1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2011
    عضو نشيط
    المشاركات: 496
    لا يمكن النشر في هذا القسم


    " ياأيها الذين آمنو لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم " الحجرات 1
    - إشتدَ الجدال فى الآونة الأخيرة بين كثير من الطوائف التى تنتمى إلى ديننا الحنيف فى كثيرمن القضايا التى تمس صلب هذا الدين وأساسه , وكالعادة تجد القوم فيها منقسمون إلى ثلاث فرق : ماسك على الحق , ومفرط ومتشدد .
    - والحق لابد له من دلالات واضحة المعالم مستقاة من آيات الله المحكمة وسنة رسوله المطهرة ولكن فى غير تأويل لدلالاتها أوتعطيل لها أوتغافل عنها وإسقاطها بالكلية , وأهل الأهواء من مفرط ومتشدد يأبون إلا ذلك فجانبهم الصواب وجرّت كل طائفة أتباعها وراءها إلى التهلكة .
    - وأهل الحق يجمعون بين كل الأدلة القطعية الثبوت والدلالة فلا يسقطون أيا منها بل يعملونها كلها ليصلوا إلى الحكم الصحيح المستقى من النبع الصافى القرآن والسنة ولا يضربون بعضها ببعض لتظهر فى صورة المتناقضات بل يجعلونها كلبنات فى بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا ليتسق الفهم ويستقر فى القلب بعد أن يعيه العقل , وكيف لا و صاحب الرسالة والمبلغ الأول لها عن رب العزة يقول :
    ( تركت فيكم بعد وفاتى أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه )
    رواه مالك فى الموطأ وأخرجه بن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده .
    كما أخرج الحاكم بسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : خطب النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع فقال : ( تركت فيكم شيئين كتاب الله وسنتى ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض )
    فخاب وخسرمن ذهب يلتمس الهدى فى غيرهما.-
    - وأهم هذه القضايا التى أشرنا إليها آنفا قضية التحاكم إلى الطاغوت وأهمية هذه القضية ترجع إلى كونها قضية تخص توحيد الربوبية والألوهية معا فهى قضية يجتمع فيها أمران ممن نتلقى ونقبل التشريع وإلى من نتقرب بالرضوخ والتسليم والإنقياد لذلك التشريع حتى أننا نسعى إليه سعيا حثيثا ونطلبه .
    - فكيف نكون عبادا لربنا إذا استبدلنا به ربا سواه وذهبنا نتلقى ونقبل تشريعا من غير ما أنزل !!! وكيف نكون عبادا لله إذا استبدلنا به إلها آخر نقدم له نصيبا من العبادة فسعينا لنتحاكم إلى غيرما أنزل !!!
    انظرإلى قوله تعالى : " إن الحكم إلاَ لله أمر ألاَ تعبدوا إلاَ إيَاه " يوسف 40
    - فقصر الله عزوجل الحكم على نفسه بإسلوب القصروذلك بالإستثناء بعد ( النفى بغير ما ) فى قوله تعالى :" إن الحكم إلالله " فجعل تلقى ذلك وقبوله لايكون إلا منه وحده ( توحيد ربوبية) ثم جعل الإنقياد لذلك التلقى والسعى فى طلبه عبادة توجه له وحده فقال : " أمر ألا تعبدوا إلا إياه " (توحيد ألوهية) .
    - ومقتضى الكلام فمن كان ربه الله فلا يتلقى ولا يقبل حكما من غيره ( توحيد ربوبية) ثم بعد ذلك التلقى والقبول لابد من السعى إلى ما قبله من أحكام وحدها بأن يقتصرعلى التحاكم إليها فحسب (توحيد ألوهية) .
    - وانظر إلى تغييرالرسول صلى الله عليه وسلم لكنية الصحابى من أبى الحكم إلى أبى شريح عندما وفد إلى رسول الله مع قومه وذلك لمجرد منع المشابهة مع إسم الله (الحكم) لكونه خاصا به وحده سبحانه لايجوز أن يشاركه فيه أحد , و بالرغم من أن هذا الصحابى لا يتصور أحد أنه بعد أن رضى بالله مشرعا وحكما أن يذهب ليتعدى على حق الله فى الحكم , ولكنها النبوة التى جاءت لتسد على الناس كل الذرائع والتى قد تفضى يوما ما بعد مشابهة الناس لربهم فى اسم من أسمائه أن يفضى بهم ذلك ولو بعد طول أمد إلى أن يشركوا أنفسهم معه سبحانه فى مقتضيات ذلك الإسم وتبعاته .
    - فمنع من مجرد المشابهة فى الإسم فى شىء اختص الله به نفسه لسد ذريعة قد تفضى يوما ما إلى الشرك , فالله وحده الحكم وإليه الحكم.
    ففى سنن أبى داود- كتاب الأدب - أن الله هو الحكم وإليه الحكم
    4955 حدثنا الربيع بن نافع عن يزيد يعنى ابن المقدام بن شريح عن أبيه شريح عن أبيه هانئ :
    ( أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبى الحكم فدعاه رسول لله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم ؟ فقال إن قومى إذا اختلفوا فى شىء أتونى فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا, فما لك من الولد ؟ قال لى شريح ومسلم وعبد الله قال : فمن أكبرهم ؟ قلت شريح قال : أنت أبو شريح ) .
    وفى سنن النسائى – كتاب أداب القضاة –إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى ابا الحكم , إذا حكموا رجلا فحكم بينهم
    5387 أخبرنا قتيبة قال حدثنا يزيد وهو ابن المقدام بن شريح عن شريح بن هانئ عن أبيه هانئ:
    " أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعهم وهم يكنونه هاتنا أبا الحكم فدعاه رسول لله صلى الله عليه وسلم فقال له : إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم ؟ فقال إن قومى إذا اختلفوا فى شىء أتونى فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن من هذا, فما لك من الولد ؟ قال لى شريح وعبد الله ومسلم قال : فمن أكبرهم ؟ قال شريح قال : أنت أبو شريح فدعا له ولولده".
    آفات الأتباع وآفات المتبوعين
    - وقبل أن أتناول القضية نفسها من خلال الأدلة القطعية الثبوت والدلالة من النبع الصافى الكتاب والسنة ألقى الضوء أولا على ما يظهر لى من آفات الأتباع والمتبوعين فى قضايا الدين عامة وفى هذه القضية خاصة وأكتفى هنا بالتنبيه على أشهر هذه الآفات لخطورتها .
    - وأشهرآفات الأتباع فى هذه القضية هى:
    عدم التجرد للحق والإنتصار لرأى المتبوعين ولوعلى حساب الحق
    - وهذا يجعلهم عادة ينتصرون لرأى متبوعيهم , فهم يحبون أن يكونوا دائما معهم وفى صفهم مهما كان قولهم , فهم مهيأون تماما للميل لرأيهم وأنه هو الصواب دائما وأن الحق لابد أن يكون معهم , وهذا الأمر ليس مستحدثا من قبل الأتباع المقلدون لمتبوعيهم بل هوأمر موجود من قديم الزمان , أنظر إلى قول الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام :
    " وقال إنما إتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين "
    العنكبوت25
    هذا عن أشهر آفات الأتباع و أما أشهر آفات المتبوعين فى تلك القضية فهى:
    أخذ الأموربالظن واتباع الهوى
    وقد حذر الله عزوجل من الظن واتباع الهوى وجعله المضاد للهدى فمن اتبع الظن وانقاد لهواه فليس بمهتد قال تعالى :
    "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى " النجم 23
    وقال تعالى لنبيه داوود عليه السلام محذرا إياه من اتباع الهوى :
    " يا داوود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " ص 26
    - فنهى الله سبحانه وتعالى عن اتباع الهوى وجعل ذلك من الضوابط الواضحة عند الحكم عموما ونهى نبيه داوود عليه السلام عنه وحذره منه وبين له أن إتباع الهوى يقود صاحبه إلى الضلال والعياذ بالله .
    - فاتباع الهوى دائما يؤدى بصاحبه - فرضا للرأى الذى يهواه - أن يسقط الأدلة الواضحة من كتاب الله وسنة رسوله المطهرة فى حكم من الأحكام , وأن لم يسقطها بالكلية أسقط دلالتها الواضحة , أوإستخرج بهواه دلالات من عنده لها محملا النصوص مالا تحتمله من معانى ليخرج علينا برأيه فى النهاية بعد أن يلبسه شرعية مزيفة قائلا هذا هو حكم الله فى المسألة ليخضعنا لرأيه و يلزمنا به حيث هو حكم الله فلا يجوز لنا أن نخالفه , وهذا تحريف للكلم عن مواضعه وهو من جنس ما فعله أهل الكتاب , قال تعالى :
    "وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هومن عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " آل عمران 78
    - وأقول من جنس ما فعله أهل الكتاب لأن أهل الكتاب فعلوا ذلك أى كانوايغيرون مراد الله من كلامه وفعلوا أيضا ما هو أشد وأنكى منه فقد كانوا أكثر جرأة على الله فكانو يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله قال تعالى :
    " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " البقرة 79
    وهؤلاء المتبوعين يصفون النصوص الواضحة الدلالة وصفا يسقط عنها دلالتها أو يذهبون فيحملون النصوص مالا تحتمله ويستخرجون منها دلالة تتماشى معى أهوائهم ويقولون هذا مراد الله والفارق ليس كبير فالإفتراء على الله فى تحريف مراده من كلامه هومن جنس الإفتراء عليه فى كلامه نفسه , فالغاية واحدة و هى فرض الرأى الشخصى على البشر بإكسابه الشرعية المزعومة أنه من عند الله وما هو من عند الله سواء كان ذلك بطريقة مباشرة بافتراء الكلام نفسه أوغير مباشرة بتحريف مراد الله من كلامه .
    - وكما حذرنا الله سبحانه وتعالى من إفتراء الكذب عليه فى كلامه فقال :
    " ومن أظلم ممن إفترى على الله كذبا او قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء " الانعام 93
    وتوعد من فعل ذلك من أهل الكتاب وكل من قد تسول له نفسه على أن يفعل فعلتهم هذه بالويل فقال :
    " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " البقرة 79
    وقال سبحانه وتعالى فى اليهود فى ذلك الشأن :
    " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه " المائدة 13
    فاستحقوا اللعن وقسوة القلب وهو غلظته وقساوته من مخالطة الكفر له وكان ذلك بسبب نقضهم ميثاق الله الذى أخذه عليهم وبتحريفهم كلام الله الذى أنزله فى التوراة على موسى عليه السلام .
    يقول الإمام الطبرى فى تأويل ذلك ( يحرفون كلام ربهم الذى أنزله على نبيهم موسى عليه السلام , وهو التوراة فيبدلونه ويكتبونه بأيديهم غير الذى أنزله الله عز وجل على نبيهم ويقولون لجهال الناس : هذا هو كلام الله الذى انزله على نبيه موسى عليه السلام والتوراة التى اوحاها إليه ) انتهى من تفسير الطبرى طبعة المكتبة التوفيقية المجلد الرابع صفحة 169


    وقال عز وجل :
    " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تأتوه فاحذروا " المائدة 41
    ومما أورد ه الإمام الطبرى فى تفسير ذلك :
    (وكان تحريفهم ذلك: تغييرهم حكم الله تعالى ذكره الذى أنزله فى التوراة فى المحصنات والمحصنين من الزناة بالرجم إلى الجلد والتحميم ) انتهى من تفسي الطبرى طبعة المكتبة التوفيقية المجلد الرابع صفحة 253 وأورد فى ذلك هذه الأحاديث أيضا :
    11853- حدثنى المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال ثنا عبد الله بن الزبير , عن ابن عيينه , قال ثنا زكريا ومجاهد عن الشعبى , عن جابر : " يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه " يهود فدك يقولون ليهود المدينة : إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه , وإن لم تأتوه فاحذروا الرجم .
    11857- حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية وعبيدة بن حميد , عن الأعمش , عن عبد الله بن مرة , عن البراء بن عازب " يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تأتوه فاحذروا " يقولون : ائتوا محمدا , فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه , وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا .
    - فقد حذرنا أيضا من إفتراء الكذب عليه فى مراده من كلامه وذلك بتغيير حكم الله أو وصف الأشياء وصفا كاذبا بالألسنة لإضفاء الحل أو الحرمة عليها وذلك حسب ما تهواه الأنفس وتحبه ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :
    " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفترواعلى الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون " النحل116
    - يقول الإمام الطبرى فى تأويل الآية بعد أن رجح قراءة كلمة "الكذب" فى الآية منصوبة على قراءتها بالجروالرفع :
    ( فتأويل الكلام إذا كان ذلك كذلك لما ذكرنا : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم : هذا حلال , وهذا حرام , كى تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذب , فإن الله لم يحرم من ذلك ما تحرمون , و لا أحل كثيرا مما تحلون ) انتهى تفسير الطبرى طبعة المكتبة التوفيقية المجلد الثامن ص 195
    - فانظر كيف عده الله افتراءا للكذب عليه سبحانه فساوى بذلك بين من كتبوا الكتاب بأيديهم ثم قالوا هذا من عند الله و بين من أباحوا لأنفسهم أن يطلقوا بوصف كاذب لألسنتهم على ما تهواه أنفسهم هذا حلال وما لا تهواه هذا حرام , لأن جنس ذلك كله واحد فهو كذب على الله فالكذب على الله فى مراده من قوله كالكذب عليه فى قوله لأن النتيجة فى النهاية واحدة .
    - فكيف إذا تعدى الأفتراء على الله فى مراده من هذا حلال وهذا حرام إلى هذا كفر وهذا إسلام !!!
    - وقد يكون ذلك الإفتراء على الله فى مراده حسبة فى نظر بعضهم مثل ما فعله الوضاعين فى إفتراءأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم لحض الناس على أعمال الخير, وفعل هؤلاء من جنس ذلك فراحوا يتشددون فى هذا ويتساهلون فى ذلك ظنا منهم أنه من الأحوط لدين الله أن يكون الحكم هكذا أوهكذا حسب ما يرونه مناسبا لصلاح حال الناس فى رأيهم , ثم يذهبون ويحاولون أن يكسبوا رأيهم هذا شرعية مزيفة بلى أعناق النصوص ليستخرجوا منها دلالات متوهمة أويذهبون ليسقطوا عنها دلالات واضحه أويدعون عللا مؤثرة فى الحكم وليست كذلك ويسقطون عللا أخرى بالرغم من وضوح تأثيرها فيه وكل ذلك يفعلونه إنتصارا للرأى الذى يرونه ويرتاحون إليه , ونسى هؤلاء أن دين الله ليس مشاعا متروكا لهم أولغيرهم ليقولوا فيه ما يشاءون برأيهم .
    كل امرؤ حسيب نفسه ولا تزر وازرة وزر أخرى بل كل نفس بما كسبت رهينة
    - فالمؤمنون كلهم عوامهم وعلماؤهم مخاطبون بتدبر القرآن وهوقراءته مع إمعان الفهم والتفكر فى ءآياته كخطوة الأولى للعمل بها , وما أنزل الله كتابه إلا من أجل ذلك :
    " كتاب أنزاناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولوا الألباب " ص 29
    وقال تعالى :
    " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا"
    النساء 82
    - فالقرآن كلام الله حق كله فهو من عند الله فلا يكذب بعضه بعضا ولا ينقض بعضه بعضا بخلاف كلام البشر فيجوز فى حقه الإختلاف والتناقض , وهو رسالة ربهم إليهم بلغها إليهم رسوله وبينها لهم فى هديه فلزمهم قراءتها ومعرفة مراد الله منها لتنفيذها كما أراداها الله وهى السبيل الوحيد لمعرفة كيف يعبدوا ربهم وهى الوظيفة التى خلقهم من أجلها وانتدبهم لها.
    قال تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الذاريات 56
    وقال : " ياأيها الناس اعبدو ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم " البقرة 21
    - والقرآن كما ذكر ربنا فيه ءايآت متشابهات و لكن محكمه حاكم على متشابهه وما جهله الناس من متشابهه فإنما هو من قصور عقولهم أوجهالتهم بمراد الله فيه , والمؤمنون إذا جهلوا مراد الله من قوله أو تشابه عليهم قالوا الذى قاله الله هو الحق ونحن نؤمن به على الوجه الذى أراده سبحانه وارتضاه , وإذا كان هناك من محكم فى المسألة ردوا متشابهه إلى محكمه .
    قال تعالى :
    " هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين فى قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه من ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنابه كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب " آل عمران 7
    - وءآيات القرآن التى تدل البشر على طريق الهداية كلهن محكمات وهن أم الكتاب وأصله وهن اللاتى عليهن عماد الدين و أحكامه و يرضاهن أهل كل دين ماداموا على الطريق المستقيم , وهن كافيات لكل من أراد أن يقيم دينه ويعبد ربه كما أراده الله منه .
    - وكما أن المؤمنين كلهم مخاطبون بتدبرالقرآن فهم أيضا كلهم عوامهم وعلماؤهم مخاطبون بأن يعبدوا الله على بصيرة لأن الله عز وجل طلب من كل من يتبع رسوله أن يدعو إلى الله على بصيرة فقال :
    " قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين " يوسف 108
    ومن كان مطلوبا منه أن يدعو إلى الله على بصيرة لابد أن يكون هو نفسه على بصيرة من دينه أولا قبل أن يدعو إلى ذلك ثم انظر إلى قول الله " أنا ومن اتبعنى " لتعرف أن ذلك يشمل كل من ادعى أنه من أتباع النبى صلى الله عليه وسلم ولم يفرق الله فى ذلك بين علماء المسلمين وعوامهم .
    - ومعنى هذا أن العلماء أوأولوا الأمرليسوا فقط هم الذين يعرفون عبادة الله على بصيرة والباقون مقلدون لهم فالكل أمامه القرآن وهدى النبى صلى الله عليه وسلم وسنته لايضل من تمسك بهما وسار على نهجهما وهذه هى وصية نبينا فى هذا الأمر :
    ( تركت فيكم بعد وفاتى أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه )
    رواه مالك فى الموطأ وأخرجه بن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده .
    وهذه الوصية تدل فى نفسها أن ذلك ممكنا لآحاد المسلمين لأن الخطاب لعموم المكلفين حيث قال صلى الله عليه وسلم : ( لن تضلوا ما مسكتم بهما ) وهذا أيضا يشمل علماء المسلمين وعوامهم .
    - والرسل وآخرهم نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام إنما أرسلوا برسالة من الله ليبلغونها للناس ويبينونها لهم حيث هم آخر حججه سبحانه وتعالى على الناس :
    " رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "
    النساء 165
    فبعد أن فطرهم الله عز وجل كلهم على عبادته وحده وأخذ ميثاقهم على ذلك :
    " وإذ اخذ ربك من بنى ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " الأعراف 172
    وجعل لهم من الآيات والسنن الكونية ما يدلهم على ذلك ويقودهم إليه :
    " إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لأيات لأولى الألباب "
    آل عمران 190
    ووهب لهم أدوات التعلم والمعرفة وهى السمع والأبصار والأفئدة :
    " و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون " النحل 78
    ثم بعد ذلك كله أرسل إليهم الرسل :
    ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " النحل 36"
    وهى آخر حججه على عباده كما ذكرنا وبعدها يعذبهم على كل حججه حيث الرسل وما أرسلوا به من هدى يذكرونهم بكل ما سبق من حجج الله فيذكرونهم بما فطرهم الله عليه وما أقروا به من عهود ومواثيق وهم فى عالم الذر ويحضونهم على النظروالتدبر فى ءايات الله فى الكون والإهتداء بها وعلى الإعتبار بمن سبقهم من الأمم التى عتت عن أمر ربها وعصت رسله وعلى إستخدام ما وهبهم الله من أدوات العلم والمعرفة وبعد ذلك لا يكون إلا العذاب وسواء عجل لهم الله ذلك فى الدنيا كما فعل بمن سبقهم أو أخره للآخرة كما وعد من خلفهم فقد أوجبوا واستحقوا ذلك العذاب بعد أن أدمغ الله عليهم حججه ولذلك قال :
    " رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "
    النساء 165
    وقال : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " الإسراء 15
    - وعوام المسلمين وإن صح لهم تقليد العلماء أوأولى الأمرمنهم فى الفروع والأمور الخفية لخفاء الدلالات فيها عليهم ولذلك لم يكلفهم ربهم بما ليس فى وسعهم فيها بل كلفهم بردها إلى الرسول فى حياته وإلى أولوا الأمر منهم بعد مماته فقال :
    " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم "
    النساء 83
    ولذلك تأول الكثيرمن أهل التفسير أولى الأمرهنا على أنهم العلماء وهذا هو النوع الوحيد من التقليد غير المذموم .
    - فهم وإن صح لهم ذلك التقليد فإنهم غيرمعذورين فى تقليدهم غيرهم فى أصول مثل قضايا الربوبية وقضايا الألوهية والتى لايعذرالله فيها جهال المشركين فى تقليد آبائهم وكبرائهم فإنهم غير معذورين فى تقليدهم إياهم كما أخبرنا عز وجل فى أكثر من موضع فى محكم آياته , قال تعالى:-
    " إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لايجدون وليا ولا نصير* يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * و قالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا قأضلونا السبيلا *ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا " الأحزاب 64- 68
    - إذن فالأمر جد خطير ولا ينفع فيه تقليد الكبراء بل كل امرؤ فيه حسيب نفسه ولن يغنى متبوع عن تابع له فى الضلال من شىء قال تعالى :
    " وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شىء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " إبراهيم21
    - والآن نعود للقضية المطروحة وهى قضية التحاكم إلى الطاغوت ولا شك أن القرآن الكريم رسم لنا الخطوط العريضة للحكم فى هذه القضية بوضوح مثلها فى ذلك مثل كل ما يختص بقضايا الربوبية والألوهية وذلك من خلال آيات محكمات من كتاب الله تخص القضية بعينها كما بينتها وساعدت على إظهار العوامل المؤثرة للحكم فيها أحداث رويت كأسباب نزول لتلك الآيات وأحاديث مسندة رويت عن النبى صلى الله عليه وسلم لوقائع حدثت فى عهده أو وقائع حدثت فى عهود سابقة له وتكلم فيها بما أوحاه إليه ربه , فإذا جمعنا فى المسألة بين أطراف الأدلة القطعية الدلالة بعد ثبوتها كلها إستطعنا أن نعرف حكم الله واضحا جليا فى تلك المسألة وكذلك العوامل المؤثرة فيه .
    وقبل أن ندرس هذه القضية معا ونقف على كل جوانبها فنصل إلى حكم الله الواضح فيها والعوامل المؤثرة فى ذلك الحكم والتى يدورمعها الحكم حيث دارت فإن غابت غاب وإن وجدت وجد , رأيت أن أقدم لذلك بتلك المقدمة :-
    مقدمة لابد منها : (تنقيح المناط وتحقيق المناط وأثر كلا منهما فى الحكم)
    أولا : تنقيح المناط
    وتنقيح مناط الحكم هوبيان الحكم وإظهاره كحكم عام ماض إلى قيام الساعة أوهو المعنى الكلى للحكم و العلل المؤثرة فيه والتى علق الشارع الحكم عليها فهو يدور معها حيث دارت .
    و بتنقيح مناط أى حكم بدلالة ءآياته و ببيان وشرح الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الآيات - إن وجد - قولا أوعملا نستطيع أن نعرف حقيقة الحكم والعلل المؤثرة فيه وهوما يعرف بنوع الحكم حتى وإن كانت أسباب نزول الآيات التى تتناول هذا الحكم خاصة بواقعة بعينها وهو ما يعرف بعين الحكم .
    - ذلك لأننا نريد أن نعرف نوع الحكم وليس عينه حيث لا ترابط بين نوع الحكم وعينه إلا فى حالة ما إذا كان عين الحكم من العوامل المؤثرة على نوعه , حيث أن نوع الحكم وليس عينه هو الذى سنسعى بعد ذلك لمعرفة ثبوته فى واقعة بعينها من عدمه وهو ما يعرف بتحقيق مناط الحكم .
    ومثال ذلك قول الله تعالى :
    " فلمل قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا" الأحزاب 37
    - فالحكم العام المنزل( نوع الحكم ) هو أنه لاحرج من نكاح أزواج الأبناء بالتبنى بعد أن يطلقهن أزواجهن , وليس كون الواقعة حدثت مع النبى صلى الله عليه وسلم أى كون عين الحكم ( النبى صلى الله عليه وسلم ) علة مؤثرة فيه بل يعم كل المؤمنين بعد نزول الحكم فعين الحكم هنا ليس من مناطه ولذلك قال تعالى :
    " لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا " .
    فى حين أن عين الحكم أصبحت عاملا مؤثرا فى الحكم العام فى قوله تعالى :
    " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " الأحزاب 50
    - فالحكم العام أو نوع الحكم هو جواز أن تنكح إمراة مؤمنة نفسها للنبى وهنا عين الحكم (أن ذلك كان خطابا للنبى صلى الله عليه وسلم ) عامل أساسى مؤثر فى الحكم فعين الحكم هنا من مناطه وقد بينه رب العزة بوضوح فى قوله :" خالصة لك من دون المؤمنين " الأحزاب 50
    - وهذا النوع من تنقيح مناط الأحكام هوما أشار إليه شيخ الإسلام إبن تيمية فى مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية فى المجلد التاسع عشر طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ص14-15
    "والآيات التى أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم فيها خطاب لجميع الخلق من الإنس والجن , إذ كانت رسالته عامة للثقلين , وإن كان من أسباب نزول الآيات ما كان موجودا فى العرب فليس شىء من الآيات مختصا بالسبب المعين الذى نزل فيه بإتفاق المسلمين , وإنما تنازعوا: هل يختص بنوع السبب المسؤول عنه ؟
    وأما بعين السبب فلم يقل أحد من المسلمين : ان آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان و حد السرقة والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذى كان سبب نزول الاية.
    وهذا الذى يسميه بعض الناس تنقيح المناط , وهو ان يكون الرسول صلى الله عليه وسلم حكم فى معين وقد علم ان الحكم لا يختص به فيريد ان ينقح مناط الحكم , ليعلم النوع الذى حكم فيه كما أنه لما أمر الأعرابى الذى واقع إمرأته فى رمضان بالكفارة , وقد علم أن الحكم لا يختص به , وعلم أن كونه أعرابيا أو عربيا أو الموطوءة زوجته لا أثر له , فلو وطىء المسلم العجمى سريته كان الحكم كذلك" إنتهى من مجموع فتاوى شيخ الإسلام .
    - والجدير بالذكر أن ما ذكرناه من تنقيح المناط ليس فيه إجتهاد بل بيان وإظهار فقط و إنما الإجتهاد وإعمال النظر فى تحقيق المناط وليس فى تنقيحه فما هو تحقيق المناط إذن .
    ثانيا تحقيق المناط
    تحقيق المناط هو النظر فى ثبوت المناط فى واقعة ما من عدم ثبوته .
    أوبمعنى آخر هو النظر فى ثبوت أوعدم ثبوت المعنى الكلى أو العلل المؤثرة التى علق الشارع الحكم عليها فى واقعة بعينها.
    ولبيان ما هو تحقيق المناط نسوق أيضا ما ذكره شيخ الإسلام فى كتابه السابق مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية فى المجلد التاسع عشر طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ص 16 :
    فبعد أن نوه فى البداية إلى تنقيح المناط وأنه لابد منه فى الشرائع بدأ يوضح تحقيقه من قوله (كما إتفقوا على تحقيق المناط) :
    ( وهذا لابد منه فى الشرائع , ولا يسمى قياسا عند كثير من العلماء كأبى حنيفة ونفاة القياس ؛ لإتفاق الناس على العمل به كما اتفقوا على تحقيق المناط , وهو : أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلى فينظر فى ثبوته فى بعض الأنواع أوبعض الأعيان , كأمره بإستقبال الكعبة , وكأمره باستشهاد شهيدين من رجالنا ممن نرضى من الشهداء , وكتحريمه الخمر والميسر؛ وكفرضه تحليل اليمين بالكفارة , وكتفريقه بين الفدية والطلاق , وغير ذلك .
    فيبقى النظر فى بعض الأنواع : هل هى خمر ويمين وميسر وفدية أو طلاق ؟ وفى بعض الأعيان هل هى من هذا النوع ؟ وهل هذا المصلى مستقبل القبلة ؟ وهذا الشخص عدل مرضى ؟ و نحو ذلك ؛ فإن هذا النوع متفق عليه بين المسلمين , بل بين العقلاء فيما يتبعونه من شرائع دينهم وطاعة ولاة أمورهم ومصالح دنياهم وآخرتهم ) . إنتهى من مجموع فتاوى شيخ الإسلام .
    والآن ماهو حكم التحاكم إلى الطاغوت وكيف يكون تنقيح مناط ذلك الحكم بإظهاره كحكم عام وبيان العلل المؤثرة فيه والتى علق عليها الشارع الحكم فهو يدور معها حيث دارت ؟
    - ولكى نعرف حكم التحاكم إلى الطاغوت يجب أولا أن نعرف المعنى الشرعى لكل من شقى ذلك المصطلح على حده ومن ثم نعرف المعنى الشرعى للمصطلح كله بعد إجتماع شقيه ثم ندرس متعلقات ذلك المصطلح فى الآية التى ذكر فيها وعلاقته بما ذكرفى الآية نفسها قبله وما جاء بعده ومراد الله من كل ما سبق فى موضعه وهل ذلك الحكم عام مطلق أم له مقيد أو مخصص أو مستثنى وماهو مناط ذلك الحكم والعلل المؤثرة فيه .
    - ونبدأ أولا بمعنى شقى ذلك المصطلح الشرعى ونكتفى هنا حتى نتحاشى التطويل بمعرفة المعنى الشرعى فقط لكل منهما ودون التقديم لذلك بمقدمات لغوية .
    - فالتحاكم شرعا هو طلب الحكم من جهة بعينها سواء كان ذلك الحكم فصلا فى منازعات أو فضا لخصومات أو توصيفا شرعيا لأ قوال وأفعال المكلفين عند الإختلاف فيها والتى منها قوله تعالى : " ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله " يوسف 40
    فتوصيف أقوال وأفعال المكلفين توصيفا شرعيا لابد أن يرد الأمر فيه إلى خالقهم عند الإختلاف فيه لا إلى السادة والأمراء والمتبوعين ولا إلى الأحبار والرهبان ومن هم على شاكلتهم ولذلك كان الفصل عند الإختلاف فى الأمور الشرعية أيضا وليست الدنيوية فقط مرده إلى الله , ولذلك قال تعالى :
    " وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله " الشورى 10
    وقال : " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول " النساء 59
    والطاغوت بإيجاز شديد - فليس هذا موضعا لتفصيله - هو كل معبود أو مطاع أو متبوع من دون الله .
    - وعلى ذلك يكون المعنى الشرعى للمصطلح التحاكم إلى الطاغوت هو طلب الحكم من جهة معينة تعبد أو تطاع أو تتبع من دون الله ولأى سبب من الأسباب التى ذكرتها مسبقا أى للفصل فى منازعة أو لفض خصومة أو لتوصيف قول أو فعل لمكلف توصيفا شرعيا (مثل أن وصفه بأنه حرام أويمتنع فعله من المكلف.... وما إلى ذلك من توصيفات شرعية ) ولذلك تعد الفتوى طلب حكم .
    - والآن نحاول معرفة مراد الله أو التكييف الشرعى من ذكر ذلك المصطلح فى عين الآية التى ورد فيها " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " وذلك بدراسة تعلقه بما قبله وما بعده فى الآية نفسها والذى بمعرفة تعلقه بما ورد قبله أوبما جاء بعده فى الآية يمكننا الوصول للحكم وتنقيح مناطه أى معرفة نوعه والعوامل التى يمكن أن تكون مؤثرة فيه قال تعالى:
    " ألم ترإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " النساء 60-61
    - ومراد الله هنا من المصطلح ( التحاكم إلى الطاغوت) أوالتكييف الشرعى له يظهرجليا من المقابلة بين زعم الإيمان بما أنزله الله من شرائع على رسوله وما أنزله من شرائع على من قبله من الرسل "بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" يظهرالتكييف الشرعى من المقابلة بين زعم الإيمان بالله وما أنزله من شرائع على نبيه ثم التولى عن هذا كله والذهاب (للتحاكم) أى لتلقى وقبول شرعا من جهة أخرى غيرالشرع المزعوم الإيمان به والذى عبر الله عز وجل عنها فى هذا الموضع بالطاغوت , فدل ذلك على أن الذهاب للتحاكم إلى غير الشرع المنزل من الله على رسله هو مراد الله من الطاغوت فى قوله " يتحاكموا إلى الطاغوت " وحيث أن آخرهذه الشرائع والمهيمن عليها شريعة الإسلام , فالتحاكم إلى الطاغوت إذن هو التحاكم إلى غير شرع الله الذى نزل على رسول الإسلام .
    - ويشمل ذلك التحاكم إلى كل من يحكم بشرع غير شرع الله سواء كان هذا الشرع مأخوذا من العادات والتقاليد والأعراف الجاهلية التى يحكم بها كثير من الناس فى خصوماتهم مثل ما يسمونه الآن ( قعدة عرب ) , أومأخوذا من جهة نظامية لها شرع مكتوب (القانون) يستمدونه من غير شريعة الله مثل ما يعرف الآن بالمحاكم الوضعية وهى المحاكم التى تحكم بقوانين من وضع البشربدون مستند من الله , وأيا كانت الكيفية التى يتحاكم بها الناس إلى غير شرع الله- فليس ما ذكرنا على سبيل الحصر- فكل تحاكم فى صغيرأوكبيرأوتحاكم فى قليل أو كثيرإلى غير كتاب الله وسنة رسوله هو تحاكم إلى غير شرع الله وهو تحاكم إلى الطاغوت.
    - وطالما أن التحكام إلى الطاغوت هوالتحاكم إلى غير شرع الله فإنه يجدر بنا أن نعرف أولا كيف يكون التحاكم إلى شرع الله حيث هذا هو الحق ليتضح لنا الباطل وذلك من خلال صور التحاكم إلى شرع الله كما أوردها الله عز وجل فى القرآن الكريم :
    صورالتحاكم إلى شرع الله كما وردت فى القرآن الكريم
    - والتحاكم إلى شرع الله قد أورده سبحانه وتعالى فى كتابه بصور شتى وكلها مرادفات لحكم الله ورسوله ومنها:
    أمرالله عز وجل برد الأمر إلى الله ورسوله عند التنازع أو الإختلاف
    " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول " النساء 59
    " وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله " الشورى 10
    أو بإسناد الحكم إلى الله
    " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " المائدة 50
    أوبإسناد الحكم لرسول الله
    " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " النساء 65
    أوبإسناد الحكم لكتاب الله
    " أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا " الأنعام 114
    ولذلك تجد أن الله قد فضح اليهود عندما جاءوا ليتحاكموا لرسوله بغية موافقته كما ظنواعلى ما بدلوه من حكم الله الذى فى كتابهم بعد أن رفضوا التحاكم إليه فأنكر الله عليهم تلك الفعلة المشينة فقال تعالى :
    " وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله " المائدة 43
    والمعنى أى وكيف يحكمونك يا محمد وقد رفضوا حكم الله وشريعته فى كتاب الله المنزل إليهم وهو التوراة التى بين أيديهم.
    ومنه قول الله عز وجل منكرا على اليهود والنصارى رفضهم الدعوة إلى التحاكم لكتابى الله اللذين بأيديهم وهما التوراة والإنجيل فيما أمرهم به فيهما من اتباع نبى الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وتوليهم عند دعوتهم إلى ما فيهما من البشارة وإعراضهم عنهما :
    " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون" آل عمران 23
    يقول الإمام ابن كثير فى تفسيره طبعة دار الفكر العربى ص355
    ( يقول تعالى منكرا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم وهما التوراة والإنجيل وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم تولوا وهم معرضون عنهما ) انتهى .
    إذن فالتحاكم إلى الطاغوت هو التحاكم إلى غير شرع الله بأى صورة من الصور
    الحكم العام الخاص بالتحاكم إلى الطاغوت (نوع الحكم )
    كل تحاكم إلى غير شرع الله هو تحاكم إلى الطاغوت وحكمه أنه ناقض للإيمان كما ذكره الله بوضوح فى غير موضع من كتابه الكريم قال تعالى:
    " ويقولون آمنا بالله والرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * و إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون * إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون" النور47- 51
    " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " النساء 60-61

    ........




  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2011
    عضو نشيط
    المشاركات: 496
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ففى الآيات السابقة من سورتى النور والنساء يتضح الآتى:-
    أن زعم الإيمان بالله ورسوله وتصديق ذلك بالطاعة لهما بالقول " ويقولون أمنا بالله ورسوله وأطعنا "
    أو زعم الإيمان بالشرع المنزل من الله على رسوله أو الرسل السابقين " يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك "
    كل ذلك ينتفى ويصبح مجرد زعما لاحقيقة له إذا تولى المدعى للإيمان عن التحاكم إلى الله ورسوله (الكتاب والسنة ) أو أراد أن يتحاكم إلى سواهما أى إلى غير الشرع الذى يزعم الإيمان به .
    إذن فنوع الحكم أو الحكم العام هو:
    إنتفاء ذلك الإيمان وجعله مجرد زعما أى الكفر بوضوح حيث قال الله تعالى فى وصف من يفعل ذلك" وما أولئك بالمؤمنين " , " يزعمون أنهم ءامنوا " وينتفى ذلك الإيمان ممن يزعمه أو يدعيه عند :
    أ- التولى عن التحكام إلى الله ورسوله مع إدعاء الإيمان بهما والطاعة لهما .
    ب- إرادة التحاكم إلى الطاغوت المناقض للكفر به .
    ويتضح ذلك من قوله تعالى :
    " ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك " فى آية سورة النور رقم 47
    وقوله عز وجل:
    " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " فى آية سورة النساء رقم 60
    فجعل سبحانه وتعالى مجرد التولى عن التحاكم لله ورسوله ناقضا لإدعاء الإيمان بهما وجعل مجرد الرغبة فى التحاكم إلى الطاغوت ناقضا للكفر به وهذا هو نوع الحكم أو الحكم العام بوضوح .
    مناط الحكم والعلل المؤثرة فيه :
    - فالإيمان بالله وشرعه المنزل على رسوله تصديقه العملى التحاكم إليه وليس الذهاب إلى غيره لتلقى وقبول الأحكام منه , ولذلك فإن التحاكم إلى غيره يجعل كل ما سبق زعما , والكفر بالطاغوت تصديقه العملى عدم التحاكم إليه ولذلك فإن التحاكم إليه ناقض للكفر به بل يعد إيمانا به .
    - وبالرغم من تعدد الصورالتى يصير بها الشخص متحاكما إلى الطاغوت ففى كل هذه الصور يظهرأن مناط الكفر فيها جميعا هو :
    ترك التحاكم إلى شرع الله والتولى عن ذلك مع زعم الإيمان بالله وشرعه المنزل والتوجه إلى أى جهة أخرى تحكم بغيره لتلقى وقبول الحكم منها
    وهذا هومناط الحكم الذى بسببه ينتفى الإيمان فيكون فاعله (كافرا) إن أظهره أو ( منافقا ) إن أظهر خلافه واستتر به .
    - فمناط الكفر والعلة المؤثرة فى الحكم يمكن إيجازها فى قبول وتلقى التشريع من غير الله والسعى فى ذلك وطلبه
    حيث حقيقة ما يفعله مدعى الإيمان إذا ذهب ليتحاكم إلى الطاغوت أمران :
    أولهما أنه يستبدل الرب بذلك الطاغوت فى الطاعة عندما يتلقى ويقبل التشريع منه .
    وثانيهما أنه يستبدل الله بذلك الطاغوت فى العبادة فيجعله إلها يتعبده عندما يسعى فى طلب تلك الأحكام التى قبل تلقيها قبل ذلك منه.
    ونوع الحكم ومناطه والعلل المؤثرة فيه ليس في أى منهم إجتهاد أى ليس هناك إجتهاد فى كون التحاكم إلى الطاغوت كفرا وليس هناك إجتهاد فى كون تلقى وقبول التشريع والأحكام من غير الله والسعى إلى ذلك يكون كفرا
    ولكن الإجتهاد يمكن أن يكون فقط عند تحقيق مناط الحكم والعلل المؤثرة فى واقعة بعينها أى النظر فى ثبوتهما أو عدم ثبوتهما فى تلك الواقعة
    وبحيث يكون ذلك الإجتهاد غير مغير لنوع الحكم أو لمناطه أوللعلة المؤثرة فيه.

    ومن أمثلة الإجتهاد الغيرمعذور صاحبه أى يكفر قبل بيانه له إعتبار وجود جهة تحكم بشرع الله عند التحاكم إلى الطاغوت عاملا مؤثرا وعلة تغيرمن نوع الحكم فلا يحكم بنفى الإيمان( الكفر ) إلا إذا وجدت
    لأن هذا الإجتهاد يغير من نوع الحكم الثابت بتواتر الأدلة عليه من القرآن والسنة
    وهل وجود الداعى إلى حكم الله أوعدم وجوده يعد عاملا مؤثرا فى مناط الحكم بنقض الإيمان عند الذهاب والتحاكم إلى الطاغوت ؟
    أو بعنى آخر هل وجود جهة تحكم بشرع الله وإمكانية الذهاب إليها أو عدمه تعتبر من العوامل المؤثرة فى الحكم بنقض الإيمان يمكن التعلل بها لرفع الكفر عن المتحاكم إلى الطاغوت أم لا ؟
    وليس من المسوغ - كما يظن البعض - أن عدم وجود داع يدعوك إلى التحاكم إلى شرع الله فى دور الكفر الآن كنتيجة حتمية لغياب سلطان المسلمين عن الحكم والقضاء فيها , ليس من المسوغ أن عدم وجود ذلك الداعى يسوغ لك أن تتحاكم إلى غير شرع الله فى أى صورة كانت وذلك استنادا إلى استدلال متوهم منهم كما يزعمون من قول الله عز وجل :
    " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " النساء 61
    " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " النور 48
    - إذ الأدلة متضافرة على أن ذلك ليس مناطا للحكم فى المسألة أو عاملا مؤثرا فيه بل مناط الحكم هو مجرد ترك التحاكم إلى شرع الله مع زعم الإيمان به والتحاكم إلى الطاغوت وتلقى التشريع والأحكام منه كبديل عن الرب , وكذلك مجرد ترك السعى فى طلب أحكام الله عبادة له والسعى فى طلبها من الطاغوت بديلا عن الله فى تلك العبادة .
    - فالأيات تدل على أن من فعلوا ذلك كانوا قد كفروا ابتداء عندما قال الله عنهم :
    " وما أولئك بالمؤمنين " وقوله " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا "
    وكان كفرهم بمجرد توليهم عن التحاكم إلى الله ورسولة وبمجرد إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت :
    " ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين "
    " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به "
    وكل ذلك كان قبل أن يدعوهم الداعى إلى حكم الله ورسوله فى الآيات التى تليها:
    " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " النور 48
    " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " النساء 61
    - ذلك لأن المؤمنين مأمورون كما بينا ءانفا بالتحاكم إلى شرع الله طالما أنهم يؤمنون به بل هو شرط لذلك , وإن لم يكن هناك داع يدعوهم إليه :
    " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " النساء 59
    - وشرع الله ممثلا فى رسوله قد رفضه المنافقون إبتداءا كجهة للتحاكم فى جميع أحوالهم وكانت هذه هى علة كفرهم , بالرغم من زعمهم أنهم يؤمنون بالله ورسوله والشرع المنزل على رسوله .
    - فعلى الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم كان يحكم بما أنزل الله ولا يفتقد القدرة على تنفيذ ما يحكم به حيث كان ذلك فى المدينة وهى دارمكنة للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فى وقتها بل كان صلى الله عليه وسلم أقدر على تنفيذ ما يحكم به عن غيره مما ذهبوا إليه , إلا أن المنافقين كانوا حريصين على الذهاب إلى غيره لأنهم لم يكونوا يريدون حكم الله حيث لم يكن الحق فى جانبهم وليس الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهة المعتبرة للتحاكم عندهم فى كل أحوالهم .
    - فالنبى صلى الله عليه وسلم جهة مرفوضة تماما للتحاكم بالنسبة لهم عندما لايكون الحق معهم حيث هم يعرفون أن النبى صلى الله عليه وسلم سيحكم بالحق أى سيكون الحكم عليهم لا لهم ويعرفون أن غيره- مثل كعب بن الأشرف - يقبل الرشوة فى الحكم وهم يريدون من يحكم لهم بالباطل ولو بالرشوة فكانوايذهبون إليه متحاكمين .
    - فى حين أنه صلى الله عليه وسلم يكون جهة الحكم التى يسعون إليها عندما يكون الحق معهم مذعنين بطلب الحكم منه صلى الله عليه وسلم دون أن يدعوهم إلى ذلك أحد قال تعالى : " وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين " النور 49
    - وهكذا إزداد الأمروضوحا , فهم يذهبون هذه المرة إلى الرسول لمجرد أن الحق معهم والحكم ولا شك سيكون فى صالحهم بغير داع يدعوهم إليه فأصبحت الجهة التى يفرون منها قبل ذلك هى الجهة التى يسارعون بالذهاب إليها الآن , فالعلة فى كفرهم بوضوح هو عدم إيمانهم بهذه الجهة كجهة مطلقة ووحيدة للتحاكم فى كل الأحوال كما بينا وليس وجود الداعى إلى حكم الله أوعدم وجوده حتى نتعلق به ونجعله عاملا مؤثرا فى الحكم بل ونفتأت على الله ونجعله العلة من ذكر الله له فى الآيات بعد ذلك .
    - وإنما واكب وجود ذلك الداعى فى بعض الآيات كون أن من نزلت فيهم هذه الآيات ( آيات سورة النساء والنور مثلا) كانوا من المنافقين بالمدينة وكان من بين عشيرتهم من المسلمين الصادقين من يطلع منهم على ذلك بالرغم من حرصهم على عدم إظهاره فينكره عليهم داعيا إياهم إلى الذهاب لرسول الله ليحكم بينهم فكانوا يعرضون ويصدون .
    - وهم قد كفروا إبتداء بتوليهم عن التحاكم إلى الله ورسوله وبتحاكمهم إلى الطاغوت بدلا من الكفر به ثم ازدادوا كفرا عندما دعاهم من علم بحالهم من المسلمين الصادقين إلى الذهاب لجهة التحاكم المعتبرة شرعا منكرا عليهم ذلك فأعرضوا وصدوا , وقد ذكر الله عز وجل إعراضهم هذا إدماغا لحجته عليهم وإمعانا فى بيان حالهم وفضح أمرهم بإصرارهم على التحاكم إلى الطاغوت و إعراضهم وصدهم من يدعوهم إلى حكم الله ورسوله :
    " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " النساء 61
    " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " النور 48
    - ولعلهم إذا أحسوا أن الله يعلم دقائق أحوالهم ويعلم أن هناك من دعاهم إلى ترك ذلك بعد الوقوع فيه والرجوع إلى حكم الله ممثلا فى رسوله فرفضوا , لعلهم إذا علموا ذلك فإنه يكون زاجرا لهم ودافعا لهم على التوبة ولذلك قال فى الآيات التى تلى الآيات الفاضحة لهم :
    " ولوأنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " النساء 64
    ومثل ذلك فى القرآن كثير, فمثلا تجد أن الكافرين الذين افتروا على الله الكذب فى التشريع فجعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وخصصوا لها أحكاما من عندأنفسهم ومستندهم فى ذلك الإقتداءا بأبائهم كانو كافرين انظر إلى ما قاله الله عز وجل عنهم :
    " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون " المائدة 103
    فوصفهم بوضوح ب " الذين كفروا " فكان كفرهم بمجرد إفتراؤهم على الله فى التشريع و كان ذلك قبل أن يدعوهم الداعى إلى تلقى التشريع والأحكام من الله فقط , قال تعالى :
    "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءابآءنا " المائدة 104
    فهؤلاء أيضا كانوا كافرين قبل دعوتهم إلى الله ورسوله للحكم فى تلك الأشياء التى شرعوها من عند أنفسهم , ثم بعد أن دعاهم الداعى للنزول على حكم الله ورسوله وتشريعهما كان منهم الصد والتصريح بالإكتفاء بما وجدوا عليه الأباء ولكنهم كما بينت كانوا كفارا أيضا قبل ذلك الصد والرفض .
    فعدم رد الأمر إلى الله ورسوله عند التنازع أوالإختلاف والذهاب لتلقى الحكم والتشريع من الطاغوت بدلا من الكفر به هو العلة المؤثرة فى الحكم لا وجود داع يدعو لحكم الله أوعدم وجوده فالحكم بنقض الإيمان لزمهم قبل دعوة الداعى المذكورة فى الآيات لهم .

    فالتحاكم إلى شرع الله تصديقا عمليا وشرطا للإيمان بالله
    انظر إلى قول الله عز وجل :
    " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " النساء 59
    " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " النساء 65
    " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " المائدة 50
    - فأمر الله سبحانه للمؤمنين برد الأمر لله ورسوله عند التنازع فى الآية الأولى وجعله شرطا للإيمان بالله واليوم الاخر, وجعل تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم كممثلا لحكم الله فى أقل ما قد ينشأ بينهم وهو الشجار وجعله شرطا للإيمان يظل منفيا عنهم ولا يثبت إلا بتحققه فى ا لآية الثانية , كما جعل سبحانه وتعالى طلب غير حكم الله طلبا لحكم الجاهليه فى الأية الثالثة ايضا وكل هذه الأحكام عامة مطلقة وهى شرط لنفى الجاهلية وشرط لوجود الإيمان وإستمراره عند التنازع ولو فى اقل القليل إن وجدت وجد وإن غابت غاب .
    - والآيات السابقة من أظهر الأدلة على خطأ من زعم أن التحاكم إلى غير شرع الله لا يعد نفيا للإيمان إلا إذا وجد داعى يدعو إلى التحاكم إلى شرعه سبحانه أى إلا إذا وجدت الجهة التى تحكم به .
    و كل ما سبق يدل على أن التحاكم إلى شرع الله تصديقا عمليا وشرطا للإيمان به
    وانظر إلى ما ذكره بن كثير فى تفسيره فى قول الله عزوجل :
    " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " النساء 60
    قال : ( هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعى الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد ان يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار, ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودى يقول بينى وبينك محمد , وذاك يقول بينى وبينك كعب بن الأشرف . وقيل فى جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية . وقيل غير ذلك والآية اعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة , وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا ولهذا قال " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " إلى آخرها .) انتهى من تفسير بن كثير
    وهل التحاكم إلى شرع الله كشرطا للإيمان هو شرط صحة أم شرط كمال كما يزعم البعض؟
    - فالواضح البين أنه شرط صحة لاشرط كمال ومن أظهر الحجج على ذلك قوله تعالى:
    " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " النساء 65
    - حيث أقسم الله بنفسه سبحانه على إنتفاء الإيمان " فلا وربك " وأكد ذلك النفى بإستخدام لا النافيه مرتين قبل القسم وبعده " فلا وربك لا يؤمنون " ثم جعل ذلك النفى ممتدا بإستخدام ظرف الزمان حتى "حتى يحكموك " والذى يفيد بأن ذلك يبقى ممتدا طالما أنهم لايحكٍمون الرسول كممثلا لشرع الله فيما ينشأ بينهم من نزاع وإن صغر والذى عبرالله عنه بالشجار وهو أقل النزاع , فالتأكيد بالقسم والنفى مرتين على إنتفاء الإيمان وجعل ذلك ممتدا طيلة عدم التحاكم إلى شرع الله كل ذلك يدل على إنتفاء الإيمان بالكلية لا إنتفاء كماله. القليل , ولو فى أقل
    ومن البديهى أنه إذا كان التحاكم إلى شرع الله حكما عاما مطلقا وليس له أية متعلقات أخرى أو شىء يقيده وأن الله جعله شرطا لصحة الإيمان لا لكماله فمن البديهى أن يكون هذا التحاكم :
    1- فى وسع كل مكلف حتى فى دور الشرك لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها والوسع مناط التكليف
    2- لا يعد مجرد الإستضعاف فى دورالشرك عارضا يرفع عن المستضعفين التحاكم إلى شرع الله فى تلك الدور حيث لا دور للمشركين فيه كما لا يلزم لصحته الإعلان به أمامهم
    3- يعد الإكراه بضوابطه هو العارض الوحيد للتحاكم إلى غير شرع الله فى دور الشرك حيث هو الرخصة الوحيدة المعتبرة من الله فى قول أو فعل فعل الكفر
    قال تعالى :
    " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم " النحل 106
    وقوله تعالى " من كفر" عام ويشمل القول والعمل حيث لا مخصص لأحدهما فى قول الله دون الآخر, لا كما يظن البعض أن ذلك يشمل القول فقط لأن سبب النزول كان فيه القول دون العمل ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب , ولكن من العلل المؤثر فى الحكم هنا هو إستمرار ودوام الكفر بقول أو عمل من عدم إستمراره حيث قول أو فعل الكفر حال الإكراه رخصة من الله للمسلمين ليتجاوزوا بها وضعا مؤقتا يكرهون عليه وليست رخصة من الله على دوام قول أو فعل الكفر وليس هذا موضع بحث مناط الإكراه أو العلل المؤثرة فيه ويطلب فى مظانه ولكن أردت التنبيه على هذه الجزئية لأهميتها.
    - وربما يقول قائل وكيف إذا كانت الدار يعلوها أحكام الكفرفكيف يمكننا أن نتحاكم إلى شرع الله ومن خلال من ؟ فليس عندهم محاكم شرعية تحكم بما أنزل الله ؟
    - والجواب أن المسلم المكلف إذا كان ممن له معرفة بالأحكام ويأمن على نفسه من الميل ومحاباة النفس فإنه يستطيع أن يعرف حكم الله فى خصومته سواء كانت هذه الخصومة مع مسلم أو مع مشرك فليس هناك ما يمنعه عندعلو الكفرمن أن يعرض خصومته أو أقضيته على شرع الله ممثلا فى كتاب الله وسنة رسوله سواء كان مستطيعا أو قادراعلى تنفيذ مايخلص إليه من حكم أوغيرمستطيع فالتحاكم إلى شرع الله شق وإمكانية تنفيذ ذلك وتحصيله شق آخر فمن المتوقع فى دور الشرك أن المسلم بعد أن يعرف أن حكم الله فى خصومته أو مظلمته قد لا يستطيع تنفيذه أو الحصول عليه مع إستمرارحفاظه على إسلامه أى مع إستمرار كونه عبدا لله .
    - والدليل على أن المسلم الصادق يستطيع أن يعرف هل الحق معه أم مع خصمه فى معظم الخصومات أن المنافق يستطيع أن يعرف ذلك وليس المسلم الصادق بأقل من المنافق فى هذا الشأن ,انظر إلى قوله تعالى :
    " وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين " النور 49
    فالحق أبلج والباطل لجلج
    - أما إن خفى على المسلم الحكم فى بعض الأحيان أو كان مما يخاف من نفسه الميل كان عليه أن يطلب ذلك عند من يظن فيه العلم بالأحكام من المسلمين فإن وجد أكثر من شخص ذهب إلى أكثرهم عملا بما يعلم وأتقاهم لله على الظاهر , فالمسلم قبل أن يقرر أن الحق معه أو مع خصمه لابد أن يتحاكم أولا إلى شرع الله بالطرق المعتبرة شرعا كما بينا سابقا هذا لكى يحقق إيمانه أولا برد الأمر إلى الله ورسوله عند التنازع .
    - ثم بعد ذلك هل يستطيع الحصول على هذا الحق أم لا ؟ وهل يستطيع أن ينفذ هذا الحكم على خصمه والدار دار كفر أم لا ؟ وخاصة إذا كان خصمه كافرا فهذه لها ضوابط أخرى هى ضوابط الإستعانة بسلطان المشركين فى دور الكفر .
    - فلا يسع المكلف حتى لو كان فى دار الكفر إلا أن يتحاكم إلى شرع الله بكل الطرق الممكنة سواء أمكنه السعى فى تنفيذ ذلك الحكم مستعينا بسلطان المشركين إذا كان ذلك ممكنا بضوابطه والتى سنوردها فيما بعد أم لم يمكنه لأن التحاكم إلى شرع الله هومناط وجود الإيمان أوإنتفاؤه عند الخصومات والمنازعات .
    - أما ضوابط الإستعانة بسلطان المشركين فى ذلك فمناط الكفر فيها هو نفس مناط كفر التحاكم إلى الطاغوت بل هو الذى يفرق بين كونها إستعانة أو تحاكم.
    - والسؤال الآن هل تؤدى إستعانته بسلطانهم إلى تلقى وقبول شرع منهم أم لا ؟ أى هل هذه الإستعانة إستعانة بسلطانهم أم هى إستعانة بتشريعاتهم على الحقيقة ؟
    حيث الإستعانة بتشريعاتهم هى تحكم إليها كما بينت قبل ذلك بوضوح .
    هل يمكن المخالفة والتفريق بين جهتى الحكم والتنفيذ
    - وربما تسائل البعض كيف فرقت بين شقى الفصل فى الخصومة ففرقت بين جهة التحاكم وجهة التنفيذ فجعلت جهة التحاكم هى شرع الله من خلال جهتة المعتبرة شرعا مثل علماء المسلمين مثلا , ثم جعلت التنفيذ ممكنا بواسطة جهة أخرى هى سلطان المشركين بضوابط الإستعانة , بالرغم من إختلاف الجهتين حكما حيث جهة الحكم التى تم التحاكم إليها شرع الله بواسطة المسلمين وجهة تنفيذ ذلك الحكم إن أمكن ذلك هى سلطان المشركين والبون شاسع بينهما , فما هوالدليل على إمكانية المخالفة بين تلك الجهتين وما هى ضوابط ذلك عندما تكون ممكنة ؟
    - ثم كيف سميت هذا السعى فى تنفيذ حكم الله إستعانة بسلطانهم وليس تحاكما إليهم وهل يمكن الإستعانة بسلطانهم بغير التحاكم إليهم ؟ وما هى الأدلة على ذلك ؟
    أولا : يجب أن نتذكر دائما أن مناط الكفر عند التحاكم إلى الطاغوت هو تلقى وقبول التشريع منه والسعى إلى ذلك بدلا من الكفر به
    وهذا هو مناط الحكم فى المسألة والذى إذا تحقق فى أى واقعة تتشابه علينا يظهر بوضوح أن هذه الواقعة تحاكم إليهم وليست إستعانة بسلطانهم ؟ ففى أى واقعة يكون السؤال هل ما أنت بصدد فعله يجعلك تتلقى وتقبل من الطاغوت تشريع أم لا ؟ وبناءاعلى إجابة ذلك السؤال ستعرف الحكم هل يعد ما أنت بصدد فعله تحاكما إلى سلطان المشركين أى إستعانة بشريعته أم هوإستعانة بسلطانه .
    ثانيا : الدليل على إمكانية التفريق والمخالفة بين جهة التحاكم وجهة التنفيذ
    - إنه من المعلوم بداهة أن الفصل فى أى خصومة أو منازعة له شقين أولهما قانون أو شريعة تعرض الأقضية عليها لإصدار الحكم فيها وثانيهما سلطة قوية قادرة على تنفيذه أو تأمر بتنفيذه فيطاع لها.
    - وسواء كان ذلك فى صورة بسيطة يجتمع فيها شقى الفصل فى الخصومات والمنازعات أى يجتمع فيها الشرع المتحاكم إليه والقوة التى تنفذه مثل التى كانت عند الملوك والسلاطين قديما أوعند بعض شيوخ القبائل حاليا حيث يجتمع كلا الأمرين لشخص واحد فهو يحكم وينفذ حيث تكون كلمته مسموعة وأمره نافذ فيهم.
    - أو قد يكون الأمر مثل ما هو شائع الآن فى دور الكفر فى صورة سلطتان منفصلتان أحدهما تختص بالقضاء والأخرى تختص بالتنفيذ وإن كان بينهما دائما تنسيق وترتيب واتفاق حيث يترتب عمل إحداها على عمل الأخرى فالسلطة التنفيذية لا تنفذ إلا أحكام السلطة القضائية بعد صدورها دائما.
    - وفهم هذه البديهية مهم جدا فى ما نحن بصدده من محاولة الوصول إلى الحق فى هذه القضية التى نسأل الله عز وجل أن نصل فيها إلى الهداية والرشاد.
    حلف الفضول وأوجه الدلالة فيه
    - ومن أظهر الأدلة التى تدل على إمكانية التفريق أو المخالفة بين جهة الحكم وجهة التنفيذ حلف الفضول وتزكية الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الحلف قبل علو الإسلام (فى العصر المكى) ثم إستعانة أصحابه به عندما احتاجوا إلى ذلك (فى العصر المدنى) .
    روى الحميدى عن سفيان بن عيينة عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابنى أبى بكر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا لودعيت به فى الإسلام لأجبت , تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعد ظالم مظلوما )
    وفى البداية والنهاية لابن كثيرطبعة دارالغد العربى المجلد الأول ص 730 ( قال محمد بن اسحق : فحدثنى محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمى , أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهرى يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت ) انتهى من البداية والنهاية.
    - فالحلف بالصورة التى ذكرت عنه يمثل قانونا واحدا ثابتا غيرمخالف لشرع الله , بل هومن شرع الله وليس أدل على ذلك من أن الرسول صلى الله عليه وسلم شهده وأقره وذلك :
    1- لأنهم لم يطغوا على الله فيه فى التشريع بل وافقوا تشريع الله فى حكم عام وهورفع الظلم عن المظلوم وإن قيدوه فى هذا الحلف بمكة لأنها هى مكان نفوذهم التى يمكن أن ينفذوه فيها
    وليس معنى أن يوافق المشركين شيئا شرعه الله لعباده أنه يلزمنا مخالفته أورده وعدم قبوله أو الحرج من العمل به مثل ماحدث للصحابة من حرج عندما فرض الله عليهم السعى بين الصفا والمروة فى مناسك الحج فى الإسلام وكان المشركين يفعلون ذلك فى الجاهلية فأنزل الله عز وجل : " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " البقرة 158
    2- وهو أهم ما فى المسألة أنه أى الحلف لم يربطه واضعوه بأحكام عامة أخرى عندهم تعلوه قد تغير منه أو من بعض أحكامه وهو بهذه الكيفية ليس فيه مجال لتلقى تشريع جديد فى أى لحظة
    - فالضابط فى المسألة هوذلك فلا ننساق وراءهم إذا هم وضعوا على أحكامهم- وإن وافق إى منها شرع الله فى أصله - وضعوا عليه ضوبط أخرى من شريعتهم تغيره وتخرجه عن هذه الموافقة فنخدع أنفسنا ونقول أنه من شرع الله وقلت نخدع أنفسنا فى ذلك لأننا لن نستطيع أن نخدع الله سبحانه وتعلى على الحقيقة و إنما الخداع سيكون لأنفسنا .
    - ولنضرب مثالا لذلك يتضح به ذلك الضابط , فالمشركون عندما اجتمعوا لإبرام ذلك الحلف فى دار عبد الله بن جدعان وسمع بهم وبما اجتمعوا له من سمع ممن لهم رغبة فى الوقوف مع الحق و نصرة المظلوم فى مكة ومنهم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان ذلك من مكارم الأخلاق التى بعث صلى الله عليه وسلم ليتممها
    وقد أخرج أحمد فى مسنده من حديث أبى هريرة مرفوعا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) وأخرجه البزار بهذا الوجه بلفظ ( مكارم ) بدل ( صالح )
    - و كل ما ذكرت كان داعيا له صلى الله عليه وسلم لأن يشهده ويصرح بأنه لودعى به فى الإسلام لأجاب ولكن الأمر بالتأكيد كان سيتغير إذا هم وضعوا ضابطا آخرللوقوف مع المظلوم من أهوائهم أو أعرافهم وتشريعاتهم الجاهلية وجعلوا من ذلك غطاءا عاما وعباءة ينفذون هذا الحلف من تحتها مثل أن يشترطو أن يكون هذا المظلوم من قريش مثلا حتى يقفوا معه و بهذا الشرط أو من هو فى مثله يخرج الحلف عن أمر الله العام للمسلمين من التعاون على البر والتقوى .
    - فهل يشك من له أدنى معرفة بشرع الله وعدم إلتقائه مع الجاهلية إن وضعت بصماتها على شىء فى أن هذا الحلف سيكون مخالفا بمثل هذه الشروط لشرع الله حينئذ ؟ فالله عز وجل يقول :
    " وتعاونوا على البر والتقوى و لا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائده 2
    وهل يشك مسلم فى أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أول الراغبين عن حضورمثل ذلك الحلف أو تأييده أو تلبية المنادى به ؟ بالطبع لا .
    - فالحلف عند هذا الحد الذى ذكرفى الحديث من كونه من شرع الله وعدم وجود مجال لتلقى أو قبول تشريع جديد فيه من غير الله لاغبار عليه ولا عن كل ما هو فى مثل حكمه بضوابطه المذكورة من قبل .
    - وعلى ذلك فكل ما يفعله من ينادى بالحلف بعد ذلك فهو فى مجال تنفيذ ذلك الحكم المشروع ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( لودعيت به فى الإسلام لأجبت ) وفى الرواية الأخرى (ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت ) , لأنه فى كل مرة يحتاج هذا الحلف لتنفيذه -عندما ينادى به مظلوما - إلى قوة تنفذه وهذه القوة كانت تنشأ فى مثل هذا المجتمع الغير نظامى من اجتماع كل من يسمع بنداء ذلك المظلوم الذى هتف به فتتكون من هذا الإجتماع قوة مؤثرة تسعى فى تنفيذه برد المظلمة إلى صاحبها .
    والرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال : ( لودعيت به فى الإسلام لأجبت ) وفى الرواية الأخرى (ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت ) فإنه يقصد بوضوح لأجاب كجهة منفذة للحكم لا كجهة يعرض عليها المظلوم ليحكم فيه هوأوغيره ممن شهد الحلف واقر به وإن كان صلى الله عليه وسلم أحق الناس بالتحاكم إليه حينئذ ولكن الأمر الآن بعد التحالف على ذلك الحكم السابق من قبل لا يحتاج إلى تلقى تشريع الآن ولكنه يحتاج إلى تنفيذ فى وقته عندما ينادى به مظلوما .
    - وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دعى بهذا الحلف فى الإسلام لأجاب فإنه من البديهى أنه لونادى به مشرك فى مكة لأجابه صلى الله عليه وسلم وسعى لرفع الظلم عنه , فإذا كان ذلك كذلك فإنه صلى الله عليه وسلم سيكون ضمن جهة التنفيذ فى ذلك الحكم الذى لا يخالف شريعة المسلمين فى دار الكفر بالرغم من أن المظلوم لم يتحاكم إليه .
    وهذا دليل على عدم التلازم وامكانية المخالفة والتفريق بين جهة الحكم وجهة التنفيذ.



  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2011
    عضو نشيط
    المشاركات: 496
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    موقف الإسلام من أحلاف وعهود الجاهلية :
    أما عن موقف الإسلام من الأحلاف والعهود التى حدثت فى الجاهلية وهى تمثل ما تحالف عليه أهل الجاهلية مما لا يخالف دين الإسلام بل هى من المشروعة فيه حيث هى من مكارم الأخلاق التى بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتممها كرد الحقوق إلى أهلها ورفع الظلم عن المظلوم وعهود الميراث المبرمة قبل الإسلام وما إلى ذلك , فقد لخصه الرسول فى أمرين نوضحهما بعد ذكر الحديث :
    أخرج مسلم وأبو داود من حديث جبير بن مطعم مرفوعا : ( لا حلف فى الإسلام , وأيما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شده )
    وفى رواية للترمذى : ( أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده إلا شده ولا تحدثوا حلفا فى الإسلام )
    - أولهما ( أيما حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شده ) , ( أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لايزيده إلا شده )
    الأمر بالوفاء بأحلاف وعهود الجاهلية تصديقا لقوله تعالى :
    " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " المائدة 1
    وهذا فيما لايخالف دين الإسلام لأن الوفاء بالعقود مقيد بقوله تعالى :
    " وتعاونوا على البر والتقوى و لا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائده 2
    ذلك لأن الإسلام إنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق لا لينقضها كما أنه جاء لإعطاء الحقوق إلى أصحابها لا ليضيعها .
    ومن ذلك قول الله عز وجل :
    " ولكل موالى مماترك الولدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم إن لله كان على كل شىء شهيدا " النساء33
    وقوله تعالى : " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين " التوبة 4
    - وثانيهما ( ولا حلف فى الإسلام ) , ( ولا تحدثوا حلفا فى الإسلام )
    ذلك أنه لاتشريع جديد يقبل من البشر فى الإسلام حتى ولوكان غير مخالف له لأن جهة التشريع الوحيدة التى يكون منها التلقى فى الإسلام هى الله ورسوله فباب تلقى وقبول التشريع من البشرمرفوض , كما أن الإسلام كتشريع مهيمن على كل الشرائع السماوية قبله والذى إرتضاه الله للناس دينا لابد وأن يكون مشتملا على كل ما يمكن أن يصلح البشر من تشريعات فقد كفاهم ذلك خالقهم , قال تعالى :
    " اليوم أكملت لكم دينكم وـممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " المائدة
    كيف إستعان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلف الفضول فى الإسلام:
    وأما عن فهم الصحابة رضوان الله عليهم لهذا الحلف كجهة تنفيذ معتبرة إذا اضطروا لها فى دارالإسلام وفى سلطانه ومن خلال تطبيق عملى لهم فيمكن معرفته مما نقله ابن كثير فى البداية والنهاية طبعة دارالغد العربى المجلد الأول ص 732
    ( قال ابن اسحق : وحدثنى يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادى الليثى , أن محمد
    بن إبراهيم بن الحارث التيمى , حدثه أنه كان بين الحسين بن على بن أبى طالب , وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان- والوليد يومئذ أمير المدينة , أمره عمه معاوية بن أبى سفيان- منازعة فى مال كان بينهما بذى المروة , فكأن الوليد تحامل على الحسين فى حقه لسلطانه , فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفنى من حقى , أو لآخذن سيفى ثم لأقومن فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم لأدعون بحلف الفضول . قال : فقال عبد الله بن الزبير- وهو عند الوليد حين قال له الحسين
    ما قال- وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفى , ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا . قال : فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهرى فقال مثل ذلك , وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمى فقال مثل ذلك . فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى ) انتهى.
    فالحسين بن على رضى الله عنه ومن قام معه من الصحابة رضى الله عنهم لم يسعوا لأنشاء قوة فى سلطان المسلمين- لتنفيذ رد حق الحسين رضى الله عنه له - إلا لأن أمير المسلمين كان هو جهة الظلم مستغلا سلطانه .
    والأصل فى دار الإسلام أن تتلاقى الجهتان جهة الحكم بشرع الله وجهة تنفيذ ذلك الحكم ولا تختلفان ولكن الأمر هنا خالف هذا الأصل كما بينا ولذلك فأن محاولة الحسين بن على رضى الله عنه ومن سانده من الصحابة من السعى فى تنفيذ الحكم الشرعى برفع ذلك الظلم وإن كان فى مواجهة جهة التنفيذ المعتبرة شرعا وهى أمير المدينة ليس فيه مخالفة شرعية .
    قصة النجاشى وأوجه الدلالة فيها
    ومما سبق يتضح صحة ما سبق أن ذكرناه من أنه يمكن التفريق بين شقى الفصل فى المنازعات شق الشرع المتحاكم إليه وشق الجهة القادرة على تنفيذه .
    - ولا يلزم كون ذلك الفصل ممكنا فى بعض الأحيان من أن يكون هو الأصل فى ذلك الأمر مطلقا فقد يجتمع الشقين فى يد جهة واحدة مثل ما هو الحال عند الملوك والسلاطين والحكام والأمراء ومشايخ القبائل الذين يمكنهم أن يفصلوا فى الخصومات والمنازعات كجهة واحدة حكما وتنفيذا.
    - وربما يقول قائل صحيح أنك جئت بوقائع تدل على أنه يمكن الفصل بين جهة الحكم وجهة التنفيذ ولكن فى كل هذه الوقائع التى ذكرتها كان فيها جهة التنفيذ إما مسلمة بكاملها مثل القوة التى نشأت من تضافر الصحابة مع الحسين بن على رضى الله عنه أوجهة مشتركة جهة مسلمة ولكن معها مشركين مثل الحالة التى فيها لو أجاب النبى صلى الله عليه وسلم من ينادى بحلف الفضول فى مكة قبل الهجرة ولكننا نريد واقعة لكى تكون دليلا واضحا على ذلك التفريق بين جهة الحكم وجهة التنفيذ تكون فيها جهة الحكم شريعة الله وجهة التنفيذ سلطان الجاهلية

    التخيير فى الشرع المتحاكم إليه من جهة التنفيذ

    جواز الإستعانة بسلطان المشركين إذا خيروك فى الشرع الذى تتحاكم إليه عند من يعرف عنهم أنهم ينفذون ما يعدون به
    - وليس أدل على ذلك مما حدث فى الآيات اللاحقة من سورة يوسف عليه السلام والتى نسوقها أولا ثم نشرح الدليل المستنبط منها وفيها جهة التنفيذ كافرة كما تبدو على الظاهرللجهة التى سيوقع عليها الحكم المختار من الشريعة المتحاكم إليها , والذى يؤيد ما ذهبنا إليه من إمكانية التفريق بين الحكم والتنفيذ عند الفصل فى الخصومات , قال تعالى :
    " فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم سارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " يوسف 70-72

    أهل مصر وعزيزها ظاهرهم الكفر بالنسبة لأبناء يعقوب عليه السلام
    فهؤلاء أخوة يوسف عليه السلام أبناء نبى الله يعقوب ولا خلاف بين أهل العلم على أنهم موحدون على ملة يعقوب عليه السلام - بل الخلاف على كونهم أنباء أم لا- اتهموا فى مصر بالسرقة من قبل عزيز مصر وغلمانه وهى فى ذلك الوقت دار كفر لايدين أهلها ولا ملكها بدين التوحيد على ملة نبى من الأنبياء , ولذلك فإن أخوة يوسف سينسبون العزيز مع جهلهم بشخصه للكفر , والدليل على أن قوم مصر كان دينهم هوالكفروعبادة الأوثان فى ذلك الوقت قوله تعالى على لسان يوسف لمن معه فى السجن :
    " إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة كافرون * واتبعت ملة ءابائى أبراهيم واسحق ويعقوب ما كان لنا ان نشرك بالله من شىء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * يا صاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار "
    وقد قدم لهم بهذه المقدمة ليبين لهم دين الحق بوضوح قبل أن يخبرهم أنهم ومن فى مثلهم من قوم مصر قائمون على غير ذلك فقال :
    " ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءابآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان "
    يوسف37-40
    وقد بدا يوسف عليه السلام الخطاب بقوله "يا صاحبى السجن" ثم ثنى بقوله "ما تعبدون" ولم يقل ما تعبدان لعلمه عليه السلام أن هذا هو دين أهل مصركلهم فى الوقت .
    ذكر ذلك الطبرى فى تفسيره ص232 المجلد السابع طبعة المكتبة التوفيقية :
    (يعنى بقوله " ما تعبدون من دونه "ما تعبدون من دون الله وقال : "ما تعبدون "
    وقد إبتدأ الخطاب بخطاب اثنين فقال : " يا صاحبى السجن " لأنه قصد المخاطب به ومن على الشرك بالله مقيم من أهل مصر, فقال للمخاطب بذلك : ما تعبد أنت ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبدة الأوثان ) انتهى .
    وذكره أيضا القرطبى عند تفسيره للآية 40
    " ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءابآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان " يوسف 40
    (وقال : " ما تعبدون " وقد ابتدأ بخطاب الاثنين ; لأنه قصد جميع من هوعلى مثل حالهما من الشرك . " إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم " فحذف , المفعول الثاني للدلالة ; والمعنى : سميتموها آلهة من عند أنفسكم ) انتهى .
    - وإن كان يوسف عليه السلام بدأ دعوتهم الى التوحيد و إفراد الله بالعبادة فى السجن كما ذكره الله عز وجل :
    " يا صاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءابآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان "
    يوسف39-40
    - ثم استمر بعد خروجه فى ذلك ولكنهم حتى ذلك الوقت كان الدين السائد عندهم هو عبادة الأوثان , فقد ظل أهل مصر فى شك مما جاءهم به يوسف من التوحيد لفترة طويلة انظر إلى قوله تعالى فى سورة غافر على لسان مؤمن آل فرعون :
    " ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم فى شك مما جاءكم به " غافر 34
    - والآن ليس هناك خلاف على أنهم قد اتهموا بالسرقة فى دار كفر والجهة اتى اتهمتهم هى عزيز مصر وأتباعه وهم لا يعرفون أنه يوسف عليه السلام , فهو أمامهم عزيز مصر ينسبونه إلى دين أهلها .
    يوسف يريد أن يأخذ أخاه بحكم من شريعة يعقوب فخير أخوته فى إختيار الحكم حيث هم لن يختاروا غيرها
    وبعد محاولة مصطنعة بإغرائهم بجعل إذا هم استخرجوه من تلقاء أنفسهم فى محاولة من يوسف عليه السلام لحبك المكيدة .
    " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " يوسف 72
    فما كان منهم إلا أن انبروا لنفى التهمة عنهم وأقسموا بأنهم ما فعلوا ذلك وكانوا صادقين .
    " قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سارقين " يوسف 73
    وهنا أكمل يوسف عليه السلام وأتباعه المكيدة بأن خيروهم فى إختيار الجزاء الذين يرونه هم أو بمعنى أصح الشرع الذى يحاكمونهم إليه .
    " قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا من وجد فى رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى الظالمين " يوسف 74-75
    فيوسف عليه السلام يعلم جيدا أنهم إذا خيروا لن يختاروا إلا شريعة يعقوب عليه السلام وهذا ما يريده لكى يتمكن من محاكمتهم إليها وبذلك يحتال فيأخذ أخاه بشريعة يعقوب لا بدين ملك مصر الكافر وقتها وذلك بدون أن يظهرحقيقة أمره لهم
    وهذه هى المكيدة التى أوحاها الله ليوسف عليه السلام وهى المقصودة من قوله تعالى :
    " كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك " يوسف76
    ذكر ذلك الطبرى فى تفسيره ص 27 المجلد الثامن طبعة المكتبة التوفيقية:
    حدثنى يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال بن زيد , فى قوله : "ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك " قال : ليس فى دين الملك أن يؤخذ السارق بسرقته. قال : وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه : أن يؤخذ السارق بسرقته عبدا يسترق.
    وهذا هو الشق الأول فى الفصل فى هذه المنازعة وهواختيارالشرع المتحاكم إليه بتوافق دبره الله عز وجل للطرفين وليس معنى ذلك أن هذا التخيير الذى جرى بكيد من الله ليوسف عليه السلام والذى أدى إلى إختيارهم الشرع الذى يحاكمون إليه لابد أن يحدث فى كل دور الكفر ولكنه يعد من ضوابط الإستعانة المشروعة بسلطان المشركين .
    ووجه الدلالة هنا هو أنهم لما علموا أنهم يخيرون في الحكم الذى يطبق عليهم فى المنازعة لم يترددوا فى أن يكون هو حكم الله فحكموا به على أنفسهم بالرغم من علمهم أن جهة تنفيذ ذلك الحكم فيهم - على الظاهر لهم - هى سلطان المشركين (العزيز وفتيانه) لأن العلو والغلبة فى مصر فى وقتها كانت للمشركين .
    فهو دليل على أن السعى فى تنفيذ حكم الله عند التخيير فى الشرع المتحاكم إليه ولو من خلال سلطان المشركين يعد أيضا إستعانة بسلطانهم و ليس تحاكما إليهم لأنه ليس فيه طلبا ولا تلقيا للتشريع منهم ولذلك فعله أبناء يعقوب عليه السلام الذى لا خلاف بين أهل العلم على أنهم موحدون على ملة أبيهم يعقوب بل الخلاف على كونهم أنبياء.
    - وهذا من أظهر الدلالات على خطأ من زعم أنك إذا استعنت بمشرك فى تنفيذ حكم الله إن أمكن ذلك لايجوز لك بدعوى أنه أى المشرك لو نفذه فإنه لا ينفذه عبادة لله لأن هؤلاء خلطوا فى الحقيقة بين مناط التكليف للمكلف فى الحالتين بين مناط تكليف الطالب لحكم الله وبين مناط تكليف الحاكم به .
    - فالطالب لحكم الله مناط تكليفه الذى يكفر إن طلب غيره هوتلقى حكم الله وطلبه عبادة لله , أما الحاكم فإن مناط تكليفة هو الحكم بما أنزل الله عبادة لله فمناط تكليف الأول مناط تكليف المتحاكمين ومناط تكليف الثانى هو مناط تكليف الحكام ولا تلازم بينهما , ولذلك لم يقل إخوة يوسف عند تخييرهم هل إذا اخترنا حكم الله فيما إتهمتونا به من سرقة ونفذتموه فينا هل تنفذونه حكما با أنزل الله وعبادة لله وطاعة له فى تشريعه أم لا ؟!!!
    وهذاالدليل يعد أيضا أحد الأدلة على إمكانية المخالفة والمفارقة بين جهة الحكم والجهة القادرة على تنفيذه.

    ثالثا:الأدلة على أن السعى فى تنفيذ حكم الله - بعد معرفته من الجهة المعتبرة شرعا - بواسطة سلطان المشركين يعد إستعانة بهم وليس تحاكما إليهم ما لم يتلقى منهم تشريعا أو يقبله فى خلال ذلك السعى فإن كان يلزم لتلك الإستعانة أن يتلقى تشريعا من تشريعاتهم ويقبله أصبح ذلك تحاكما إلى شرعهم وليس إستعانة بسلطانهم.
    1- فمن الأدلة ماسبق ذكره من إستعانة اخوة يوسف عندم بدا لهم ذلك ممكنا بسلطان عزيز مصر فى وقتها والذى يبدو لهم على الظاهركافرا فى تنفيذ حكم الله فى شريعة يعقوب عليهم .
    2-إستعانة يوسف عليه السلام بملك مصر الكافر فى خروجه من السجن فى المرة الأولى
    - ثم نأتى إلى عمدة الأدلة فى هذا الباب والذى غالبا ما يسوقه كل المختلفين فى المسألة الذين معهم الحق والمخالفون لهم فى نفس الوقت حيث كل يستخدم الدليل ويوظفه بالطريقة التى تؤيد رأيه و الفارق دائما يكون فى تنقيح مناط الحكم المستنبط من الدليل والإعتبار بالعلل المؤثرة فيه بوضوح وليس العلل المتوهمة المستقاه من الهوى مع إظهار ذلك وبيانه وبحيث لا تتضارب كل الأدلة الثابتة والقطعية الدلالة فى الباب وبذلك الفهم فقط تتضح الرؤية ويزول اللبس فى طلب يوسف عليه السلام من ساقى الملك فى قول الله عز وجل :
    " اذكرنى عند ربك " يوسف 42
    وكذلك طلبه من رسول الملك عندما جاء ليخرجه من السجن :
    " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن " يوسف 50
    وفى كلتا الآيتين أستعان يوسف عليه السلام بملك مصر الكافر فى تحصيل حكم الله الذى يعرفه بوضوح - حيث هو نبى - فى مظلمته وإن كان فى المرة الأخيرة مختلفة عن التى قبلها من حيث التربية الربانية له كنبى ففى المرة الأولى ركن إلى الأسباب وعاقبه ربه ليربية تربية الأنبياء وفى المرة الثانية استعلى على الأسباب فأتته راغمة وبدا الملك وكأنه يسترضيه , وفى كلتا المرتين فإن ما فعله يوسف عليه السلام ما هو إلا إستعانة مشروعة بسلطان كافر فى تحصيل حكم شرعى لا كما يقول من ضل الصواب ورمى بنفسه إلى الهلاك أنه تحاكم إلى ذلك السلطان الكافر, فحاشا لله أن يفعل الكفر وقد عصمه الله منه كنبى .
    - ففى الآية الأولى طلب يوسف عليه السلام من الساقى أن يذكر للملك (الذى هو ملك مصر الكافر ) وجوده فى السجن مظلوما وهذا ما ذكره أهل التفسير :
    (يقول الإمام الطبرى فى تفسيره ص234 المجلد السبع طبعة المكتبة التوفيقية :
    يقول تعالى ذكره : قال يوسف للذى علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا " اذكرنى عند ربك " يقول اذكرنى عند سيدك , وأخبره بمظلمتى وأنى محبوس بغير جرم .) انتهى من تفسير الطبرى , ثم روى عن غيره من أهل التفسير مثل هذا المعنى كابن اسحاق ومجاهد وأسباط وقتادة وإبراهيم التيمى .
    - وهذا الذى طلبه يوسف عليه السلام - بالرغم من أنه عوتب فيه من الله عز وجل كنبى وبناء على الفهم السابق الذى ذكرناه نجد أنه عليه السلام لم يطلب عرض مظلمته على ملك مصر الكافر كجهة حكم يتلقى منها تشريعا يفصل فى مظلمته حيث لا مجال هنا لتلقى أو قبول تشريع من الملك حيث الدافع على ذكر أمر أى مسجون عند الملك هو أن يعفو عنه أو لا يعفوحيث هو بمنزلة من يؤدى عقوبة على جرم فعله , وفى حالة عدم عفوه لن يكون هناك جديد بل سيبقى الأمر على ماكان عليه ويظل فى السجن , فيوسف عليه السلام طلب ذكر مظلمته عند الملك كجهة إستعانة على تنفيذ جزءا من حكم الله بخروجه من السجن وذلك ما اكتفى بطلبه فى هذه المرة بخلاف المرة التى بعدها بعد أن استتب له الأمر وأصبح ذو شأن عند الملك .
    - وما فعله يوسف علي السلام استعانة بملك مصر الكافر فى تحصيل جزءا من حكم الله الذى يعرفه فى أقضيته وهو الخروج من السجن وليس تحاكما إليه ولبيان ذلك نسوق الآتى :
    أ- أن يوسف عليه السلام يعلم يقينا أن الحكم فى مظلمته كما هو الحال فى غيرها لله وحسب وليس لملك مصر
    وقصر الحكم على الله فقط هو ما وضحه يوسف عليه السلام فى دعوة التوحيد التى توجه بها إلى صاحبيه فى السجن خاصة عندما علم مما علمه ربه من تأويل الرؤى أن أحدهما مقتول فقدم دعوتهما على ما سألاه من التأويل ولذلك قال لهم :
    " يا صاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءابآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إيه ذلك الدين ولكن أكثر الناس لا يعلمون " يوسف 39 ،40
    فعلى كل من يورد قول يوسف عليه السلام : " اذكرنى عند ربك "كدليل على جواز التحاكم إلى سلطان المشركين عليه أن يتوب إلى الله ويرجع عن قولته المكفرة هذه فكيف وهو نبى معصوم من الشرك أن يقرر حقيقة ويجعلها عبادة بل ويعدهاهى المدار الذى يدور عليه الدين القويم الذى لا اعوجاج فيه ثم يغفل هو عنها سبحانك هذا بهتان عظيم .
    ب- ويعلم أنه كنبى فى مكانه الذى هو فيه (فى مصر) سواء كان فى السجن أو فى خارجه يعلم أنه أعرف الناس بحكم الله فى مظلمته
    فليس هناك أحد أعلم بأحكام الله من الأنبياء والرسل صلوات ربى وسلامه عليهم.
    - ويعلم أنه إنما سجن مظلوما وليس هذا جديدا عليه فهو يعلمه منذ بداية سجنه كما أنه قد دنست سمعته حيث سجن بدعوى أنه أراد السوء بامرأة العزيزأو بالنسوة وهذا بخلاف الحقيقة و يعلم أن حكم الله بتمامه فى مظلمته هذه :
    هو أن يخرج من السجن وأن تعلن براءته مما نسب إليه من سوء
    - وهو وإن طلب جزءا من حكم الله فى هذه المرة وهو أن يخرج من السجن لأنه يعلم أن ليس له مكانة عند الملك حتى يستعين به فى الحصول على حقه كاملا بإعلان براءته من التهمة التى وجهتها إليه امرأة العزيزبعد خروجه من سجنه فليس له ثقل عند الملك فى مقابل مكانة إمراة العزيز والنسوة وكلهن من علية القوم حتى يسعى فى إدانتهن وإظهار براءته وإن اقتنع بها , فاكتفى عند ذلك بطلب الجزء الذى يراه ممكن التنفيذ الآن من حكم الله فى أقضيته وهو طلب الخروج من السجن وكان عليه السلام ما زال له تعلق بالأسباب المشروعة قبل أن يربيه ربه بإطالة السجن عليه لتعلقه بها .
    ج- ويعلم أنه فى مثل حالته التى هو فيها عندما طلب من الساقى ذكر وجوده فى السجن مظلوما عند الملك يستعطفه أو يلتمس منه أن يطلق سراحه لايكون فيها مجالا للتشريع حيث لا دور لحكم جديد يكون فيه تلقى وقبول تشريع فهو إما قبول تظلمه هذا أو رفضه.
    د- ويعلم بأن كونه قد سجن ظلما كان ذائعا عند القوم
    - فهو أمر تعرفه إمراة العزيز وزوجها بل إن ذلك كان قد ذاع وانتشر حتى وصل نسوة المدينة ويبدو ذلك واضحا فيما ذكره تعالى على لسان العزيز:
    " يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين " يوسف 29
    ثم قوله تعالى بعد ذلك :
    " وقالت نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها فى ضلال مبين " يوسف 30
    - فالحكم بأنه كان مظلوما كان ذائعا عند القوم بل هو سبب سجن يوسف عليه السلام حتى ينسى الناس ماذاع من مروادة إمرأة العزيز ثم مراودة النسوة له أولعلهم يستطيعوا إيهام الناس بأن هو المدان فى ذلك الأمرإذا هم سجنوه فسجنوه:
    " ثم بدا لهم من بعد ما رأو الأيات ليسجننه حتى حين " يوسف 35
    - وساقى الملك يعرف حتما أن مثل يوسف عليه السلام بما شاهده من أحواله فى السجن والذى دفعه وصاحبه أن طلبا منه تأويل رؤياهما وقولهما كما ذكره تعالى " إنا نراك من المحسنين " أن مثله لابد أن يكون قد سجن ظلما وبالتأكيد سيذكر ذلك للملك حتى يكون وازعا له على إخراجه من السجن .
    ولكل ما سبق سعى يوسف عليه السلام فى الإستعانة بملك مصر الكافرفى الخروج من السجن أخذا بالأسباب التى يرى عليه السلام أنها مشروعة لأى موحد وإنما عوقب على ذلك مع كونه مباحا لغيره لركونه إلى الأسباب كنبى وعدم الإكتفاء باللجوء إلى الله فقط وترك الأسباب وهذا هو ما يتناسب مع مرتبةالأنبياء عليهم السلام .
    وقد ذكر ذلك المعنى الكثير من أهل التفسيرعند تفسيرهم لقول الله عز وجل :
    " فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين " يوسف 42
    ذكره الطبرى فى تفسيره المجلد السابع طبعة المكتبة التوفيقية ص 235،236 منها :
    حثنا الحسن , قال أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينه , عن عمرو بن دينار, عن عكرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لولا أنه ) يعنى يوسف ( قال الكلمة التى قال ما لبث فى السجن طول ما لبث ) .
    حدثنى يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع , قالا : ثنا ابن علية , قال : ثنا يونس , عن الحسن , قال : قال نبى الله صلى الله عليه وسلم :( رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث فى السجن طول ما لبث ) يعنى قوله ( اذكرنى عند ربك ) . قال ثم يبكى الحسن فيقول : فنحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس .
    وسوى إخباره صلى الله عليه وسلم أن ذلك كان سببا فى عقابه بطول الفترة فى السجن فإن هناك بعض الرويات التى ذكر فيها صلى الله عليه وسلم التكييف الشرعى لقول يوسف عليه السلام للساقى " اذكرنى عند ربك "
    حدثنا محمدبن عبد الأعلى , قال ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال : بلغنى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لو لم يستعن يوسف على ربه ما لبث فى السجن طول ما لبث ) .

  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Dec 2011
    عضو نشيط
    المشاركات: 496
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    حدثنا بشر , قال ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة, قال : ذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( لولا أن يوسف استشفع على ربه ما لبث فى السجن طول ما لبث , ولكن عوقب باستشفاعه على ربه ) انتهى .
    - انظر إلى تكييف الرسول صلى الله عليه وسلم لفعل يوسف عليه السلام ( لو لم يستعن يوسف على ربه) و( لولا أن يوسف استشفع على ربه ) فكيفه صلى الله عليه وسلم بإنه استعانة واستشفاع على الله وهو كنبى كان أولى به أن يترفع عنه ويعلو بإيمانه عليه ومن هنا كان العتاب واللوم أما بالنسبة لغيره فهو مباح وهذا هو ما فهمه الحسن انظر إلى تعليقه بعد أن روى الحديث عن النبى (قال ثم يبكى الحسن فيقول : فنحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس ) وبالتأكيد هو يقصد فزعنا إليهم مستعينين وليس متحاكمين .
    - وبهذا التكييف الذى ذكره النبى يتم حسم الخلاف فى هذه المسألة بأن طلبه عليه السلام ذكر مظلمته عند الملك إستعانة به فى الخروج من السجن أو استشفاع به للخروج من السجن وهو عليه السلام يعرف جيدا أن ذلك الخروج جزءا من حكم الله فى هذه المظلمة ولا يعد بحال تحاكما إليه وأنه وإن عوتب فيه كنبى فإنه مباح لآحاد المسلمين طلبه من السلطان الكافر بعد معرفتهم بيقين أن هذا حكم الله .
    3-إستعانة يوسف عليه السلام بملك مصرالكافر فى الحصول على براءته فى المرة الثانية
    - ومما يزيد الأمر وضوحا ما فعله يوسف فى المرة الثانية وإن كانت التربية الربانية ليوسف عليه السلام - بعد أن عاقبه ربه بإطالة فترة السجن عليه ليعلمه كيف يقطع رجاءه بعالم الأسباب - قد آتت ثمارها فإذا به يضرب بكل توقعات عالم البشر عرض الحائط وذلك عندما جاءه رسول الملك يخبره بأن الملك يريده إيذانا منه بخروجه من السجن " وقال الملك ائتونى به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم " يوسف50
    - فإذا به عليه السلام يرفض الخروج من السجن إلا بعد أن يستوفى حكم الله فى مظلمته كاملاوهو أن يخرج من السجن وتعلن براءته مما نسب إليه من سوء ذلك لأنه مع ما وصل إليه من قطع الرجاء فى الأسباب كما أراده منه ربه والذى أضفى عليه كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا وحلما وأناة فلم يعد عنده ولع شديد بالخروج من السجن مثلما كان حاله عند طلبه الأول من الساقى , فمع ذلك الصبر وتلك الأناة علم بفراسته التى وهبها الله إياه أنه الآن مرغوب فيه عند الملك حيث أصبح ذو مكانة وشأن عنده فهو يحتاجه لنفسه بعد أن علم أن صاحب هذا التأويل ليس من عموم الناس فلم يتردد فى أن يرسل فى إخراجه من السجن فورا يوحى بهذا قول الله تعالى : " وقال الملك ائتونى به " بعد مجرد الإنتهاء من نقل الساقى تأويل الرؤيا عن يوسف عليه السلام لهم .
    - ويعلم أيضا عليه السلام أنه الآن مصدق عند الملك فبمجرد أن أرسل يوسف مع رسول الملك كما ذكره الله تعالى :
    " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم " يوسف50
    أرسل للنسوة ليسألهن عن واقعة هو مصدقها وموقن من حدوثها بالرغم من أن يوسف عليه السلام لم يصرح بها فى رسالته إليه إلا أنه أى الملك يستبعد أن يحدث من ذلك الشخص ذو الشأن الرفيع الغير مسبوق فى علمه ما اتهمته به تلك النسوة وامرأة العزيز من قبلهم فإذا به يسألهن وكأنه يوجه الإتهام لهن كما ذكره الله عزوجل :
    " قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه " يوسف 51
    فهو سؤال تقرير وليس سؤال استعلام أو تحقيق
    - حتى أنه الآن يشترط على رسول الملك أنه لن يقبل الخروج ( جزء من الحكم الشرعى فى مظلمته ) إلا بعد أن تعلن براءته على الملأ (بقية الحكم الشرعى فى مظلمته ) بالرغم من أنه قبل به قبل ذلك عندما قال للساقى " اذكرنى عند ربك " حيث لم يكن يطمع وقتها إلا إن يحصل هذا الجزء من حكم الله فى مظلمته ( الخروج من السجن فقط ) .
    ذكر ذلك الطبرى فى تفسيره المجلد السابع طبعة المكتبة التوفيقية ص 248،249
    حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن اسحاق ,عن رجل عن أبى الزناد , عن أبى هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله يوسف إن كان ذا أناة , لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلى لخرجت سريعا , إن كان لحليما ذا أناة ) .
    حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن بشر , قال : ثنا محمد بن عمرو , قال ثنا أبو سلمة ، عن أبى هريرة قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم ( لو لبثت فى السجن ما لبث يوسف ثم جاءنى الداعى لأجبته , إذ جاءه الرسول فقال :
    " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن "...الآية )
    حدثنى يونس بن عبد الأعلى , قال أخبرنا ابن وهب , قال أخبرنى سليمان بن بلال , عن محمد بن عمرو , عن أبى سلمة , عن أبى هريرة , عن النبى صلى الله عليه وسلم , بمثله .
    حدثنا زكريا بن أبان المقرئ , قال : ثنا سعيد بن تليد , قال : ثنا عبد الرحمن بن القاسم , قال ثنا بكر بن مضر, عن عمرو بن الحارث , عن يونس بن يزيد , عن ابن شهاب, قال : أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو لبثت فى السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى ) .
    حدثنى يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنى يونس, عن ابن شهاب, عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة , عن النبى صلى الله عليه وسلم , بمثله .
    حدثنا الحسن بن محمد , قال : ثنا عفان بن مسلم , قال ثنا حماد , عن محمد بن عمرو, عن أبى سلمة , عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقرأ هذه الآية : " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم " قال النبى صلى الله عليه وسلم :( لو كنت أنا لأسرعت الإجابة , وما ابتغيت العذر) .
    حدثنى المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن ثابت , عن النبى صلى الله عليه وسلم . ومحمد بن عمرو , عن أبى سلمة , عن أبى هريرة , عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن ".... الآية , فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ( لو بعث إلى لأسرعت فى الإجابة , وما ابتغيت العذر ) .
    حدثنا الحسن بن يحى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن عيينة , عن عمرو بن دينار , عن عكرمة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه , والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان , ولو كنت مكانه ما أخبرتهم بشىء حتى أشترط أن يخرجونى و لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه , والله يغفر له حين أتاه الرسول , ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب , ولكنه أراد أن يكون له العذر) .
    وفى ذلك ذكر القرطبى فى تفسيره ما يؤكد نفس هذا الفهم :
    ( قال ابن عطية : كان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبرا , وطلبا لبراءة الساحة ; وذلك أنه - فيما روي - خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحا فيراه الناس بتلك العين أبدا ويقولون : هذا الذي راود امرأة مولاه ; فأراد يوسف عليه السلام أن يبين براءته , ويحقق منزلته من العفة والخير ; وحينئذ يخرج للإحظاء والمنزلة ; فلهذا قال للرسول : ارجع إلى ربك وقل له ما بال النسوة , ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان : وقل له يستقصي عن ذنبي , وينظر في أمري هل سجنت بحق أو بظلم ; ونكب عن امرأة العزيز حسن عشرة , ورعاية لذمام العزيز له ) انتهى.
    وللقرطبى رأى فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ليوسف فى فعله حين رفض الخروج قبل أن تظهر براءته على الملأ ثم هو يرغب بنفسه عن فعل مدح فيه غيره نسوقه كما ذكره فى تفسيره :
    ( فإن قيل : كيف مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف بالصبر والأناة وترك المبادرة إلى الخروج , ثم هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره ؟ فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجها آخر من الرأي , له جهة أيضا من الجودة ; يقول : لو كنت أنا لبادرت بالخروج , ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك , وذلك أن هذه القصص والنوازل هي معرضة لأن يقتدي الناس بها إلى يوم القيامة ; فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور, وذلك أن تارك الحزم في مثل هذه النازلة , التارك فرصة الخروج من مثل ذلك السجن , ربما نتج له البقاء في سجنه , وانصرفت نفس مخرجه عنه , وإن كان يوسف , عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله , فغيره من الناس لا يأمن ذلك ; فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم , وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد . قال ابن عباس : فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز - وكان قد مات العزيز فدعاهن ) انتهى .
    وموقف يوسف عليه السلام فى الإستعانة بملك مصرفى هذه المرة أقوى من سابقته ولذلك طلب حكم الله بتمامه( براءته) قبل خروجه من السجن
    إن موقف يوسف عليه السلام فى هذه المرة أقوى من سابقتها - إذ هو الآن مرغوب فيه عند الملك الكافر - ولذلك عاود الإستعانة به فى إستيفاء حكم الله فى مظلمته كاملا وذلك بإعلان براءته على الملأ قبل خروجه من السجن , فهو الآن يعلم :
    1- أن له الآن مكانة عند ذلك الملك بعد إنبهاره بتأويله لرؤياه التى أزعجته والتى لم يصل إلى تأويلها أحد تلك المكانة التى جعلت الملك يقول كما ذكر الله : " ائتونى به "
    - تلك المكانة التى عرفها يوسف عليه السلام بفراسته التى وهبه الله إياها أو بما أوحاه إليه سبحانه وساعده أيضا على ما برع فيه عليه السلام من توظيف تلك المكانة عند الملك فى الإستعانة به فى الحصول على حكم الله فى مظلمته كاملا ساعده فى ذلك ما ظهر منه من رباطة جأش وحلم وأناة عندما جاءه رسول الملك ليخرجه من سجنه وكانت التربية الربانية بإطالة سجنه عندما ركن إلى الأسباب المادية قد ءآتت ثمارها فأصبح زاهدا تماما فى عالم الأسباب الأرضية حتى أنه الآن يشترط عليهم إعلان براءته لكى يخرج .
    - تلك المكانة التى أحسها يوسف عليه السلام من سرعة الأمر بخروجه بمجرد أن حمل إليهم الساقى تعبير الرؤيا , تلك المكانة التى تؤهله لأن يعينه الملك دون تردد على استيفاء باقى الحكم وإعلان براءته على الملأ وليس مجرد إخراجه من السجن ويتضح ذلك جليا بسؤال الملك للنسوة بمجرد أن أرسل يوسف بذلك وبطريقة توحى بالتصديق المطلق ليوسف فى واقعته معهن حتى أنه يسألهن سؤالا تقريريا كما ذكرنا من قبل فى قول الله تعالى :
    " قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه " يوسف 51
    فبدا الملك وكأنه موقن من براءة يوسف مما اتهم به لما علمه عنه من سعة علمه وعلو شأنه بعد تأويله الرؤيا التى أهمته وعجز عن تفسيرها ملأه المقربون وعلم أن هذا الرجل هو خير من يجتاز ببلاده مرحلة الأزمة فى الرؤيا التى أولها له وانبهر به انبهارا جعله يستبعد عنه به كل سوء قد ينسب إليه وليس أدل على ذلك من مسارعة الملك بالإستئثاربيوسف عليه السلام بمجرد الإنتهاء من إظهاربراءته عليه السلام بواسطة متهميه السابقين النسوة وامرأة العزيز فسارع بعدها بقوله :
    "وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين"
    يوسف 54
    2- أن الحكم ببراءته حكم قديم متقرر عرفه العزيزوامرأته والنسوة :
    " يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين * وقالت نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها فى ضلال مبين " يوسف 29،30
    ولكنهم رأوا لكى ينسى الناس ذلك أو أن يظنو أن يوسف عليه السلام هو المدان إذا سجنوه فقرروا أن يسجنوه لفترة :
    " ثم بدا لهم من بعد ما رأو الأيات ليسجننه حتى حين " يوسف 35
    ولكنهم الآن لن يستطيعوا إنكار براءته وخاصة مع قوة موقفة ومنزلته عند الملك والتى بها يكاد الملك أن يكون فى صفة حيث هو يستبعد عليه مثل هذه الزلات لما رأى من علمه المبهر فلن يستطيعوا أن يكيدوه مرة أخرى .
    3- أن معه دليلا قويا سيجبرهم على الإعتراف ببراءته وقد ساقه إلى الملك قبل أن يخرج من السجن كدليل لابد أن يقودهم إلى الإعتراف ببراءته وهو لم قطع النسوة أيديهن وهذا لابد أن يكون له بقية من أثرفى أيديهن كلهن .
    " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن "
    وكل ذلك ليس فيه أى مجال لتلقى تشريعا من الملك بل هو استعانة بسلطانه مع كونه مرغوبا فيه عند الملك ومعه أدلة وبراهين قوية تدل على براءته .
    - فدل ذلك على جوازالإستعانة بسلطان المشركين فى تحصيل الحكم الشرعى كجهة منفذة وليست كجهة مشرعة طالما كان ذلك ممكنا بضوابط الإستعانة بوضوح.
    - وفيه دليل على جواز تحصيل جزءا من الحكم الشرعى بالإستعانة بسلطان المشركين , ولهذا قلت أنه يجوز لمن يستعين بسلطان المشركين من المسلمين أن يقبلوا تحصيل جزءا من الحكم الشرعى فى مظالمهم ولا تثريب عليهم فى ذلك المهم كما ذكرت أن لا يكون ذلك فى مقابل تلقى أوقبول تشريع منهم.
    كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه قد ذكر أنه لو كان مكان يوسف عليه السلام لأجاب داعى الخروج ولما ابتغى العذر كما فعل يوسف عليه السلام استيفاءا لحقه كاملا.
    - وفيه دليل أيضا كما ذكرت من قبل على جواز المخالفة والتفريق بين جهة الحكم المعتبرة شرعا وجهة التنفيذ والتى يمكن أن تكون سلطان المشركين

    مناط الكفر والإيمان عند الفصل فى المنازعات وفض الخصومات هو تلقى شرعا غير شرع الله وقبوله من عدمه
    ولذلك فإن ما يعنينا الآن فى أى خصومة فى دور الشرك هو شق الشرع المتحاكم إليه حيث هو مناط الكفر والإيمان عند الفصل فى المنازعات وفض الخصومات
    - وعند المسلمين الصادقين (المؤمنين) بخلاف المنافقين لايوجد بديل أو أنصاف حلول فى أن يكون شرع الله هو الشرع الوحيد الذى يقبلون التحاكم إليه , لأن إفراد الرب بالطاعة والتشريع يقابله من ناحية الألوهية إفراده أيضا بالتحاكم إلى شرعه.
    - ذلك بأن إفراد الرب بالتشريع وعدم قبول التشريع إلا منه لايكون له قيمة على الحقيقة ولا يكتمل إلا بإفراده سبحانه وتعالى والتعبد إليه وحده بجعل ذلك التشريع هى الجهة المقبولة والوحيدة التى يرجع إليها عند الخلاف فى كل أمر من أمور الدنيا أوالآخرة دق أم عظم صغر أم كبر وهذا هو التحقيق العملى للإيمان كما بينه لنا سبحانه فى غير موضع , بل وزاد عليه أن يوطن المؤمن نفسه على أن تقبل هذا الحكم بنفس راضية فتقبله وترضخ لتنفيذه .
    " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " النساء 65
    ولايظن البعض أن ذلك عند الإختلاف فى أى أمورمن أمور الدنيا فقط بل وقبله فى أى أمر من أمور الدين انظر إلى قوله تعالى :
    " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول " النساء 59
    " وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله " الشورى 10

    مايفعله المسلم فى دار الإستضعاف إذا كانت له مظلمة عند مشرك أو منازعة مع مشرك
    - أن تحاكم أولا نفسك بنفسك - إن كان لك قدرة ودراية بذلك - أو بواسطة إخوانك إلى شرع الله أولا قبل الذهاب إلى غيرهم من هيئات أو جهات نفوذ للمشركين فتحقق إيمانك بالله وبشرعه فى هذا الأمر أولا , ثم ترى بعد ذلك هل ما وصلت إليه من حكم يمكن تنفيذه من خلالهم بدون تلقى شرع منهم أم لا ؟ أى هل دورهم فقط هو تنفيذ ذلك الحكم إذا طلبته منهم أو حتى رفضه أم أن دورهم يتعدى ذلك إلى إضفاء تشريع جديد على ذلك الحكم , فالبون شاسع بين الذهاب إلى المشركين كجهة تلقى وقبول تشريع وبين الذهاب إليهم كجهة تنفيذ .
    وهذا ما قد يفعله المسلم فى الحياة العامة بسرعة وبتلقائية عندما يتعرض لمظلمة فى الشارع ويعرف بسرعة وبوضوح أن معه الحق طبقا لأحكام الله التى هى واضحة له بسهولة فى مثل هذه الأمور ويجد من قد يمكنه الإستعانة بسلطانه وليس بتشريعاته ولو كان ضابط شرطة فيسارع بالإستعانة به كشخص مهاب عند الناس فيكف الناس ظلمهم عنه وهو بطلبه ذلك لم ينصبه جهة لتلقى وقبول تشريع منه لأنه فى مثل هذه الواقعة يكون قد عرضها على الشرع الحاضر فى ذهنه والذى يؤمن به واطمأن أن الحكم فى صالحه وذهب إلى ذلك الضابط ليستعين به فإما أن يعينه وإما أن يخذله ولا مجال لتلقى تشريع هنا , ولكن إذا تجاوز الأمر ذلك بأن طلب منه ذلك الضابط أن يذهب معه إلى قسم الشرطة مثلا ليقوم بعمل محضرلخصمه وبذلك تبدأ دعوى قد تصعدها النيابة وتجعلها قضية تنظرأمام المحاكم الوضعية وقد تحفظها لعدم توافر أدلة الإتهام فى نظرهم فإذا ظهرت أى بادرة لذلك وجب على المسلم أن يوقف تطور ذلك فورا ولو بالتنازل عن حقه .
    ضوابط تحقيق مناط الكفرعند الفصل فى المنازعات
    والشبهات الواردة فى ذلك
    - إذا كان الحكم العام للتحاكم إلى الطاغوت ومناطه واضحين بالنسبة لشخص ما , أى إذا كان نوع الحكم كفرا بوضوح ومناطه هو قبول وتلقى التشريع من غير الله , فإن تحقيق مناط الكفرفى واقعة له بعينها يكون بالنظر فى ثبوت تلقى وقبول التشريع من غير الله فى تلك الواقعة من عدم ثبوته , وهل هناك علل مؤثرة فى عين الواقعة من شأنها التأثيرعلى الحكم العام ومناطه فى تلك العين أم لا ؟
    - فإن كان ما ذكرته واضحا لشخص ما فإن كل ما قد يقع منه من مخالفات فى واقعة بعينها سيكون من نوع الخطأ فى فهم الواقع والذى لابد وأن يظهر له ذلك الخطأ فوراعند التطبيق والتغيير الذى سيحدثه فى عين الحكم لوضوح نوع الحكم ومناطه عنده كما سبق أن أشرت ولذلك فإنه سيتراجع على الفور ويوقف أى إجراء يقوم به من ناحيته ولو أدى ذلك إلى ضياع حقه أوفقد مظلمته طالما أنه يعتقد أن نوع الحكم هو الكفر وأن مناطه وعلته المؤثرة هو تلقى تشريعا وقبوله من غير الله .
    شبهة التحاكم إلى الشرع الموافق والرد عليها
    - وياليت هذا الضابط يكون واضحا عند من يقولون بأن هناك من بين قوانين المشركين الحالية فيما يعرف بالمحاكم الوضعية ما يمكن أن يتحاكم إليها المسلم من أحكام وأسموها شرعا موافقا لشرع الله وعدوا من يتحاكم إليها أنه يتحاكم إلى شرع الله الذى عندهم وهؤلاء وقعوا فى شيئين عظيمين بالرغم من إدعائهم أنهم يعتقدون أن الحكم العام للتحاكم إلى الطاغوت كفر وهذين الشيئين هما:
    أ- أنهم أسقطوا مناط الكفر المعتبروهو تلقى وقبول الحكم من جهة تحكم بغير شرع الله أصلا عندما ذهبوا يطلبون الحكم من تلك المحاكم الوضعية بالرغم من إدعائهم أنهم إنما يقصدون التحاكم إلى شرع الله الذى عندهم , وهذا يدل على أنهم لا يفهمون مناط الكفر فى المسألة إبتداءا , فهذه المحاكم كجهات نفوذ للمشركين لا تصلح لأن تكون جهة طلب لحكم الله بالنسبة للمسلم لأنها كجهة طلب للحكم جهة متهمة واتهامها أنها تحكم بغيرما أنزل الله فلا يصح أن تكون جهة نتلقى منها الأحكام ثم ننتقى منها ما قد يوافق شرع الله فنتحاكم إليه لأننا بذلك إعتبرناها جهة طلب للحكم بالرغم من كونها تحكم بغيرما أنزل الله وهذا بمفرده مناط كفر.
    ب- أنهم لم ينظروا فيما يهيمن على هذه الأحكام الفرعية المختارة من بين شريعة المشركين والتى قد تبدو لأول وهلة موافقة لشرع الله , لم ينظروا فيما يهيمن عليها ويعلوها من أحكام عامة من شريعة المشركين تجعل تلك الأحكام الفرعية التى تحتها فى النهاية مخالفة لتشريع رب العالمين حيث إما أن تغيرنوع الحكم مباشرة أو تضع عليه قيودا تغيره
    - فليست تلك الأحكام الفرعية وإن وافقت الأحكام المستمدة من شرع الله بدون متعلقاتها من الأحكام العامة فى قوانين المشركين والتى تهيمن عليها ليست هذه الأحكام شرع مقطوع إنتهى دور التشريع فيه وكان موافقا لشرع الله أو هو من شرع الله وما بقى لهم من دور هو دورالتنفيذ فقط كما هو الحال فى حلف الفضول بل هناك دور تشريعى لأحكامهم العامة التى تهيمن عليه وعلى غيره من الأحكام فتغيره فى النهاية وتخرجه من تلك الموافقة المزعومة , ولأنهم لم يتوجهوا إلى تلك المحاكم ليدرسوا هل هى تصلح أصلا كجهة تنفيذ يمكنهم الإستعانة بها دون أن تجبرهم على تشريعاتها وقعوا فى ذلك الخطأ .
    - فالأحكام التى فى المحاكم الوضعية وإن وافق بعضا منها شيئا من أحكام الله من باب موافقة العدل المطلق فى حكم بعينه مثلا فإن تلك الأحكام يكون عليها عوامل أخرى تؤثر فى عين الحكم فتغيره , فما زال فوق هذه الأحكام ضوابط أخرى وقوانين عامة تعلوها وتؤثرعليها فتغيرهذه الأحكام الذى تبدو موافقة لشرع الله لأول وهلة فتخرجها من كونها موافقة لشرع الله سبحانه , ذلك لأن هذه القوانين العامة مستمدة أصلا من غير شرع الله فكان لزاما أن تغيرما وافق منها إذا كانت فوقه .
    شبهة الذهاب إلى المحاكم التى يسمونها شرعية والرد عليها
    - وقد يظن البعض أن هذا هو العامل الوحيد الذى قد يؤثر فى نوع الحكم فيخرجه فى النهاية عن كونه هو حكم الله على الحقيقة ولذلك لا يرى بأسا من الذهاب إلى ما تسمى المحاكم الشرعية بدعوى الإستعانة بسلطانها فى تنفيذ حكم الله الذى يحصل عليه بالتحاكم إلى شرع الله من ناحيته المعتبرة شرعا والذى يكون عادة مثل الحكم العام عندهم لأنهم يستمدون أحكامهم من شرع الله وليس فوقها أى هذه الأحكام المستمدة من شرع الله أحكاما عامة قد تغيرها من حيث أنها تعلوها وتهيمن عليها وتكون مستمدة من غير شرع الله .
    - حيث أن هناك ضابطا آخر غير تلك القوانين العامة المستمدة من غير شرع الله وهى توثر أيضا على الأحكام فى هذه المحاكم مثل التى يسمونها بالمحاكم الشرعية مثل المحاكم التى تسمى بالمحاكم الشرعية فى مصر نظرا لأنها تحكم فى بعض القضايا بأحكام مستمده من الفقه الإسلامى ومنها القضايا التى تخص النكاح والطلاق والنفقة والمتعة والميراث ومثل ذلك من القضايا , وفى هذه المحاكم بالرغم مما ذكرناه من كونها تحكم بأحكام مستمده من الفقه الإسلامى فإن هناك عاملا آخر يؤثر فى هذه الأحكام ويمنع المسلم من الذهاب إليها وهو فهمهم لقضايا الكفر والإيمان والتى قد تؤثر على عين الحكم نفسه ولذلك يجب التنبه عليه لأنه سيكون عاملا مؤثرا يغيرمن نوع الحكم الشرعى أيضا عند تطبيقه .
    ولذلك فإن الذهاب إلى تلك المحاكم التى يسمونها شرعية لايجوز من باب الإستعانة بالمشركين بدعوى أن أحكامهم أحكاما شرعيه و لهم سلطان يمكن من خلاله الإستعانة بهم على تنفيذها .
    1- حيث هذه الأنواع من القضايا من قضايا النكاح والطلاق والنفقة وما فى مثلها تنشأ غالبا بين المسلمين بعضهم البعض وهذه لا يجوز تحكيم المشركين فيها ولو حكموا فيها بشرع الله
    2- وأما لو كان أحد الطرفين مشركا أو طرأ عليه الشرك والعياذ بالله فإن مثل هذه القضايا قد يكون لفهمهم المخالف فيها لضوابط الكفر والإيمان تأثيرا على عين الحكم عند تطبيقه مما يخرجه من كونه حكم الله فى قضية بعينها فلن يعطوك حكم الله على الحقيقةإن ذهبت تستعين بهم لتحصيله.

    الأحكام التى يفصل بها قضاة المشركين أو بعضهم فى دول بعينها فى الخصومات والمنازعات وهم يستمدونها من شرع الله ويحكمون بها لكونها من شرع الله وهم مشركون
    - مثل أن تكون نوع الأحكام عندهم هى أحكام الله كما هو الحال لو أن إحدى الدوركانت فيها الأحكام أحكاما مستمدة من أحكام الله وشريعته غير أن القائمين عليها قد كفروا من أى وجه آخر سوى تبديلهم للشرع أو إجازتهم للحكم بغير ما أنزل الله وظلوا يحكمون بحكم الله فى هذه المحاكم , وهذه الأحكام لا يخرجها عن كونها أحكاما مستمدة من شرع الله حكم المشركين بها فلا يستطيع أحد أن يقول أنها أحكاما طاغوتية مثلا ولكن نوع الحكم نفسه سيتأثر بفهمهم الخاطىء لأحكام الكفر والإيمان عند تطبيقه على قضايا الأعيان التى يكون المسلم طرفا فيها فيتغيرعين الحكم نفسه تبعا لذلك ويصبح مغايرا لنوع الحكم على الحقيقة كما سأبينه لاحقا .
    - كما هو الحال فى أحد الدورالتى تنسب نفسها إلى الإسلام حيث تجد المحاكم فيها تحكم بأحكام استمدوها من شرع الله بل وعلة الحكم بها عندهم أنها هى حكم الله ولكنهم أى الذين يحكمون بها مشركون ولكن كما ذكرت من أبواب أخرى سوى تبديلهم للشرع أو إجازتهم للحكم بغير ما أنزل الله .
    - وكما هو الحال أيضا فى أنواع بعينها من المحاكم فى مصر والتى تعرف بالمحاكم الشرعية أو محاكم الأحوال الشخصية وهى البقية الباقية من الأحكام الشرعية التى كانت سائدة فى مصرعندما كانت دار إسلام وكان يحكم بها قضاة المسلمين ثم استمر العمل بهذه الأحكام حتى بعد أن طرأ الكفر على الداروبالتالى قضاتها فكان القضاة بالرغم من أنهم كفروا من غير وجه الحكم بغير ما أنزل الله يحكمون بنفس الأحكام الشرعية التى كانت سائدة قبل ذلك ثم حدث أن علا عليها المشركون من غير مدعى الإسلام فغيروا معظم الأحكام إلى أحكام إقتبسوها من القانون الفرنسى وجعلوا لها محاكم أخرى تحكم فى الجنايات والمعاملات بغير أحكام الله وتركوا هذا الفتات من الأحكام التى تخص النكاح والطلاق والنفقة والمتعة والميراث لهذه المحاكم والتى يسميها الناس الآن محاكم شرعية وكأنهم بتسميتهم هذه يعترفون بان المحاكم الأخرى محاكم غير شرعية أو محاكم طاغوتيه وهذه المحاكم التى أسموها شرعية ما زالت تستمد أحكامها فيما تحكم فيه من الفقه الإسلامى وإن كانت تنتصرلمذهب بعينه مثل ما هو الحال فى مصر مثلا إلا أنه لا يستطيع أحد أن يقول أن أحكامهم ليست مستمدة من شرع الله .
    - ولكن وبالرغم من أن هذه الأحكام يبدو نوع الحكم فيها ولأول وهلة حكما شرعيا إلا أنه لا يمكن الذهاب إليهم للإستعانة بسلطانهم فى تنفيذها لأن هناك عاملا مؤثرا أساسيا يغيرمن نوع الحكم عندهم وهو تأثير فهمهم الخاطىء لقضايا الكفر والإيمان على نوع الحكم نفسه عند تطبيقه فى قضية بعينها يكون فيها المسلم طرفا فى النزاع , فتجد فى النهاية أن عين الحكم الذى سيحكمون به مغايرا لنوع الحكم أى مخالفا لحكم الله على الحقيقة وهذا هوالذى يمنع من الإستعانة بهم ويجعله أيضا تحاكما إلى غير شرع الله لمن عرف ذلك وفهمه .
    - ولبيان ذلك أضرب مثالا فإذا ذهب إليهم مسلم يطلب أن يضم إليه إبنه لأن زوجته طرأ عليها الكفرفارتدت والعياذ بالله فلن يكون الحكم بضم الإبن إليه والمترتب على كفر الزوجة هو الحكم الذى يقرونه وإن كان ثابتا عندهم كحكم عام
    مستمد من الآية : " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " الممتحنة 10
    وبكون ولاية الأب على الطفل لردة الأم هى الولاية المعتبرة شرعا
    غير أنهم ينزلون ذلك كله على ضوابط الكفر والإيمان المعتبرة عندهم ولذلك لن يكون الحكم فى النهاية هكذا حيث الأسباب التى كفرت بها زوجته ليست ممن يكفر بها الناس عندهم وهكذا سيتغير عين الحكم تبعا لذلك .
    - ومثل هذه الأحكام لا يمكن الإستعانة بهم فى تنفيذها لأنها بالرغم من كونها كأحكام عامة هى أحكاما مستمدة من شرع الله إلا أنها ستتغيروتصبح مخالفة لحكم الله على الحقيقة وذلك عند تطبيقهاعلى قضايا الأعيان التى يكون المسلم طرفا فيها حيث يتأثر فيها الحكم العام بنظرتهم و فهمهم للكفر و الإسلام كما بينت .

    منقول للافادة



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع