1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    مشرف
    المشاركات: 2,270
    لا يمكن النشر في هذا القسم



    أما بعد
    يقول الأستاذ سيد قطب
    رحمه الله وأسكنه فسيح جناته

    فى ظلال قوله تعالى :
    (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
    (50) المائدة

    إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص .
    فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه -هي
    حكم البشر للبشر
    لأنها هي عبودية البشر للبشر

    والخروج من عبودية الله ,
    ورفض ألوهية الله ,
    والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر
    وبالعبودية لهم من دون الله . .

    إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان ;
    ولكنها وضع من الأوضاع .
    هذا الوضع يوجد بالأمس ,
    ويوجد اليوم ,
    ويوجد غدا ,
    فيأخذ صفة الجاهلية ،
    المقابلة للإسلام ,
    والمناقضة للإسلام .

    والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلمون بها تسليما ,
    فهم إذن في دين الله .
    وإما إنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر
    - في أي صورة من الصور -
    ويقبلونها فهم إذن في جاهلية ;
    وهم في دين من يحكمون بشريعته ,
    وليسوا بحال في دين الله .
    والذي لا يبتغى حكم الله يبتغي حكم الجاهلية ;
    والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية ,
    ويعيش في الجاهلية .

    وهذا مفرق الطريق , يقف الله الناس عليه .
    وهم بعد ذلك بالخيار !
    ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية ; وسؤال تقرير لأفضلية حكم الله .
    (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟). .
    وأجل ! فمن أحسن من الله حكما ؟

    ومن ذا الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس , ويحكم فيهم , خيرا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم ؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض ؟

    أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس ؟
    أيستطيع أن يقول:إنه أرحم بالناس من رب الناس ؟
    أيستطيع أن يقول:إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس؟
    أيستطيع أن يقول: إن الله - سبحانه - وهو يشرع شريعته الأخيرة , ويرسل رسوله الأخير ; ويجعل رسوله خاتم النبيين , ويجعل رسالته خاتمة الرسالات , ويجعل شريعته شريعة الأبد . . كان - سبحانه - يجهل أن أحوالًا ستطرأ , وأن حاجات ستستجد , وأن ملابسات ستقع ; فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه , حتى انكشفت للناس في آخر الزمان ؟!
    ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة
    ويستبدل بها شريعة الجاهلية , وحكم الجاهلية ;
    ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب
    أو هوى جيل من أجيال البشر , فوق حكم الله , وفوق شريعة الله ؟
    ماالذي يستطيع أن يقوله . . وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين ؟!
    الظروف ؟
    الملابسات ؟
    عدم رغبة الناس ؟
    الخوف من الأعداء ؟ . .
    ألم يكن هذا كله في علم الله ;
    وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته , وأن يسيروا على منهجه ,وألا يفتنوا عن بعض ما أنزله ؟
    قصور شريعة الله عن استيعاب الحاجات الطارئة ,
    والأوضاع المتجددة ,
    والاحوال المتغلبة ؟
    ألم يكن ذلك في علم الله ;
    وهو يشدد هذا التشديد , ويحذر هذا التحذير ؟
    يستطيع غير المسلم أن يقول مايشاء . .
    ولكن المسلم . .
    أو من يدعون الإسلام . .
    ماالذي يقولونه من هذا كله ,
    ثم يبقون على شيء من الإسلام ؟
    أو يبقى لهم شيء من الإسلام ؟
    إنه مفرق الطريق , الذي لا معدى عنده من الاختيار ;
    ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال .


    إما إسلام وإما جاهلية .
    إما إيمان وإما كفر .
    إما حكم الله وإما حكم الجاهلية . .

    والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون .
    والذين لايقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين . .

    إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم ;
    وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه ;
    والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء !
    ومالم يحسم ضمير المسلم في هذه القضية ,
    فلن يستقيم له ميزان ;
    ولن يتضح له منهج ,
    ولن يفرق في ضميره بين الحق والباطل ;
    ولن يخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح . .
    وإذا جاز أن تبقى هذه القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس ;
    فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا "المسلمين"
    وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم . .


  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    مشرف
    المشاركات: 2,270
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ:
    وقوله تعالى:
    ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾
    [المائدة: 50].
    قال ابن كثير:

    (
    ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى،
    المشتمل على كل خير وعدل،
    الناهي عن كل شر،
    وعدّل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجل بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكزخان، الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكام اقتبسها من شرائع شتى من الملَّة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، فصار في بنيه شرعًا يقدِّموه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك،
    فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير
    ).
    يراجع
    تيسير العزيز الحميد ص384



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع