تسمية الديمقراطية بالشورى لتسويغها

هذا وقد استدل بعض عِميان البصائر وخَفافِيش الدُجى لدينهم الكفري الباطل هذا (الديمقراطية) بقوله تعالى عن المؤمنين الموحِّدين {وأمرهم شورى بينهم} وبقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر}. فسموا ديمقراطيتهم العفنة بالشورى لإسباغ الصبغة الدينية الشرعية على هذا المذهب الكفري ومن ثم تسويغه وتجويزه..

فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: إنَّ تغيير الأسماء لا قيمة لهما دامت الأشياء أو الحقائق هي هي... وبعض الجماعات الدعوية التي تنتهج هذا المذهب الكفري وتدينُ به تقول: (نحن نعني بالديمقراطية حين نُنادي بها ونُطالب بهاونُشجعها ونسعى لها وبها "حرية الكلمة والدعوة") (75). ونحو ذلك من الشقشقات..

فنقول لهم: ليس المهم ما تعنونه أنتم وما تُرقعونه وتتوهمونه.. لكن المهم ما هي الديمقراطية التي يطبقها الطاغوت ويدعوكم للدخول فيها وتُجرىالانتخابات من أجلها ويكون التشريع والحكم الذي ستشاركون فيه وِفقاً لها.؟ فإنْضحكتم على النَّاس وخادعتموهم، فلن تستطيعوا ذلك مع الله {إنّ المنافقين يُخادعونالله وهو خادعهم} (76). {يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون} (77). فتغيير أسماء الأشياء لا يُغيِّر أحكامها ولا يُحل حراماً أو يُحرِّمحلالاً... يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَيَسْتَحِلَّنَ طائفةٌ مِنْ أُمّتيالخمرَ باسمٍ يُسَمُّونَها إِيَّاه) (78(
هذا وقد كفّر العلماء من سبَّالتوحيد أو حاربه وهو يُسميه دين الخوارج أو التكفير.. وكفّروا من حسَّنَ الشركوسوّغه أو فعله وهو يُسميه بغيرِ اسمه(79).كما يفعل هؤلاء فيُسمُّون دينَ الكفروالشرك (الديمقراطية) بالشورى.. لتجْويزه وتسويغِه ودعوةِ النَّاس إلى الدخول فيه.. فبُعداً بُعداً...



ثانياً: إنَّ قياس ديمقراطية المشركين على شورىالموحِّدين وتشبيه مجلس الشورى بمجالس الكفر والفسوق والعصيان تشبيهٌ ساقطٌ وقياسٌباطلٌ مُتهافت الأركان، فقد علمتَ أنَّ مجلس الشعب أو الأمة أو البرلمان معقلٌ منمعاقل الوثنية وصرحٌ من صُروح الشرك، تُنصب فيه آلهة الديمقراطيين وأربابهمالمتفرقون وشركاؤهم الذين يُشرِّعون لهم من الدين ما لم يأذن به الله وِفقاًلدساتيرهم وقوانينهم الأرضية(80). قال تعالى:{ءأربابٌ متفرقون خيرٌ أمِ اللهالواحدُ القهّار * ما تعبدونَ من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وءَاباؤكم ما أنزلالله بها من سلطانٍ إنِ الحكمُ إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّمُولكنَّ أكثرَ النّاسِ لا يعلمونَ} (81)
وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوالهم من الدين ما لم يأذن به الله} (82)
فهذا القياس هو من قبيل قياس الشرك على التوحيد والكفر على الإيمان.. وهو من القولعلى الله بغير علم والإفتراء على دينه والكذب على الله، والخوض والإلحاد في آياتهسبحانه وتلبيس الحق على الخلق بالباطل، والنّور بالظلام..
إذا تبيّن هذافليعلم المسلم أنَّ الفوارق الجليّة بين الشورى التي شرعها الله لعباده، وبينالديمقراطية العفِنة هي كما بين السماء والأرض...بل هي في عِظَمها كعِظم الفارق بينالخالق والمخلوق.
فالشورى نظامٌ ومنهجٌ ربانيٌّ.. والديمقراطية من صنع البشرالناقصين الذين تتخللهم الأهواءُ والنزوات.
الشورى من شرع الله تعالى ودينهوحكمه... والديمقراطية كفرٌ بشرع الله ودينه ومناقضةٌ لحكمه.
والشورى تكونفيما لا نصَّ فيه، أما عند ورود النص فلا شورى، يقول الله تعالى: {وما كان لمؤمنٍولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسولُه أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (83).
أماالديمقراطية فهي استخفافٌ وتلاعبٌ في كلِّ باب ولا اعتبار فيها لنصوص الشرع وأحكامالله ولكن الاعتبار كلِّ الاعتبار في الديمقراطية هو لحكم الشعب وتشريع الشعب فيكلِّ المجالات(84). لذا عرَّفوها في دساتيرهم بقولهم: (الأمة مصدر السلطاتجميعاً(.
والديمقراطية تَعتبر الشعب أعلى سلطة في الوجود وهي حكم أكثريةالشعب وتشريع الأكثرية ودين الأكثرية، الأكثرية تحلِّل والأكثرية تحرِّم... فالأكثرية هي الإله والربُّ في الديمقراطية... أما في الشورى فالشعب أو الأكثرية هيالملتزمة المأمورة بالسمع والطاعة لله ولرسوله ثم لإمام المسلمين، ولا يُلْزمالإمام برأيِ الأكثرية ولا حُكمِها وإنما الأكثرية مأمورةٌ بالسمع والطاعة للأئمةوإن جاروا ما لم يأمروا بمعصية (85)
فالديمقراطية ميزانها وإلهها الأكثرية،وهي مصدر السلطات جميعاً.. أما الشورى فليس للأكثرية فيها أثرٌ ولا ميزان بل قدحَكَم الله على الأكثرية بحكمٍ واضحٍ في كتابه فقال:


{وإنْ تُطع أكثر من فيالأرض يُضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} (86). {وما أكثرُالنّاس ولو حرصتَ بمؤمنين} (87). {وإن كثيراً من الناس بلقائ ربهم لكافرون} (88). {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} (89). {ولكن أكثر النّاس لا يشكرون} (90). {ولكن أكثر النّاس لا يؤمنون} (91). {ولكن أكثر النّاس لايعلمون} (92). {فأبى أكثرالنّاس إلا كفوراً} (93).
هذا من كلام الله وهو كثير.. ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما النّاسكالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.. وفي البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلىالله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: يا آدم.. أخرجْ بعثَ النّار. قال وما بعثُالنّار؟ قال: مِنْ كلِّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضعُ كلُّذاتِ حملٍ حملها، وترى النّاس سُكارى وما هم بسُكارى ولكنَّ عذاب الله شديد) هذاشرع الله ودين الله يبيّن ضلال الأكثرية وانحرافهم، ولذلك يحكم الله سبحانه فيقول: {إنِ الحكمُ إلا لله} (94).


وتأبى الديمقراطية ودعاة الديمقراطية ويرفضونالاستسلام لحكم الله وشرعه ويعاندون ويقولون: (إنِ الحكمُ إلا للأكثرية) فتباًوسُحقاً لمن تبعهم وسار على دربهم وهتف لديمقراطيتهم مهما طالت لحيته أو قَصُرثوبُه كائناً من كان.... نقولها لهم في الدنيا لعلهم يؤوبون ويرجعون، خيراً لهم وأهون من أن يسمعوها في الموقف العظيم يوم يقوم النّاس لربِّ العالمين فيقصدون حوضَالنبي صلى الله عليه وسلم فتحجزهم الملائكة ويقال: إنهم بدّلوا وغيّروا فيقولها النبي صلى الله عليه وسلم: (سُحقاً سُحقاً لمن بدّل بعدي)...(95).


وهكذا فالديمقراطية مبنىً ومعنىً نشأت في تُربة الكفر والإلحاد وترعرعت في منابت الشركوالفساد في أوروبا حيث فصلوا الدين عن الحياة، فنشأت هذه اللفظة في تلك الأجواءالتي تحمل كلَّ سمومها وفسادها لا علاقة لجذورها بتربة الإيمان أو رِي العقيدةوالإحسان.. ولم تستطع أن تثبت وجودها في العالم الغربي إلا بعد أن تم فصل الدين عنالدولة هناك، فأباحت لهم اللواط والزنا والخمر واختلاط الأنساب وغير ذلك من الفواحشما ظهر منها وما بطن... لذلك لا يجادل عنها ويمدحها ويُساويها بالشورى إلا اثنان لاثالث لهما إما ديمقراطيٌّ كافرٌ أو سفيهٌ جاهلٌ بمعناها ومحتواها..

