بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين و الآخرين وقيوم السماوات والأرضيين الذي لا عز ولا غنى إلا في الافتقار إليه .أشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فصلوات الله عليه وعلى أله وصحابته الكرام الطيبين الطاهرين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً ."


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ"

"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُفَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً" .

أما بعد :
(
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).

وبعد...



أيُّها الساعي لكُحْل المُقَلِ

***

غافلاً عمَّا به من كَحَلِ


اسْمعْ وعِ لا تَغْفلنْ

***

وسَببًا لا تُهْمِلَنْ


وأخْلِصْ اتْبَع تَنْجُون

***

مَع الدَّليل تَجْرِيَنْ


واثْبُت ودفعًا للثَّمن

***

ميِّز برفقٍ أَجِبنْ


وحقِ ذي حقٍ أَعْطِين

***

وفاضلَ الأَمر اقْصِدنْ


وخَيْر خَيْرين اتَّبَعن

***

وشَر شَرَّين ادْفَعَنْ


وكنْ ذكيًا واتَّزِن

***

بِكثْرةٍ لا تَعْجبنْ


وبعد هذا البحر فاقْصدْ

***

وقناةً خَلِيِنْ

أما بعد

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ
مقتبس من كتاب



لفضيلة الشيخ / عبدالرحمن شاكرنعم الله

فصــــــــــــــــــلٌ
أن الله تحدى المشركين أن يأتوا بالحجة هم على صحة ما يقترفوه من شرك.



لما كان الشرك من صناعة المشركين


ولما كان الكفر من صناعة الكافرين

فقــــــــــــــد


تحدى الله عز وجل كل من صنع شركاً أو
كفراً أن يأتى بالحجة والدليل والبرهان
على صحة ما اقترفه أو ما اعتقده من ذلك
الأمر الذي خالف به التوحيد الأصل الأزلي
الثابت الذي قامت به السماوات والأرض
ومن أجله خلق الأنس والجن .

هذا وقد تضافرت الأدلة في القرآن الكريم صريحة قوية عالية الصوت تدعوهم إلى هذا التحدي
إن كانوا صادقين ولكن هيهات .


يقول تعالى فى

سورة الأنبياء :

﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24))

وقال تعالى فى

سورة الأحقاف :

قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4)


وقال تعالى

فى سورة القلم :

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)
وقال تعالى

فى سورة الرعد :

أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا

عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)

فصـــــــــل

حذر المولى عز وجل من هذا المنزلق الخطير المحبط المضيع للدنيا والآخرة

.

فيقول تعالى :

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)

يقول القرطبي في تفسير الآية الكريمة :

( ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به ) أي

لا حجة له عليه

( فإنما حسابه عند ربه )

أي

هو يعاقبه ويحاسبه .(إنه) الهاء ضمير الأمر والشأن . ( لا يفلح الكافرون ) وقراء الحسن وقتادة " لا يفلح" – بالفتح- من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي ) أ.هـ

ويقول ابن كثير رحمه الله :

(يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواه أن من أشرك بالله لا برهان له أي لا دليل له على قوله تعالى : (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ) وهذه الجملة معترضة وجواب الشرط في قوله ( فإنما حسابه عند ربه). أي الله يحاسبه على ذلك ثم أخبر ( إنه لا يفلح الكافرون ) أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة قال قتادة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ما تعبد ؟ قال : أعبد الله وكذا وكذا حتى عد أصناماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك ؟ قال : الله عز وجل . قال فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته اعطاكها ؟ قال : الله عز وجل . قال : فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه أم حسبت أن تغلب عليه . قال : أردت شكره بعبادة هؤلاء معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تعلمون ولا يعلمون ) فقال الرجل بعد ما أسلم لقيت رجلاً خصمنى . هذا مرسل من هذا الوجه وقد روى أبو عيسى الترمذى في جامعه مسنداً عن عمران ابن الحصين عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك ) أ.هـ

فكان هذا التحدي للمشركين وإخوانهم الكافرين صناع الكفر والضلال لمخالفتهم الأصل الذي تضافرت أدلة الفطرة مع الآيات الكونية ورسل الله وكتبه المقدسة في هداية البشرية إليه فأبى أكثر الناس إلا كفوراً .


يقول شارح العقيدة الطحاوية :

( فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك ؟ بل لم عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى مالا يعلم له حقيقة تقليداً لمن لا حجة معه ) أ.هـ
)

غير أنه يلاحظ أن ذلك الأمر الذي وضحت دلائله فكانت الحجة فيه على جميع الخلق مقامة من هذه الوجوه المتعددة لهو متعلق بأصل دين الله وهو إفراده سبحانه بالوحدانية يشمل هذا الربوبية كما يشمل الإلهية .

وهو الأمر الذي ألتزمه الفتية المؤمنة والذي أورد القرآن الكريم خبرهم في سورة الكهف لما قال تعالى عنهم أنهم قالوا :

﴿هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيَن , فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا

قال ابن كثير:

(هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين " أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ) بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك ) أ .هـ

قال القرطبي

هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة )

قال بعضهم لبعض

هؤلاء قومنا أي أهل عصرنا وبلدنا عبدوا الأصنام تقليداً من غير حجة .

(لولا )

أي

هلاَ

(يأتون عليهم بسلطان بيّن )

أي

بحجة

على عبادتهم الصنم . وقيل (عليهم) راجعة إلى الآلهة

أي هلا أقاموا بينة على الأصنام في كونها آلهة بقولهم (لولا) تحضيض بمعنى التعجيز وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن يلتفت إلى دعواهم ) أ.هـ

وهذا المعنى الذي أردنا أن نشير إليه ورد في الكثير من المواضيع في القرآن الكريم ومن أراد المزيد فعليه بالذكر الحكيم

.
فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ووضعوا كلمات الله في غير موضعها وحادوا عن فهم العلماء لها وطالبوا من يأمربالتوحيد أن يقيم هو الحجة وعذروا المشرك بفعله الشرك زعماً منهم عدم قيام الحجة عليه

والأيات فى ذلك كثيرة جداً

والحمد لله

ومنها

1-

يقول المولى عزوجل :

" قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) الأنعام.

قال ابن كثير رحمه الله:

( عن ابن مسعود رضي الله عنه قال من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات " " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

وقال الحاكم في مستدركه..

قال سمعت ابن عباس يقول : في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " الآيات ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ) أ.هـ

2-

ويقول تعالى :

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)الأعراف

قال ابن كثير:

( " وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً " له شركاء في عبادته " وأن تقولوا على الله مالا تعلمون " من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولد ونحو ذلك مما لا علم لكم به. ) أ.هـ

3-

ويقول تعالى:

" فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)" الكهف

قال ابن كثير رحمه الله:

( " فليعمل عملاً صالحاً "

أي ما كان موافقاً لشرع الله

" ولا يشرك بعبادة ربه أحداً "

وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له وهذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون خالصاً لله صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ) أ.هـ

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ :

( قال ابن القيم رحمه الله في هذه الآية :

أي كما أن الله واحد لا إله سواه فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له, فكما يفرد بالألوهية يجب أن يفرد بالعبودية,

فالعمل الصالح:

هو

الخالص من الرياء

المقيد بالسنة.

وفي الآية دليل على أصل الدين الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم والمرسلين قبله هو إفراده تعالى بأنواع العبادة, كما قال تعالى :

" وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " .

والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام :

* إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وألوهيته ويدعو الناس إلى عبادته.

* أو طاغوت يدعو الناس إلى عبادة الأوثان.

* أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها.

* أو شاك في التوحيد: أهو حق أم يجوز أن يجعل لله شريك في العبادة ؟.

* أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجهلهم وتقليدهم من قبلهم لما اشتدت غربة الدين ونسي العلم بدين المرسلين . ) أ.هـ ( راجع فتح المجيد شرح كتاب التوحيد صـ 378.)