1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    مشرف
    المشاركات: 2,270
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    أصحاب نظرية الإسلام الحكمي
    أما بعد
    فهذا الموضع مقتبس بالنص
    من كتاب
    كتاب الدار والديار


    لفضيلة الشيخ عبدالرحمن شاكر نعم الله
    (حلمى هاشم)
    أما العنونة باللون الأحمر(إدراج العناويين) فمن عندى
    لتسهيل الموضوع وجذب القارئ الكريم وإن كان من خطأ فى العنونة فمنى ومن الشيطان وأما صلب الموضوع (المتن ) فللشيخ حفظه الله .
    أصحاب نظرية الإسلام الحكمي
    فصل
    كيف أسس أصحاب نظرية الإسلام الحكم بدعتهم
    أصحاب نظرية الإسلام الحكمي أسسوا نظريتهم – في عهودهم الأولى – على بدايات صحيحة قوية، تعتمد في الأساس على ثلاثة مبادئ هامة راسخة وهي:
    أ-
    أن أحكام الديار ترتبط أساساً بمبدأ (علو السلطان) قولاً واحداً.
    ب-
    أن أحكام الدار – بالإسلام أو الكفر – أصل يُرد إليه عند التنازع.
    جـ-
    أن هذه الديار التي نعيش فيها الآن تطبيقاً لذلك هي دار كفر صريح.
    وقد أخذوا هذه المبادئ تحديداً من كتابات الأستاذ الكبير (سيد قطب) رحمه الله والمدونة بوضوح وصراحة في كتابه القيم معالم على الطريق ثم سائر كتاباته الأخرى.
    ثم ارتبط ذلك لديهم – وبقوة – بترتيب أحكام محددة بالتكفير في حق قطاعات عريضة لطوائف المجتمع حكاماً ومحكومين في هذه المجتمعات الحديثة المعاصرة التي اعتبرت في النظر الظاهر خارجة عن الإسلام.
    ثم حدث أن وقعت حادثة بشعة عام 1977 م تسمى أحداث (التكفير والهجرة)و هي جماعة تعتقد مبدأ التكفير بالذنب والمعصية للمسلم إلى جانب تناقضات أخرى كثيرة. وقد كان زعيم هذه الجماعة يسمى (شكري مصطفى).
    وقد اهتز لها المجتمع بشدة واضطربت نظرة المجتمع وتوجّس من كل من يحمل فكراً يقضي بتكفير الآخرين أياً كان مستند ذلك بحق أو بغير حق.
    ثم ظهر مصطلح (التكفير) وجماعات التكفير ليدمغ كل من تكلم بعقيدة التوحيد، ويحذر من كل ما يناقضها ويتشدد في إنكار أفعال الشرك وأقواله ومعتقداته المنتشرة في ربوع المجتمع وعلى النحو الشعبي.
    بل أصبح مصطلح (التكفير) يوجه إلى كل من يعتنق مبدأ (عدم العذر بالجهل في التوحيد) للتحذير منه، والتنفير عنه، مما كان له أبلغ الأثر على أصحاب نظرية الإسلام الحكمي في بدايتهم، حيث سبب هذا النقض الاجتماعي الجاهلي لأصحاب العقائد، ولكل باحث عن معالم العقيدة الصحيحة ليتعلمها ويلتزمها، ولكل باحث عن معنى الكفر بالطاغوت أو البرآءة من الشرك والمشركين، وأطلق على كل إنسان بدأ يتحدث عن التوحيد والشرك والبرآءة من المشركين، وصف الشذوذ الفكري والانحراف، ويُتهم بالابتداع في الدين مروراً بنسبته إلى الضلال، وأخيراً يدمغه بمبدأ التكفير للتنفير عنه والتحذير منه.
    سبب جميع ذلك فزعاً شديداً في تلك الفترة الزمنية المضطربة الحساسة، مما كان له شديد الأثر على أصحاب نظرية الإسلام الحكمي في حينه، لمحاولة الخروج من مأزق المواجهة مع المجتمع من ناحية، ومع الأمن من ناحية أخرى، ثم المواجهة مع الجماعات المنسوبة إلى الإسلام والرافضة لهذه المبادئ وبقوة من ناحية ثالثة، وقد كان الحرص الشديد من جانب أصحاب نظرية الإسلام الحكمي في ذلك الوقت من أن تنال سمعتهم الاجتماعية ما يسيء إليها أو يشوهها بالغ الأثر في الهروب من أن يلصق وصف (التكفير) أو جماعة التكفير في حقهم.
    لذا بدأ ظهور ترتيب جديد للأفكار لديهم فيما يتعلق بموضوع أحكام الديار وما يرتبط به من قضايا.
    وقد كان بداية التغيير في صياغة توصيف جديد للمجتمع وأحكام الديار، يتم فيه التراجع عن وصف المجتمع بأنه (دار كفر) إلى القول بأنه: (الأصل فيه الإسلام والكفر طارئ)( وذلك تاريخياً باعتبار ما كان عليه من سالف الزمان، والمفروض أن هذا وصف مجازي باعتبار ما كان ولا يترتب عليه أحكام الحقيقة. ولكن لمن علم. وإلا فمن يعترض على من؟!).
    وبالتالي فقد غلب عليهم هذا المصطلح الجديد، وكثر تداوله وترديده، بل حتى وتدوينه في بعض كتابات من تبنى هذا التوصيف الجديد المحدث (كتاب ضوابط التكفير. عبد الله القرني. بإشراف د. سفر الحوالي صــ 75)
    وبالتالي غلب على أصحاب هذه النظرية هذا المعنى من كثرة الترديد دون التحقيق أو التحقق، ولكن الآفة الزمنية المشهورة في الانبهار بكل ما هو جديد دون القدرة على التقييم إضافة إلى الثقة المفرطة بالكبار دون جديَّة التحقق من الدليل.
    ومنذ ذلك الحين بدأ التراجع الملحوظ لتلك الطائفة عن كثير من المعالم العقائدية المرتبطة بأحكام الديار بالأساس وما يستتبعه من قضية الحكم على الناس، وقد ظهرت آثارها واضحة في كتابات كبار كُتَّاب القوم (راجع إن شئت كتاب واقعنا المعاصر. أ.محمد قطب. وما أورده بشأن قضية الحكم على الناس.) . وبالتالي غلب عليهم معنى أن الدار دار إسلام (في الأصل) وأن تبديل شرع الله والحكم بغير ما أنزل الله أمراً عارضاً طارئاً منذ عصور محمد علي والحملة الفرنسية على مصر – وهو تاريخ مصر الحديثة – وأنه سرعان ما يزول بالعودة إلى شرع الله إذا فاءت الأمة. فنحن في انتظار فيء الأمة.
    فانتهت هذه الطائفة إلى اعتبار أن الدار (دار إسلام) من خلال هذه الصياغة الجديدة التي حرص أهل هذه الطائفة على استخدامها في حديثهم ودعوتهم دوماً، وقد اتسمت هذه الدعوة بنوع من الذكاء – غير الحميد- وذلك لأن هذه الصيغة (الأصل الإسلام في هذه الديار والكفر طارئ) من الصيغ التي قد يشكل على الإنسان العادي والبسيط الوقوف على دلالتها بوضوح، فقد ورد فيها لفظي الإسلام والكفر وكلاهما قد نسبت الديار إليه فهل تفيد بذاتها إلى اعتبار الدار إسلام أم دار كفر؟ ترك ذلك لما يطمئن إليه كل إنسان وما يهديه إليه تفكيره.
    فصل
    أثر هذه البدعة المحدثة على الباحثين
    والحقيقة أن ذلك لم يزيد كثير من الناس الباحثين عن الحق في هذه المسألة (مسألة
    أحكام الديار) إلا اضطراباً وتخليطاً في الأحكام وسوء ظن بشريعة الإسلام خلال الاعتقاد بأنها لم تحسم هذه القضايا الأساسية ببيان أحكامها وتركها لاجتهاد الناس.
    فصل
    كيف استنبط أصحاب هذه النظرية بدعتهم
    والرد على ذلك
    والواضح أن أصحاب هذا القول قد استنبطوه من ذلك التساؤل الذي ثار بين أهل العلم في شأن قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ " البينة.

    فقد كان السؤال: هل يطلق على أهل الكتاب أنهم مشركين أم لا؟
    ذلك أن الآية الكريمة قد أفردتهم بالذكر عن المشركين وإن كانت قد جمعت بينهما – أي بين أهل الكتاب والمشركين – في حكم الكفر. فهل يقال أيضاً في حق أهل الكتاب هذا الوصف الآخر بكونهم مشركين، أم أن ذلك يمتنع؟
    نقل صاحب كتاب الولاء و البرآء هذه المسألة في كتابه، ثم كتب يقول فيها:
    [للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين:
    1) فابن عمر رضي الله عنهما وغيره يقولون: هم من المشركين.
    2) والثاني – لا يدخلون في لفظ المشركين؛ لأن الله جعلهم غيرهم في قوله تعالى:
    )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ (الآية.
    قال ابن تيمية: والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد فليسوا من المشركين (في الأصل)، والشرك طارئ عليهم. فهم منهم باعتبار ما عرض لهم لا باعتبار أصل الدين. فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي وهو كونهم (نجساً) والحكم يعم بعموم علته] أ. هـ(يراجع الولاء والبرآء في الإسلام صـ 282. ويراجع أحكام أهل الذمة جـ1 صـ 188)
    § فالمسألة التي ثار بشأنها هذا التوصيف لم تخرج طائفة أهل الكتاب عن وصف الكفر لفظاً ومعنى. وأما وصف الشرك فقد قال أنهم لو قدّر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عموم معناها المعنوي ولا فرق والله أعلم. ففي كلا الحالتين لم يخرج أهل الكتاب عن وصف الكفر والشرك عياذاً بالله.
    § غير أن أصحاب نظرية الإسلام الحكمي جعلوا نفس هذه الكلمات للدلالة على أمر مخالفاً بالكلية للشأن الذي سيقت من أجله؛ حيث انتهوا إلى القول أن ما دام الأصل في الدار الإسلام والكفر طارئ فالدار لا تعد (دار كفر) لأن الأصل فيها الإسلام وذلك بالمخالفة لما سبق أن كانوا عليه ولما سبق أن تبنوه من كتابات الأستاذ سيد قطب. في ردة حقيقية عن معلم حقيقي أصيل في وجدان شريعة الإسلام وعقيدته.
    § وأصحاب نظرية الإسلام الحكمي لو أنصفوا في تأمل هذه العبارة التي قالوها وتبنوها بأن (الأصل في هذه الدار الإسلام والكفر طارئ) لكان مقتضى ذلك- إن كانوا صادقين مع أنفسهم أن يقولوا بأن الدار دار ردة حيث وصف الردة هو الوصف الشرعي الصحيح الحق في توصيف كل من راجع الكفر بعد الإسلام على مستوى الفرد، وعلى مستوى الدار، وقد وقع شيء من ذلك بين قبائل العرب بعد وفاة الرسول (صلى الله ليه و سلم ) وارتداد من ارتد منهم على أنواع:
    فمنهم من رجع إلى عبادة الأوثان، ومنهم من جحد فريضة الزكاة، ومنهم من تابع مسيلمة الكذاب في ادعاء النبوة، وغير ذلك كثير. لم يقال في حق أي طائفة من هؤلاء المرتدين (الأصل فيهم الإسلام والكفر طارئ).
    ولم يتردد خليفة رسول الله (صلى الله ليه و سلم) أبو بكر رضي الله عنه وسائر الصحابة في قتالهم قتال اشتهر في التاريخ بمسمى قتال المرتدين، وما قد صاحب ذلك من سائر الأحكام من سبي النساء والذرية وغنيمة الأموال – وهكذا.
    والمعلوم أن المرتد والمرتدون أسوأ حالاً في الحكم من الكافر الأصلي – يراجع الصارم المسلول لابن تيمية.
    § ويقول صاحب الولاء والبرآء عن حالة الانهزام الداخلي إذا أصابت الأمم أو الأفراد: [والمداهنة والمجاملة والمداراة على حساب الدين أمر وقع فيه كثير من المسلمين اليوم، وهذه نتيجة طبيعية للانهزام الداخلي في نفوسهم؛ حيث رأوا أن أعداء الدين تفوقوا في القوة المادية فانبهروا بهم، فأخذوا ينسلخون من تعاليم دينهم مجاملة للكفار، ولئلا يصمهم أولئك الكفرة بأنهم (متعصبون). إن المداهنة والمجاملة قد تبدأ بأمر صغير ثم تكبر وتنمو حتى تؤدي والعياذ بالله إلى الخروج من الملة] أ. هـ(الولاء والبرآء في الإسلام صـ193 )
    § قلنا أن أصحاب نظرية الإسلام الحكمي انتهوا إلى توصيف جديد للدار قالوا به و روجوه وصدقوه، بل أُشرب في القلوب بالرغم من مخالفة هذا التوصيف لصريح الأدلة خاصة المتعلقة بحروب الردة السالف التذكير بها.

    § وقد خالفت هذه الصياغة الجديدة لمبدأ علو السلطان السابق إعلانه في تحديد حكم الدار، وقد تراجع أصحاب هذا القول عن هذا المبدأ بوضوح.
    كما امتاز هذا التوصيف الجديد للدار بأن الأصل فيها الإسلام والكفر طارئ عليها امتاز بالسطحية الشديدة لموضوع الردة وأحكامها وإهدار حرمتها؛ حيث أن الردة تقع من الأمم والجماعات والأفراد دون
    أن يعول على مظاهر الردة هذه لديهم باعتبار أن الأصل هو الإسلام. مع العلم أن الأدلة على خطورة هذه الأفعال وما تعود به من الآثار السلبية على الفرد وعلى المجتمع بأسره لا تجهل
    § فعلى مستوى الفرد يقول تعالى: ) لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ([الزمر]
    وعلى مستوى الجماعة يقول تعالى:" وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً( [الفرقان].
    ويقول:" وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ( [الأنفال].
    والأدلة على هذا كثيرة معلومة بالضرورة.
    ومعلوم أن المرتد يكفر بكلمة ولا يعود إلى الإسلام إلا بالتوبة منها، ولا يقال في حقه: هو مسلم والكفر طارئ عليه ثم يصرف له سائر أحكام أهل الإيمان وحقوق الإسلام. هذا لم يعهد ولم يكن أبداً.
    فصل
    آثار هذه البدعة المحدثة فى إصدار الأحكام
    قام أصحاب هذه الطائفة وهذه النظرية الجديدة المحدثة – وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة – قاموا بسحب أحكامهم السابقة في حق طوائف كثيرة من قطاعات المجتمع والتي كانت تقضي بكفر هذه الطوائف في ظل مبدأ علو السلطان وإثبات حكم الكفر للدار، إلى القول الجديد بما يوافق الأصل الجديد المصاغ برعاية كبار مفكري الطائفة، فكان الحكم الجديد لأفراد المجتمع هو القول بإسلامهم (إسلاماً حكمياً) أي على الظاهر، استصحاباً لهذا الأصل الجديد الذي يقضي بأسلمة الدار. وقد سموا هذا الحكم في حق الأفراد (بالإسلام الحكمي) تمييزاً له عن الإسلام الحقيقي الذي يثبت لأفراد طائفتهم وكل من يستوثقوا منه. لا مجرد استصحاباً للحكم (مع أن إسلام هذا الذي يستوثقوا منه يعد أيضاً إسلامياً حكمياً أي على الظاهر أيضاً ،والباطن والحقيقة والسرائر إلى الله وحده. فانظر إلى التفريق المفتعل..)
    ومع هذا فقد ظل أصحاب هذه النظرية والمبدأ الجديد على توصيفهم القديم في حق طائفة الحكام دون المحكومين. فلم يحدثوا في حق طائفة الحكام أي تغيير أو تعديل وقد اقتصر التعديل فقط على أحكام الرعية أو المحكومين.
    فصل
    جوانب الإتفاق بيننا وبين أصحاب نظرية (بدعة) الإسلام الحكمى
    وبهذا يتبين أن أصحاب نظرية الإسلام الحكمي قد اتفقوا معنا في مبدأين في بداية عهدهم وهما:
    أ.
    في القول بأن حكم الدار يرتبط بمبدأ علو السلطان. وهذا ما كانوا عليه أولاً.
    ب.
    وفي القول بأن حكم الدار (أصل). مع العلم بأن ما يُعد أصلاً في هذه الشريعة المطهرة لا يمكن أن يكون ثابتاً بالاجتهاد، بل لا يكون ثابتاً إلا بيقين.
    .


  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    مشرف
    المشاركات: 2,270
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    فصل

    ماخالفونا فيه

    ثم خالفوا مقتضى ذلك لما قالوا:

    أولاً:-

    أن الأصل في الدار الإسلام والكفر طارئ، ثم عملوا بمقتضى هذا الأصل التاريخي دون الواقع المشهود المعلن للكافة على النحو الذي أصبح معه هذا الأمر الطارئ هو الأصل. وقد تحدث الشاطبي رحمه الله عن هذا الإحداث في الدين أو الابتداع -والمقصود به هنا وفي هذا المقام تبديل الشريعة والحكم بغير ما أنزل الله والكفر الطارئ كما سموه- إذا اقترن بالمشروع أو بما كان مشروعاً في الأساس حتى غلب عليه فصار وصفاً له ؛ قال رحمه الله: (فظاهر الأمر انقلاب العمل المشروع ليصير غير مشروع) أ. هـ (يراحع الاعتصام. الشاطبي صــ 284 جـ1. )

    ومعلوم أن الحكم عبادة – وقد سبق بيان ذلك- وقد قال تعالى)إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ( فإذا غلب عليه الحكم بغير شريعة القرآن وما أنزل الرحمن، وبدلت الأحكام، ونبذ كتاب الله تعالى، ونحيت الشريعة عن قيادة المجتمع والحكم بها فيما بين الناس، فإن هذا الحكم لهذه الدار التي كانت يوماً ما إسلامية لا يمكن أن يقال عنها تبقى كذلك مع هذا التبديل والجحود والانقلاب. هذا مما لا يقول به شرع الله ولا يقره ولا يقر من قال به. ولا يصح أن يقال عن هذا الفعل: (طارئ) بل يقال قد غلب عليه وتسلط حتى أخرج المجتمع عن هيئته المشروعة المسلَّمة، فانقلب إلى الهيئة غير المشروعة المجرمة. والله أعلم.

    ثانياً –

    أنهم لم يدركوا أن اعتبار حكم الدار أصل، وأن ذلك يعني أن هذا الحكم قاعدة عامة حاكمة لعموم أفراد المجتمع بالأصالة لا استصحاباً كما يدعي ويزعم أهل هذه النظرية.

    وحيث الاستصحاب أصوليا لا يكون إلا في القضايا المترددة أو المشتبهة فقط.

    ومع هذا فهذه القضايا المترددة ترد إلى حكم الأصل استصحاباً وهو حكم القاعدة العامة وبذلك نعلم أن القاعدة العامة تحكم نوعين من الأفراد:

    أ-
    الأفراد الذين جاءت لتحكمهم بالأصالة.

    ب-
    ثم سائر الحالات المترددة أو المشتبهة إذا لم يثبت حكهابدليل خاص.

    وهذا ما يعني أن أحكام الديار لا يخرج عنها إلا من ثبت في حقه بالدليل الخاص مخالفة لقومه فيما هم عليه من شركيات.

    ثالثاً –

    أنهم ناقضوا أنفسهم عندما قالوا بكفر طائفة الحكام وهو ما يوافق أن الدار دار كفر وفق معيار علو السلطان. ثم قالوا بإسلام الأفراد استصحاباً للأصل المزعوم بأن الدار دار إسلام.

    ففرقوا بين المتماثلين:

    فإما أن يقال أن الدار إسلام فيسري حكمها في حق جميع أفرادها حكاماً ومحكومين.

    وإما أن يقال أن الدار دار كفر فيسرى حكم ذلك عليهم جميعاً أيضاً. أما أن يقال في حق الأفراد دار إسلام، وفي حق الحكام دار كفر فذلك هو التناقض المزعوم.

    قال تعالى: )فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ( [ق]، أي مضطرب

    فصل

    فى أسباب الخلل
    (أسباب نشأة هذة النظرية/ البدعة)


    والحقيقة التي ينبغي أن تدرك أن أساس هذا الخلل يرجع إلى الأسباب الآتية:

    أولاً –

    الانهزام الداخلي أمام ثقل مواجهة الجاهلية ووصفها لأهل التوحيد بعبارات منفرة وهو ما كان يفعل المشركون الأوائل مع الرسول (صلى الله عليه و سلم ) وأصحابه لما كانوا يصفونهم (بالصبأة ). وقد كان الواجب ألا يلتفت إلى مثل هذه الحروب الدعائية، بل تواجه بالأسوة والمثل في الخلق والمسلك الحميد والبر والحكمة والموعظة الحسنة، ولا يضرهم من خالفهم.

    ثانيا-

    عدم الدراسة الجادة الحقيقية لموضوع أحكام الديار، ومن ثم اعتبارها من القضايا المبهمة المختلف فيها، فأخرجوها عن حقيقة حجمها وثقلها الشرعي الذي يصل إلى مرتبة الأصول الكبار والعلم الضروري، وأنزلوها إلى مرتبة الظنون والشك والارتياب وما يصاحبه من اختلاف. وذلك من الظلم البين والخروج عن الصراط والجادة. فنسأل الله السداد والرشاد والتوفيق لجميع الصادقين المخلصين، والحمد الله رب العالمين.
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع