خامساً : العدل
أ – العدل مع العدو و الصديق
و العدل لفظ عام يعني التوسط الذي هو سمة المسلمين ، و سمة أهل السنة و الجماعة في الأمور كلها دون استثناء ، و هو إعطاء كل ذي حق حقه ، و مجالات العدل و صوره كثيرة جدا ليس من الميسور حصرها ، لكن هذه بعض النماذج المهمة منها :
فالكثير من الناس إذا ذكر له صديقه أثنى عليه و لو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء ، و إذا ذكر له خصمه ذمّه و لو كان يعلم أنه خلاف ما يقول .
فهل يستطيع الداعية أن يذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليه ممن يكون مثله في المنهج و الطريقة ؟! أو يكون شريكا له في عمل ما ؟!
و هل يستطيع أن يثني بصدق على إنسان يختلف معه في بعض الأمور ؟
إن كان يستطيع ذلك فقد حقق العدل في هذا الجانب ، و لكن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم ، و يجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم .. و هذا و إن كان مظهره مظهر المحبة و الثناء إلا أن حقيقته الجور و الذم ، فمن أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمّك ، لأن الناس يتطلبون هذه الخصلة فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها ، و الله تعالى قد أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء فقال : " و لا يجرِمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى " [ المائدة : 8 ] .
و من المحزن أننا و إن سلّمنا بذلك نظرياً ، إلا أننا من الناحية العملية سرعان ما ننسى هذا الدرس ، فحين نقف على ما نعده نحن خطأ من فلان نسقطه من الحساب ، و لا نعبأ به ، و لا نلتفت إليه ، و كثيرا ما تنسينا محاسن الشخص الكثيرة عيوبه القليلة ، أو تنسينا عيوبه الكثيرة محاسنه القليلة .
د – العدل في النظر إلى الجهود و الأعمال الدعوية :
هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة ، فهي عمل جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين ، أو طوائف منهم ، و هي جهد بشري يخطئ و يصيب ، و ليس له من العصمة نصيب ، و لذلك فإن من المصلحة الظاهرة أن " تقوّم " هذه الأعمال تقويماً صحيحاً معتدلاً ، يحقق الانتفاع بالإيجابيات و توسيعها و تعميقها ، و تلافي السلبيات و الخلاص منها ، لئلا تتكرر الأخطاء نفسها و يعود المسلمون من حيث بدؤوا .
و لكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين :
طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه ، فيرمي بسهام الاتهام و الشك كل من يوجه نقداً أو ملاحظة .
و طرف لا يبصر إلا العيوب ، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئاً يمكن الانتفاع به !
إن هناك فئة من الدعاة قد تنظر بعين واحدة ، إما بعين الرضا فتنسى العيوب و الأخطاء التي تعرف لتعالج و تقوم ،و إما بعين السخط التي لا ترى إلا المساوئ :
و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة *** و لكن عين السخط تبدي المساويا
إذا كان المحبّ قليل حظٍّ *** فما حسناته إلا عيوبا !
و يجب أن يتطلع الدعاة إلى الأحكام العادلة التي تمسك الميزان من وسطه و تنظر نظرة معتدلة متوازنة تحرص ألا تتأثر بالعواطف سلباً أو إيجاباً :
" و لا يَجرمنك شنآن قـــــوم على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى " [ المائدة : 8 ] .
و – العدل في النظرة الشمولية للإسلام :
فالدين جاء ليحكم شئون الحياة كلها ، على مستوى الفرد و الجماعة ، و في الجوانب الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و العلمية و سواها ، و قد عاب الله تعالى على بني إسرائيل و وبخهم بقوله :
" فنسوا حظا مما ذكروا به ، فأغرينا بينهـــم العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة " [ المائدة : 14 ] .
ومن اسباب الفتنة والاختلاف في الدين
تجد فئة عنيت بالإسلام العلمي ، فهي تتعلم السنة و الحديث ، و تشتغل ببيان صحيحها من سقيمها ، و تحذر الناس من رواية الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، و قد يصحب ذلك شيء من الجفاء أو ضعف التعبد أو الغفلة عن واقع الأمة و ما يدبر لها .
و قبل أن يسبق إلى ذهن أحد معنى يكرهه أبادر و أقول :
أولاً : الإسلام يشمل الجوانب الثلاثة كلها ، و غيرها ، فهو دين جاء ليربط العبد بربه تعبدا و رجاء و خوفا ، و من ثم جاءت الشعائر التعبدية ، و هو دين جاء ليحكم حياة الناس و يدير شئونهم ، فليس كهنوتا و لا رهبانية ، و لا عزلة عن واقع الحياة ، و السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام ، فالجهاد في هذا الميدان بكل وسيلة مباحة مؤدية للغرض المقصود يجب أن يكون جزءا من هم الداعية .
و هو دين جاء ليضبط التعبد ، و يضبط الحركة في واقع الحياة ، بضابط الكتاب و السنة فلا يكون هناك مجال للعواطف المجردة ، و لا للأمزجة الشخصية ، فلا بد من العلم بالكتاب و السنة حتى نصحح عباداتنا و أعمالنا .
إذن : كل هذه المجالات مما جاء الدين بالدعوة إليه ، و الحث عليه .
ثانياً : قد يعجز فرد أو أفراد أن يحيطوا بهذه الأمور كلها في دعوتهم إلى الله، فالطاقة محدودة إذا صرفت لشيء فربما بخست شيئاً أخر ، أو أضرّت به ، فضلاً عن أن ما رُكّب عليه الناس من الطبائع و النظرات و نوعية الاهتمامات قد يجعل الإنسان بطبعه أميل إلى أحد هذه الأمور . فمثلاً قد يكون في الإنسان زهد و نسك و خير كثير ، لكنه لم يرزق آلة العلم الشرعي ، فليس من أهله .
و هنا نقول : قد علم كل أناس مشربهم ، و كل ميسر لما خلق ، و قد كان من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، الفارس المقاتل الشجاع كخالد بن الوليد ، إلى جوار العالم المتهجد الفقيه كابن عباس و ابن مسعود ، إلى جوار المتعبد المتزهد الذي يصيح بالناس قولا و فعلا : لا تركنوا إلى الدنيا ، كأبي ذر رضي الله عنه .
و من مجموع هذه الشخصيات و غيرها يتكون البناء الإسلامي المتكامل .
و قد يوجد فيه من يكونون مجمعا للفضائل – و هو قليل – و على نطاق الصحابة رضي الله عنهم تجد أمثال أبي بكر و عمر و عثمان و علي و غيرهم و هم من الصحابة أكثر منهم فيمن جاء بعدهم .
ثالثاً : يجب أن يكمل بعضنا بعضاً ، و ألا يكون تنوع الاهتمامات مدعاة للتطاحن و التناقض و التنابز و اتهام كل طرف للآخر .
فهذا يتهم ذاك بالجهل ، و ذاك يتهم هذا بالإغراق في بحث الجزئيات و الغفلة عن واقع الحال ، و الثالث يتهم الآخرين بالجفاء و الجفاف ، و الركون إلى الدنيا و هكذا .. كلا ..
بل يقول كل مؤمن لأخيه ، إنه قام بما قصر فيه هو من فروض الكفايات و سد عنه ثغرة ما كان يستطيع سدها ، و يدعو له بظهر الغيب ، و يحمي ظهره من طعن الطاعنين .
فلا " نتحزّب " على جزء من الدين ، و نحارب من يتهم بجزء آخر ، بل إن قصرنا في أمر شكرنا من يقوم به عنا ، و شتان بين الأمرين .
ح _ العدل في التعامل مع الخلاف :
الخلاف من طبيعة البشر " و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " [ هود : 118 – 119 ] .
و لا شك أنه يختلف و يتفاوت باختلاف النيات و المقاصد ، و اختلاف العقول و المدارك ، و اختلاف العلوم ، و التعامل مع الخلاف يتطلب موقفاً شرعيَّاً . بعض الدعاة يدعو إلى وحدة الصف و جمع الكلمة و نسيان الخلاف دون تحديد ضابط دقيق لمن يمكن الوحدة معه ، و من تجب مفاصلته لبدعته و ضلاله و انحرافه .
و في الطرف الآخر هناك من يبالغ في الشروط ، حتى ليريد من الناس أن يوافقوه في كل شيء ، حتى في اجتهاداته الشخصية الفردية ، و آرائه الخاصة ، فإذا خالفه أحد في بعض ذلك أعرض عنه ، و اتخذ منه موقف المناوئ ، و أصبح لا يأبه به و لا يقيم له وزناً !
و العدل يقتضي تقبل الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه كالوسائل الدعوية ، و الفرعيات ، و الأحكام التي اختلف فيها السابقون .. و نحو ذلك مما بني على اجتهاد شرعي في فهم النصوص ، لا على مجرد الميل و التشهي .. فمثل هذا يحتمل ، و يكون الأمر فيه واسعاً .
أما التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة ، و الانحرافات الجوهرية بحجة توحيد الصف فمسلك تلفيقي لا يمتّ إلى العقل و لا إلى الشرع بصلة .
و أما مطالبة الناس بالاتفاق على كل شيء ، و ألا يختلفوا في شيء البتة فضرب من المحال و الخيال ، لا يتصوّر إلا في عقول السذّج .
إن المؤمن ينبغي أن يكون شديداً على الكفار رحيماً بالمؤمنين و يحقق في نفسه قوله صلى الله عليه و سلم ، " مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى " .
و قوله " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " .
فنحن بحاجة إلى من يحس بآلام إخوانه المسلمين ، فإذا سمع بمصيبة حلت بإخوانه تألم لها و لو كان لديهم بعض التقصير و الابتداع .
تقتضي القدوة ألا يقابل الداعية السيئة بالسيئة بل يعفو و يصفح و يقابل الإساءة بالإحسان كما كان صلى الله عليه و سلم ، يعفو عمن ظلمه ، و يعطي من حرمه ، و يصل من قطعه ، و هذه أخلاق الأنبياء .
جعلنا الله و إياكم هداة مهتدين ، غير ضالين و لا مضلين ، و عاملنا بفضله و رحمته ، فهو أهل التقوى و أهل المغفرة .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
منقول
مواقع النشر (المفضلة)