تعلقهم بما وقع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من اختلاف في شأن طائفة من
المنافقين وهو ما أنزل الله تعالى فيه قوله تعالى
:

" فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ً " النساء : 88
.

قالوا : هؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في تكفير طائفة من المنافقين ومع ذلك لم يتهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أياً منهم بالكفر لعدم تكفيرهم للكافرين . ولكن كما قال الشيخ الجليل محمد بن عبد الوهاب ، رحمه الله : [ وأعلم أن الله سبحانه وتعالى من حكمته لم يبعث نبيا ً بها التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى :
" وكذلك جعلنا لكل نبي عـدوا ً شياطين الأنس والجن يوحـي بعضـهم إلى بعض زخرف القول غرورا ً " الأنعام : 112 .
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج قال تعالى : " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم " ] أ . هـ(1)
ذلك أن التعرف عل فقه الآية الكريمة له أصول وقواعد ينبغي على كل من تكلم في دين الله عموما ً أن ينضبط بها(2) وإلا خرج بفقه ممسوخ مشوه يلبس به على الناس أمر دينهم وقد ذم الله تعالى من تكلم في دين الله بغير علم فضل وأضل . قال تعالى :" ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ، كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير " الحج : 43.
وقال تعالى :" ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله ، له في الدنيا خزيٌ ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق " الحج: 8.9.والآية الكريمة تتحدث عن طائفة من المنافقين وتحدثت عن موقف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء المنافقين - فمن هم المنافقين كتعريف عام ؟
- وما الذي أحدثوه فيما روت بصدده الآية الكريمة ( وهو سبب نزول الآية الكريمة )- وما موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الاختلاف ؟- والمنافقون . كتعريف عام – عُلم واشتهر – هم كل من أظهر الإسلام وأبطن الكفر قال ابن العربي :
[ المسألة الثانية : أخبر الله سبحانه وتعالى أن الله رد المنافقين إلى الكفر وهو إلاركاس .. فنهى الله سبحانه وتعالى أصـحاب محمد صـلى الله عليه وسلم أن يتعلقوا فيهم بظاهر الإيمان إذا كان أمرهم في الباطن على الكفر .] أ . هـ (1)فالمنافق هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر .و أما سبب نزول الآية الكريمة – فذكر المفسرون في ذلك روايات جمعها الأمام ابن العربي في خمسة أقوال فقال : [ المسألة الأولى – في سبب نزولها ، فيه خمسة أقوال : الأول – روى عبد الله بن يزيد الأنصاري عن زيد بن ثابت صاحب عن صاحب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحُد رجعت طائف ممن كان معه فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين ، فرقة تقول : نقتلهم وفرق تقول : لا نقتلهم ،فنزلت ، وهو اختيار البخاري والترمذي .الثاني :قال مجاهد : نزلت في قوم خرجوا من أهل مكة حتى أتوا المدينة ، يزعمون أنهم مهاجرون – فارتدوا (2)واستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في الرجوع إلى مكة ليأتوا ببضائع فاختلف فيهم المؤمنون ففرقة تقول : أنهم منافقون وفرقة تقول : هم مؤمنون . فبين الله سبحانه وتعالى نفاقهم .الثالث : - قال ابن عباس نزلت في قوم كانوا بمكة فتكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة وإن المؤمنين لما أُخبروا بهم قالت فئة : اخرجوا إلى هؤلاء الجبناء فاقتلوهم ، وقلالت أخرى : قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به .الرابع : قال السُدّي : كان ناسٌ من المنافقين إذا أرادوا أن يخرجوا من المدينة قالوا : أصابتنا أوجاع بالمدينة فعلنا نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ونرجع ، فانطلقوا فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت طائفة أعداء الله منافقون ، وقال آخرون : بل إخواننا غمتهم المدينة فاجتووها فإذا برئوا رجعوا فنزلت فيهم الآية .الخامس : قال ابن زيد : نزلت في ابن أُبي حين تكلم في عائشة واختار الطبري من هذه الأقوال قول من قال : أنها نزلت في أهل مكة لقوله تعالى :" فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله " النساء : 89 .
والصحيح ما رواه – زيد – بن ثابت – وقوله : حتى يهاجروا في سبيل الله يعني حتى يهجروا الأهل والولد والمال ويجاهدوا في سبيل الله ] أ . هـ .(1)هذا هو سبب النزول وهو على اختلاف مناسبة وفق الروايات الخمسة لا تجد موقفا ً منهم إلا ويحتمل التأويل والاختلاف في التقدير مع عدم القطع بكفر فاعله .
وللتأكد من ذلك راجع أسباب النزول مرة أخرى وتأمل سببا ً وحدد على نحو القطع الفعل المكفر الذي صدر من المنافقين واختـُلفَ فيه .
أين هذا من فعلة الكفر الصريحة الواضحة المنصوص عليها بالأدلة البينة والمنصوص على كفر فاعلها في وضوح وقطعية وإحكام .
أين هذا من دعاء غير الله ، أو الذبح والنذر لغير الله ، بل أين هذا من تبديل شرع الله عز وجل والإستهانة به واستحلال ما حرمه من ربا وزنا وخمر وسائر الفواحش حتى الردة عن الإسلام أصبحت مباحة في هذا الزمان وفي هؤلاء الأقوام المعاصرين .هذا من جانب ومن جانب آخر من المعلوم أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام :
- سنة قولية : وهو ما تحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا ً ونهياً وأخباراً .
- سنة فعلية : وهو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تحلى به من أخلاق .
- سنة تقريرية : وهي موافقته لقول قيل أمامه أو فعل وقع في حضوره بالقول أو السكوت حيث سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرارا ً وموافقة لامتناع التخلف عن البيان في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أمور معلومة مشهورة لمن له أدنى اطلاع على أصول الفقه عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم .
ولذا فإن سكوت النبي صلى الله عليه سلم بالنسبة لموقف الفئتين من صحابته الكرام هو بمثابة إقرار لكل منهما فيما تأوله وذهب إليه ، ودليل ذلك :أنه لم ينكر على أيِّ منهما حتى نزلت الآية بحكم الطائفة المختلف فيها وأنهم منافقون حقا ً .أن المنافق يظهر خلاف ما يبطن ولا سبيل لنا إلا معاملته بما يظهره لنا من قول وفعل فلما كان ما يظهره هو الإسلام كان حكمه حكم المسلمين . ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لمن إستدل عليه بمثل هذا الشبهة :( وأما أستدلالك بترك النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم ، فقد صرح الخاص والعام ببديهة العقل : أنهم لو يُظهرون كلمة واحدة أو فعلا ً واحدا ً من عبادة الأوثان أو مسبّة التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم يقتلون أشر قتله ] أ .هـ (1)وقد أفاض صاحب كتاب " حد الإسلام وحقيقة الإيمان " في مناقشة موضوع المنافقين وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلهم على نحو محمود ودقيق يغني من إعادة الحديث فيه فليرجع إليه .(2)3- أن حكم الطائفة المختلف فيها قد حسمته بعد ذلك الآية الكريمة وكان بنزولها امتناع الإختلاف – بعد ذلك – في حكم هذه الطائفة وذلك يعني :أن قبل نزول الآية الكريمة كان إختلاف الصحابة من قبيل إختلاف التنوع الذي لا يُذم أطرافه ودليل ذلك سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يعد إقرارا ً للطرفين المختلفين فيما تأولا وأن بعد نزول الآية الكريمة أصبح من الممتنع الإختلاف بشأن هؤلاء المنافقين لأن الإختلاف هنا وبعد نزول الآية الكريمة يصبح إختلاف تضاد (3) يُذم ويأثم الطرف المخالف فيه للنص وحكم الآية الكريمة .ونلخص من هذا أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا بشأن قوم مقطوع بكفرهم على نحو بين واضح ، وأنما كان إختلافهم فيمن أظهر الإسلام ثم ظهرت منه أفعال أو أقوال ظن فيهم بعض الصحابة االنفاق .وظن فيهم البعض الآخر من الصحابة حسن النية ولم يكن مقطوع بكفرهم أو نفاقهم .وهذا خلاف موضوعنا حيث موضوعنا تكفير الكافرين المقطوع بكفرهم ومن لم يكفرهم بعد النص الواضح بكفرهم . والحكم أنه كافر لسببين أساسيين :الأول – أنه رد حكم الله تعالى بكفرهم .والثاني – أنه بذلك قد تولاهم حيث الشهادة بالإسلام ولاء كما أن الشهادة بالكفر براء .

(1) كشف الشبهات ص 5 م . السلفية .

(2) ونذكر هم أن من هذه الأصول : 1- التزام النص وطرح التأويل 2- مراعاة الصيغ مع النظر في المقاصد وتتبع المعاني 3- الوقوف مع الحكم 4- الجمع بين أطراف الأدلة
5- ربط الفرعيات الجزئية بقواعدها الكلية ، (يراجع حد الإسلام وحقيقة الإيمان ) من ص 18 وما بعدها .

(1) أحكام القرآن للإمام ابن العربي جـ 1 ص 469 .

(2) فارتدوا سراً بدليل إظهارهم الاستئذان من النبي صلى الله عليه وسلم .

(1) احكام القرآن ابن العربي جـ 1 ص 468 ط . الجبل .

(1) تاريخ نجد ص 344 الرسالة 21 .

(2) حد الإسلام وحقيقة الإيمان ص 36 وما بعدها .

(3) يراجع أنواع الاختلاف وحكم كل نوع في اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيميه رحمه الله وأيضا ً شرح العقيدة الطحاوية .