1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    مشرف
    المشاركات: 2,270
    لا يمكن النشر في هذا القسم


    و بعدُ

    يقول الأستاذ سيد قطب
    رحمه الله و طيب ثراه فى الظلال :

    الدرس الثالث:
    كفر اليهود والنصارى في طاعة أحبارهم ورهبانهم بالباطل

    ثم ينتقل السياق القرآني إلى صفحة أخرى من صحائف الانحراف الذي عليه أهل الكتاب
    ; تتمثل في هذه المرة لا في القول والاعتقاد وحدهما ; ولكن كذلك في الواقع القائم على الاعتقاد الفاسد:
    (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه والمسيح ابن مريم . وما أمروا إلاليعبدوا إلهاً واحداً , لا إله إلا هو , سبحانه عما يشركون). .
    وفي هذه الآية استمرار في وجهة السياق في هذا المقطع من السورة . من إزالةالشبهة في أن هؤلاء أهل كتاب . . فهم إذن على دين اللّه . .
    فهي تقرر أنهم لم يعودوا على دين اللّه ,
    بشهادة واقعهم
    - بعد شهادة اعتقادهم –
    وأنهم أمروا بأن يعبدوااللّه وحده , فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه - كما اتخذواالمسيح ابن مريم رباً - وأن هذا منهم شرك باللّه . .
    تعالى اللّه عن شركهم . .
    فهم إذن ليسوا مؤمنين باللّه اعتقاداً وتصورا ; كما أنهم لا يدينون دين الحق واقعاً
    و
    عملاً .

    وقبل أن نقول:
    كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً , نحب أن نعرض الروايات الصحيحةالتي تضمنت تفسير رسول اللّه - [ صلى الله عليه و سلم ] - للآية .

    وهــــــو فصــــــــل الخطــــــــــــــــاب .
    الأحبار:
    جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها , وهو العالم من أهل الكتاب وكثرإطلاقه على علماء اليهود . .
    والرهبان:
    جمع راهب , وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة ; وهو عادة لا يتزوج , ولا يزاول الكسب , ولا يتكلف للمعاش .
    وفي "الدر المنثور" . . روى الترمذي [ وحسنه ] وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه -قال:أتيت النبي - [ صلى الله عليه و سلم ] - وهو يقرأ في سورة براءة:
    (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه)
    فقال:
    " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلوالهم شيئاً استحلوه . وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه " .
    وفي تفسير ابن كثير:
    وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - [صلى الله عليه و سلم ] - فر إلى الشام ,وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه . ثم منّ رسول اللّه - [صلى الله عليه و سلم ] -على أخته وأعطاها , فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام , وفي القدوم على رسول اللّه - [صلى الله عليه و سلم ] - فقدم عدي المدينة - وكان رئيساً في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم - فتحدث الناس بقدومه , فدخل على رسول اللّه - [صلى الله عليه و سلم ] - وفي عنق عدي صليب منفضة , وهو يقرأ هذه الآية:
    (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه)

    قال:
    فقلت:
    إنهم لم يعبدوهم .
    فقال
    :" بلى !
    إنهم حرموا عليهم الحلال , وأحلوالهم الحرام , فاتبعوهم:فذلك عبادتهم إياهم . . . "

    وقال الســــــــــــــــدي:
    استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى:(وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً)
    أي
    الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام ,
    وما حلله فهو الحلال ,
    وما شرعه اتبع ,
    وما حكم به نفذ .
    وقال الألوسي في التفسير:
    "الأكثرون من المفسرين قالوا:
    ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهةالعالم .
    بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم
    " . .

    ومن النص القرآني الواضح الدلالة ; ومن تفسير رسول اللّه - [صلى الله عليه و سلم ] - وهو فصل الخطاب , ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين , تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار .

    أن العبـــــــــادة
    هــــــي
    الاتباع في الشرائع

    بنص القرآن وتفسير رسول اللّه - [صلى الله عليه و سلم ] -فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أوتقديم الشعائر التعبدية إليهم . . ومع هذا فقد حكم اللّه - سبحانه - عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية في السياق –
    لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها . .
    فهذا وحده - دون الاعتقاد والشرائع - يكفي لاعتبار من يفعله
    مشركا
    بالله , الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين .

    أن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله ,
    بـــــــــيـــــــــن
    اليهودالذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه ,
    وبــــــــيـــــــــن
    النصارى الذين قالوابألوهية المسيح اعتقادا وقدموا إليه الشعائر في العبادة فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركا بالله , الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين . .
    أن الشرك باللّه يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير اللّه من عباده ; ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته ;
    ولا تقديم الشعائر التعبدية له . . كما هو واضح من الفقرة السابقة . . ولكنا إنما نزيدها هنا بيانا
    وهذه الحقائق - وإن كان المقصود الأول بها في السياق هو مواجهة الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يوم ذاك من التردد والتهيب للمعركة مع الروم , وجلاء شبهةأنهم مؤمنون باللّه لأنهم أهل كتاب - هي كذلك حقائق مطلقة تفيدنا في تقرير "حقيقة الدين" عامة . .

    إن دين الحق الذي لا يقبل اللّه من الناس كلهم ديناً غيره هو "الإسلام" . .والإسلام لا يقوم إلا باتباع اللّه وحده في الشريعة - بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده
    فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة اللّه صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون باللّه
    مهما كانت دعواهم في الإيمان - لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون اللّه ,بغير إنكار منهم يثبت منه أنهم لا يتبعون إلا عن إكراه واقع بهم , لا طاقة لهم بدفعه , وأنهم لا يقرون هذا الافتئات على اللّه . .


    إن مصطلح
    "الـــدين"
    قد انحسر في نفوس الناس اليوم , حتى باتوا يحسبونه عقيدة في الضمير , وشعائر تعبدية تقام ! وهذا ما كان عليه اليهود الذين يقرر هذا النص المحكم - ويقرر تفسير رسول اللّه [صلى الله عليه و سلم ]أنهم لم يكونوا يؤمنون باللّه ,وأنهم أشركوا به , وأنهم خالفوا عن أمره بألا يعبدوا إلا إلهاً واحداً , وأنهم اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون اللّه .

    إن المعنى الأول للدين هو الدينونة
    - أي الخضوع والاستسلام والاتباع -
    وهذا يتجلي في اتباع الشرائع كما يتجلي في تقديم الشعائر .
    والأمر جد لا يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير اللّه - دون إنكار منهم يثبتون به عدم الرضا عن الافتئات على سلطان اللّه - مؤمنين باللّه , مسلمين , لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية اللّه سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر . . وهذا التميع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ ; وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه ; الذين يحرصون على تثبيت لافتة "الإسلام"

    على أوضاع ,
    وعلى أشخاص ,
    يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق , وأنهم يتخذون أربابا من دون الله . .
    وإذاكان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافته الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاءالأشخاص ;
    فواجب حماة هذا الدين أن ينزعوا هذه اللافتات الخادعة ; وأن يكشفوا ماتحتها من
    شــــــــــــرك
    و
    كفـــــــــــــــر
    واتخاذ أرباب من دون اللّه . .
    (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاًواحداًلا إله إلا هو سبحانه عما يشركون). . .أ.هـ
    انتهى من كلامه رحمه الله و طيب ثراه




  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    عضو جديد
    المشاركات: 18
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    لله دره من قول متزن ينم عن فهم صحيح و تجرد للحق واضح
    فرحمة الله عليك يا سيد وأكرمك مثواك فوالله ما وفق من كنا نظن بهم أنهم رؤوس الجبال وفحول الرجال على هدا الفهم السليم الخالي من التكلف والتعنت والتقعر و لوثة الكلام
    ولكنه الله عز وجل يمن على من يشاء بفضله ويصرف الحق عمن يشاء بعدله
    والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    مشرف
    المشاركات: 2,270
    لا يمكن النشر في هذا القسم
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع