1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : May 2011
    عضو
    المشاركات: 129
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب ، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه سحاب ،ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها . ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " النور 39 – 40 .
    يقول ابن تيمية رحمه الله :
    ( فذكر سبحانه مثلين :
    أحدهما : مثل الكفر والجهل المركب الذي يحسبه صاحبه موجوداً وفي الواقع يكون خيالا معدوماً كالسراب, وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد للماء ، فإذا طلب ما ظنه ماء وجده سراباً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ، وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة .
    والمثل الثاني : مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين فيه صاحبه حق ، ولا يرى فيه هدى .
    والكفر المركب مستلزم للبسيط وكل كفر فلابد فيه من جهل مركب .
    فضرب الله سبحانه المثلين ليبين حال الاعتقاد الفاسد ويبين عدم معرفة الحق وهو شبيه حال المغضوب عليهم والضالين ، وهما حال المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب ، وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى ، فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يرزقنا
    الاعتصام بالكتاب والسنة . ) أ.هـ (1)
    ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات من سورة النور :
    ( هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار كما ضرب لمنافقين في أول سورة البقرة مثلين نارياً ومائياً وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين مائياً ونارياً, وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته ولله الحمد والمنة .
    فأما الأول : من هذين المثلين فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم , الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات, وليسوا في نفس الأمر شيء فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يري في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام , والقيعة : جمع قاع كجار وجيرة , والقاع أيضاً واحد القيعان كما يقال جار وجيران وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب , وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار وأما الأول فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء ليشرب منه فلما انتهي إليه " لم يجده شيئاً " فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملاً وأنه قد حصل شيئاً فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئاً بالكلية قد قبل إما لعد الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع كما قال تعالى : "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً " وقال هاهنا : " ووجد الله عنده حسابه والله سريع الحساب " وهكذا روي عن أبي كعب وابن عباس ومجاهد وغير واحد.
    ــــــــــ
    (1) نقض المنطق لابن تيمية صـ 63


    وفي الصحيحين أنه يقال يوم القيامة لليهود ما كنتم تعبدون ؟. فيقولون كنا نعبد عزير ابن الله , فيقال كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون ؟. فيقولون يارب عطشنا فاسقنا فيقال ألا تردون ؟. فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً , فينطلقون فيتهافتون فيها. وهذا المثال لذوي الجهل المركب, فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم كما قال تعالى " أو كظلمات في بحر لجي " قال قتادة " لجي " وهو العميق " يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب , ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها " أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده ولا يدري أين يذهب ,بل كما يقال في المثل للجاهل أين تذهب ؟ قال : معهم. قيل : فإلى أين يذهبون ؟ قال :لا أدري . وقال العوفي : عن ابن عباس رضي الله عنهما : " يغشاه موج " الآية يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر وهي كقوله : " ختم الله على قلوبهم وعلى أبصارهم " الآية وكقوله: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة " الآية .
    وقال أبي بن كعب في قوله تعالى : " ظلمات بعضها فوق بعض " فهو يتقلب في خمسة من الظلم : فكلامه ظلمة , وعمله ظلمة , ومدخله ظلمة , ومخرجه ظلمة وصيره يوم القيامة إلى ظلمات إلى النار . وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضاً .
    وقوله تعالى " ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور " أي : من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر كقوله : " من يضلل الله فلا هادي له " وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين " يهدي الله لنوره من يشاء ".
    فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نوراً وعن أيماننا نوراً وعن شمائلنا نوراً وان يعظم لنا نوراً ) أ.هـ
    - وقد أفاض ابن القيم رحمه الله في شرح المثلين بمثل هذا في أعلام الموقعين جـ 1صـ 185 – 189 ونقل كلامه بالتفسير القيم فليراجع.


  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : May 2011
    عضو
    المشاركات: 129
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ولكن لما اقترن التكذيب بالجهل في هذا النوع من الكفر ؟ . (1)
    أي لما عد الجاهل كاذباً أو مكذباً ؟
    والحق أن الجاهل بالتوحيد- أي بحقيقته وما يقتضيه – أنه كاذباً من جانب ،ومكذباً من جانب آخر.
    1- فهو كاذب من حيث أنه شهد بما ليس له به علم ، ذلك أن شهادة أن لا إله إلا الله قد قيدها الشارع الشريف بالقيود الثقال حتى تأتي بثمرتها المرجوة وقد أفاض العلماء في شرح هذه القيود والشروط ( 2) وقد كان أولها هو العلم .
    فالعلم هو الشرط الأول دائماً وأبداً في صحة الشهادة بل في صحة أي شهادة .
    قال تعالى : " فاعلم أنه لا إله إلا الله " . محمد 19
    وقال تعالى : " وما شهدنا إلا بما علمنا " يوسف 81
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    (1) والجاهل الذي يتناوله حديثنا هو الجاهل بالتوحيد ، أي الجاهل بمعنى لا إله إلا الله وما تقتضيه هذه الشهادة ، حتى ولو كان من الناطقين بها مالم يؤد حقها ويلتزم بمضمونها فلا يشرك بالله شيئاً ويخلع الأنداد ويبراً من الشرك وأهله ويكفرهم ويعاديهم .
    ( 2) يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسين آل الشيخ رحمه الله في ( قرة عين الموحدين ):لإله إلا الله قد قيدت في الكتاب بقيود ثقال:
    منها العلم واليقين ، والإخلاص ، والمحبة ، والقبول ، والكفر بما يعبد من دون الله ، فإذا اجتمعت هذه القيود لمن قالها نفعته هذه الكلمة وإن لم تجتمع لم تنفعه . أ . هـ ص 25

