهية ، فيزاولون الحاكمية في حياة البشر ،
    ويصبحون آلهة زائفة وأربابا كثيرة فتفسد الحياة ، حين يستعبد الناس فيها لغير اللّه!



    «إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» ..

    فالإيمان هو الذي يفتح القلب ،
    وينير البصيرة ، وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة ،
    ويصل الكائن الإنساني بالوجود ،
    ويدعو الوجدان إلى الإيمان باللّه خالق الجميع ..
    وإلا فإن هناك قلوبا مغلقة ،
    وبصائر مطموسة ،
    وفطرا منتكسة ،
    تمر بهذا الإبداع كله ، وبهذه الآيات كلها ،
    فلا تحس بها ولا تستجيب ..




    «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ»
    ، وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون!




    «وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ - وَخَلَقَهُمْ - وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ! بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ؟ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»



    فإذا كان اللّه سبحانه هو الذي «خلقهم» فكيف يكونون شركاء له في الألوهية والربوبية؟!
    ولم تكن تلك وحدها دعواهم.
    فأوهام الوثنية متى انطلقت لا تقف عند حد من الانحراف.
    بل كانوا يزعمون له سبحانه بنين وبنات :

    «وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ».



    «بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْ ءٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..


    إن الذي يبدع هذا الوجود إبداعا من العدم ما تكون حاجته إلى الخلف!؟
    والخلف إنما هو امتداد الفانين ، وعون الضعفاء ، ولذة من لا يبدعون!

    ثم هم يعرفون قاعدة التكاثر .. أن يكون للكائن صاحبة أنثى من جنسه ..
    فكيف يكون للّه ولد - وليست له صاحبة - وهو - سبحانه - مفرد أحد ، ليس كمثله شيء.
    فأنى يكون النسل بلا تزاوج؟!



    «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» ..


    لتقرير أن الذي يعبد ويخضع له ويطاع ،
    ويعترف له بالدينونة وحده هو خالق كل شي ء ،
    فلا إله إذن غيره ، ولا رب إذن سواه .



    إن تفرد اللّه سبحانه بالخلق ، يفرده سبحانه بالملك.
    والمتفرد بالخلق والملك يتفرد كذلك بالرزق.
    فهو خالق خلقه ومالكهم ، فهو كذلك يرزقهم من ملكه الذي ليس لأحد شرك فيه.
    فكل ما يقتاته الخلق وكل ما يستمتعون به فإنما هو من هذا الملك الخالص للّه ..
    فإذا تقررت هذه الحقائق .. الخلق والملك والرزق ..



    تقرر معها - ضرورة وحتما - أن تكون الربوبية له سبحانه.
    فتكون له وحده خصائص الربوبية - وهي القوامة والتوجيه والسلطان الذي يخضع له ويطاع ،
    والنظام الذي يتجمع عليه العباد وتكون له وحده العبادة بكل مدلولاتها.
    ومنها الطاعة والخضوع والاستسلام.



    والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود اللّه اليوم قلة. وسيظلون قلة.
    إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية.
    وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير اللّه ..
    وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية ، وكل الجاهليات أيضا!




    «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» ..


    فهذا الذي جاء من عند اللّه ..
    بصائر ..
    والبصائر تهتدي وتهدي ..
    وهذا بذاته .. بصائر .. تهدي.

    فمن أبصر فلنفسه فإنما يجد الهدى والنور.
    وليس وراء ذلك إلا العمى.
    فما يبقى على الضلال بعد هذه الآيات والبصائر إلا أعمى .. معطل الحواس. مغلق المشاعر. مطموس الضمير ..


    و النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يعلن براءته من أمرهم ومغبته :

    «وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» ..



    «وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ، وَلِيَقُولُوا : دَرَسْتَ ، وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا. وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» ..

    إن اللّه يصرف آياته على هذا المستوي الذي لا عهد للعرب به لأنه ليس نابعا من بيئتهم
    - كما أنه ليس نابعا من البيئة البشرية على العموم -
    فينتهي هذا التصريف إلى نتيجتين متقابلتين في البيئة :



    فأما الذين لا يريدون الهدى ،
    ولا يرغبون في العلم ،
    ولا يجاهدون ليبلغوا الحقيقة ..
    فهؤلاء سيحاولون أن يجدوا تعليلا لهذا المستوي الذي يخاطبهم به محمد - وهو منهم - وسيختلقون ما يعلمون أنه لم يقع.
    فما كان شيء من حياة محمد خافيا عليهم قبل الرسالة ولا بعدها ..
    ولكنهم يقولون : درست هذا يا محمد مع أهل الكتاب وتعلمته منهم!
    وما كان أحد من أهل الكتاب يعلم شيئا على هذا المستوي ..



    ويصدر الأمر العلوي للنبي الكريم ،
    وقد صرف اللّه الآيات ، فافترق الناس في مواجهتها فريقين ..
    يصدر الأمر العلوي للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - أن يتبع ما أوحي إليه ،
    وأن يعرض عن المشركين ، فلا يحفلهم ولا يحفل ما يقولون من قول متهافت ،
    ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم ولجاجهم.
    فإنما سبيله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه فيصوغ حياته كلها على أساسه ويصوغ نفوس أتباعه كذلك.
    ولا عليه من المشركين فإنما هو يتبع وحي اللّه ، الذي لا إله إلا هو ، فماذا عليه من العبيد؟!

    «اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» ..


    ولو شاء اللّه أن يلزمهم الهدى لألزمهم ، ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم.

    ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال ،
    وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به ،
    ولكنها لا ترغم إنسانا على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره اللّه له. باستعداداته هذه وتصرفاته :

    «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا» ..
    وليس الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - مسؤولا عن عملهم ،
    وهو لم يوكل بقلوبهم فالوكيل عليها هو اللّه :

    «وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» ..




    «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ. كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ. ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ».



    إن الطبيعة التي خلق اللّه الناس بها ، أن كل من عمل عملا ، فإنه يستحسنه ، ويدافع عنه!
    فإن كان يعمل الصالحات استحسنها ودافع عنها.
    وإن كان يعمل السيئات استحسنها ودافع عنها.
    وإن كان على الهدى رآه حسنا ،
    وإن كان على الضلال رآه حسنا كذلك!
    فهذه طبيعة في الإنسان .. وهؤلاء يدعون من دون اللّه شركاء ..
    مع علمهم وتسليمهم بأن اللّه هو الخالق الرازق ..
    ولكن إذا سب المسلمون آلهتهم هؤلاء اندفعوا وعدوا عما يعتقدونه من ألوهية اللّه ،
    دفاعا عما زين لهم من عبادتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وتقاليدهم! ..

    فليدعهم المؤمنون لما هم فيه :
    «ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» ..
    وهو أدب يليق بالمؤمن ،
    المطمئن لدينه ،
    الواثق من الحق الذي هو عليه. الهادئ القلب ، الذي لا يدخل فيما لا طائل وراءه من الأمور.
    فإن سب آلهتهم لا يؤدي بهم إلى الهدى ولا يزيدهم إلا عنادا.
    فما للمؤمنين وهذا الذي لا جدوى وراءه.
    وإنما قد يجرهم إلى سماع ما يكرهون.
    من سب المشركين لربهم الجليل العظيم؟!





    «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها. قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ. وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ؟ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ ، كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» ..


    إن القلب الذي لا يؤمن بآيات اللّه المبثوثة في هذا الوجود - بعد توجيهه إليها على هذا النحو العجيب الذي تكفل به هذا الكتاب العجيب -
    ولا توحي آيات اللّه المبثوثة في الأنفس والآفاق إليه أن يبادر إلى ربه ، ويثوب إلى كنفه ..
    إن هذا القلب هو قلب مقلوب ..
    والذي عاق هؤلاء عن الإيمان في أول الأمر ،
    ما الذي يدري المسلمين الذين يقترحون إجابة طلبهم ،
    أن يعوقهم عن الإيمان بعد ظهور الخارقة؟
    إن اللّه هو الذي يعلم حقيقة هذه القلوب ..
    وهو يذر المكذبين في طغيانهم يعمهون ،
    لأنه يعلم منهم أنهم يستحقون جزاء التكذيب كما يعلم عنهم أنهم لا يستجيبون ..
    لا يستجيبون ولو نزل إليهم الملائكة كما يقترحون!
    ولو بعث لهم الموتى يكلمونهم - كما اقترحوا كذلك!
    - ولو حشر اللّه عليهم كل شيء في هذا الوجود يواجههم ويدعوهم إلى الإيمان!
    .. إنهم لا يؤمنون - إلا أن يشاء اللّه - واللّه سبحانه لا يشاء ،
    لأنهم هم لا يجاهدون في اللّه ليهديهم اللّه إليه ..




    والآن نتحدث عن الحقائق العامة التي تتناولها هذه النصوص والتي لم نتعرض لها هناك في تفسيرها :

    والحقيقة الأولى :
    هي أن الإيمان أو الكفر. والهدى أو الضلال ... لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق.

    فالحق هو برهان ذاته.
    وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله ويطمئن إليه ويرضخ له ..
    ولكنها المعوقات الأخرى هي التي تحول بين القلب والحق ،
    وهذه المعوقات يقول اللّه - سبحانه - للمؤمنين بشأنها :

    «وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون» ..

    إن موحيات الإيمان كامنة في القلب ذاته وفي الحق كذلك بذاته وليست متعلقة بعوامل خارجية ..

    فيجب أن تتجه المحاولة إذن إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومن معوقاته ..


    والحقيقة الثانية :
    هي أن مشيئة اللّه هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال.
    فقد اقتضت هذه المشيئة أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء وجعل هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان.
    فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه والرغبة فيه - وإن كان لا يعلم حينئذ أين هو - فقد اقتضت مشيئة اللّه أن يأخذه بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله.
    ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وموحياته ، فقد اقتضت مشيئة اللّه أن يضله وأن يبعده عن الطريق وأن يدعه يتخبط في الظلمات ..
    وإرادة اللّه وقدره محيطان بالبشر في كل حالة ، ومرد الأمر كله إليه في النهاية.



    وهذه الحقيقة يشير إليها السياق في قوله تعالى :


    «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ - كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ - وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ».
    وفي قوله : «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» ..
    و قوله تعالى :
    «اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا. وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» ..


    «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً - وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ - فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ...» ..

    والحقيقة الثالثة :
    هي أن الطائعين والعصاة في قبضة اللّه سواء ، وتحت قهره وسلطانه سواء.
    فهم لا يملكون جميعا أن يحدثوا شيئا إلا بقدر اللّه وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد ..


    إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون ..
    شياطين الإنس والجن ..
    تتجمع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقررة ..
    هي عداء الحق الممثل في رسالات الأنبياء وحربه ..
    خطة مقررة فيها وسائلها ..
    «يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا» ..
    يمد بعضهم بعضا بوسائل الخداع والغواية وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضا!
    وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق وأهله ..
    إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم ويعين بعضهم بعضا على الضلال أيضا!
    إنهم لا يهدون بعضهم البعض إلى الحق أبدا.
    ولكن يزين بعضهم لبعض عداء الحق وحربه والمضي في المعركة معه طويلا!


    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  11. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم


    (الحلقه السابعه)



    "أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)
    وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (123)وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127)"




    الآن نجيء إلى قضية الحل والحرمة فيما ذكر اسم اللّه عليه وما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح ..
    وهي تأخذ أهميتها من ناحية تقرير المبدأ الإسلامي الأول :
    مبدأ حق الحاكمية المطلقة للّه وحده وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور ..
    وحين تكون القضية هي قضية هذا المبدأ فإن الصغيرة تكون كالكبيرة في تحقيق هذا المبدأ أو نقضه ..
    ولا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة يؤكل منها أولا يؤكل أو أن يكون أمر دولة تقام أو نظام مجتمع يوضع. فهذه كتلك من ناحية المبدأ.
    وهذه كتلك تعني الاعتراف بألوهية اللّه وحده أو تعني رفض هذه الألوهية.



    «وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا» ..


    لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه ،
    ولتتمثل فيه حاكمية اللّه وألوهيته.
    ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلا ،
    محتويا على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة.
    كما أنه تضمن أحكاما تفصيلية في المسائل التي يريد اللّه تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة ..
    وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير اللّه في شأن من شؤون الحياة ..

    هذا ما يقرره اللّه - سبحانه - عن كتابه. فمن شاء أن يقول :
    إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل ..
    ولكن ليقل معه ..
    إنه - والعياذ باللّه - كافر بهذا الدين ،
    مكذب بقول رب العالمين!



    وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من اللّه بالحق.
    وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به ،
    ومن هذا الحق الذي يحتويه.
    وما يزالون - من أجل علمهم بهذا كله - يحاربون هذا الدين ،
    ويحاربون هذا الكتاب ،
    حربا لا تهدأ ..
    وأشد هذه الحرب وأنكاها ،
    هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر.
    وجعل غير اللّه حكما ،
    حتى لا تقوم لكتاب اللّه قائمة ،
    ولا يصبح لدين اللّه وجود.
    وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها للّه وحده يوم كانت تحكمها شريعة اللّه التي في كتابه ولا تشاركها شريعة أخرى ،
    ولا يوجد إلى جوار كتاب اللّه كتب أخرى ،
    تستمد منها أوضاع المجتمع ،
    وأصول التشريعات ،
    ويرجع إليها ويستشهد بفقراتها كما يستشهد المسلم بكتاب اللّه وآياته!
    وأهل الكتاب - من صليبيين وصهيونيين - من وراء هذا
    كله ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة!




    «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» ..


    ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية ..
    لم يكونوا يجعلون اللّه هو الحكم في أمرهم كله ،
    ولم يكونوا يجعلون شريعة اللّه التي في كتابه هي قانونهم كله.
    ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم ،
    ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى اللّه وتوجيهه ..
    ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا إلى الضلال ..
    كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس ..
    والظن والحدس لا ينتهيان إلا إلى الضلال ..
    وكذلك حذر اللّه رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل اللّه ..





    إن النص القرآني لقاطع في أن طاعة المسلم لأحد من البشر في جزئية من جزئيات التشريع التي لا تستمد من شريعة اللّه ،
    ولا تعتمد على الاعتراف له وحده بالحاكمية ..
    أن طاعة المسلم في هذه الجزئية تخرجه من الإسلام للّه ، إلى الشرك باللّه.


    وفي هذا يقول ابن كثير :

    «وقوله تعالى : (وَ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) .. أي حيث عدلتم عن أمر اللّه لكم وشرعه ، إلى قول غيره ، فقدمتم عليه غيره .. فهذا هو الشرك .. كقوله تعالى : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» ..

    وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال :
    يا رسول اللّه ما عبدوهم. فقال : «بلى! إنهم أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال. فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم».
    كذلك روى ابن كثير عن السدي في قوله تعالى : «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ...»
    الآية قوله : (استنصحوا الرجال ، ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى : «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً»

    أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام.
    وما حلله فهو الحلال ،
    وما شرعه اتبع ،
    وما حكم به نفذ) ..


    فهذا قول السدي وذاك قول ابن كثير ..
    وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح - مستمدة من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه ،
    ومن حسم التفسير النبوي للقرآن وصرامته ووضوحه كذلك -
    أن من أطاع بشرا في شريعة من عند نفسه ،
    ولو في جزئية صغيرة ،
    فإنما هو مشرك.
    وإن كان في الأصل مسلما ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضا ..

    مهما بقي بعد ذلك يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه بلسانه. بينما هو يتلقى من غير اللّه ، ويطيع غير اللّه.






    «أو من كان ميتا فأحييناه ، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟
    كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون. وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وإذا جاءتهم آية قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه. اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه وعذاب شديد بما كانوا يمكرون. فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ، كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون».


    إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراف والاطلاع ..
    فهو ظلمة ..
    وختم على الجوارح والمشاعر ..
    فهو ظلمة ..

    وتيه في التيه وضلال ..
    فهو ظلمة ..


    وإن الإيمان تفتح ورؤية ،
    وإدراك واستقامة ..
    فهو نور بكل مقومات النور ..


    إن الكفر انكماش وتحجر ..
    فهو ضيق ..
    وشرود عن الطريق الفطري الميسر ..
    فهو عسر ..
    وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن ..
    فهو قلق ..


    وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة وظل ممدود ..






    «أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها؟».


    كذلك كان المسلمون قبل هذا الدين.
    قبل أن ينفخ الإيمان في أرواحهم فيحييها ،
    ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيوية والحركة والتطلع والاستشراف ..
    كانت قلوبهم مواتا.
    وكانت أرواحهم ظلاما ..
    ثم إذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتز ،
    وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضي ء ،
    ويفيض منها النور فتمشي به في الناس تهدي الضال ،
    وتلتقط الشارد ،
    وتطمئن الخائف ،
    وتحرر المستعبد ،
    وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد.
    الإنسان المتحرر المستنير الذي خرج بعبوديته للّه وحده من عبودية العبيد!

    أفمن نفخ اللّه في روحه الحياة ،
    وأفاض على قلبه النور ..
    كمن حاله أنه في الظلمات ،
    لا مخرج له منها؟

    إنهما عالمان مختلفان شتان بينهما شتان!
    فما الذي يمسك بمن في الظلمات والنور حوله يفيض؟!!!






    «وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ، وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ».


    إنها سنة من أصل الفطرة ..
    أن يرسل اللّه رسله بالحق ..
    بهذا الحق الذي يجرد مدعي الألوهية من الألوهية والربوبية والحاكمية.
    فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين اللّه ورسل اللّه.
    ثم يمكرون مكرهم في القرى ،
    ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
    ويتعاونون مع شياطين الجن في المعركة مع الحق والهدى ،
    وفي نشر الباطل والضلال ،
    واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي ..


    إنها سنة جارية.
    ومعركة محتومة.
    لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل بين القاعدة الأولى في دين اللّه
    - وهي رد الحاكمية كلها للّه -
    وبين أطماع المجرمين في القرى.
    بل بين وجودهم أصلا ..


    معركة لا مفر للنبي أن يخوضها ،
    فهو لا يملك أن يتقيها ،
    ولا مفر للمؤمنين بالنبي أن يخوضوها وأن يمضوا إلى النهاية فيها ..
    واللّه سبحانه يطمئن أولياءه ..
    إن كيد أكابر المجرمين - مهما ضخم واستطال - لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف.
    إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فاللّه وليهم فيها ،
    وهو حسبهم ، وهو يرد على الكائدين كيدهم :

    «وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ».
    فليطمئن المؤمنون!




    «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ» ..


    إن الرسالة أمر هائل خطير.
    أمر كوني تتصل فيه الإرادة الأزلية الأبدية بحركة عبد من العبيد.
    ويتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود.
    وتتصل فيه السماء بالأرض ،
    والدنيا بالآخرة ،
    ويتمثل فيه الحق الكلي ،
    في قلب بشر ،
    وفي واقع ناس ،
    وفي حركة تاريخ.
    وتتجرد فيها كينونة بشرية من حظ ذاتها لتخلص للّه كاملة ،
    لا خلوص النية والعمل وحده ،
    ولكن كذلك خلوص المحل الذي يملؤه هذا الأمر الخطير.



    «سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ» ..
    والصغار عند اللّه يقابل الاستعلاء عند الأتباع ،
    والاستكبار عن الحق ،
    والتطاول إلى مقام رسل اللّه! ..

    والعذاب الشديد يقابل المكر الشديد ،
    والعداء للرسل ،
    والأذى للمؤمنين.







    «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ .. كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» ..


    من يقدر اللّه له الهداية - وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء -
    «يشرح صدره للإسلام» فيتسع له ويستقبله في يسر ورغبة ، ويتفاعل معه ، ويطمئن إليه ويستروح به ويستريح له.


    ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه - «يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» .. فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله ، «كأنما يصعد في السماء» .. وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية ، من ضيق النفس ، وكربة الصدر ، والرهق المضني في التصعد إلى السماء!



    فالعقيده و الشريعه صراط اللّه المستقيم...

    والخروج في واحدة منهما هو الخروج عن هذا الصراط المستقيم.
    والاستقامة عليهما معا ..
    العقيدة والشريعة ..

    هي الاستقامة على الصراط المؤدي إلى دار السلام ،
    وولاية اللّه لعباده الذاكرين :

    «وهذا صراط ربك مستقيما. قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون. لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون» ..
    هذا هو الصراط ..
    صراط ربك ..
    بهذه الإضافة المطمئنة الموحية بالثقة المبشرة بالنهاية ..
    هذه هي سنته في الهدى والضلال وتلك هي شريعته في الحل والحرمة.
    كلاهما سواء في ميزان اللّه ،
    وكلاهما لحمة في سياق قرآنه.


    وقد فصل اللّه آياته وبينها.
    ولكن الذين يتذكرون ولا ينسون ولا يغفلون هم الذين ينتفعون بهذا البيان وهذا التفصيل. فالقلب المؤمن قلب ذاكر لا يغفل.
    وقلب منشرح مبسوط مفتوح.
    وقلب حي يستقبل ويستجيب.

    والذين يتذكرون ،
    لهم دار السلام عند ربهم ..
    دار الطمأنينة والأمان ..
    مضمونة عند ربهم لا تضيع ..
    وهو وليهم وناصرهم وراعيهم وكافلهم ..
    ذلك بما كانوا يعملون ..
    فهو الجزاء على النجاح في الابتلاء.






    «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ! وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ : رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا! قالَ : النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها - إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ - إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .. وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ .. يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟ قالُوا : شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا! وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ»
    ..


    إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة.
    فإن الظالمين - وهم الذين يشركون باللّه في صورة من الصور -
    يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى ويعين بعضهم بعضا
    في عداء كل نبي والمؤمنين به.
    إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة -
    مهما اختلفت الأشكال - هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة ،
    تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس ،
    كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية اللّه ..





    «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟ قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ»
    «وغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ»


    وهو تعقيب لتقرير حقيقة حالهم في الدنيا.
    فقد غرتهم هذه الحياة وقادهم الغرور إلى الكفر.
    ثم هاهم أولاء يشهدون على أنفسهم به حيث لا تجدي المكابرة والإنكار ..
    فأي مصير أبأس من أن يجد الإنسان نفسه في هذا المأزق ،
    الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه فيه ،
    ولا بكلمة الإنكار!
    ولا بكلمة الدفاع!



    «ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى - بِظُلْمٍ - وَأَهْلُها غافِلُونَ» ..


    لقد اقتضت رحمة اللّه بالناس ألا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل ، على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها - فقد تضل هذه الفطر -
    وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك -
    فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات -
    وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات -
    فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري.


    لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام ،
    واستنقاذ العقل من الانحراف ،
    واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس.
    وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار.


    وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة اللّه بهذا الإنسان وفضله ،
    كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال ،
    ولا تهدي إلى يقين ،
    ولا تصبر على ضغط الشهوات ..

    ما لم تساندها العقيدة وما لم يضبطها الدين ...




    اللّه - سبحانه - إنما يرسل رسله رحمة بالعباد فهو غني عنهم وعن إيمانهم به وعبادتهم له.
    وإذا أحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة.
    كذلك تتجلى رحمته في الإبقاء على الجيل العاصي الظالم المشرك ،
    وهو القادر على أن يهلكه ،
    وينشئ جيلا آخر يستخلفه :

    «وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ. كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ».




    «قُلْ : يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ».



    إنه تهديد الواثق من الحق الذي معه ،
    والحق الذي وراءه ومن القوة التي في الحق ،
    والقوة التي وراء الحق ..


    التهديد من الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بأنه نافض يديه من أمرهم ،
    واثق مما هو عليه من الحق ،
    واثق من منهجه وطريقه ،
    واثق كذلك مما هم عليه من الضلال ،
    وواثق من مصيرهم الذي هم إليه منتهون :

    «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» ..
    فهذه هي القاعدة التي لا تتخلف ..
    إنه لا يفلح المشركون ،
    الذين يتخذون من دون اللّه أولياء.
    وليس من دون اللّه ولي ولا نصير.
    والذين لا يتبعون هدى اللّه.
    وليس وراءه إلا الضلال البعيد وإلا الخسران المبين ..





    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)

    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  12. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم




    (الحلقه الثامنه)

    "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (137) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)"


    «وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً. فَقالُوا : هذا لِلَّهِ - بِزَعْمِهِمْ - وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ، وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ. ساءَ ما يَحْكُمُونَ!» ..

    وهو يصف تصورات الجاهلية وتقاليدها في الحرث والأنعام -
    أن اللّه هو الذي أنشأ لهم هذه الزروع والأنعام فما من أحد غير اللّه يرزق الناس من الأرض والسماء ..
    ثم يذكر بعد هذا التقرير ما يفعلونه بما رزقهم.
    إذ يجعلون له منه سبحانه جزءا ،
    ويجعلون لأوثانهم وأصنامهم جزءا .
    ثم هم بعد ذلك يجورون على الجزء الذي جعلوه للّه.

    عن ابن عباس قال :
    كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حزما ، جعلوا منه للّه سهما وسهما لآلهتهم.
    وكانت إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه للّه ،
    ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم.
    وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه للّه إلى الذي جعلوه لآلهتهم ،
    أقروه ولم يردوه.
    فذلك قوله :
    «ساءَ ما يَحْكُمُونَ».

    وعن مجاهد قال :
    يسمون للّه جزءا من الحرث ،
    ولشركائهم وأوثانهم جزءا.
    فما ذهبت به الريح مما سموا للّه إلى جزء أوثانهم تركوه.
    وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء اللّه ردوه.
    وقالوا :«اللّه عن هذا غني»!
    والأنعام : السائبة والبحيرة التي سموا.

    وعن قتادة قال :
    عمد ناس من أهل الضلالة فجزأوا من حروثهم ومواشيهم جزءا للّه وجزءا لشركائهم
    وكانوا إذا خالط شيء مما جزأوا للّه فيما جزأوا لشركائهم خلوه.
    فإذا خالط شيء مما جزأوا لشركائهم فيما جزأوا للّه ردوه على شركائهم.
    وكانوا إذا أصابتهم السنة (يعني الجدب) استعانوا بما جزأوا للّه ،
    وأقروا ما جزأوا لشركائهم.
    قال اللّه ،
    «ساءَ ما يَحْكُمُونَ».


    وعن السدي قال :
    كانوا يقسمون من أموالهم قسما فيجعلونه للّه ،
    ويزرعون زرعا فيجعلونه للّه.
    ويجعلون لآلهتهم مثل ذلك ..
    فما خرج للآلهة أنفقوه عليها ،
    وما خرج للّه تصدقوا به.
    فإذا هلك الذي يصنعون لشركائهم ، وكثر الذي للّه ،
    قالوا : «ليس بد لآلهتنا من نفقة»! وأخذوا الذي للّه فأنفقوه على آلهتهم.
    وإذا أجدب الذي للّه ، وكثر الذي لآلهتهم ، قالوا : «لو شاء أزكى الذي له»!
    فلا يردون عليه شيئا مما للآلهة.
    قال اللّه .. لو كانوا صادقين فيما قسموا لبئس إذن ما حكموا : أن يأخذوا مني ولا يعطوني! فذلك حين يقول :
    «ساءَ ما يَحْكُمُونَ».

    وعن ابن جرير :
    وأما قوله :
    «ساءَ ما يَحْكُمُونَ» فإنه خبر من اللّه جل ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم.
    يقول جل ثناؤه :
    وقد أساءوا في حكمهم ، إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم ، ولم يعطوني من نصيب شركائهم.
    وإنما عنى بذلك - تعالى ذكره - الخبر عن جهلهم وضلالتهم ،
    وذهابهم عن سبيل الحق ، بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم ،
    وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى ،
    ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، حتى فضلوه في أقسامهم عن أنفسهم بالقسم عليه!

    وكما زين الشركاء والشياطين لهم ذلك التصرف في أموالهم كذلك زينوا لهم قتل أولادهم ..
    وذلك ما كانوا يفعلونه من وأد البنات خشية الإملاق -
    أو خشية السبي والعار - ومن قتل بعض الأبناء في النذر للآلهة
    كالذي روي عن عبد المطلب من نذره ذبح أحد ولده ،
    إن رزقه اللّه بعشرة منهم يحمونه ويمنعونه!

    «لِيُرْدُوهُمْ ، وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ».

    ليهلكوهم وليجعلوا دينهم عليهم ملتبسا غامضا لا يقفون منه على تصور واضح ..
    فأما الهلاك فيتمثل ابتداء في قتلهم لأولادهم ويتمثل أخيرا في فساد الحياة الاجتماعية بجملتها ،
    وصيرورة الناس ماشية ضالة يوجهها رعاتها المفسدون حيثما شاءوا ،
    وفق أهوائهم ومصالحهم!
    حتى ليتحكمون في أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالقتل والهلاك .

    إنه فعل الشياطين ..
    شياطين الإنس والجن ..
    وإنها الجاهلية تختلف أشكالها وصورها ،
    وتتحد جذورها ومنابعها ،
    وتتماثل قوائمها وقواعدها ..

    إنهم ما كانوا يجرؤون على أن يقولوا :
    إن هذه التصورات والتصرفات من عند أنفسهم.
    إنما يفترون على اللّه ، فيزعمون أنه هو شرعها لهم ..
    ينسبونها بذلك إلى شريعة إبراهيم وإسماعيل - بزعمهم!
    كذلك يفعل الشياطين اليوم في الجاهليات الحديثة ..


    «وَقالُوا : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ، لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ - بِزَعْمِهِمْ - وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا - افْتِراءً عَلَيْهِ - سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ» ..

    فهؤلاء المعتدون على سلطان اللّه ، الذين يدعون - مع ذلك - أن ما يشرعونه هو شريعة اللّه ،
    قد عمدوا إلى بعض الزروع وبعض الأنعام ،
    فعزلوها لآلهتهم - كما تقدم - وقالوا : هذه الأنعام وهذه الثمار محرمة عليهم لا يطعمونها. لا يطعمها إلا من شاء اللّه! - بزعمهم!
    - والذي يقرر ما يقرر في هذا الشأن هم بطبيعة الحال الكهنة والسدنة والرؤساء!
    وعمدوا إلى أنعام فجعلوا ظهورها حراما على الركوب.
    كما عمدوا إلى أنعام فقالوا : هذه لا يذكر اسم اللّه عليها عند ركوبها ولا عند حلبها ، ولا عند ذبحها ..
    إنما تذكر أسماء الآلهة وتخلص لها! كل ذلك «افْتِراءً عَلَى اللَّهِ»!


    «وَقالُوا : ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ. سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» ..

    لقد استطردوا في أوهام التصورات والتصرفات ، النابعة من انحرافات الشرك والوثنية ،
    ومن ترك أمر التحليل والتحريم للرجال مع الادعاء بأن ما يشرعه الرجال هو الذي شرعه اللّه.
    استطردوا في هذه الأوهام فقالوا عن الأجنة التي في بطون بعض الأنعام -
    ولعلها تلك المسماة البحيرة والسائبة والوصيلة - إنها خالصة للذكور منهم حين تنتج ،
    محرمة على الإناث ، إلا أن تكون ميتة فيشارك فيها الإناث الذكور ..
    هكذا بلا سبب ولا دليل ولا تعليل ، إلا أهواء الرجال التي يصوغون منها دينا غامضا ملتبسا في الأفهام.

    ويعقب السياق القرآني تعقيب التهديد لمن صاغوا هذه الشرائع وكذبوا على اللّه فوصفوها بأنها من شرع اللّه :

    «سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ» ..

    «إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» ..


    ألا إنها الخسارة الفادحة -
    هنا في الدنيا قبل الآخرة - حين تنحرف البشرية عن صراط اللّه المستقيم
    وتتردى في حمأة الجاهلية وترجع إلى العبودية الذليلة لأرباب من العبيد :

    «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ - سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ - وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ - افْتِراءً عَلَى اللَّهِ - قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» ..

    خسروا الخسارة المطلقة.
    خسروا في الدنيا والآخرة.
    خسروا أنفسهم وخسروا أولادهم.
    خسروا عقولهم وخسروا أرواحهم.
    خسروا الكرامة التي جعلها اللّه لهم بإطلاقهم من العبودية لغيره وأسلموا أنفسهم لربوبية العبيد حين أسلموها لحاكمية العبيد!
    وقبل ذلك كله خسروا الهدى بخسارة العقيدة ،
    خسروا الخسارة المؤكدة ،
    وضلوا الضلال الذي لا هداية فيه :
    «قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ».


    «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ، وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ، مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ. كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ ، وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ، وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.

    إن اللّه - سبحانه - هو الذي خلق هذه الجنات ابتداء -
    فهو الذي أخرج الحياة من الموات -
    وهذه الجنات منها الإنسيات المعروشات التي يتعهدها الإنسان بالعرائش والحوائط ومنها البريات التي تنبت بذاتها - بقدر اللّه -
    وتنمو بلا مساعدة من الإنسان ولا تنظيم.
    وإن اللّه هو الذي أنشأ النخل والزرع مختلف الألوان والطعوم والأشكال.
    وإن اللّه هو الذي خلق الزيتون والرمان ،
    منوع الصنوف متشابها وغير متشابه ،
    وإنه - سبحانه - هو الذي خلق هذه الأنعام وجعل منها «حمولة» عالية القوائم بعيدة عن الأرض حمالة للأثقال.
    وجعل منها «فرشا» صغيرة الأجسام قريبة من الأرض يتخذ من أصوافها وأشعارها الفرش ..

    إنه هو - سبحانه - الذي بث الحياة في هذه الأرض ونوّعها هذا التنويع
    وجعلها مناسبة للوظائف التي تتطلبها حياة الناس في الأرض ..
    فكيف يذهب الناس - في مواجهة هذه الآيات وهذه الحقائق - إلى تحكيم غير اللّه في شأن الزروع والأنعام والأموال؟


    «ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ : مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ. قُلْ : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ! وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ. قُلْ : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا؟ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..

    فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل والتي ذكر في الآية السابقة أن اللّه خلقها لهم ،
    هي ثمانية أزواج - وكل من الذكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عند ما يكون مع رفيقه - زوج من الضأن وزوج من المعز.
    فأي منها حرمه اللّه على أي من الناس؟ أم إنه حرم أجنتها في البطون؟
    «نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ..
    فهذه الشئون لا يفتى فيها بالظن ،
    ولا يقضى فيها بالحدس ،
    ولا يشرع فيها بغير سلطان معلوم.
    وبقية الأزواج ذكر وأنثى من الإبل وذكر وأنثى من البقر.
    فأيها كذلك حرم؟ أم أجنتها هي التي حرمها اللّه على الناس؟
    ومن أين هذا التحريم :
    «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا؟» ..
    فحضرتم وشهدتم وصية اللّه لكم خاصة بهذا التحريم.
    فما ينبغي أن يكون هناك تحريم بغير أمر من اللّه مستيقن ،
    لا يرجع فيه إلى الرجم والظنون.

    وبهذا يرد أمر التشريع كله إلى مصدر واحد ..
    وقد كانوا يزعمون أن اللّه هو الذي شرع هذا الذي يشرعونه.
    لذلك يعاجلهم بالتحذير والتهديد :

    «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ..


    إنه لا أحد أظلم ممن يفتري على اللّه شريعة لم يأذن بها ،
    ثم يقول : شريعة اللّه!
    وهو يقصد أن يضل الناس بغير علم ،
    إنما هو يحيلهم إلى هدى أو ظن ..
    أولئك لن يهديهم اللّه فقد قطعوا ما بينهم وبين أسباب الهدى.
    وأشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانا ..
    إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ..

    الآن يقرر لهم ما حرمه اللّه عليهم من هذا كله.
    ما حرمه اللّه حقا عن بينة ووحي ، لا عن ظن ووهم.
    واللّه هو صاحب الحاكمية الشرعية ،
    الذي إذا حرم الشيء فهو حرام ،
    وإذا أحله فهو حلال بلا تدخل من البشر ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع ..

    و يذكر ما حرمه اللّه على اليهود خاصة ، وأحله للمسلمين ،
    فقد كان عقوبة خاصة لليهود على ظلمهم وبعدهم عن شرع اللّه!
    «قُلْ : لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ، أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ - فَإِنَّهُ رِجْسٌ - أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. فَمَنِ اضْطُرَّ - غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ - فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما - إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ - ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ. فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ : رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» ..


    «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا ، وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْ ءٍ. كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا. قُلْ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ»

    إن اللّه لا يكلف الناس أن يعلموا غيب مشيئته وقدره حتى يكيفوا أنفسهم على حسبه.
    إنما يكلفهم أن يعلموا أوامره ونواهيه ،
    ليكيفوا أنفسهم على حسبها ..
    وهم حين يحاولون هذا يقرر اللّه سبحانه أنه يهديهم إليه ، ويشرح صدورهم للإسلام ..
    وهذا حسبهم في القضية التي تبدو عندئذ - في واقعها العملي - يسيرة واضحة ، بريئة من غموض ذلك الجدل وتحكماته!
    إن اللّه قادر لو شاء على أن يخلق بني آدم ابتداء بطبيعة لا تعرف إلا الهدى ،
    أو يقهرهم على الهدى.
    أو يقذف بالهدى في قلوبهم فيهتدوا بلا قهر ...
    ولكنه - سبحانه - شاء غير هذا!
    شاء أن يبتلي بني آدم بالقدرة على الاتجاه إلى الهدى أو الضلال ،
    ليعين من يتجه منهم إلى الهدى على الهدى ،
    وليمد من يتجه منهم إلى الضلال في غيه وفي عمايته .. وجرت سنته بما شاء ..
    «قُلْ : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ».


    «قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا. فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ. وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» ..

    إنها مواجهة هائلة ، ومواجهة كذلك فاصلة.
    ودلالتها على طبيعة هذا الدين غير خافية ..
    إن هذا الدين يسوي بين الشرك العلني الواضح باتخاذ آلهة أخرى مع اللّه
    وبين الشرك الآخر الذي يتمثل في مزاولة حق الحاكمية والتشريع للناس بما لم يأذن به اللّه -
    دون اعتبار لما يدعونه هم من أن ما يشرعونه هو شريعة اللّه!
    - كما أنه يصم الذين يرتكبون هذه الفعلة بأنهم يكذبون بآيات اللّه ،
    ولا يؤمنون بالآخرة ، وهم بربهم يعدلون ..
    أي يجعلون له أندادا تعدله ..

    إن اللّه قد حكم على المشرعين للناس من عند أنفسهم - مهما قالوا إنه من شرع اللّه - بأنهم يكذبون بآياته.

    لأن آياته::
    - إن كان المراد بها آياته الكونية -
    كلها تشهد بأنه الخالق الرازق الواحد ..
    والخالق الرازق هو المالك.
    فيجب أن يكون وحده المتصرف الحاكم ..
    فمن لم يفرده - سبحانه - بالحاكمية فقد كذب بآياته هذه ..

    وإن كان المقصود آياته القرآنية ،
    فالنصوص فيها حاسمة وصريحة وواضحة في وجوب إفراده - سبحانه - بالحاكمية في حياة البشر الواقعية ،
    واتخاذ شريعته وحدها قانونا ،
    وتعبيد الناس له وحده بالشرع النافذ والحكم القاهر ..

    كذلك حكم عليهم - سبحانه - بأنهم لا يؤمنون بالآخرة ..
    فالذي يؤمن بالآخرة ،
    ويوقن أنه ملاق ربه يوم القيامة ،
    لا يمكن أن يعتدي على ألوهية اللّه ،
    ويدعي لنفسه حقه الذي يتفرد به.
    وهو حق الحاكمية المطلقة في حياة البشر.
    ممثلة هذه الحاكمية في قضائه وقدره ،
    وفي شريعته وحكمه ..
    ثم حكم عليهم في النهاية بأنهم بربهم يعدلون ..
    أي أنه حكم عليهم بالشرك الذي وصف به الكافرين ..

    ذلك أنهم لو كانوا موحدين ما شاركوا اللّه - سبحانه - في حق الحاكمية الذي تفرد به.
    أو ما قبلوا من عبد أن يدعيه ويزاوله وهم راضون!


    «قُلْ : تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ : أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ - لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها - وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا - وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى - وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ..».

    قل : تعالوا أقص عليكم ما حرمه عليكم ربكم - لا ما تدعون أنتم أنه حرمه بزعمكم - !
    لقد حرمه عليكم «ربكم» الذي له وحده حق الربوبية - وهي القوامة والتربية والتوجيه والحاكمية -
    وإذن فهو اختصاصه ، وموضع سلطانه.
    فالذي يحرم هو «الرب» واللّه هو وحده الذي يجب أن يكون ربا ..

    «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» ..

    القاعدة التي يقوم عليها بناء العقيدة
    وترجع إليها التكاليف والفرائض ،
    وتستمد منها الحقوق والواجبات ..

    القاعدة التي يجب أن تقوم أولا قبل الدخول في الأوامر والنواهي
    وقبل الدخول في التكاليف والفرائض ،
    وقبل الدخول في النظام والأوضاع
    وقبل الدخول في الشرائع والأحكام ..

    يجب ابتداء أن يعترف الناس بربوبية اللّه وحده لهم في حياتهم
    كما يعترفون بألوهيته وحده في عقيدتهم لا يشركون معه أحدا في ألوهيته ،
    ولا يشركون معه أحدا في ربوبيته كذلك.
    يعترفون له وحده بأنه المتصرف في شؤون هذا الكون في عالم الأسباب والأقدار
    ويعترفون له وحده بأنه المتصرف في حسابهم وجزائهم يوم الدين
    ويعترفون له وحده بأنه هو المتصرف في شؤون العباد في عالم الحكم والشريعة كلها سواء ..

    إنها تنقية الضمير من أوشاب الشرك ،
    وتنقية العقل من أوشاب الخرافة ،
    وتنقية المجتمع من تقاليد الجاهلية ،
    وتنقية الحياة من عبودية العباد للعباد ..

    إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم.
    وهو المنكر الأول الذي يجب حشد الإنكار كله له حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا اللّه ،
    ولا رب لهم إلا اللّه ،
    ولا حاكم لهم إلا اللّه ،
    ولا مشرع لهم إلا اللّه.
    كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير اللّه ..

    وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر ،
    من عبادة أو خلق أو عمل ..

    إن اللّه قبل أن يوصي الناس أي وصية ،
    أوصاهم ألا يشركوا به شيئا.

    في موضع من السياق القرآني يحدد المعنيّ بالشرك الذي تبدأ بالنهي عنه جميع الوصايا!
    إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد باللّه على بصيرة ،
    وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط
    وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية ..
    فلا تظل نهبا لريح الشهوات والنزوات ،
    واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات ..

    ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة :
    الشرك ،
    والزنا ،
    وقتل النفس ..
    ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة!

    الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة
    والثانية جريمة قتل للجماعة ،
    والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة ..

    إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة.
    والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة ،
    منتهية حتما إلى الدمار.

    ولقد كانت الجاهليات - كما هي اليوم - تفصل بين العقيدة والعبادات ، وبين الشرائع والمعاملات ..
    من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب :
    «قالُوا : يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشاء»؟!

    «وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى »

    وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل ،
    على هدى من الاعتصام باللّه وحده ، ومراقبة اللّه وحده ،
    اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى ،
    وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد ..
    لذلك يعقب على هذا الأمر - وعلى الوصايا التي قبله - مذكرا بعهد اللّه :
    «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا»
    ..
    ومن عهد اللّه قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى.
    ومن عهد اللّه توفية الكيل والميزان بالقسط.
    ومن عهد اللّه ألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
    ومن عهد اللّه حرمة النفس إلا بالحق ..

    وقبل ذلك كله ..
    من عهد اللّه ألا يشركوا به شيئا.
    فهذا هو العهد الأكبر ،
    المأخوذ على فطرة البشر ،
    بحكم خلقتها متصلة بمبدعها.

    ... هذه القواعد الأساسية الواضحة التي تكاد تلخص العقيدة الإسلامية وشريعتها الاجتماعية
    مبدوءة بتوحيد اللّه ومختومة بعهد اللّه ،
    وما سبقها من حديث الحاكمية والتشريع ...
    هذه هي صراط اللّه المستقيم ..
    صراطه الذي ليس وراءه إلا السبل المتفرقة عن السبيل :

    «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ..

    إنه صراط واحد - صراط اللّه -
    وسبيل واحدة تؤدي إلى اللّه ..
    أن يفرد الناس اللّه - سبحانه - بالربوبية ،
    ويدينوا له وحده بالعبودية
    وأن يعلموا أن الحاكمية للّه وحده
    وأن يدينوا لهذه الحاكمية في حياتهم الواقعية ..
    هذا هو صراط اللّه وهذا هو سبيله ..
    وليس وراءه إلا السبل التي تتفرق بمن يسلكونها عن سبيله.

    «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ..


    فالتقوى هي مناط الاعتقاد والعمل.
    والتقوى هي التي تفيء بالقلوب إلى السبيل ..

    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)

    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
  13. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jul 2011
    عضو
    المشاركات: 149
    لا يمكن النشر في هذا القسم



    (الحلقه التاسعه و الأخيره)

    "ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)"


    لقد انقطعت المحجة بنزول هذا الكتاب ولكنهم ما يزالون يشركون باللّه ويشرعون من عند أنفسهم ويزعمونه شريعة اللّه ،
    بينما كتاب اللّه قائم وليس فيه هذا الذي يفترونه.
    وما يزالون يطلبون الآيات والخوارق ليصدقوا بهذا الكتاب ويتبعوه.
    ولو جاءتهم الآيات التي يطلبون أو بعضها لكان فيها القضاء الأخير :
    «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. قُلِ : انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ».

    «ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ» ..

    «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ..


    وقد بطلت حجتكم ،
    وسقطت معذرتكم ،
    بتنزيل هذا الكتاب المبارك إليكم ، تفصيلا لكل شيء.
    بحيث لا تحتاجون إلى مرجع آخر وراءه
    وبحيث لا يبقى جانب من جوانب الحياة لم يتناوله فتحتاجون أن تشرعوا له من عند أنفسكم :

    «أَنْ تَقُولُوا : إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا. وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا : لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ. فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها؟ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» ..

    لقد شاء اللّه سبحانه أن يرسل كل رسول إلى قومه بلسانهم ..
    حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة أرسل اللّه محمدا خاتم النبيين للناس كافة.
    فهو آخر رسول من اللّه للبشر ،
    فناسب أن يكون رسولا إليهم أجمعين.


    فمن أشد ظلما ممن كذب بآيات اللّه وأعرض عنها وهي تدعوه إلى الهدى والصلاح والفلاح؟
    من أشد ظلما لنفسه وللناس بصده لنفسه وللناس عن هذا الخير العظيم ،
    وبإفساده في الأرض بتصورات الجاهلية وتشريعاتها ..

    إن الذين يعرضون عن هذا الحق في طبعهم آفة تميلهم عنه
    كالآفة التي تكون في خف البعير فتجعله يصدف - أي يميل - بجسمه ولا يستقيم!
    إنهم
    «يصدفون» عن الحق والاستقامة ،
    كما يصدف البعير المريض عن الاعتدال والاستقامة!
    وهم مستحقون سوء العذاب بصدوفهم هذا وميلهم :
    «سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» ..

    «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ، أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً : قُلِ : انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ» ..

    إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده ..
    وإنه يوم تأتي بعض آيات اللّه تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل ..
    لنفس لم نؤمن من قبل ، ولم تكسب عملا صالحا في إيمانها.
    فالعمل الصالح هو دائما قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام.



    «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ ءٍ. إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» ..


    إنه مفرق الطريق بين الرسول - صلى اللّه عليه وسلم -
    ودينه وشريعته ومنهجه كله وبين سائر الملل والنحل ..
    سواء من المشركين الذين كانت تمزقهم أوهام الجاهلية وتقاليدها وعاداتها وثاراتها ،
    شيعا وفرقا وقبائل وعشائر وبطونا.
    أو من اليهود والنصارى ممن قسمتهم الخلافات المذهبية مللا ونحلا ومعسكرات ودولا.
    أو من غيرهم مما كان وما سيكون من مذاهب ونظريات وتصورات ومعتقدات وأوضاع وأنظمة إلى يوم الدين.

    إن الدين عند اللّه الإسلام ..
    ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليس في شيء ممن فرقوا الدين فلم يلتقوا فيه على الإسلام.

    وإن الدين عند اللّه هو المنهج والشرع ..
    ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج اللّه منهجا ،
    وغير شريعة اللّه شرعا ..

    وأمر هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعا ،
    وبرئ منهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بحكم من اللّه تعالى ..
    أمرهم بعد ذلك إلى اللّه وهو محاسبهم على ما كانوا يفعلون :
    «إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» ..

    وبمناسبة الحساب والجزاء قرر اللّه سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده.
    فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن - فليس مع الكفر من حسنة!
    - فله عشر أمثالها.
    ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها لا يظلم ربك أحدا ولا يبخسه حقه :
    «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها. وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» ..


    «قُلْ : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..

    إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر ،
    ويشي بالثقة ،
    ويفيض باليقين ..
    اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية ،
    والثقة بالصلة الهادية ..
    صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية ..
    والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم ،
    الذي لا التواء فيه ولا عوج :
    «دينا قيما» ..

    وهو دين اللّه القديم منذ إبراهيم.
    أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب :
    «ملة إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين».

    «قُلْ : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ. وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» ..

    إنه التجرد الكامل للّه ،
    بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة.
    بالصلاة والاعتكاف.
    وبالمحيا والممات.
    بالشعائر التعبدية ،
    وبالحياة الواقعية ،
    وبالممات وما وراءه.

    «قُلْ : أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ ءٍ ، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ؟» ..

    كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن
    وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل
    وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية ..
    ثم تظللها كلها بربوبية اللّه الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل
    وتعبدها كلها لحاكمية اللّه المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة.



    «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ ءٍ»؟


    أغير اللّه أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن علي ويقومني ويوجهني؟
    وأنا مأخوذ بنيتي وعملي ، محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية؟

    أغير اللّه أبغي ربا. وهذا الكون كله في قبضته وأنا وأنتم في ربوبيته؟

    أغير اللّه أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره؟
    «ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى؟» ..

    أغير اللّه أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعا فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه؟

    أغير اللّه أبغي ربا ، وهو الذي استخلف الناس في الأرض ،
    ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون؟

    أغير اللّه أبغي ربا ، وهو سريع العقاب ، غفور رحيم لمن تاب؟

    أغير اللّه أبغي ربا ، فأجعل شرعه شرعا ، وأمره أمرا ، وحكمه حكما.
    وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة وكلها شاهدة وكلها هادية إلى أن اللّه وحده هو الرب الواحد المتفرد؟؟؟

    (الظلال لسيد قطب رحمه الله)



    تم بحمد الله حلقات وقفات إيمانيه مع سورة الأنعام و نسأل الله أن ينفعنا و إياكم بما علمنا و يعلمنا ما لم نعلم ...
    عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع