أما بعد :-
إعلم أن القول لا يصح لفضل قائله ، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه
(قول العالم ليس هو الحجة ) قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين : إن أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط ولا تنحصر ، ولم تضمن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا ، فلا يكون اتفاقهم إلا حقاً . ومن المحال أن يحيلنا الله ورسوله على ما لا ينضبط ولا ينحصر ، ولم يضمن لنا عصمته من الخطأ ، ولم يقم لنا دليلاً على أن أحد القائلين أولى بأن نأخذ قوله كله من الآخر ، بل يترك قول هذا كله ويؤخذ قول هذا كله ، هذا محال أن يشرعه الله أو يرضى به إلا إذا كان أحد القائلين رسولاً والآخر كاذباً على الله ، فالغرض حينئذ ما يعتمده هؤلاء المقلدون مع متبوعيهم ومخالفيهم أ.هـ (1)

كما قال رحمه الله : فعلى المسلم أن يتبع هدي النبي صلى الله عليه و سلم في قبول الحق ممن جاء به من ولي وعدو ، وحبيب وبغيض ، وبر وفاجر ، ويرد الباطل على من قاله كائناً من كان . وقد أورد في التحذير من زلة العالم أو زيغة الحكيم بسنده عن ابن شهاب أن معاذ بن جبل رضى الله عنه كان يقول في مجلسه كل يوم ، قلما يخطئه أن يقول ذلك : الله حكم قسط ، هلك المرتابون ، إن وراءكم فتناً يكثر فيها المال ، ويفتح فيها القرآن ، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر ، فيوشك أن يقول : قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع ، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة ، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق ، فتلقوا الحق عن من جاء به ، فإن على الحق نوراً ، قالوا : وكيف زيغة الحكيم ؟ قال : هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون : ما هذا ؟ فاحذروا زيغته ، ولا يصدنكم عنه ، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق ، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة أ.هـ
(2)

وقد قال أيضاً رحمه الله : على أن القول لا يصح لفضل قائله ، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه . وقد ذكر عن الإمام مالك قوله : ليس كلما قال رجلاً قولاً وإن كان ذو فضل يتبع عليه ، لقول الله عز وجل : ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ الآية أ.هـ (3)


وقال رحمه الله في موضع آخر بسنده عن الشعبي قال : حدثنا الشعبي يوماً قال : يوشك أن يصير الجهل علماً والعلم جهلاً . قالوا : وكيف يكون هذا يا أبا عمرو ؟ قال : كنا نتبع الآثار وما جاء عن الصحابة ، فأخذ الناس من غير ذلك ( أي الرأي ) . وقد نقل عن الإمام مالك أيضا قوله : إلزم ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع : ( أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنة نبيه ). ونقل رحمه الله عن ابن وهب : سمعت مالك بن أنس يقول : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إمام المرسلين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب إلا بالوحي ، وإلا لم يجب . فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأي أو قياس أو تقليد من يحسن به الظن أو عرف أو عادة أو سياسة أو ذوق أو كشف أو منام أو استحسان أو خرص ، والله المستعان أ.هـ

(1)إعلام الموقعين . ابن القيم . جـ 1 . صـ 497.
وراجع الشاطبي في الاعتصام جـ 2 الباب العاشر .
(2) المصدر السابق . جـ 1 . صـ 89/90.
(3) المصدر السابق . جـ 2 . صـ 445.

يراجع
شهد الأصول لعبدالرحمن شاكر نعم الله