    وقال تعالى : " إلا من شهد بالحق وهم يعملون " الزخرف 86
    قال الشيخ عبد الرحمن بن حسين :
    ( قوله : عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال له :
    ( إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب ، ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ) الحديث .
    وأهل الكتاب المذكورين في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى ذاك. قوله : ( ليكن ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ) وكانوا يقولونها ولكنهم جهلوا معناها, الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه فكان قولهم لا إله إلا الله لا ينفعهم , بمعني هذه الكلمة كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد, فيأتيهم بما ينفعهم فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك, وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليداً للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم. وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم يدخلهم في الإسلام. ) أ.هـ (1)
    2- هذا من جانب :
    ومن جانب آخر أنه مكذباً لأن من جهل شيئاً عاداه , وهو من حيث أنه جهل التوحيد فهو غير مسلم به ولا منقاد له, بل هو على العناد معه وإن لم يعلم, إذ كيف يكون المرء من المصدقين ومن أتباع الأنبياء والمرسلين وهو لم يعلم دعوتهم بل هو من المكذبين لهم المتناقضين لطريقهم.
    يقول القرطبي رحمه الله:( قيل للحسين بن فضيل : هل تجد في القرآن ( من جهل شيئاًَ عاداه ) قال : نعم في موضعين : " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه " وقوله " وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ". ) أ.هـ (2)
    وفي هذا المعني – من جهل شيئاً عاداه – يقول الإمام الغزالي رحمه الله :
    ( إياك أن تنكر شيئاً من عجائب يوم القيامة لمخالفة قياس مافي الدنيا, فإنك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا , ثم عرضت عليك قبل المشاهدة ؛ لكنت أشد إنكاراً لها, وفي طبع الآدمي إنكار كل مالم يأنس به!
    ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصور المشي على غير رجل , والمشي بالرجل أيضاً مستبعد عند من لم يشاهد ذلك. ولو لم يشاهد الإنسان توالد الحيوان, وقيل له : إن له صانعاً يصنع من النطفة مثل هذا الآدمي المصور, العقل, المتكلم, المتصرف لاشتد نفور باطنه
    عن التصديق به.) أ.هـ (3)
    فالجهل إذاً ليس على مرتبة واحدة في جميع الأحوال, بل بفرق بين الجاهل في التوحيد في أحكام الشريعة.
    فالأول : وهو الجاهل في التوحيد يعد كفراً وتكذيباً.
    لقوله تعالى : " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله " .
    ولقوله تعالى : " أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ".
    والثاني : أي الجهل في أحكام الشريعة:
    فيفرق بين ما إذا كانت هذه الأحكام من فرض الهين أم من فرض الكفاية (4). فأما إذا كانت من فرض العين وهي : كل عبادة افترضها الله عزوجل على كل مكلف ولا يجزئه أن يقوم بها غيره فإن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال فيها: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ).
    وحيث أن طلب العلم فرضاً في هذا الموضع فالقعود عنه وبالتالي عدم تحصيله بما ينتهي به إلى حالة الجهل يعد إثماً معاقب عليه.
    وقد ضرب العلماء لذلك أمثلة مثل : الطهارة, الصلاة, الصيام, ويشتمل ذلك كل ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الأمر والنواهي الشرعية كتحريم المحرمات من النساء, والسرقة, وشرب الخمر, وغير ذلك.
    وأما إذا كانت هذه الأحكام من فرض الكفاية وهي ما يبلغ به المرء درجة الفتيا والاجتهاد كأحكام المواريث وأحكام الزواج والطلاق والعدة والبيع وغير ذلك , فقد علم من أحكام الشريعة أن هذا القدر من العلوم الشرعية إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين , وإذا قعدوا جميعاً عن تعلمه في المصر الواحد كانوا جميعاً آثمين لقوله تعالى :" وما كان المؤمنون لينفروا كافة, فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " التوبة 122.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) قرة عيون الموحدين صـ 48.
    (2) في تفسير الآية 29 من سورة يونس , وقد تقدمت.
    (3) اليوم الآخر في ظلال القرآن صـ 25.
    (4) يراجع شرح السنة للإمام البغوي جـ1 صـ290.
    ولقوله تعالى:
    " فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " النحل 43.
    فالجهل بهذه الأحكام – والتي هي فرض الكفاية – لا يعد إثما ولا شيء فيه مادام قام بهذه العلوم آخرون يكفوا الفتيا عند الحاجة.
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع