أَبدَأُ بِاسمِ اللهِ مُستَعينَا *** رَاضٍ بِهِ مُدَبِّراً مُعِيناَ
وَالحَمدُ للهِ كَمَا هَدانا *** إِلَى سَبيلِ الحَقِّ وَاْجتَبانا
أَحمَدُهُ سُبحانَهُ وَأَشكُرُهْ *** وَمِن مَسَاوِي عَمَلِي أَستَغفِرُهْ
وَأَستَعينُهُ عَلَى نَيلِ الرِّضَى *** وَأَستَمِدُّ لُطفَهُ فِيمَا قَضَى
وَبَعدُ : إِنِّي بِاليَقينِ أَشهَدُ *** شَهادَةَ الإِخلاصِ أَنْ لا يُعبَدُ
بِالْحَقِّ مَألُوهٌ سِوَى الرَّحمَانِ *** مَنْ جَلَّ عَن عَيبٍ وَعَن نُقصَانِ
وَأَنَّ خَيرَ خَلقِهِ مُحَمَّدَاْ *** مَن جَاءَنَا بِالبَيِّناتِ وَالهُدَى
رَسُولُهُ إِلَى جَميعِ الْخَلقِ *** بِالنُّورِ والهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
صَلَّى عَلَيهِ رَبُّنَا وَمَجَّدَاْ *** وَالآلِ وَالصَّحبِ دَوَاماً سَرْمَدَاْ
(من مقدمة سلم الوصول)

وَبَعــدُ



أيُّها الساعي لكُحْل المُقَلِ
غافلا عمَّا به من كَحَلِ

اسْمعْ وعِ لا تَغْفلنْ
وسَببًا لا تُهْمِلَنْ

وأخْلِصْ اتْبَع تَنْجُون
مَع الدَّليل تَجْرِيَن

واثْبُت ودفعًا للثَّمن
ميِّز برفقٍ أَجِبن

وحقِ ذي حقٍ أَعْطِين
وفاضلَ الأَمر اقْصِدن

وخَيْر خَيْرين اتَّبَعن
وشَر شَرَّين ادْفَعَن

وكنْ ذكيًا واتَّزِن
بِكثْرةٍ لا تَعْجبنْ

وبعد هذا البحر فاقْصدْ
وقناةً خَلِيِنْ


أما بعد

يقول الأستاذ سيد قطب
رحمه
الله وطيب ثراه ونوّر ضريحه وأسكنه فسيح جناته
فى ظلال قوله تعالى :



وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ
الله مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

البقرة




الدرس الثالث :(8 – 16)


صفــــــــــات المنـــافقــــين


ثم ننتقل - مع السياق - إلى الصورة الثالثة .
أو إلى النموذج الثالث



إنها ليست في شفافية الصورة الأولى وسماحتها .
وليست في عتامة الصورة الثانية وصفاقتها
.
ولكنها تتلوى في الحس .



وتروغ من البصر ,


وتخفى وتبين . . إنها صورةالمنافقين:





لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة ;
ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجا مكرورا في أجيال البشرية جميعا .
نجد هذا النوع من المنافقين من علية
الناس الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح , أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح .
وهم في الوقت ذاته يتخذون
لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس ,
وعلى تصورهم للأمور ! ومن ثم نميل إلى
مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية , موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل . وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل



إنهم يدعون الإيمان بالله واليوم الآخر .
وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين .
إنما
هم منافقون لا يجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين .




يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُموَمَايَشْعُرُونَ (9)
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُمعَذَابٌأَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)



وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء ;ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم , فهم لا يخادعون المؤمنين , إنما يخادعون الله كذلك أو يحاولون:


(يخادعون الله والذين آمنوا). .


وفي هذا النص وأمثاله نقف أمام حقيقة كبيرة , وأمام تفضل من الله كريم . . تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائما ويقررها , وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين . إنه يجعل صفهم صفه , وأمرهم أمره . وشأنهم شأنه . يضمهم سبحانه إليه , ويأخذهم فيكنفه , ويجعل عدوهم عدوه , وما يوجه إليهم من مكر موجها إليه - سبحانه - وهذا هوالتفضل العلوي الكريم . . التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوىالسامق ; والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق ,والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها , وهو يرى الله - جل شأنه - يجعل قضيته هي قضيته , ومعركته هي معركته , وعدوه هو عدوه , ويأخذه في صفة , ويرفعه إلى جوارهالكريم . . فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير ?!


وهوفي ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم , وإيصال الأذى إليهم . تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبارالقهار . وأنهم إنما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه , وإنما يتصدون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة .


وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين , ولا خداع الخادعين , ولا أذى الشريرين . ويتدبرها أعداءالمؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا من الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدون للمؤمنين . .


ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون الله والذين آمنوا بقولهم:آمنا بالله وباليوم الآخر . ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء . . ولكن يا للسخرية ! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية:


(وما يخدعون إلا أنفسهم, وما يشعرون). .


إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور ! إن الله بخداعهم عليم ;والمؤمنونفي كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم . أما أولئك الأغفال فهميخدعونأنفسهم ويغشونها . يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق ,ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين . وهم في الوقت ذاته يوردونها مواردالتهلكةبالكفر الذي يضمرونه , والنفاق الذي يظهرونه . وينتهون بها إلى شر مصير !


ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة ?
ولماذا يخادعون هذا الخداع
؟



(في قلوبهم مرض).


في طبيعتهم آفة .


في قلوبهم علة .


وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم .ويجعلهميستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه:


(فزادهم الله مرضا). .


فالمرض ينشىء المرض ,
والانحراف يبدأ يسيرا ,
ثم تنفرج الزاوية في كل خطوةوتزداد .
سنة لا تتخلف .
سنة الله في الأشياء والأوضاع , وفي المشاعر والسلوك . فهمصائرونإذن إلى مصير معلوم . المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين:

(
ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون).




(وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُمُصْلِحُونَ(11)أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ(12)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُكَمَاآمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّيَعْلَمُونَ(13)


وصفة أخرى من صفاتهم -
وبخاصة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهدبالهجرةمقام في قومهم ورياسة وسلطان كعبد الله بن أبي بن سلول - صفة العناد وتبريرمايأتون من الفساد , والتبجح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون:



(وإذا قيل لهم:لا تفسدوا في الأرض , قالوا:إنما نحن مصلحون . ألا إنهم همالمفسدون , ولكن لا يشعرون).


إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع , بل يضيفون اليهما السفه والادعاء: (وإذاقيللهم لا تفسدوا في الأرض). . لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد , بلتجاوزوهإلى التبجح والتبرير: (قالوا:إنما نحن مصلحون). .


والذين يفسدون أشنع الفساد ,
ويقولون:إنهم مصلحون , كثيرون جدا في كل زمان .يقولونهالأن الموازين مختلة في أيديهم . ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس
اختلت سائر الموازين والقيم . والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم , لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواءالذاتية , ولا يثوب إلى قاعدة ربانية . .



ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق:


(ألا إنهم هم المفسدون , ولكن لا يشعرون). .


ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس , ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفافيأعين الناس:


(وإذا قيل لهم:آمنوا كما آمن الناس , قالوا:أنؤمن كما آمن السفهاء ? ألا إنهم همالسفهاء , ولكن لا يعلمون). .


وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء . إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة , وأسلمواوجوههم لله , وفتحوا صدورهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين . . هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم . .


وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول صلى الله عليه و سلم ويرونه خاصا بفقراءالناسغير لائق بالعلية ذوي المقام ! ومن ثم قالوا قولتهم هذه: (أنؤمن كما آمن السفهاء ?). . ومن ثم جاءهم الرد الحاسم , والتقرير الجازم:


(ألا إنهم هم السفهاء , ولكن لا يعلمون). .


ومتى علم السفيه أنه سفيه ?
ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم ?!



ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين . . إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع , والسفه والادعاء , إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام:


(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا , وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا:إنا معكم ,إنمانحن مستهزؤون). .


وبعض الناس يحسب اللؤم قوة , والمكر السيىء براعة . وهو في حقيقته ضعف وخسة .فالقوي ليس لئيما ولا خبيثا , ولا خادعا ولا متآمرا ولا غمازا في الخفاء لمازا .وهؤلاءالمنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة


ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين , ليتقوا الأذى , وليتخذوا هذاالستار وسيلة للأذى . . هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم - وهم غالبا - اليهودالذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته , كما أنهؤلاءكانوا يجدون في اليهود سندا وملاذا . . هؤلاء المنافقون كانوا
(
إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا:إنا معكم إنما نحن مستهزئون)-
أي بالمؤمنين - بما نظهره من الإيمان
والتصديق !



وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم , حتى يصب عليهم من التهديد ما يهدالرواسي:


(الله يستهزئ بهم , ويمدهم في طغيانهم يعمهون). .


وما أبأس من يستهزيء به جبار السماوات والأرض وما أشقاه !!
وإن الخيال ليمتد إلى
مشهد مفزع رعيب . وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب .



وهويقرأ:
(
الله يستهزئ بهم , ويمدهم في طغيانهم يعمهون). .
فيدعهم يخبطون على
غيرهدى في طريق لا يعرفون غايته , واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته , كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ , غافلة عن المقبض المكين . . وهذا هو الاستهزاء الرعيب ,لا كاستهزائهم الهزيل الصغير .



وهنا كذلك تبدو تلك الحقيقة التي أشرنا من قبل إليها . حقيقة تولي الله - سبحانه - للمعركة التي يراد بها المؤمنون . وما وراء هذا التولي من طمأنينة كاملة لأولياءالله , ومصير رعيب بشع لأعداء الله الغافلين , المتركين في عماهم يخبطون ,المخدوعينبمدالله لهم في طغيانهم , وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم , والمصيرالرعيبينتظرهم هنالك , وهم غافلون يعمهون !


والكلمةالأخيرة التي تصور حقيقة حالهم , ومدى خسرانهم:


(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى , فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين). .
فلقد كانوا يملكون الهدى لو أرادوا . كان الهدى مبذولا لهم . وكان في أيديهم .ولكنهم (اشتروا الضلالة بالهدى),
كأغفل ما يكون المتجرون:



(فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين). .


انتهى من كلامه رحمه الله