والله لستَ بثالثٍ لهما بلى إما حماراً أو من الثيرانِ

وهذا زمانٌ اختلطت فيه المصطلحات واجتمعت فيه المتناقضات، وليس العجب أن يتغنى بمثل هذه المذاهب الكفريةكثير من أولياء الشيطان، وإنما العجبُ أن يُشجِّعها ويُسوِّغها ويُسبغ عليها الصبغةالشرعية كثيٌر ممن ينتسبون إلى الإسلام.. فبالأمس عندما فُتِنَ النَّاس بالاشتراكية خرج علينا بعض النّاس ببدعة (اشتراكية الإسلام) وقبلها القومية والعروبة ومزجوها معالإسلام.. واليوم يتغنى كثيٌر منهم بالدساتير الأرضية ولا يستحيون من تسمية عبيدها (بفقهاء القانون) تشبيهاً (بفقهاء الشريعة) ويستعملون نفسَ الألفاظ الشرعية؛كالمشرِّع والشريعة والحلال والحرام والجائز والمباح والمحظور، ثم ومع هذا يحسبونأنهم على شيءٍ بل يحسبون أنهم مهتدون... فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم... وما هذا والله إلا من ذهاب العلم والعلماء وإسناد الأمر إلى غير أهله وخُلُوِّالجوّ والزمان لأراذل من الورى يتخبطون فيه كما يحلو لهم...

خلا لكِ الجوف بيضي واصفري..


فيا حسرةً على العلم والعلماء، ويا أسفاه على الدين ودُعاته الربانيِّين المخلصين... والله إنه لغريبٌ غربةً ما مثلها غربة، ولا أقول بين عوام النَّاس بل بين كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن لا يفقهون معنى (لا إله إلاالله) ولا يعرفون لوازمها ومقتضياتِها وشروطَها، بل أكثرهم ينقضها بالليل والنهار، ويتلطخون بشرك العصر وذرائعه ثم يحسبون أنهم موحِّدون بل يزعمون أنهم من دعاة التوحيد فليُراجعوا أنفسهم وليجلسوا في حلقِ العلم ليتعلموا حقيقة (لا إله إلاالله) فإنها أول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه، وليتعلموا شروطَها ونواقضَها قبلنواقض الوضوء والصلاة فإنه لا يصح وضوءٌ ولا صلاةٌ لمن نقضها... فإنْ أعرضواواستكبروا فهم وحدهم بذلك الخاسرون..
وأختتم هذا بكلامٍ نفيس للعلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى يرد فيه على أمثال هؤلاءالملبِّسين الذين يُحرِّفون كلام الله ويفترون عليه سبحانه الكذب باستشهادهم بقوله سبحانه تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} (96). لنصرةِ وتطبيقِ الديمقراطية الكافرة.


حيث قال رحمه الله في هامش (عمدة التفسير) (97). عند تفسير قولهتعالى: {وشاورهم في الأمر} (98). والآية الأخرى {وأمرهم شورى بينهم}: (اتخذهما اللاعبون بالدين في هذا العصر - من العلماء وغيرهم - عُدتهم في التضليل بالتأويل،ليُواطؤا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون النّاس بتسمينه "النظام الديمقراطي"! فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعاراً من هاتين الآيتين،يخدعون به الشعوب الإسلامية أو المنتسبة للإسلام. يقولون كلمة حق يُراد بها الباطليقولون: "الإسلام يأمر بالشورى" ونحو ذلك من الألفاظ.


وحقاً إنَّ الإسلام يأمر بالشورى. ولكن أيُّ شورى يأمر بها الإسلام؟ إنَّ الله سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:وشاورهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكل على الله}. ومعنىالآية واضحٌ صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل. فهو أمرٌ للرسول صلىالله عليه وسلم، ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده: أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهمموضع الرأي، الذي هم أولو الأحلام والنهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراءوموضع الاجتهاد في التطبيق. ثم يختار من بينها ما يراه حقاً وصواباً أو مصلحة،فيعزم على إنفاذه، غير متقيد برأي فريقٍ معين، ولا برأي عددٍ محدد، لا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه.

ومنا لمفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل: أن الذين أمر الرسول بمشاورتهم - ويأتسىبه فيه من يلي الأمر من بعده - هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقونلله، المقيمُو الصلاة، المؤدُو الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهمرسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِيلني منكم أولو الأحلام والنهى). ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولاالذين يزعمون أنَّ لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدمُ شريعةالإسلام. هؤلاء وأُولئك - من بين كافرٍ وفاسقٍ - موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط،لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء.
والآية الأخرى، آية سورة الشورى - كمثلهذه الآية وضوحاً وبياناً وصراحةً:

{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} اهـ

(75)وحتى حرية الكلمة أو الدعوةكما تريدها الديمقراطية فحرية باطلة كفرية، لأن أهل الديمقراطية حين ينادون لحريةالكلمة في دينهم هذا، لا يعنون حرية الصدع بكلام الله وحده.. بل وحرية كلام الطاغوتوالكفار والملاحدة والمشركين وحرية الإعتقاد والإرتداد والطعن في كلِّ المقدسات. وهذا الكفر ربما كان مطبقاً في الديمقراطية الغربية.. أما ديمقراطية العرب ففيهاحرية كلّ كفرٍ وإلحادٍ وزندقةٍ، أما الإسلام فمكبلٌ عندهم ومسجونٌ ومطرود، وهؤلاءالدعاة أسمى أمانيهم أن يحققوا ويصلوا بالناس إلى ديمقراطية الغرب الكافر، والكفرملَّةٌ واحدةٌ وهو دركات. فتنبه.
(76) سورة النساء، الآية 142.
(77) سورةالبقرة، الآية 9.
(78) رواه الإمام أحمد في مسنده عن عُبادة بن الصامت رضي اللهعنه، حديث رقم 22704.
(79) راجع الدرر السنية في الأجوبة النجدية: ج 1ص 145.
(80) المادة 25 من الدستور الأردني: (تُناط السلطة التشريعية بالملك ومجلسالأمة).. وأختها في الدستور الكويتي رقم 51: (السلطة التشريعية يتولاها الأميرومجلس الأمة وِفقاً للدستور).
(81) سورة يوسف، الآيتان 39-40.
(82) سورةالشورى، الآية 21.
(83) سورة الأحزاب، الآية 36.
(84) هذا في الديمقراطيةالغربية الكافرة أما في الديمقراطية العربية الكافرة فإن الاعتبار الأول والأخيرفيها للملك أو الأمير أو الرئيس إذ بدون تصديقه لا قيمة لقول الأمة ولا نُوابهاومجلس النواب، كلُّه بيده يحله ويربطه ويلعبُ به كيف شاء ومتى شاء.
(85) انتبه... هذا للأئمة المسلمين الحاكمين بشرع الله المعادين لأعداء الله وليس لسفلةالخلق من كفرة الحكام المرتدين أولياء وإخوان اليهود والنصارى..
(86) سورةالأنعام، الآية 116.
(87) سورة يوسف، الآية 103.
(88) سورة الروم، الآية 8.
(89) سورة يوسف، الآية 106.
(90) سورة البقرة، الآية 243.
(91) سورةيوسف، الآية 21.
(92) سورة الإسراء، الآية 89.
(93) سورة يوسف، الآية 40.
(94) سورة يوسف، الآية 21.
(95) (سحقاً سحقاً) أي بُعداً بعداً. ونصبه على المصدر. وكرر للتوكيد. رواه مسلم [2291]، والبخاري [6212] بلفظ: (سحقاً سحقاًلمن غيّر بعدي).
(96) سورة الشورى، الآية 38.
(97) عمدة التفسير: ج 3 هامش ص 64-65.
(98) سورة آل عمران، الآية 159.

المصدر*كشف الشبهات لابو محمد المقديسي