1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : May 2011
    عضو
    المشاركات: 129
    لا يمكن النشر في هذا القسم






    في ما صح من حديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال : ( تفرقت اليهود علي إحدى وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي علي ثلاث وسبعين فرقة ) خرجه الترمذي

    وفي رواية أخري للترمذي عن غير أبي هريرة t: ( وإن بني إسرائيل افترقت اثنتي وسبعين فرقة وتفترق أمتي علي ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا ملة واحدة . قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ( ما أنا عليه وأصحابي . )
    ·وفي سنن أبي داود : ( وإن هذه الملة ستفترق علي ثلاث وسبعين في النار وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة )
    ·وفي رواية ( كلها في النار إلا السواد الأعظم ).

    ·و في رواية مرفوعاً ( ستفترق أمتي علي بضع وسبع فرقة أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال
    فإن تقرر هذا ، تصدي النظر في الحديث في مسائل :

    المسألة الأولى :

    هل المقصود بالافتراق المذكور بالأحاديث مطلق الافتراق فيشمل حتى الاختلاف في الفروع الفقهية ومسائل الاجتهاد ، أم يراد افتراق مقيد ( وإن لم يكن في الحديث نص عليه ) ؟
    من المعلوم أن هناك نوعاً من الاختلاف قد ظهر في زمان الخلفاء الراشدين المهديين ، ثم بين سائر الصحابة .. ولم يعب أحد ذلك منهم ، وبالصحابة أقتدي من بعدهم .
    ولذا فان الافتراق الاختلاف المفسد الوارد بالأحاديث السابقة إنما يراد به ( افتراق مقيد ) وإن لم يكن في الحديث نص عليه ففي الآيات ما يدل عليه كقوله تعالى : الروم
    ]وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [

    قوله تعالى : ]إِنْ الَّذِيْنَ فَرَّقُوْا دِيْنَهُمْ وَكَانُوْا شِيَعا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِيْ شَيْءٍ [ الأنعام ( 159 )




    - ومعني ( صاروا شيعاً ) أي جماعات بعضهم قد فارق البعض ، ليسوا علي تآلف ولا تعاضد ولا تناصر . بل علي ضد ذلك . وهذه الفرقة مشعرة بتفوق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء .

    ولذلك كان التوجيه القرآني العظيم : ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[آل عمران (103)




    فإذا ثبت هذا نزل عليه لفظ الحديث واستقام معناه .
    المسألة الثانية :

    أن هذه الفرقة والعداوة إما أن ترجع إلي أمر هو معصية غير بدعة ،وإما أن يرجع إلي أمر هو بدعة .كما افترقت الخوارج عن الأمة وهذا هو الذي تشير إليه الآيات المتقدمة والأحاديث

    ـ فأما القول الأول فلا أعلم قائلا به .

    ـ وأما القول بأن المراد المعنيان معا ، فذلك ممكن ، يؤيد ذلك ما ورد في الحديث في قوله r ( حتى لو دخلوا جحر ضب حزب لأتبعتموهم ) فجعل الغاية ما ليس ببدعة .

    وفى معجم البغوي عن جابر tأن النبي r قال لكعب بن عجرة t: ( أعازك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء ) قال : وما إمارة السفهاء ؟ قال : أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديى ولا يستنون بسنتي . فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم علي ظلمهم فأولئك ليس مني ولست منهم ولا يردون علي الحوض ، ومن لم يصدقهم علي كذبهم ولم يعنهم علي ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم ويردون علي الحوض ) الحديث صحيح خرّجه أحمد

    ومن المعلوم أن كل من لم يهتد بهديه ولا يستن بسنته ، فإما إلي بدعة أو معصية فلا اختصاص بأحدهما .
    غير أن الأكثر في عرف المفسرين أن الفرقة المذكورة إنما هي بسبب البدع والابتداع في الشرع علي الخصوص.

    المسألة الثالثة :

    أن هذه الفرقة تحتمل من جهة النظر أن يكونوا خارجين من الملة بسبب ما أحدثوا .

    فهو احتمال وارد غير بعيد
    §فيحتمل أن يكون منهم من فارق الإسلام لكون مقالته كفر ، وتؤدي معني الكفر الصريح .
    §ومنهم من لم يفارقه بل انسحب عليه حكم الإسلام ، وإن عظم مقاله وشنع مذهبه لكنه لم يبلغ به مبلغ الخروج إلي الكفر المحض والتبديل الصريح .
    ويدل علي ذلك الدليل بحسب كل نازلة وبحسب كل بدعة ، إذ لا شك في أن البدع يصح أن يكون منها :


    ـ ما هو كفر : كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلي الله زلفى ،
    ـ ومنها ما ليس بكفر كالقول بالجهة عند جماعة / وإنكار الإجماع / وإنكار القياس وأشبه ذلك .

    ولقد فصل بعض المتأخرين في التكفير فصلاً في هذه الفرق ، فقال :



    ـ ما كان من البدع راجعاً إلي اعتقاد وجود إله مع الله / أو إنكار رساله محمد r/ أو استباحة المحرمات وإسقاط الواجبات ،وإنكار ما جاء به الرسول كأكثر الغلاة من الشيعة مما لا يختلف المسلمون في التكفير به

    ـ وما سوي ذلك من المقالات فلا يبعد أن يكون معتنقها غير كافر .واستدل علي ذلك بأموركثيرة .
    ولكن الذي كنا نسمعه من الشيوخ أن مذهب المحققين من أهل الأصول : أن الكفر بالمآل ليس هو الكفر بالحال.كيف والكافر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار ، ولو تبين له وجه لزوم الكفر من مقالته لم يقل بها علي حال .
    المسألة الرابعة :

    أن هذه الأقوال السابقة مبنية علي أن الفرق المذكورة في الحديث هي المبتدعة في قواعد العقائد علي الخصوص . كالجبرية والقدرية والمرجئة وغيرها وهو مما ينظر فيه :
    ذلك أن لفظ (ما ) في قوله تعالى :] ما تشابه منه [ لا تعطي خصوصاً في إتباع المتشابه لا في قواعد العقائد ولا في غيرها ، بل الصيغة تشمل ذلك كله فالتخصيص (تحكّم) فصح أن البدع لا تختص بالعقائد.([1])

    المسألة الخامسة :

    أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معني (كلي) في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجزئيات :
    ـ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسبها التفرق شيعاً . وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية . لأن الكليات تقتضي عددا من الجزئيات غير قليل ، وشأنها فغي الغالب أن لا تختص بمحل دون محل ولا باب دون باب .
    ـ ويجري مجري ا لقاعدة الكلية كثرة الجزئيات ... فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك علي كثير من الشريعة بالمعارضة ، وقد ثبت للكفار بدع فرعية . وإن كانت في الضروريات ومقاربها:
    أ‌-كجعلهم لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ولشركائهم نصيباً .
    ب‌-وتحريمهم البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام .
    ج- وقتلهم أولادهم سفها بغير علم .
    د- وترك العدل في القصاص والميراث .
    ذ- والحيف في النكاح والطلاق .
    ر- وأكل مال اليتيم علي نوع من الحيل .
    إلي أشباه ذلك مما نبه عليه الشرع وذكره العلماء ، حتى سار – وذلك هو التحول من الكلي من الجزئي – حتى سار هذا التشريع ديناً لهم وتغيير ملة إبراهيم سهلاً عليهم ، فأنشأ ذلك أصلاً مضافاً إليهم وقاعدة رضوا بها وهي :[ التشريع المطلق بالهوى ] .
    وذلك لما نبههم الله تعالى علي إقامة الحجة عليهم بقوله : ]نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ الأنعام
    فطالبهم بالعلم الذي شأنه ألا يشّرع إلا حقاً وهو علم الشريعة لا غيرة ثم قال :

    ] أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا[الأنعام ( 144)




    تنبيهاً لهم علي أن هذا ليس مما شرعه في ملة إبراهيم . ثم قال :


    ]فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىَ عَلَىَ الْلَّهِ كَذِبَا لِيُضِلَّ الْنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام (144)




    فثبت أن هذه الفرق إنما افترقت بحسب أمور كلية اختلفوا فيها . والله أعلم ،
    ·وأما الجزئي فبخلاف ذلك ، بل يعدوقوع ذلك من المبتدع كالزلة والفلته – وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين حيث قال عمر بن الخطاب t : ثلاث يهدمن الدين :
    ا- زلة عالم ب- وجدال منافق بالقرآن ج- وأئمة مضلون .
    لكن إذا قرب موضع الزلة لم يحصل بسبها تفرق في الغالب ، بخلاف الكليات فأنت تري موقع إتباع المنشابهات كيف هو في الدين إذا كان مخلاً بالواضحات التي هي أم الكتاب .
    وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته وجزئياته .




    [1]) الحديث هنا في هذا الموضع عن الابتداع عامة لا عن الفرق تحديدا .

  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : May 2011
    عضو
    المشاركات: 129
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    المسألة السادسة :
    أنا إذا قلنا بأن هذه الفرق كفار . علي قول من قال أوينقسمون إلي كافر وغيره ، فكيف يعدون من الأمة ؟

    الجواب : أنهم يعدون من هذه الأمة باعتبار ما يدعون . ذلك أن كل فرقة – من هذه الفرق المبتدعة- تدعي الشريعة وتتمسك بأدلتها وتناصب العداوة لمن قال بخروجها عنها ، وترمي بالجهل وعدم العلم من ناقضها لأنها تدّعي أن ما ذهبت إليه هو الصراط المستقيم دون غيره .وبذلك يخالفون من خرج عن الإسلام بالردة لأن المرتد إذا نسبته إلي الردة أقر بذلك ورضيه ولم يسخطه كاليهود والنصاري وسائل النحل المخالفة للإسلام . ـ وفي الحديث الشريف : (فليزدن رجال عن حوضي كما يزاد البعير الضال أناديهم ألا هلم ألا هلم ، فيقال : قد بدلوا بعدك فأقول : فسحقاً فسحقاً فسحقاً ) أخرجه مسلم فوجه الدليل من الحديث : أن قوله ( فليزدن رجال عن حوضي ) الي قوله ( أناديهم ألا هلم ) مشعر بأنهم من أمته . وأنه صلى الله علية وسلم عرفهم وقد بين أنهم يعرفون بالغرر والتحجيل ، فدل علي أن هؤلاء الذين دعاهم ذو غرر وتحجيل ، وذلك من خاصية هذه الأمة ، ولكنهم قد بدلوا فبان أنهم معدودون من الأمة . وفي رواية فى الحديث الآخر : (فيؤخذ بقوم منكم ذات الشمال ، فأقول : يارب أصحابي ! فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح ] وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم [ إلي قوله : ]العزيز الحكيم [ المائدة :117/118 ـ قال فيقال :أنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم أخرجه البخاري




    المسألة السابعة :وهي مسألة تعيين طوائف أهل الفرق والابتداع.
    فإن كثير من العلماء عينوها لكن في الطوائف التي خالفت في مسائل العقائد - فمنهم من عد أصولها ثمانية فقال : كبار الفرق الإسلامية ثمانية : المعتزلة / الشيعة / الخوارج / المرجئة / النجارية / الجبرية / والمشبهة / والسنة وهي الناجية وإن كل منها تفرقت إلي طوائف وفرق بلغ مجموعها ثلاثاً وسبعين فرقة . – وقال جماعة من العلماء : أصول البدع أربعة ، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا وهم : الخوارج / الروافض / القدرية / المرجئة .
    • والحق أن هذا التعديد بحسب ما أعطته المنة ،
    • في تكلف المطابقة للحديث الصحيح لا علي القطع بأنة المراد .
    • إذ ليس علي ذلك دليل شرعي ولا دل العقل أيضاً علي ذلك الحصر من غير زيادة ولا نقصان
    كما أنه لا دليل علي اختصاص تلك البدع بالعقائد .
    • في الحقيقة – أن هذه الفرق لم تتعين بعد – بخلاف القول المتقدم ـ
    • وهو أصح في النظر ، لأن ذلك التعين والاختصاص ليس عليه دليل / ولا يقتضيه العقل .
    • ولعل ذلك هو الموافق لروح الشريعة وأصولها من وجوه :
    الأول :فإن الشريعة قد فهمنا منها أنها تشير إلي أوصفهم من غير تصريح ليحذر منها ويبقي الأمر في تعيين الداخلين في مقتضي الحديث مرجي . وإنما ورد التعيين في النادر كما قال صلى الله علية وسلمفي الخوارج.
    وثانيا : أن عدم التعيين هو الذي ينبغي أن يلتزم ليكون ستراً علي الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا في الدنيا في الغالب ، وأمرنا بالستر علي المذنبين.ـ وأيضاً فللستر حكمة أخري وهي أنه لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة لكان في ذلك داع إلي الفرقة وعدم الألفة التي أمر الله ورسوله صلى الله علية وسلمبها حيث قال : ] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [ آل عمران (103)وقال تعالى ] فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [ الأنفال (1) وفي الحديث : ( لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ) وأخبر بإصلاح ذات البين ، وأخبر أن فساد ذات البين هي الحالقة للدين .ـ فإذا كان مقتضي العادة أن التعريف بهم علي التعيين ، يورث العداوة بينهم والفرقة ، لزم من ذلك أن يكون منهياً عنه ، ألا تكون البدعة فاحشة جداً كبدعة الخوارج .ـ فتأملوا ما أحسن هذا الفقه !! فمن هنا لا ينبغي للراسخ في العلم أن يقول : الفرق هم بنو فلان ، وبنو فلان ! وإن كان يعرفهم بعلامتهم بحسب اجتهاده اللهم إلا في موطنين : أحدهما : حيث نبه الشارع علي تعينهم : كالخوارج ومن جري مجراهم ومن سلك سبيلهم . والقدرية وقد ورد في شأنهم أثار منها قول ابن عمر : أنهم مجوس هذه الأمة .والثانية: حيث تكون هذه الفرقة – الطائفة – تدعوا إلي ضلالتها وتزينها في قلوب العوام ومن لا علم عنده فمثل هؤلاء لا بد من ذكرهم والتشريد بهم لأن ما يعود علي المسلمين من ضررهم إذا تُركوا أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم .
    • فإذا فقد الأمران فلا ينبغي أن يذكروا ، ولا أن يعيّنوا وإن وجدوا ،
    • لأن ذلك أول مثير للشر وإلقاء العداوة والبغضاء .
    • بل ينبغي إذا حصل مراجعة منهم لأحد ، ذاكره برفق ،
    • ولم يريه أنه خارج من السنة ، بل يريه أنه مخالف للدليل الشرعي ،
    • وأن الصواب الموافق للسنة كذا وكذا .
    • فإن فعل ذلك من غير تعصب ولا إظهار غلبة فهو أنجح وأنفع .
    • وبهذه الطريقة دعي الخلق أولاً إلي الله تعالى حتى
    • إذا عاندوا وأشاعوا الخلاف وأظهروا الفرقة قوبلوا بحسب ذلك
    • قال الغزالي في كتبه :
    • أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام
    • بتعصب جماعة من ( جُهّال أهل الحق ) أظهروا الحق
    • في معرض التحدي و الإذلال ، ونظروا إلي ضعفاء
    • الخصوم بعين التحقير والاذدراء .
    • فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة
    • ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة وتعذر
    • علي العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها
    • ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب
    • للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد – المنحرف –
    • في قلب مجنون فضلاً عن قلب عاقل .
    هذا ما قال – الغزالي – وهوالحق الذي تشهد له العوائد الجارية . فالواجب تسكين الثائرة ما قدر علي ذلك . والله أعلم .



    المسألة الثامنة :
    إذ تبين أن هذه الفرق من أهل البدع والأهواء لا يتعينون ، فلهم خواص وعلامات يعرفون بها .
    وهي علي قسمين : علامات إجمالية ، وعلامات تفصيلية ، ونتناول بالشرح العلامات الإجمالية . أما التفصيلية فإعمالاً لمبدأ الستر السابق بيانه نكف عنها . فأما العلامات الإجمالية ثلاث : أولها : الفرقة التي نبه عليها القرآن العظيم :وذلك في قوله :] وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [ آل عمران (105)وقوله تعالى :] فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ المائدة (64)قال بعض السلف : هذا الجدال والخصومات في الدين . وقال بعض العلماء : صاروا فرقاًُ لأتباع أهوائهم . وهو قوله تعالى :] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [ الأنعام (159)ثم براءة الله منهم بقوله تعال : ] لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [ وهم أصحاب البدع وأصحاب الضلالات والكلام فيما لم يأذن فيه الله ولا رسوله صلى الله علية وسلم .وقد وجدنا أصحاب رسول الله rقد اختلفوا في مسائل من أحكام الدين ولم يتفرقوا ولا صاروا شيعاً ، وإنما اختلفوا فيما أُذن لهم من اجتهاد بالرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً .. فصاروا محمودين ، لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به :
    • كاختلاف أبي بكر وعمر وعلي وزيد في الجد مع الأم ( في الميراث )
    • واختلاف عمر وعلي في أمهات الأولاد.
    • وخلافهم في الفريضة المشتركة .
    • وخلافهم في الطلاق قبل النكاح .
    • وفي البيوع ... وغير ذلك .
    فقد اختلفوا وكانوا مع ذلك أهل مودة وتناصح وأخوة الإسلام فيما بينهم قائمة . فلما حدثت الأهواء المروية التي حذر منها الرسول rوظهرت العداوة وتحذّب أهلها وصاروا شيعاً ، دل ذلك علي أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان علي أفواه أوليائه .( في اختلاف التنوع واختلاف التضاد ) :قال : كل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها ، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة ، علمنا أنها مسائل في الإسلام .- وكل مسألة حدثت وطرأت فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة ، علمنا أنها ليست من أهل الدين في شئ وأنها التي عني الرسول الله بتفسير الآية .وذلك ما روي عن عائشة قالت : قال رسول الله : ( يا عائشة ] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [ من هم ؟ ) قلت الله ورسوله أعلم . قال :( هم أصحاب الأهواء ، وأصحاب البدع ،وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ... ) قال : فيجب علي كل ذي عقل ودين أن يجتنبها – الفرقة – ودليل ذلك قوله تعالى : ] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [ فإذا اختلفوا وتعاطوا ذلك التفرق كان لحدث أحدثوه من إتباع الهوى .هذا ما قاله ، وهو ظاهر في أن الإسلام يدعوا إلي الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف . فكل أدي إلي خلاف ذلك فخارج عن الدين . وقد ظهر ذلك جلياً في بدع الخوارج والمعتزلة والروافض وغيرهم
    والخاصية الثانية : إتباع المتشابه : وهي التي نبه عنها القرآن الكريم في قوله تعالى : ] فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [ آل عمران (7)فبينت الآية أن أهل الزيغ يتبعون متشابهات القرآن . قهذا شأنهم .
    ومعني التشابه : ما أشكل معناه ولم يتضح مغزاه سواء كان من المتشابه الحقيقي ( الذي لا يعلمه إلا الله ) ، أو من المتشابه الاضافي ( والذي يعلم تأويله الراسخون في العلم ) : وهو ما يحتاج في بيان معناه إلي دليل خارجي :ـ كاستشهاد الخوارج علي إبطال التحكم بقوله تعالى : ] إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [ فإن ظاهر الآية صحيح في الجملة ، وأما علي التفصيل فمحتاج إلي بيان ، وقد بينه لهم ابن عباس فرجع نصفهم معه . ـ وكذلك قولهم ـ أي الخوارج ـ ( قاتل ولو يسب ) فإنهم حصرو القتال في هيئة واحدة وتركوا الهيئة الأخري وهي التي وردت في قوله تعالى : ] وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا...[ فهذا قتال من غير سبي ـ وكذلك إدعائهم : محا اسمه من إمارة المؤمنين اقتضي عندهم أنه إثبات لإمارة الكافرين ، وذلك غير صحيح لأن نفي الأسم لا يقتضي نفي المسمي كما إنه لا يقتضي إثبات إمارة أخري ،فعارضهم ابن عباس بمحو النبي اسم الرسالة من الصحيفة ، معارضة لا قبل لهم بها . ولذلك رجع منهم ألفان عقب ذلك . فتأملوا وجه إتباع المتشابه وكيف أدي إلي الضلال والخروج عن الجماعة ، ولذلك قال رسول الله :( فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمي الله فاحذروهم ) .فهذه الخاصية – في تجنبها –راجعة إلي العلماء الراسخين في العلم لأن معهم المحكم ، والمتشابه راجع إليهم ، فهم يعرفونها ويعرفون أهلها ، فهم المرجوع إليهم في بيان من هو متبع للمحكم فيقلد في الدين ، ومن هو متبع للمتشابه فلا يقلد أصلاً . ولكن له علامة ظاهرة أيضاً نبه عليها الحديث الذي فسرت الآية به والذي قال فيه : ( فإذا رأيت الذين يجادلون فيه .. ) فجعل من شأن
    المتبع للمتشابه أنه يجادل فيه ، وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك ،إذ المتشابه لا يعطي بياناً شافياً ولا يقف منه متبعه علي حقيقة ، فإتباع الهوى يلجئه إلي التمسك به والنظر فيه لا يتخلص له ، فهو علي شك أبداً . وبذلك يفارق الراسخ في العلم لأن جداله إذا افتقر إليه (أو احتاجه ) فهو في مواقع الأشكال العارض ، طلباً لأزلته ، فسرعان ما يزول إذا بُين له موضع النظر . وأما ذو الزيغ ، فإن هواه لا يخليه إلي طرح المتشابه ، فلا يزال في جدال عليه وطلب في تأويله . ويدل علي ذلك :
    • أن الآية في شأن نصاري نجران –
    • وقصدهم أن يناظروا رسول الله في عيسي بن مريم
    • عليهما السلام وأنه الله أو أنه ثالث ثلاثة .
    ـ مستدلين بأمور متشابهات من قوله : فعلنا .. وخلقنا .. ومن أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتي . ولم ينظروا إلي أصله ونشأته بعد أن لم يكن وكونه كسائر بني أدم يأكل ويشرب وتلحقه الآفات والأمراض ـ والحاصل أنهم إنما أتو لمناظرة رسول الله ومجادلته ، لا يقصدون إتباع الحق .ـ والجدال علي هذا الوجه لا ينقطع . ولذلك لما بين لهم الحق ولم يرجعوا عنه دعوا إلي أمر آخر خافوا منه الهلكة فكفوا عنه ، وهو المباهلة الوارد ذكرها في قوله تعالى :] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [ آل عمران (61)
    الخاصية الثالثة : وهي إتباع الهوى والجهل .وهو الذي نبه عليه قوله تعالى : ] فأما الذين في قلوبهم زيغٌ [ والزيغ هو الميل عن الحق إتباعا للهوي .وكذلك قوله تعالى : ] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [ القصص ( 50 )وقوله تعالى : ] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [ الجاثية (23)وقد مر أن أصل حدوث الفرق – الفرقة – إنما هو الجهل بمواقع السنة ، وهو الذي نبه عليه الحديث بقوله ( اتخذ الناس رؤساء جهالا ً) فكل أحد عالم بنفسه هل بلغ في العلم مبلغ المفتين أصلاً ؟ وعالم – بنفسه – إذا راجع النظر فيما سئل عنه : هل هو قائل بعلم واضح من غير إشكال أم بغير علم ؟أم هو علي شك فيه ؟ . والعالم إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باق علي الأصل من عدم العلم حتى يشهد فيه غيره ، ويعلم هو من نفسه ما شهد له به وإلا فهو علي يقين من عدم العلم أو علي شك .فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين – عدم العلم أو الشك ـ علي الإحجام لا يكون إلا بإتباع الهوى . إذ كان ينبغي له أن يستفتي في نفسه غيره ولم يفعل . وكان من حقه
    أن لا يُقدم إلا أن يقدمه غيره ولم يفعل أيضاً




    المسألة التاسعة :
    أورد بها الطرق المختلفة للحديث الخاص بالافتراق والاختلاف بينهما وقد أورد أثراً هاماً عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ( ليأتين علي أمتي ما أتي علي بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتي أمة علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك ، وإن بني إسرائيل تفرقت علي ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي ... ) الحديث أخرجه الترمزي .





الكلمات الدلالية لهذا الموضوع