التحذير من الحكم على إسلام المرء بما لا يدل عليه

لقد عَلِم المسلمون أنه لا سبيل اليوم إلى الحكم بالشعائر على إسلام المرء, لأنها مشتركة بين المسلمين والكفار فهي تحتمل أن المعيَّن مسلمٌ وتحتمل أنه منتسبٌ إلى الإسلام مشركٌ كافرٌ. والمحتمل لا يكون دليلا أبدا على إسلام المعيَّن. وكذلك هناك طوائف مِن الكفار هم يوافقون المسلمين على أنه لا حُكْمَ اليوم بالشعائر. لكنه يوجد فرقٌ بين المسلمين وبين غيرهم في المسألة. فمن تعلّم التوحيد فقد تعلّم أنه لا يمكنه أن يحكم على أحدٍ بالإسلام إلا قد تبيّن أنه يُخالِف الكفار في جميع كفرياتهم التي هي مِن أمرهم المعلوم الثابت, مثل جهلِهم بأن التحاكم هو عبادةٌ وعدم تكفيرهم المشركين وجهلهم بمعاني الولاء والبراء إلى غير ذلك مما يطولُ ذكرُه. وكل هذا في الحكم على المرء بالإسلام في أحكام الدنيا, فإن كلّ مَن آمن بالله وكفر بالطاغوت فهو مسلمٌ عند الله إذا توفّرتْ فيه شروطُ (لا إله إلا الله), لكن ليس كلّ مَن قال أنه آمن به تعالى وكفر بالطاغوت هو مسلمٌ عندنا في أحكام الدنيا.

فلو قال كافرٌ: أنا مؤمنٌ بالله كافرٌ بالطاغوت فليس لأحد أن يحكم عليه بالإسلام, لأنه يوجد كثيرون مِن الكفار هم يقولون هذه الجملة وليسوا مِن المسلمين. لكن بعض الكفار قالوا: أحكمُ على المُعيَّن بالإسلام إذا قال: "أنا مؤمنٌ بالله كافر بالطاغوت". فالسؤالُ: لما لا تحكمون على مَن يقول "لا إله إلا الله" بالإسلام؟ فإن قلتم: "لأنه لا يثبتُ أنه يفهم ما يقولُه, ولأن الكفار يقولونه أيضا", قِيلَ لهم: وكذلك مَن قال "أنا مؤمن بالله كافر بالطاغوت" فإنه يستحيلُ الحكمُ عليه بالإسلام في أحكام الدنيا - إلا وهو يفسّر قوله كل التفسير فيتبيّن أنه يخالف الكفار في أمرهم كله - لأنه لا يثبتُ فهمُه بمجرد قولهه هذه الجملة ولأن الكفار يقولونه أيضا.

ثم مِن الكفار مَن يقول: أحكم على المُعيَّن بالإسلام إذا قال: "أنا مؤمن بالله كافر بالطاغوت وأكفِّر المشركين وأتبرأ منهم, أو يقول هذا ويزيدُ عليه قليلا مِن التوضيح". وليس هذا القول بعلامة على إسلامه, لأن العلامة هي الدالّة وما دلّ على شيء فهو دليلٌ فالعلامة دليلٌ على إسلام أحد, والدليل على الإسلام لا يكون شيئا محتملا, يحتمل أن الُمعيَّن مسلم ويحتمل أنه كافر. قال تعالى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ (البقرة: 273)
وقال البغوي في تفسيره (1 / 338): السيماء والسيمياء والسمة: العلامة التي يعرف بها الشيء

وقال ابن القيم في التفسير القيم (1 / 276): وهي العلامة الدالة على حالتهم التي وصفهم الله بها

فمَن قال أنه يكفر بالطاغوت ويتبرأ من الشرك وأهلِه فلا يثبتُ أنه يعرف معنى الشرك ولا العبادة وهناك أمورٌ أخرى كثيرة لا يثبتُ عِلمُه بها وكلها من أصل الدين. بل لو سألنا من ينتسب إلى منهاج السلفية زورا وبهتانا: هل تكفِّر المشركين, فإنه يقول: نعم أنا أكفرهم. لكنه يعني بذلك أنه يكفِّر المشركين الذين لا ينتسبون إلى الإسلام أصلا.

وهناك كلامٌ للكاساني في بدائع الصنائع (15 / 291) فيمن يُحكم على إسلامه - في عصره هو - فذكَرَ أربعة أصناف. والصنف الرابع هم أهل الكتاب: وَإِنْ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الرَّابِعِ فَأَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ ؛ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُقِرُّ بِرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّهُ يَقُولُ : إنَّهُ بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِدُونِ التَّبَرُّؤِ دَلِيلًا عَلَى إيمَانِهِ ، وَكَذَا إذَا قَالَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ : أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ مُسْلِمٌ أَوْ قَالَ : آمَنْتُ أَوْ : أَسْلَمْتُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ وَمُسْلِمُونَ ، وَالْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ هُوَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ. اهـ

فتأمل... فإنه قال: لا يُحكَم على الكتابيّ بالإسلام إذا نطق بالشهادتين, لأن منهم مَن قال: "محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ إلى العرب خاصّة دون غيرهم".ولم يقل: لأن كلّا منهم قال: "هو مبعوث إلى العرب خاصّة".لكن بعضهم قال: "ليس مبعوثا إلى جميع العالمين",نعرف: مَن نطق منهم بالشهادتين فإنه يحتمل أنه أراد الدخول في الإسلام الحقيقيّ, ويحتمل أنه أراد أنه باقٍ على دينه هو. فكفرُه قد ثبَتَ بيقين - والأصلُ في قومٍ مِن أهل الكتاب هو الكفر - ثم لا يزولُ هذا اليقين بالشكوك والظنون. فإذا عَلِمنا هذا فإنه عامّ في كلّ قومٍ مِن الكفار: لا يثبتُ إسلام المعيَّن منهم إلا بالعلم, لا بالشك المُريب.