الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إن الديانات السماوية التي نزلت من عند الله تعالى عقيدتها واحدة، فالعقيدة التي جاء بها موسى هي العقيدة التي جاء بها عيسى، وهي العقيدة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وهي العقيدة التي جاء بها جميع الأنبياء والمرسلين من عند الله تبارك وتعالى، لأنها حق، والحق لا يختلف بين وقتٍ وآخر وبين نبيٍ وآخر، فكلهم دعوا إلى عبادة الله تبارك وتعالى وتوحيده، ونهوا عن الشرك به، وكلهم دعوا إلى الإيمان به، وكلهم دعوا إلى الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والجنة والنار والبعث والحساب وغير ذلك، فهذا الأمر وهو العقيدة لا يختلف بين نبيٍ وآخر، لكن الشريعة تختلف بين نبيٍ وآخر، فقد يحل في دين نبيٍ ما كان حراماً في دين غيره، وقد يحرم في دينه ما كان حلالاً في دين غيره، لأن الشرائع تختلف من نبيٍ إلى آخر؛ إذ أن القوم الذين تنزل إليهم الشريعة، والظروف التي تنزل لمعالجتها تختلف، حيث كانت الشرائع السابقة كلها مؤقتة، في وقتٍ معين ولبلادٍ أو قومٍ معينين، إلا الشريعة الإسلامية الخاتمة فإنها دائمة وهذه هي الميزة الأولى، فليست مؤقتة بوقتٍ محدد ويستحيل أن يأتي نبيٌ آخر ينسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
الميزة الثانية: هي أنها لكل البشر، فليست خاصةً بالعرب مثلاً، وإنما هي عامةٌ لجميع الشعوب والأجناس والألوان، منذ أن بُعِثَ صلى الله عليه وسلم وإلى أن تقوم الساعة، فشريعته ثابتة محكمة شاملةٌ عامة، وحين تنظر إلى الفرق بين الإسلام وبين الديانات السماوية في العصر الحاضر؛ تجد أن هناك فروقاً كثيرة، حتى في العقيدة، فإن اليهود والنصارى قد حرفوا دينهم وغيروه وبدلوه، حتى قبل ذلك بقرونٍ طويلة كان دينهم محرفاً حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نزل القرآن الكريم يعيب على اليهود والنصارى ما أدخلوه في دينهم من تحريفات وتبديلات، سواء في ذلك جوانب العقيدة، كما ذكر الله عز وجل عن النصارى أنهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وإن الله هو المسيح ابن مريم، أو المسيح بن الله، وكما ذكر الله سبحانه عن اليهود أنهم قالوا: عزير ابن الله وقالوا: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، وغير ذلك من التحريفات التي كانت موجودة منذ عصر الرسالة الأولى، عصر النبي صلى الله عليه وسلم بل قبل ذلك.
فدين اليهود محرفٌ منسوخ، ودين النصارى محرفٌ منسوخ، ودين الإسلام محكمٌ باقٍ غير منسوخ، وهذه دعوى قد يقول قائل: ما هو الدليل عليها؟ فنقول: الدليل على هذا الدعوى أن هذه الديانات اليهودية والنصرانية يوجد بينها التناقض، فيوجد بين نصوص الإنجيل مثلاً من التناقض ما يعلمه كل أحدٍ له اطلاع على هذا الإنجيل، ويوجد بين نصوص التوراة أيضاً من التناقض، ما يعلمه كل أحدٍ له إطلاع على التوراة، ويوجد فيهما من مناقضة العقل، ويوجد فيهما من مناقضة الواقع والأحداث التاريخية ما يدل على أنهما ليس من عند الله؛ لأن الذي من عند الله يستحيل أن يكون متناقضاً، ويستحيل أن يكون مناقضاً للواقع، ويستحيل أن يكون مناقضاً للتاريخ، ويستحيل أن يكون مناقضاً للعقل.
أما دين الإسلام فليس فيه شئٌ من ذلك، ليس فيه شيء يناقض التاريخ، وليس فيه شيء يناقض العقل، وليس فيه شيء يناقض الواقع، وليس فيه شيء يناقض شيئاً آخر من نفس الدين، بل هو دينٌ متكامل يؤيد بعضه بعضاً.
وإن مما يجب أن يعلم؛ أن القرآن الكريم الذي هو كتاب هذا الدين، محفوظ مكتوب منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، تنتشر عشرات ملايين النسخ في العالم كله، ولا يوجد بين نسخةٍ وأخرى منها أي اختلاف لا في كلمة ولا في حرف ولا في ضمة أو فتحةٍ أو كسرة، بل هو متفق تمام الاتفاق يقرؤه المسلم في الشرق كما يقرؤه المسلم في الغرب؛ أما حين تنظر إلى كتب الديانات الأخرى، فانظر -مثلاً- إلى الإنجيل، بل إلى الأناجيل التي كانت كثيرة جداً، وأقر مجمع نيقية المنعقد . أربعة منها هي المعتبرة عند النصارى لديهم، وهي: إنجيل متَّى وإنجيل مرقص وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا، وهذه الأناجيل الأربعة مختلفة فيما بينها، ليست وحياً منزلاً من عند الله، بل هي من كتابة البشر، ومعظمها عبارة عن تراجم وسير وأحداث، يتخللها بعض العقائد والتعاليم، ولا يعرف من كتب هذه الأناجيل ولا في أي زمن كتبت، ولا بأي لغةٍ كتبت ولا لمن كتبت، ولا يعرف إن كانت مترجمة، وأين ترجمت، وإن كانت ترجمت فمن الذين ترجمها، وفي أي سنة وما هي اللغة الأصلية التي كتبت بها؟ كل ذلك لا يكاد يعرفه أحد من الباحثين، لا من النصارى ولا من غيرهم، ثم إنها متناقضة فيما بينها، في عرض الأحداث التاريخية وفي عرض العقائد.
إن الإنجيل الوحيد الذي فيه التصريح بأن عيسى ابن الله -تعالى الله عما يقولون- هو إنجيل يوحنا، وقد نفى كثيرٌ من علماء النصارى نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الصياد ، الذي هو حواري المسيح، وقالوا: إن هذا الذي كتبه أحد تلاميذ مدرسة الإسكندرية، ومن المصادر التي نفت نسبة الإنجيل إلى يوحنا الصياد دائرة المعارف البريطانية، التي ألفها أكثر من مائتين من علماء النصارى، وقد قطعوا بأنه لم يكتبه يوحنا وإنما كتب ونسب إليه.
ثم إن هناك إنجيل برنابا ، و برنابا اسمه يوسف وهو قسيس من القديسين الأوائل عند النصارى، أو حواري من الحواريين، وهذا الإنجيل له أهمية خاصة، حيث حرص النصارى على إخفائه وإحراقه، وحرم الباباوات تداوله بين رعاياهم، وشنت عليه الكنائس حملة ضارية، ولكن لا يزال هذا الإنجيل باقياً إلى اليوم، منتشراً مترجماً إلى لغاتٍ عديدة، ومنها اللغة العربية حيث ترجم إلى العربية وطبع.
هذا الإنجيل يبين الديانة النصرانية الحقيقية غير المزيفة، ومن الحقائق الموجودة فيه التي حاربه النصارى من أجلها: أنه يقر بأن عيسى بشر وليس إلهاً، يقول فيه عيسى -مثلاً- "إنني أشهد أمام السماء، وأشهد كل ساكن على الأرض، أني بريءٌ من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر، لأني بشرٌ مولود من امرأة عرضة لحكم الله، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام".
ثانياً: في إنجيل برنابا : أن من قال إن عيسى إله فهو كافر.
ثالثاً: يقرر إنجيل برنابا ، أن الذبيح هو إسماعيل أبو العرب وليس إسحاق، وهذا ما يقرره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في مواضع عديدة.
رابعاً: في إنجيل برنابا البشارة بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وبعثته من نص صريح، في مواضع متعددة من هذا الإنجيل.
خامساً: لا يقول هذا الإنجيل بصلب المسيح، بل يعتبر من قال بذلك جاهلاً، إلى غير ذلك من المعلومات الموجودة في هذا الإنجيل.
إذاً: فالأناجيل متعارضة فيما بينها، والأولى أن نقبل ما في إنجيل برنابا بما يوافق القرآن الكريم، ونعتبر أن ما في الأناجيل الأخرى مزيفٌ محرف، وخاصة وقد جاءت الرسالة السماوية (الإسلام) لتقر ما في هذا الإنجيل، وتنفي ما في غيره.
الفرق بين الإسلام والدين المسيحي
إذاً: خلاصة الجواب في الفرق بين الإسلام والدين المسيحي: أولاً: العقيدة التي جاء بها عيسى عليه الصلاة والسلام والعقيدة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم واحدة، ولكن العقيدة الموجودة اليوم عند النصارى مخالفة تماماً للعقيدة التي جاء بها عيسى، ولا يقر عيسى عليه الصلاة والسلام ما عليه النصارى اليوم، من التبديل والتحريف وادعاء الألوهية له أو لأمه، أو ادعاء أن الآلهة ثلاثة: الأب والابن وروح القدس: { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } [النساء:171].
ثانياً: دين النصرانية فيما يتعلق بشريعته والأحكام التفصيلية التي تنظم حياة الناس منسوخ بدين الإسلام.
فهذان الفرقان يجب أن يعلمهما كل إنسان.