أما بعد ...
يقول أحمد فائز فى "طريق الدعوة" :- إن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ، إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر.
وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء.
ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم يأخذ البشر من بشر مثلهم
التصورات
والمبادئ
والموازين
والقيم
والشرائع
والقوانين
والأوضاع
والتقاليد.
وهذه هي الجاهلية بكل مقوماتها.
الجاهلية التي تتمثل فيها عبودية البشر للبشر، حيث يتعبد بعضهم بعضا من دون الله..

والإسلام هو منهج الحياة الوحيد الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر، لأنهم يتلقون
التصورات
والمبادئ
والقوانين
والقيم
والشرائع
والقوانين
والتقاليد
من يد الله سبحانه.
فإذا أحنوا برؤوسهم فإنما يحنونها لله وحده،
وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده.
وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده.
ومن ثم يتحررون حقاً من عبودية العبيد للعبيد حين يصبحون كلهم عبيد الله بلا شريك.
وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية في كل صورها وبين الإسلام.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله فى"معالم فى الطريق" :-
نحن
اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم .
كل ما حولنا
جاهلية ..
تصورات الناس
وعقائدهم ،
عاداتهم
وتقاليدهم ،
موارد ثقافتهم ،
فنونهم
وآدابهم ،
شرائعهم
وقوانينهم .
حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ، ومراجع إسلامية ، وفلسفة إسلامية ، وتفكيرًا إسلاميًا ..
هو كذلك من صنع هذه
الجاهلية !!


لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا ،
ولا يتضح تصور
الإسلام في عقولنا ،
ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه
الإسلام أول مرة .


فلا بد إذن - في منهج الحركة الإسلامية - أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها .
لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال ،
النبع المضمون أنه لم يختلط ولم تشبه شائبة .
نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق ، وجود الله سبحانه ..
ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة ،
وقيمنا وأخلاقنا ،
ومناهجنا للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة .


ولا بد أن نرجع إليه - حين نرجع - بشعور التلقي للتنفيذ والعمل ،
لا بشعور الدراسة والمتاع .
نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون ، لنكون . وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص الرائع في القرآن ، وبمشاهد القيامة في القرآن .. وبالمنطق الوجداني في القرآن .. وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع . ولكننا سنلتقي بهذا كله دون أن يكون هو هدفنا الأول .


إن هدفنا الأول أن نعرف :
ماذا يريد منا القرآن أن نعمل ؟
ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور ؟
كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله ؟
كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة ؟


ثم لا بد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي
والتصورات
الجاهلية
والتقاليد
الجاهلية
والقيادة
الجاهلية ..
في خاصة نفوسنا .. ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع
الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له ، فهو بهذه الصفة .. صفة الجاهلية .. غير قابل لأن نصطلح معه . إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولاً لنغير هذا المجتمع أخيرًا .