الأصل في دار الكفر
وسمات أهلها اجتماعياً
من أخطر وأهم معالم وسمات المجتمعات الداخلة في زمام ما سمي بدار الكفر هو أن النظام الحاكم عامة وبلا استثناء في هذه المجتمعات يُعلى ويعلن سلطاناً حاكماً غير سلطان الإسلام وشريعته. وهو إذا تعاطى بعض أحكام شريعة الإسلام في بعض مسائل الحياة فليس عن انتماء أو رغبة في التحاكم إلى هذه الشريعة، ولكنه نوع اقتباس لبعض الأحكام التي يجدها تتناسب مع طلبه ورغبات البيئة وسادة هذا المجتمع وأتباعهم، فلم يذهب إليها إلا لمصلحة ورغبة أراد تحقيقها لم يجدها هذا المجتمع إلا في شريعة الإسلام فتعاطاها على النحو الانتقائي المُتحاكم فيه إلى هوى النفوس ومصالحها لا إلى معالم الإيمان بالله والإذعان لأحكامه، وهم في هذا صورة مشابهة لأولئك المنافقين الذين نزل فيهم قوله تعالى:- )وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ([النور49]. أي لا يطلبوا أحكام الشريعة وما أتى به الرسول إلا إذا وافق هوى نفوسهم المريضة، وحقق لهم نوعاً من المصالح المرغوبة لديهم، أما إذا تعارض مع هذه النفوس ومصالحها فهم أبعد الناس عن شريعة رب الناس بل لعلك تجدهم في صفوف الحرب عليها وعلى أهلها ومن نادى بها. كما يمكن القول أيضاً أنهم في هذا قد أتوا بما ذكره المولى تبارك وتعالى عن تلك المسالك الفاسدة المذمومة لليهود في تعاملهم مع أحكام الله تعالى والتي كانت بين أيديهم وفي كتابهم (التوراة) وقد كانوا يحتالون كل الحيل للتفلت منها وتعطيل أحكامها عن واقعهم العملي الاجتماعي؛ فقد قال تعالى عن هذا المسلك:
) أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أولـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ([البقرة 85-86].
فإذا كان هذا هو الحكم فيمن تعاطى أحكام كتاب الله المنزَّل عليهم (التوراة) وتحايل على بعضها فما الشأن في قوم جاؤوا من بعدهم عطلوا كتاب الله تعالى ونبذوه وراء ظهورهم وكأنهم لا يعلمون أن لديهم كتاباً من الله. أو كأنهم لا يعلمون أنه واجب الحكم به فيما بينهم؛ وكما قال تعالى:
) نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ([البقرة101].
فإذا تخلف عن دار الكفر سلطان الإسلام وشرائعه، فإن الأحكام العامة لهذه الديار بالتأكيد تستقي من أنظمتها القانونية الوضعية التي يتواطئ أهل هذه البلاد على وضعها بأنفسهم حاكمة على أنفسهم في الدماء والأموال والأعراض والأعمال، وهم في هذا كما كانت عليه الجاهلية الأولى حيث كانوا يصنعون الأصنام والأوثان بأيديهم من الحجارة ثم يسجدون لها؛ قال تعالى:]أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(الصافات. وقال تعالى: ]إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ([النجم]. وبالتالي ففي هذه المجتمعات نظمٌ قانونية وضعية من وضع البشر متثلة في مجالس تشريعية للبشر أي لأفراد المجتمع في هذه الدار يحكمون بها ويتحاكمون إليها. وهي لا تتعاطى الحقوق والواجبات إلا وفق أهواء البشر ولا تتقيد في الحريَّات بأي قيود شرعية، بل الحريات في هذه المجتمعات قد تصل إلى حرية التطاول على الله تعالى أو أنبياؤه أو رسالاته وعامة الأديان التي يعتبرون أن الهجوم عليها وازدراءها نوعاً من حرية التعبير عن الرأي الذي لا يجب الحجر عليها ولا أن يقيدها قيد. في هذه المجتمعات لا الحلال فيها هو ما أحله الله، ولا الحرام فيها هو ما حرمه الله ولا نظامها العقابي والجنائي يخضع لشئ من شرائع الله في القليل ولا الكثير، بل حتى ما يتبنونه من أحكام شرعية لتنظيم شيء من هذا المجتمعات لا تحترم لكونها شريعة الله، بل لكونها جزء من نظامهم القانوني الخاص بهم، فإذا نصَّ مثلاً على تجريم السرقة أو القتل فإن ذلك يحترم عندهم لا لكونه مما حرمه الله وشريعته بل لكونه جزء من نظام قانوني قد وضعوه هم لأنفسم ولذا فإن العقوبات على مثل هذه الجرائم لا تتقيد بالحدود والأحكام الشرعية، بل إنهم يقررون لها ما يرونه مناسباً وفق أنظارهم هم. * وأين يقع فعل اليهود من تبديل حد الزنا من الرجم إلي الجلد مائة في عصر النبوة والذين ذمهم الله بهذا وقال عن فعلهم ذلك:) وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ([المائدة:44]. أين يأتي ذلك من مجتمعات حديثة أبدلت عقوبة الزنا إلي لا شيء على الإطلاق؛ فلا رجم ولا جلد ولا غيره، اللهم إذا انصب الأمر على إدارة شبكة للدعارة فهنا تقوم أجهزة الدولة العملاقة لتطالب أفراد هذه الشبكة وزعمائها بنصيب الدولة في الأرباح من هذه الممارسات والتي تحددها لوائح النظام الضريبي في المجتمع المدني الحديث الشريف. فإذا أنكر منكر عليهم كان قولهم كسلفهم:
)أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ( النمل.
* * وخلاصة القول أن النظام القانوني والمجتمعي لهذه المجتمعات الداخلة في وصف دار الكفر حقيقة مخالفاً للنظام المجتمعي الإسلامي القائم على نظام متكامل من شريعة ربانية. * ثم إنك تجد بعد تجاوز موضوع علو السلطان في هذا المجتمع ونظامه القانوني الوضعي. تجد أن المجتمع يموج بالأنظمة والعادات والتقاليد الاجتماعية في سائر مظاهر الحياة على النحو المتحرر المخالف لجميع القيود والضوابط الشرعية من حيث الملابس والعادات المتعلقة بالأنظمة الأسرية والتعليمية والعملية والمرأة والأساليب التربوية والمدارس التعليمية وما يهتم به من مواد عملية ودراسية ومناسبات اجتماعية سعيدة أو غير سعيدة أو مظاهر الأفراح ومخالطة النساء للرجال وقواعد التعامل والسلوك.. إلى غير ذلك لما لا نهاية له من مظاهر الحياة الاجتماعية التي لا تكاد تحصر، حتى النكات ومظاهر الترفيه و الدعاية والإعلام جميع هذه لا يخضع لأي قواعد أو مقيد بأي قيود تراعى فيها المقدسات والحرمات. والحديث يطول عن مظاهر الشرك والإلحاد والتبديل والانحلال في المجتمعات الشركية، ولا يغير من حكمها وكونها دار كفر أي مظهر من مظاهر التقدم الحضاري في زعمهم المتمثل في الصناعات المتطورة والمظاهر المادية الحديثة في سائر مظاهر الحياة، فجميع ذلك لا دخل له في الحكم على المجتمع، بل هو من العلوم المادية، منها ما لا يتعارض مع عامة الأديان، ومنها مالا يقره دين كصناعات الدعارة والتي قد تظهر في هيئات ترويجية كالفن والثقافة وغير ذلك مما لا تقره الأديان السماوية عامة. وهكذا تتعدد مظاهر الجاهلية في المجتمع الكافر ليصبح الأصل العام أو القاعدة العامة الجامعة لجميع أفراد هذا المجتمع هو الذي عبر عنه عنوان الموضوع بكلمة جامعة مختصرة هي (دار الكفر) أي دار أهل الكفر أو دار الفاسقين الخارجين عن طاعة الله ورسوله (r) ولا يخرج عن هذا الحكم أحد في هذه الدار إلا من خالف أهل هذه الدار في الاعتقاد وفي العمل كما سنذكره بإذن الله
المبحث الثاني:
ما يدخل في حكم دار الكفر من المجتمعات
ارتبطت أحكام الديار بمعيار صادق ثابت أساسي مُعلن وهو (علو السلطان) وبالتالي فإن دار الكفر هي التي يعلوها سلطان الكفر وهو أي سلطان آخر في أي هيئة سوى هيئة شريعة الإسلام. وبالتالي فيدخل في وصف دار الكفر من المجتمعات أنواع:- أولاًُ: كل دار أو مجتمع خاضع لسلطان أهل الكفر أو الإلحاد وشرائعهم بحيث إنهم قد تملكوها وأظهروا فيها أحكامهم وقد شهد التاريخ في القديم والحديث هذا النموذج وبكثرة كثيرة لعلها قد أطبقت الأرض زماناً حتى أنه قد ورد في الحديث أن الله تعالى قد نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب. و من هذه الديار و المجتمعات (في القديم) بلاد فارس وبلاد الروم وغيرها، ومن هذه الديار والمجتمعات (في الحديث) جميع بلاد قارات الدنيا الستة ممن لا يدينون بالإسلام ديناً على الإطلاق، وسواء كانت بعد ذلك الديانات التي يدينون بها ديانات أهل الكتاب أو الوثنية أو الشيوعية أو غير ذلك حتى أن بعضهم يعبد البقر من دون الله، وهذه الديار في علاقاتها مع ديار الإسلام على اختلاف بينهم:- أ‌- فمنهم (دار كفر وحرب) لا عهد ولا ميثاق ولا ذمة بينهم وبين أهل الإسلام : وذلك كشـأن مكة قبل صلح الحديبية وكل من كان على شاكلتها من القبائل والعرب في مواجهة المسلمين فيسعون إلى استئصال شأفتهم بكل وسيلة والحرب بينهم بين المسلمين سجال. ب‌- ومنهم ما هي (دار كفر وعهد) : كشأن مكة ومن هو في عهدهم مع رسول الله (r) ومن هو في عهده بعد صلح الحديبية والاتفاق على أن تضع الحرب أوزارها مدة محددة من الزمان يأمن فيها الناس في الدارين. على النحو الوارد في بنود العهد وميثاق الصلح بينهما. وقد تعددت هذه النماذج على مر الزمان وخلال سلسلة الفتوحات الإسلامية وتوسع امبراطورية الإسلام على امتداد دولة الخلافة من أيام الخلفاء الراشدين مروراً بالدولة الأموية ثم العباسية.. إلى آخره والتاريخ يشهد لذلك نماذج كثيرة جداً. ثانياً: دار الردة والمرتدين:- وهي دار كفر وحرب أيضا غير أنها تختلف عن سابقتها في أن هذه الديار قد كانت أعلنت الإسلام والتزمت شرائعه ثم انتكست لسبب أو لآخر. وقد قال تعالى: )فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ( الفتح
وقال تعالى:)إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ([محمد:25 /26]. وتتعدد مظاهر الردة وأنماطها وإن كان حكمها واحداً كما تعددت مظاهر الكفر من كفر الإباء والاستكبار إلى الجحود إلى التكذيب إلى الإعراض والاستهزاء والنفاق، وفي النهاية فجميعها يجمعها حكمٌ واحدٌ هو المعبر عن حقيقة هذه المظاهر جميعاً وهو وصف الكفر، وأما عن أنماط دار الردة فمنها: أ – ردة العقيدة: وذلك كردة بعض قبائل العرب عن الإسلام كلية بعد وفاة النبي (r) وقالوا: لو كان نبياً ما مات ومن ثم عادوا إلى عبادة الأوثان عياذاً بالله. وهي التي كانوا يعبدونها قبل الإسلام. وهم بذلك قد خلعوا الإسلام عقيدة وشريعة اسماً وفعلاً، وقد يشترك في هذا الوصف كثير من الأمصار والمدن التي كانت على الإسلام وتم تغيير هويتها بفعل الشيوعية في شمال آسيا وشرق أوربا أو بفعل اليهود والنصارى وكما حدث في بلاد الأندلس وأجزاء كبيرة من أرض فلسطين العربية بعد أن استولى عليها اليهود، وهكذا. ب- ردة في أحكام الشريعة وهي في ذلك تخالف النموذج السابق في كونها تتمسك بادعاء الإسلام كهوية واعتقاد دون أن يكون له الحكم في الواقع العملي وحياة الناس إلا بحسب ما يسمح له أرباب الحكم في هذه البلاد وأنظمتها القانونية البديلة. وقد حدث نوع من ذلك عقب وفاة النبي (r) حيث أعلنت بعض القبائل من العرب امتناعهم عن آداء فريضة الزكاة وجحدوا فريضتها ومنعوا حق المال عن الخليفة والمسلمين، ومنهم من تأول في ذلك أنها كانت حق للرسول (r) فقط وأنها قد سقطت بوفاته بادعاء تأويل وفهم فاسد لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) الآية. فقالوا: أنها فرضت لمن كانت صلاته سكن لهم، أي النبي، وحيث أنه قد مات فليست لأحد بعده. وهكذا كل من أراد أن يتفلت عن طاعة الأحكام الشرعية فيجتهد في دفعها مستخدماً ذات النصوص في ذلك، وكما قال تعالى: ]يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(" البقرة 26/27 هذا الإفساد في الأرض قد فسره العلماء بتحكيم أي شرع أو أحكام سوى شرع الله تعالى وأحكامه. وهو أيضاً المعني الوارد في قوله تعالى: )وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا([الأعراف:56]. قال صاحب شرح كتاب التوحيد: قال أبو بكر بن عياش – في الآية: إن الله بعث محمداً (r)إلى أهل الأرض وهم في فساد وأصلحهم الله بمحمد (r). فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد (r) فهو من المفسدين في الأرض. وقال بن القيم: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة أ. هـ ([1]) وقال ابن تيمية في تفسير ذات الآية ]وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا( :يعني الكفر والمعصية بعد الإيمان والطاعة أ. هـ ([2]) هذا وقد سبق أن ذكرنا في تفسير قوله تعالى:
]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ( الآية
قال ابن كثير رحمة الله: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون بها من الجهالات والضلالات كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه. فصارات في بنية شرعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة. فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم بسواه في قليل أو كثير) أ. هـ ( تفسير ابن كثير) ولهذا فأهل العلم مجمعون على أنه إذا اجتمع قوماً على جحود شيئاً من شرائع الإسلام الظاهرة الثابتة أو استحلال محرم أو استبدال شيئاً من شرائع الإسلام بقوانين وضعية من وضع البشر قالوا أن من فعل ذلك كان كافراً مرتداً عن الإسلام. ([3]) ج- ردة أهل الأهواء : وذلك كردة قبائل أخرى من قبائل العرب وبعد وفاة النبي (r) على نحو أعلنوا فيه أنواعا من البدع الخطيرة التي لم تقف عند حد مخالفة بعض مبادئ أهل السنة،بل تجاوزوا ذلك القدر إلى مناقضة بعض أركان الإيمان أو أساسيات الإسلام مما يبطل ما ادعوه من أصل الدين وادعاء الإسلام. وذلك كما وقع من بعض قبائل العرب في ذلك الزمان أي بعد وفاة النبي (r) ممن تابعوا مسيلمة الكذاب في ادعاء النبوة، وكذلك الذين تابعوا طليحة الأسدى أو الأسود العنسي صاحب صنعاء، وجميعهم قد ذهب إلى ادعاء النبوة ودعا الناس إلى متابعته مع ادعاء الإسلام، فاعتبرهم الصحابة جميعهم مرتدين عن الإسلام وقاتلوهم على ذلك أشد القتال واستحلوا منهم ما يستحل من الكفرة من أهل الشرك والإلحاد وسبوا منهم النساء والذرية على النحو المفصل في كتب السير، كما ظهر بعد ذلك طوائف أخرى من هذه النماذج المرتدة عن الإسلام بمثل هذا النحو وعلى مر التاريخ والزمان وعلى التدرج كظهور طائفة الفاطميين الذين ملكوا مصر وبلاد المغرب واعتبر أهل العلم بلادهم بلاد كفر وحرب برغم ادعائهم الإسلام وإقامة الصلوات والجمعة والجماعة وادعاء الانتساب إلى آل البيت. . كما ظهرت طائفة القرامطة في شرق الجزيرة العربية وشمالها فترة من الزمان وقد وصل بهم الأمر إلى مهاجمة مكة والحرم الآمن والاستيلاء على الحجر الأسود بعد نزعه من جدار الكعبة، ومكث معهم سنيناً حتى استطاع المسلمون استعادته منهم. أيضا قبائل (الدروز) في بلاد الشام ولبنان وفلسطين. ومن ذلك طائفة (الباطنية) الملعونة من الشيعة والمسماة بالإسماعيلية وغيرهم فجميع هذه الطوائف وغيرها كثير... إذا تملكوا داراً كانت عند أهل العلم قاطبة دار كفر وحرب يجب على المسلمين غزوها واستعادتها.
ويلاحظ أن الفرق بين طوائف الردة عن الاعتقاد، عن ردة أهل الأهواء: · أن طوائف الردة عن الاعتقاد، طوائف معلنة نبذها الإسلام كديانة أي عقيدة وشريعة والتزامها غيره. كمن قالوا بعد وفاة النبي(r)لو كان نبياً ما مات ورجعوا إلى عبادة الأوثان. · أما طوائف ردة أهل الأهواء فقد تمسكوا بانتسابهم إلى الإسلام كديانة مع انحرافهم الشديد عن تعاليمه العقيدية مما كان في ميزان الشريعة ردة حقيقية عن الإسلام، وإن ادعوه كديانة؛ كادعاء الفاطميين والدروز وطائفة الإسماعيلية وغيرهم. · هذا ولا تختلف أنظار العلماء إلى جميع هذه الطوائف والأقسام في كون ديارهم ديار كفر وحرب وليست من ديار الإسلام في شيء، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (والذي يبين ذلك من قصة الردة أن المرتدين افترقوا في ردتهم: · فمنهم من كذب النبي (r)ورجعوا إلى عبادة الأوثان. وقالوا لو كان نبياً ما مات. · ومنهم من ثبت على الشهادتين ولكن أقر ببنوة مسيلمة ظناً أن النبي(r)أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك فصدقهم كثير من الناس. · ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر. · فإذا عرفت أن العلماء أجمعوا أن الذين كذبوهم ورجعوا إلى عبادة الأوثان وشتموا رسول الله (r)، ومنهم من أقر بنبوة مسيلمة في حال واحد ولو ثبت على الإسلام كله. · ومنهم من أقر بالشهادتين وصدق طليحة الأسدي في إدعاء النبوة. ومنهم من صدق العنسي صاحب صنعاء. · كل هؤلاء أجمع العلماء أنهم سواء، ومنهم من كذب النبي (r) ورجع إلى عبادة الأوثان على حال واحدة مقطع من رسالة أحكام الديار لشيخ حلمى هاشم

([1]) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. باب (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا)
([2]) الصارم المسلول. ابن تيميه ص384
[3])) يراجع رسالة فتوى التتار لابن تيمية، أو حكم من بدل شرائع الإسلام ورسالة تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم.