يقول الأستاذ سيد قطب
رحمه الله و طيب ثراه فى الظلال :
الدرس الثالث:
كفر اليهود والنصارى في طاعة أحبارهم ورهبانهم بالباطل
ثم ينتقل السياق القرآني إلى صفحة أخرى من صحائف الانحراف الذي عليه أهل الكتاب
; تتمثل في هذه المرة لا في القول والاعتقاد وحدهما ; ولكن كذلك في الواقع القائم على الاعتقاد الفاسد:
(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه والمسيح ابن مريم . وما أمروا إلاليعبدوا إلهاً واحداً , لا إله إلا هو , سبحانه عما يشركون). .
وفي هذه الآية استمرار في وجهة السياق في هذا المقطع من السورة . من إزالةالشبهة في أن هؤلاء أهل كتاب . . فهم إذن على دين اللّه . .
فهي تقرر أنهم لم يعودوا على دين اللّه ,
بشهادة واقعهم
- بعد شهادة اعتقادهم –
وأنهم أمروا بأن يعبدوااللّه وحده , فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه - كما اتخذواالمسيح ابن مريم رباً - وأن هذا منهم شرك باللّه . .
تعالى اللّه عن شركهم . .
فهم إذن ليسوا مؤمنين باللّه اعتقاداً وتصورا ; كما أنهم لا يدينون دين الحق واقعاً
و
عملاً .
وقبل أن نقول:
كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً , نحب أن نعرض الروايات الصحيحةالتي تضمنت تفسير رسول اللّه - [ صلى الله عليه و سلم ] - للآية .
وهــــــو فصــــــــل الخطــــــــــــــــاب .
الأحبار:
جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها , وهو العالم من أهل الكتاب وكثرإطلاقه على علماء اليهود . .
والرهبان:
جمع راهب , وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة ; وهو عادة لا يتزوج , ولا يزاول الكسب , ولا يتكلف للمعاش .
وفي "الدر المنثور" . . روى الترمذي [ وحسنه ] وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه -قال:أتيت النبي - [ ص ] - وهو يقرأ في سورة براءة:
(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه)
فقال:
" أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلوالهم شيئاً استحلوه . وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه " .
وفي تفسير ابن كثير:
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - [ ص ] - فر إلى الشام ,وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه . ثم منّ رسول اللّه - [ ص ] -على أخته وأعطاها , فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام , وفي القدوم على رسول اللّه - [ ص ] - فقدم عدي المدينة - وكان رئيساً في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم - فتحدث الناس بقدومه , فدخل على رسول اللّه - [ ص ] - وفي عنق عدي صليب منفضة , وهو يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه)
قال:فقلت:إنهم لم يعبدوهم . فقال:" بلى ! إنهم حرموا عليهم الحلال , وأحلوالهم الحرام , فاتبعوهم:فذلك عبادتهم إياهم . . . " .
وقال الســــــــــــــــدي:
استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى:(وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً)
أي
الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام ,
وما حلله فهو الحلال ,
وما شرعه اتبع ,
وما حكم به نفذ .
وقال الألوسي في التفسير:
"الأكثرون من المفسرين قالوا:
ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهةالعالم .
بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم" . .
ومن النص القرآني الواضح الدلالة ; ومن تفسير رسول اللّه - [ ص ] - وهو فصل الخطاب , ثم من مفهومات المفسرين الأوائل والمتأخرين , تخلص لنا حقائق في العقيدة والدين ذات أهمية بالغة نشير إليها هنا بغاية الاختصار .
أن العبــــــــــادة
هــــــي
الاتباع في الشرائع
بنص القرآن وتفسير رسول اللّه - [ ص ] -فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أوتقديم الشعائر التعبدية إليهم . . ومع هذا فقد حكم اللّه - سبحانه - عليهم بالشرك في هذه الآية - وبالكفر في آية تالية في السياق –
لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها . .
فهذا وحده - دون الاعتقاد والشرائع - يكفي لاعتبار من يفعله
مشركا
بالله , الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين .
أن النص القرآني يسوي في الوصف بالشرك واتخاذ الأرباب من دون الله ,
بـــــــــيـــــــــن
اليهودالذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوه واتبعوه ,
وبــــــــيـــــــــن
النصارى الذين قالوابألوهية المسيح اعتقادا وقدموا إليه الشعائر في العبادة فهذه كتلك سواء في اعتبار فاعلها مشركا بالله , الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين . .
أن الشرك باللّه يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير اللّه من عباده ; ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته ;
ولا تقديم الشعائر التعبدية له . . كما هو واضح من الفقرة السابقة . . ولكنا إنما نزيدها هنا بيانا
وهذه الحقائق - وإن كان المقصود الأول بها في السياق هو مواجهة الملابسات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يوم ذاك من التردد والتهيب للمعركة مع الروم , وجلاء شبهةأنهم مؤمنون باللّه لأنهم أهل كتاب - هي كذلك حقائق مطلقة تفيدنا في تقرير "حقيقة الدين" عامة . .
إن دين الحق الذي لا يقبل اللّه من الناس كلهم ديناً غيره هو "الإسلام" . .والإسلام لا يقوم إلا باتباع اللّه وحده في الشريعة - بعد الاعتقاد بألوهيته وحده وتقديم الشعائر التعبدية له وحده
– فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة اللّه صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون باللّه –
مهما كانت دعواهم في الإيمان - لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون اللّه ,بغير إنكار منهم يثبت منه أنهم لا يتبعون إلا عن إكراه واقع بهم , لا طاقة لهم بدفعه , وأنهم لا يقرون هذا الافتئات على اللّه . .
إن مصطلح
"الـــدين"
قد انحسر في نفوس الناس اليوم , حتى باتوا يحسبونه عقيدة في الضمير , وشعائر تعبدية تقام ! وهذا ما كان عليه اليهود الذين يقرر هذا النص المحكم - ويقرر تفسير رسول اللّه [ ص ]أنهملم يكونوا يؤمنون باللّه ,وأنهم أشركوا به , وأنهم خالفوا عن أمره بألا يعبدوا إلا إلهاً واحداً , وأنهم اتخذوا أحبارهم أرباباً من دون اللّه .
إن المعنى الأول للدين هو الدينونة - أي الخضوع والاستسلام والاتباع - وهذايتجلي في اتباع الشرائع كما يتجلي في تقديم الشعائر . والأمر جد لا يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير اللّه - دون إنكار منهم يثبتون به عدم الرضا عن الافتئات على سلطان اللّه - مؤمنين باللّه , مسلمين , لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية اللّه سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر . . وهذا التميع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ ; وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه ; الذين يحرصون على تثبيت لافتة "الإسلام"
على أوضاع ,
وعلى أشخاص ,
يقرر الله سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق , وأنهم يتخذون أربابا من دون الله . .
وإذاكان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافته الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاءالأشخاص ;
فواجب حماة هذا الدين أن ينزعوا هذه اللافتات الخادعة ; وأن يكشفوا ماتحتها من
شـــــــــــــرك
و
كفــــــــــــــــر
واتخاذ أرباب من دون اللّه . .
(وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاًواحداًلا إله إلا هو سبحانه عما يشركون). . .أ.هـ
انتهى من كلامه رحمه الله و طيب ثراه
المصدر: منتديات التوحيد الخالص;tv hgdi,] ,hgkwhvn td 'hum Hpfhvil ,vifhkil fhgfh'g " sd] r'f hgdi,]







1الاعجاب
LinkBack URL
About LinkBacks






رد مع اقتباس


مواقع النشر (المفضلة)