بسم الله الرحمن الرحيم

يقول رحمه الله :. [لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء هذا الدين للبشرية .. بلا إله إلا الله ، فقد إرتدت البشرية إلى عبادة العباد وجور الأديـان ونكفت عن لا إله إلا الله ، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن ( لا إله إلا الله ) دون أن يُـدرك مدلولها ، ودون أن يعي هذا المدلول وهو يرددها ، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التى يدعيها العباد لأ نفسهم
[ والذين يظنون انفسهم في (دين الله) لأنهم يقولون بأفواههم
( نشهدأن لا إله إلاالله وأن محمداً رسول الله ) ويديون لله فعلاً في شؤون الطهاره والشعائر والزواج والطلاق والميراث... بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله ، ويخضعون لشرائع لم يأذن بها الله- وكثرتها مما يخالف مخالفه صريحه شريعه الله - ثم هم يبذلون أرواحهم وأمواالهم وأعراضهم وأخلاقهم - أرادوا أم لم يريدوا- ليحققوا ماتطلبه منهم الأصنام الجديدة ، فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام ، نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الاصنام .. الذين يظنون انفسهم مسلمين وفي (دين الله ) وهذا حالهم .. عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم ..
إن دين الله ليس بهذا الهزال الذي يتصوره من يزعمون أنفسهم ،
( مسلمين) في مشارق الارض ومغاربها ، إن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها . والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها - فضلاً على أصولها وكليتها - هى دين الله وهى الإسلام الذى لايقبل الله ديناً سواه
ولينظر الناس فى كل بلدلمن المقام الأعلى فى حياتهم ؟ ولمن الدينونة الكاملة ؟ ولمن الطاعة والإتباع والإمتثال؟.
وكذلك إن قضية العبادة ليست قضية ( شعائر) وإنما هى قضية دينونة وإتباع ونظام وشريعة وفقة وأحكام وأوضاع فى واقع الحياة..وإنها من أجل أنها كذلك أستحقت كل هذه الرسل والرسلات وأستحقت كل هذه العاذابات والتضحيات ..
وهنا يقف الدعاة ليواجهوا الجاهلية العنيدة .. إن البشرية اليوم بجملتها تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التى أخرجها منها أخر رسول .محمد صلى الله عليه وسلم وهى جاهلية التى تتمثل فى صور شتى :
ï بعضها يتمثل فى الحاد بالله سبحانة وإنكار لوجوده ..فهى جاهلية إعتقاد وتصور كاجاهلية الشيوعيين ..
ï وبعضها يتمثل فى إعتراف مشوه بوجود الله سبحانه وإنحراف في الشعائر التعبدية وفى الدينونة والاتباع والطاعة كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم ..وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك..
وبعضها يتمثل فى إعتراف صحيح بوجود الله سبحانهوأداء الشعائرالتعبدية.. مع انحراف خطير فى تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .. ومع شرك كامل فى الدينونة والاتباع والطاعة وذلك كجاهلية من يسمون انفسهم ( مسلمين)ويظنون أنهم اسلموا وإكتسبوا صفة الإسلام ، وحقوقه بمجرد نطقهم باالشهادتين وآدائهم للشعائر التعبدية.. مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين ومع إستسلامهم ودينونتهم لغير الله من العبيد ..
وكلها جاهلية وكلها كفربالله كالأولين .. أو شرك بالله كالأخرين ..
إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح ، تؤكد لنا إن البشرية اليوم بجملتها قد ارتدت إلى جاهلية شاملة وإنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التى أنقذها منها الإسلام مرات متعددة ، كان أخرها الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذا بدوره يحدد طبيعة الدور الأساسي لطلائع البعث الإسلامي والمهمة الأساسية التى عليها أن تقوم بها للبشرية ونقطة البدء الحاسمة فى هذه المهمة ...
والذين يدعون صفة الإسلام ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التى أحل لإسلام محلها قاعدة العقيدة ، إما إنهم لايعرفون الإسلام ، وإما إنهم يرفضونة .
والإسلام فى كلتا الحالتين لايعترف لهم بتلك الصفة التى يدعونها لانفسهم وهم لايطبقونها .. بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية فعلاً
هذا المعلم الواضح يجب أن يقف أمامه الدعاة طويلا فهذه قاعدة العقيدة ، إن إعلان ربوبية الله للعالمين هى بذاتها إعلان تحرير الإنسان
تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله
تحريره من شرع البشر ، ومن هوى البشر ، ومن تقاليد البشر ،
ومن حا كمية البشر وإعلان ربوبية الله للعالمين لايجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله ، ولايجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس ..(والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر –أى لربوبية غير ربوبية الله -وأهمون إذا ظنوا لحظة وأحدة إنهم مسلمون ..إنهم لايكونون فى دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله ، وقانونهم غير شريعة الله ، إنهم فى دين حاكمهم ذاك .. فى دين الملك لا فى دين الله )..
والذين يقولون إنهم ( مسلمون) ولايقيمون ما انزل إليهم من ربهم ، هم كأهل الكتاب .. ليسواعلى شىء ..
والذى يريد أن يكون مسلماً ، يجب عليه بعد إقامة كتاب الله فى نفسه ، وفى حياته أن يواجه الذين لا يقيمونه بانهم ليسوا على شيء حتى يقيموه، وإن دعواهم أنهم على دين ، يردها عليهم رب العالمين
فالمفاصلة فى هذا الأمر واجبة.. ودعوتهم إلى الإسلام من جديد هى واجب المسلم الذى أقام كتاب الله في نفسه وفى حياته . فدعوى الإسلام باللسان والورا ثة دعوى لا تفيد إسلاماً ، ولا تحقق إيماناً ، ولا تعطي صاحبها صفة التدين فى أى ملة وفى أى زمان ..
إن دين الله ليس راية ولا شعارا ولا ورثة .. إن دين الله حقيقة تتمثل فى الضمير وفى الحياة سواء . تتمثل فى عقيدة تعمر القلب وشعائر تقام للتعبدونظام يصرف الحياة . ولا يقوم دين الله إلا فى هذا الكل المتكامل ، ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل فى نفوسهم وفى حياتهم .
وكل إعتبار غير هذا الإعتبار تمييع للعقيدة ، وخداع للضمير ، لا يقدم عليه مسلم نظيف الضمير .. وعلى المسلم أن يجهر بهذه الحقيقة ، ويفاصل الناس كلهم على أساسها ، لا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة والله هو العاصم .
وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله ، ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس إلا إذا ابلغهم حقيقة الدعوة كاملة ، ووصف لهم ماهم عليه ، كما هو فى حقيقتة بلا مجاملة ولا مداهنة ، فهو قد يوذيهم إن لم يبين لهمإنهم ليسوا على شيء.. وإن ماهم عليه باطل كله من أساسه .. وإنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماماً ، غير ماهم عليه .. يدعوهم إلى نقلة بعيدة ورحلة طويلة ، وتغيير أساسي فى تصوراتهم ، وفى أوضاعهم وفى أخلاقهم ..
فالناس يحبون أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذى يدعوهم اليه .. ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة ) . ويقول أيضا : وكذلك ينحصر معنى العبادة فىالجاهلية، حتى يقتصر على مجرد تقديم الشعائر، ويحسب الناس أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده ، فقد عبدوا الله وحده .. بينما كلمة العبادة إبتداء مشتقة من عبد ، ( عبد ) تفيد إبتداء ( دان وخضع ) . وماالشعائر الا مظهر واحدمن مظاهر الدينونة والخضوع لا يستغرق كل حقيقة الدينونة ولا كل مظاهرها..
( إن الدين عند الله الإسلام ) الإسلام الذى ليس هو مجرد دعوى ، وليس مجرد راية وليس مجرد كلمة تقال باللسان ، ولاحتى تصورا يشتمل عليه القلب فى سكون ، ولاشعائر فردية يؤديها الأفراد فى الصلاة والحج والصيام ..لا.. فهذا ليس بالإسلام الذى لا يرضى الله من الناس ديناً سواه ، إنما الإسلام إستسلام ، الإسلام الطاعة والاتباع ، الإسلام تحكيم الله فى أمور العباد ، والإسلام توحيد الالوهية والقوامة
إن مجرد الإعتراف بشريعة منهج أو حكم من صنع غير الله هو بذاته خروج من دائرة ( الإسلام ).. إن هذا الاعتراف فوق أنه يخالف بالضرورة مفهوم الإسلام الاساسي ، فهو فى الوقت ذاته يسلم الخلافة فى هذه الارض للعمى الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الارض .. فهذا الفساد فى الارض ، مرتبط كل الارتباط بقيادة العمى ] ...


رحمك الله يا سيد قطب وأسكنك فسيح جناته

ما نسينا انت قد علمتنا يا شهيد ....... بسمة المؤمن في وجه الردى