لنكمل بإذن الله الآيات والأحاديث والأثار الواردة فى فضل العلم
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
الدليل الخامس:
روى مسلم عن أبي هريرة :
(ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة)
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام :
(من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان وصححه عن أبي الدرداء
وقد دل هذا الحديث على فضل العلم وأهله من وجوه:
1- أن طلب العلم من الطرق الموصلة إلى الجنة.
2- أن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض.
3- أن العلم هو ميراث النبوة.
4- أن العلماء هم ورثة الأنبياء في تبليغ الرسالة.
قال القرطبي رحمه الله في بيان فضل العلم وأهله:
وفي الحديث (وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم) أي تخضع وتتواضع، وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله، لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب، فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ورضا منهم بالطلب له والشغل به، هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين! جعلنا الله منهم وفيهم إنه ذو فضل عظيم.
وقال رحمه الله في موضع آخر في شرح هذا الحديث:
وقوله عليه السلام (إن الملائكة لتضع أجنحتها)
الحديث يحتمل وجهين
أحدهما: أنها تعطف عليه وترحمه كما قال الله تعالى فيما وصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين بقوله {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } (24) سورة الإسراء
أي تواضع لهما
والوجه الآخر: أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها، لأن في بعض الروايات (وإن الملائكة تفرش أجنحتها) أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضات الله وكان سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته عليها، فمن هناك يسلم فلا يخفى إن كان ماشيا ولا يعيا وتقرب عليه الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب المال وضلال الطريق.
الدليل السادس:
إن العلم حياة ونور، وضده وهو الجهل موت وظلمة، والشر كله سببه عدم الحياة والنور، قال تعالى
{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } (122) سورة الأنعام
أي أنه كان ميتا بالجهل قلبه فأحياه بالعلم وجعل له من الإيمان نورا يمشي به في الناس،
قال تعالى
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (28) سورة الحديد
وقال تعالى
{اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } (257) سورة البقرة
وقال تعالى
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (52) سورة الشورى

الدليل السابع:
أن طلب العلم جهاد في سبيل الله، ولما كان كل من الجهاد بالسيف والحجة يسمى سبيل الله فسر الصحابة قوله
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } (59) سورة النساء
بالأمراء والعلماء فأنهم المجاهدون في سبيل الله هؤلاء بأيديهم وهؤلاء بألسنتهم، فطلب العلم وتعليمه من أعظم سبيل الله عز وجل،
قال كعب الأحبار:
طالب العلم كالغادي الرايح في سبيل الله عز وجل،
وجاء عن بعض الصحابة:
إذا جاء الموت العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد،
وقال سفيان بن عيينة:
من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل، وقال أبو الدرداء: من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص في عقله ورأيه.
الدليل الثامن:
إن سلطان العلم هو السلطان الحقيقي وهو أعظم من سلطان اليد، وذلك أنه سبحانه سمى الحجة العلمية سلطانا، قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو حجة، وهذا كقوله تعالى
{قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (68) سورة يونس
يعني ما عنكم من حجة بما قلتم، وقال تعالى
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } (23) سورة النجم
يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانا بل هي من تلقاء أنفسكم وآباؤكم…إلى أن قال:
والمقصود أن الله سبحانه سمى علم الحجة سلطانا لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجة تنقاد لها القلوب وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف.
وقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه :
عليكم بالعلم، فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، ومذاكرته تسبيح، به يُعرَف الله ويُعبَد، وبه يُمجَّد الله ويُوحَّد، يرفع الله بالعلم أقواما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم.
وعن أبي الأسود الدؤلي رحمه الله قال:
الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقد قال الشافعي رحمه الله: قراءة الحديث خير من صلاة التطوع، وطلب العلم أفضل من صلاة النافلة. 
مواقع النشر (المفضلة)