1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 320
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    وهذه بعض الشبهات لمن يجيز التحاكم الى الطاغوت مقتطفة من كتاب ميراث الانبياء:
    [gdwl]الشبهة الأولى : وهي أشنع الشبه : وهي قول من يقول أن هذا الفعل ليس بتحاكم ,إنما هو يعتبر ذهاب ومطالبة بحق سوف يضيع. [/gdwl]
    الرد: وهو أننا نقول اعلم أن الإنسان قد يتكلم بكلمة لا يلقي لها بالاً لو مزجت هذه الكلمة بماء البحر, وقد قال عليه الصلاة والسلام مثل هذا القول لعائشة رضي الله عنها كما جاء ذلك في سنن الترمذي وأبي داود , وإن القول بمثل هذه الأقوال لهو من باب ا لحيل على دين الله ومحارم الله حيث أن من المعلوم عند جميع العقلاء أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها . يقول العلامة عبدالله بن عبد الرحمن أبا بطين : (( فمن صرف لغير الله شيئاً من أنواع العبادة فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهاً وأشركه مع الله في خالص حقه . . . وإن فر من تسمية فعله ذلك تألهاً وعبادة وشركاً ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها )) .
    ولا يشك مسلم أن التحاكم هو الرجوع والرد إلى من يفض عنده موارد النزاع . لفض النزاع . وهو فعل الجوارح لا فعل القلوب فالذي يقول إن فعل ا لتحاكم لا يكون تحاكماً إلا إذا كانت نيته أن يذهب لكي يتحاكم إلى الطاغوت لأنه يعتقد أنه أفضل من حكم الله , كالذي يقول إن فعل السجود لا يكون سجوداً حتى يعتقد في قلبه أن المسجود له يستحق السجود له , وقد رد الإمام ابن قيم عليه رحمه الله على مثل هذا القول في من زعم أن العبادة لا تكون عبادة حتى يعتقد فاعلها أنها عبادة . فقال : (( ومن أنواع الشرك : سجود المريد للشيخ . فإنه شرك من الساجد والمسجود له . والعجب: أنهم يقولون: ليس هذا سجود, وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراماً وتواضعاً. فيقال لهؤلاء : ولو سميتموه . فحقيقة السجود : وضع الرأس لمن يسجد له . . )) . (66)
    ثم نقول قد يشكل على البعض هنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل في حمى المطعم بن عدي . فنقول جواباً على هذا الإشكال : لو فقه الإنسان ما معنى التحاكم ما ورد عليه مثل هذا الإشكال. فإن التحاكم كما تقدم بيان معناه : هو الرجوع والرد إلى من يفض عنده النزاع . قال تعالى :{ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء : 59] فهذا هو التحاكم . وهو ان تقع خصومة بين اثنين فيذهبان إلى من يفض عنده النزاع لكي يفصل بينهما في القضية والخصومة ولا شك أن هذا من الكفر والشرك الأكبر إذا كان هذا التحاكم إلى الطاغوت , وأما طلب الحماية من كافر فليس هناك دليل على تحريمه وقد فعل ذلك أبي بكر رضي الله عنه عندما دخل في جوار ابن أل د غنة وكذلك عندما دخل الصحابة في حمى النجاشي في بداية الإسلام خوفاً من أذى المشركين .
    ومن هنا يتبين لنا أيضاً خطأ من يستدل في حلف الفضول الذي عقد في دار ابن جدعان في الجاهلية (67) أو غيرها في الذهاب إلى هذه المحاكم الطاغوتية والتحاكم إليها , ولا شك أن هذا الاستدلال غير صحيح , فإن أصحاب حلف الفضول ليسوا بطواغيت كحال كهان جهينة وكعب بن الأشرف وغيرهم من الطواغيت الذين يحكمون الناس بأحكام الطواغيت , وإنما هم نفر من المشركين اجتمعوا لنصرة المظلوم فقط , وهذا أمر محمود يحث عليه دين الإسلام . لذلك قال عليه الصلاة والسلام : شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم )) .
    ولنا أن نسألكم يا من تستدلون بهذه الحادثة فنقول لكم : هل قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا ينطبق على كعب بن الأشرف وكهان جهينة وغيرهم من الطواغيت الذين كان أهل الجاهلية يتحكمون إليهم ؟
    فإن قلت : لا . قلنا : لماذا؟ فإن قلتم : لأنهم لا يحكمون بالعدل ولا يردون المظالم إلى أهلها ويأخذون الرشوة . قلنا : وهل الله تعالى عندما أمرنا أن نكفر بهم ولا نتحاكم إليهم فقط لأنهم لا يحكمون بالعدل ويأخذون الرشوة؟ أم لأنهم طواغيت لا يصح إسلام المرء إلا بالكفر بهم وترك التحاكم إليهم؟ و هذا سؤال أول .
    السؤال الثاني : أنتم قلتم : إننا نتحاكم إليهم في الأمور التي سوف يحكمون فيها بالعدل . أما الظلم فلا . فما دليلكم على هذا التفريق؟ فالله عز وجل نهانا عن التحاكم إليهم , وبين أن من تحاكم إليهم لم يكفر بهم . ولم يفرق بين من تحاكم إليهم في أمور العدل وبين من تحاكم إليهم في أمور الظلم , والذي يستدل بحادثة حلف الفضول فاستدلاله غير صحيح لأن أصحاب الحلف ليسوا بطواغيت قد نصبوا أنفسهم حاكمين بين الناس بأحكام الطواغيت , وإنما هم نفر من المشركين اجمعوا لنصرة المظلوم فقط .
    ومن هنا لابد أن نفرق بين من يذهب إلى أصحاب الوجاهة وأصحاب السلطة الذين ليسوا بطواغيت فيستعين بهم على رد مظلمته أو يطلب منهم الحماية وبين من يذهب هو وخصمه إلى القضاة الطواغيت الذين نصبوا أنفسهم معبودين في الأرض يحكمون الناس بأحكام . فيتحاكم إليهم ويفض النزاع عندهم . فهذا كفر ولا يجوز فعله إلا في حالة الإكراه, والمكره هو من تيقن وقوع الضرر على نفسه من قتل أو تعذيب أو نحوه. قال تعالى: }من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً. . . } .
    فعلى المسلم إذا أن ينتبه لهذا ولا يتعجل ويسيئ الفهم فيتكلم بالظن فيزل القدم فلا ينفع حينئذ الأسى والندم .
    [gdwl]الشبهة الثانية : وهو قول من يقول إن الذين نزلت فيهم الآيات هم يريدون التحاكم إلى الطاغوت لأنهم لم يرضوا بحكم الله ورسوله أما نحن فنتحاكم ولكن لا نريد ذلك . [/gdwl]
    أما الرد على ذلك فهو من عدة أوجه:
    الوجه الأول : أن الله عز وجل عندما قال :{ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } لم يجعل الإرادة هنا شرطاً في كفر المتحاكم إلى الطاغوت إنما الذي جعلها شرطاً في ذلك من قال بهذا القول . فالله تعالى عندما قال :{يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} كان يصف حال رجلين وهما اليهودي والمنافق وأنهما كانا يريدان أن يتحاكما إلى كعب بن الأشرف وهو المقصود بالطاغوت في قوله , ولكن اليهودي أبى لعلمه بأن كعب بن الأشرف يأخذ الرشوة , وتحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فالحاصل أن الله تعالى عندما قال : (( يريدون )) كان يصف حال اليهودي والمنافق ولم يجعل الإرادة هنا شرطاً في الكفر . كما لو قيل (( فعل الرجل كذا وكذا وكان يريد أن يفعل كذا )) . فقول (( يريد )) إذا جاء في مثل هذا السياق فإنه يفيد وصف الحال.
    الوجه الثاني: أنهم قالوا أنهم يتحاكمون إليهم وهم لا يريدون فعل ذلك. ولا شك أن هذا صحيح حيث أنه لا يوجد إنسان يعمل عملاً أو أمراً ما وهو لا يريد فعله , لأن الفعل لا يأتي إلا وهو مقرون بإرادة . بخلاف الإرادة فقد تأتي وتكون مصاحبة للفعل ومقرونة به وقد لا تكون مقرونة به , ولعل هؤلاء أرادوا أن يقولوا وقصدوا بقولهم أنهم يتحاكمون إليهم ولكن لا يريدون ذلك : أي لا يريدون الشرك والكفر نفسه ولم يقصدوه . فإن كان هذا هو قصدهم فهذا أمر آخر سوف يأتي فيه البيان بالرد- بمشيئة الله- في الوجه السادس.
    الوجه الثالث : يقول الإمام أبو السعود- رحمه الله- في تفسيره عند قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت . . . } الآية . قال : (( التعجب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم إلى الطاغوت دون نفسه ( أي التحاكم )) للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب , ولا ينبغي أ، يدخل تحت الوقوع فما ظنك بنفسه؟!)) .
    فتأمل أخي هداك الله قوله : (( فما ظنك بنفسه )) أي التحاكم إلى الطاغوت .
    الوجه الرابع : أن الأمة قد أجمعت على أن الذي يصرف عبادة ظاهرة لا تكون إلا لله إلى غيره أنه مشركاً شركاً أكبر مخرجاً من الملة سواء أراد أو لم يرد وسواءً رضي بذلك أو لم يرض إلا من أكره .
    الوجه الخامس: أن هذا الكلام أخذ من باب المتشابه وترك المحكم الواضح الذي بينه الله تعالى حيث يقول:{وقد أمروا أن يكفروا به} الآية. وكقوله تعالى :{واجتنبا الطاغوت} الآية .
    يقول العلامة الشيخ سليمان بن عبدالله آل الشيخ رحمه الله :( وقوله تعالى : وقد أمروا أن يكفروا به} أي الطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له , فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به وترك التحاكم إليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله ) .
    فإذا عرفنا المحكم أرجعنا المتشابه إليه, يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في صفة الكفر بالطاغوت: (( وأما صفة الكفر بالطاغوت, أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم )).

    التعديل الأخير تم بواسطة سيف الاسلام ; 2009-09-15 الساعة 02:39
  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 320
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    فلو اعتقد إنسان بطلان عبادة غير الله ثم لم يتركها لم يكن بذلك كافراً بالطاغوت, ولو اعتقد بطلانها وتركها ولكنه أحبها ولم يبغضها لم يكن بذلك كافراً بالطاغوت
    الوجه السادس: أ، الإرادة أن قصدتم بها عقد النية والقول دون الفعل, فكذلك الذين يعبدون القبور ويطوفون حولها يقولون نعم نحن نطوف حولها ونصرف لها هذا الفعل ولكننا لا نريد الشرك, فمن المعلوم عند كل موحد أن كلامهم هذا باطل.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله )) . (70)
    ويقول الإمام الطبري في تفسيره عند قوله تعالى :{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} [الكهف :104] . قال رحمه الله :( وهذه من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته , وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية , أن سعيهم الذين سعوا في الدنيا ذهب ضلالاً , وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك) .
    ويقول الحافظ ابن حجرفي الفتح :( وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختأر ديناً على دين الإسلام) .
    وقال أيضاً رحمه الله :( قلت: ومن جنح إلى بعض هذا الحديث الطبري في تهذيبه فقال بعد أن سرد أحاديث الباب : فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالماً فإنه مبطل لقوله في الحديث (( يقولون الحق ويقرؤون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء )) . (71)
    ويقول ابن قدامه في الكافي:( ولأن الردة في الغالب إنما تكون لشبهة عرضت له).
    ويقول الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :
    (الثالثة : هذا الذي يفعلونه عندها من القصد والتوجه من إجابة الدعوات وقضاء الحاجات وإغاثة اللهفات هل هو الذي يفعله مشركو العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم عند اللات والعزى ومناة سواء بسواء أم لا ؟ .
    الرابعة: من فعل هذا مسلم مؤمن هل يكفر ويحبط أيمانه بذلك أم لا ؟ فإن أشكلت عليك الأولى فانظر إلى سؤال الملكين في القبر وقوله :(هاء هاء لا أدري) , سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته مثلهم , الثانية : إن قلت توجد فعليك الإثبات . الثالثة: إن قلت القصد غير القصد فعليك التفريق بالأدلة الصحيحة , من كتاب أو سنة أو إجماع الأمة .
    الرابعة: إن قلت الإسلام يحميه عن الكفر ولو فعل ما فعل طالع باب حكم المرتد من ( الإقناع )) وغيره, والله أعلم ).
    ويقول أيضاً رحمه الله :( وقال الشيخ رحمه الله في الرسالة السنية- لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين , وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم- قال : فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه , مع عبادته العظيمة , حتى أمر صلى الله عليه وسلم بقتالهم فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام) .
    يقول الإمام الصنعاني- رحمه الله- في رسالته (( تطهير الاعتقاد عن أدران الشرك والإلحاد )) : ( فإن قلت هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه((قلت)) قد خرج الفقهاء(في كتب الفقه) في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصلياً) .
    نقول وقد غلط البعض هنا في مسألة تكفير المعين فظنوا أن الذي يفعل فعل الشرك الأكبر بتأويل لا يكفر ولا يخرج عن ملة الإسلام , وقد يستدلون ببعض الأمور مثل حادثة المأمون عندما قال بخلق القرآن بتأويل وأن الإمام أحمد لم يكفره وغير ذلك . ولا شك أن هذا غلط فاحش . حيث أن هناك فرق بين الشرك والكفر الجلي الواضح كالشرك في العبادة والاستهزاء بالله ورسوله وغير ذلك . وبين الكفر الخفي كالقول ببعض المقالات الكفرية الخفية . وتأويل بعض صفات الرب جل وعلا التي تخفى على بعض الناس كصفة الكلام لله تعالى وغيرها .
    ممن جنح إلى بيان ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب كما في بعض رسائله الموجودة في تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام . حيث ذكر ما يذهب أليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من التفريق ما بين الشرك في العبادة وبين القول ببعض المقالات الكفرية الخفية . وقد بين ذلك أيضاً الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن أبا بطين والعلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رسالته( حكم تكفير المعين) وغيرهم من العلماء الإجلاء رحمهم الله تعالى .
    الشبهة الثالثة : وهو قول من يقول أن التحاكم وإن كان شركاً فإنه يكون شركاً أصغر ولا يصل إلى حد الشرك الأكبر حتى يصاحبه استحلال أو اعتقاد , كالحلف بغير الله .
    والرد : أن نقول : من المعلوم أن العبادة التي لا تكون إلا لله عز وجل . مثل : الركوع والسجود والدعاء , والإستغاثة , والذبح , والنذر , والطواف , والتحاكم , والخوف , والرجاء , والإنابة , والمحبة , والتعظيم وغيرها من العبادات على ثلاثة أقسام , فمنها ما يتعلق بالإعتقاد ومنها بالأقوال ومنها ما يتعلق بالأفعال .
    - فأما العبادات الظاهرة التي تتعلق بالأقوال والأفعال . كالدعاء , والإستغاثة , والركوع والذبح والنذر والطواف والتحاكم وغيرها , فإن الذي يصرف منها شيئاً إلى غير الله تعالى لأوثان أو أموات أو, طواغيت فإنه يكون بذلك كافراً واقعاً في الشرك الأكبر, ولا يلزم من ذلك إظهار الاعتقاد أو الاستحلال لأنه أظهر صرف العبادة لغيرالله .
    - وأما العبادات الباطنة التي تتعلق بالاعتقاد , كالخوف والرجاء والمحبة والتعظيم وغيرها فإنه يلزم من فاعلها للحكم عليه بالكفر إظهار العبادة وذلك بالنطق باللسان لإظهار هذا الاعتقاد لأنها عبادات قلبية خفية . فالرجل قاس قياساً باطلاً وهذا لعدم فهمه بمعاني التوحيد ومعاني العبادة , فجعل التحاكم الذي هو عبادة , كالحلف بغير الله الذي هو لفظ شركي ليس بعبادة .
    وقد يقول لماذا إذاً جعل العلماء الحلف بالله عز وجل عبادة؟ فالجواب أن نقول جعل العلماء الحلف بالله تعالى عبادة لأنه صاحب هذا الحلف عبادة التعظيم , فالحلف عندما يكون بالله يعلم أن الله عز وجل عظيم يستحق أن يحلف به فيحلف به فيكون هذا الحلف عبادة لأنه صاحبه تعظيم , ولذلك قال العلماء من حلف بغير الله فقد وقع في الشرك الأصغر فلا يخرج من الملة حتى يعتقد أن المحلوف به يستحق أن يحلف به , فاشترطوا في تكفيره إظهار التعظيم للمحلوف به أي صرف عبادة التعظيم لغير الله لأنها عبادة قلبية خفية , فلو حلف رجل بغير الله وأظهر التعظيم للمخلوق به فإنه يكون مشركاً بالله من جهة الألوهية , وعلة شركه هنا أنه أظهر العبادة فلا نأتي ونقول له أأنت تعتقد أو لا تعتقد , فالتحاكم عبادة ظاهرة كالسجود والطواف من صرفها إلى غير شرع الله فهو كافر , وليست هي عبادة قلبية خفية كالتعظيم تحتاج إلى إظهار عن طريق النطق باللسان .
    الوجه الثاني : من المعلوم أن الحلف بغير الله لم يكن منهياً عنه في بداية الإسلام ثم جاءت النصوص بعد ذلك تنهى عن الحلف بغير الله قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم )) رواه البخاري .
    فكيف يقاس من لم يكن منهياً عنه في بداية الإسلام على الذي لا يصح إسلام العبد إلا به وهو الكفر بكل طاغوت وكل حكم سوى حكم الله ورسوله وذلك بعدم التحاكم إليه .
    ثم نقول ويلزم من هذا القياس الباطل أن المسلمين في ذلك الوقت وقبل نزول الآيات التي تنهى عن التحاكم إلى الطاغوت كان يجوز لهم أن يتحاكموا إلى الكهان ومردة أهل الكتاب وطواغيتهم لأن التحاكم كالحلف بزعم من يقول بذلك .
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2009
    عضو نشيط
    المشاركات: 320
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    [gdwl]الشبهة الرابعة : وهو ما يستند بعضهم إليه وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى عندما قال : ((وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما ماأحل يكونون على وجهين :أحدهما : أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل , فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله لرؤسائهم , مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسول فهذا كفر .
    الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً. لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص, فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب)). [/gdwl]

    والرد : هو أن نقول إن هؤلاء الذين استندوا إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية المذكور آنفاً ما فقهوا ولا فرقوا بين الطاعة الشركية وطاعة المعصية , فطاعة المعصية هو أن يطيع الإنسان مخلوقاً في فعل ذنب من الذنوب مع اعتقاده بأن هذا الذنب حرام فهذه تعتبر طاعة معصية ولا تخرج صاحبها عن الملة حتى يصاحب ذلك اعتقاد أو استحلال , وأما الطاعة الشركية وهو أن يتبع الإنسان مخلوقاً أو يطيعه في فعل الشرك كأن يقال له اسجد للصنم فيسجد , أو يقال له اذبح للجن فيذبح , أو يقال له إذ هب وتحاكم إلى غير شريعة الله فيذهب ويتحاكم , فهذا تعتبر طاعة شركية وصاحبها مشرك بالله حتى لو لم يعتقد ويستحل ,فالذي تطرق له ابن تيمية عليه رحمة الله هي طاعة المعصية وليست هي الطاعة الشركية . هذا رد أول .
    الرد الثاني : وهو أن هناك فرقاً بين الطاعة والتحاكم , فالطاعة معصية وقد تكون شركية كما بينا في الرد الأول , وأما التحاكم فهي عبادة محضة كالنذر والطواف من صرفها إلى غير الله وشرعه كان مشركاً بالله , وهذا ما قد بينه العلماء- رحمهم الله- في كتبهم ورسائلهم .
    يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (( من تحاكم إلى غير كتاب الله , وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعد التعريف فهو كافر )). (78)
    الشبهة الخامسة : وهو قول من يقول إذا كان هذا الحكم الذي سوف تتحاكم إليه مخالف الحكم الله فإنه لا يجوز التحاكم إليه وأما إذا كان موافقاً له كالحكم بالعدل لإرجاع الأموال فإنه يجوز .

    ولا شك أن هذا القول باطل من وجهين :
    الوجه الأول : أننا لا ننظر إلى نتيجة الحكم هل هي عدل أم ظلم , إنما ننظر إلى الفعل والرجعية , حيث أن الواقع أنه سوف يتحاكم إلى ذلك العدل عن طريق ذلك الطاغوت , ولذلك لما قال تعالى :{يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} قاصداً بذلك كعب بن الأشرف جعل علة الكفر هو التحاكم إليه وفض النزاع عنده , ولم يجعل علة الكفر هنا أن كعب بن الأشرف كان لا يحكم بالعدل لأنه يأخذ الرشوة .
    الوجه الثاني : أننا لا ننظر إلى حق العبد وهل سيحكم له بالعدل أو بالظلم , إنما ننظر إلى حق المعبود جل جلاله وهو التوحيد بالكفر بالطاغوت وعدم التحاكم إلى وتكفيره وتحذير الناس منه , فكيف تحذرون الناس من الطاغوت وأنتم أول من يتحاكم إليه ويفض النزاع عنده .
    الشبهة السادسة: وهو قول القائل لا توجد سلطة شرعية ترد لي حقي وأنا مضطر لفعل ذلك.
    والرد: يكون بأمرين:
    الأمر الأول: أننا نحذر القائل بهذا القول بقوله تعالى:{ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} [النحل: 107].
    يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته كشف الشبهات في آخر رسالته حول هذه الآية : (( فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الإعتقاد أو الجهل , أو البغض للدين , أو محبة الكفر , وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا , فآثره على الدين )) .
    فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤثر حظاً من حظوظ الدنيا على الدين , سواءً كان ذلك بطلب منصب أو رئاسة أو كان ذلك من أجل الحرص على عدم ضياع الدنيا والمال , لأن مقصد حفظ الدين مقدم على مقصد حفظ المال يقول عليه الصلاة والسلام : (( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم , وعبد الخميصة , إن أعطي رضى , وإن لم يعط سخط . . )) رواه البخاري .
    ويقول الله تعالى في سورة التوبة:{قل إن كان آباؤكم وأبناكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة:24].
    فانظر- رحمك الله- كيف أن الله عز وجل ذمهم لهذه الأسباب الدنيوية التي تعلقوا بها وتركوا الجهاد.
    فالسؤال هنا: الذي يترك التوحيد من أجل هذه الأمور الثمانية أشد, أم الذي يترك الجهاد؟!. . . , وإذا كان الله تعالى لم يعذر تارك الجهاد بسبب هذه الأمور الثمانية , فكيف يعذر التارك للتوحيد من أجل هذه الأمور . هذا ولم يعذر الله تعالى إلا المكره بقول الكفر , والمكره هو أن يفعل به كما فعل بعمار بن ياسر- رضي الله عنه- وهذا من باب الرخصة , والأخذ بالعزيمة أفضل كما جاءت بذلك الأحاديث .
    يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله ينقل عن علامة الحجار الشيخ محمد بن أحمد الحفظي أنه قال :
    ( الحذر الحذر , أيها العاقلون , والتوبة التوبة أيها الغافلون , فإن الفتنة حصلت في أصل الدين , لا في فروعه , ولا في الدنيا , فيجب : أن تكون العشيرة , والأزواج , والأموال , والتجارة , والمساكن , وقاية للدين , وفداء عنه , ولا يجعل الدين فداء عنها , ووقاية لها , قال تعالى :{ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها
    ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24].
    فتفطن لها وتأملها, فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد, أحب من تلك الثمانية كلها, فضلاً عن واحدة منها, أو أكثر , أو شيء دونها مما هو أحق , فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأولاها , انتهى المقصود من كلامه)
    . (79)
    الأمر الثاني : أننا نذكر القائل بهذا القول بقوله تعالى :{وما خلقت الجن ولإنس إلا ليعبدون 56 ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون 57 إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات :56] . فبين سبحانه في هذه الآية الغاية التي من أجلها خلق العباد وهي العبادة وتكفل بأرزاقهم . يقول عليه الصلاة والسلام : (( إن الله تعالى يقول : يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى , وأسد فقرك , وإن لا تفعل ملأت يدك شغلاً , ولم أسد فقرك )) رواه أحمد .
    وأما عن قول أنه مضطر لفعل ذلك فهذا باطل من وجهين :
    الوجه الأول : أن هذا الرجل قد خلط ولم يفرق بين الاضطرار والإكراه , فالتمس للإنسان العذر إذا اضطر على فعل الكفر , ولا شك أن هذا باطل لأن الاضطرار لا يكون إلا بفعل المعصية , أما الكفر فلا يجوز للإنسان فعله بحجة أنه مضطر بل لابد من إكراه على فعله من قتل أو تعذيب , فالاضطرار : هو أن يضطر الإنسان إلى فعل أدنى المفسدتين من باب تفويت المفسدة التي أعظم منها , قال تعالى :{فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [البقرة : 173]
    وأما الإكراه: فهو تعذيب النفس المفضي إلى الهلاك, ففي هذه الصورة أجاز الله لنا أن نقول كلمة الكفر. هذا إذا جمعنا بين الاضطرار والإكراه , لأن بينهما خصوص وعموم .
    يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله : ( فإن قيل ما الإكراه الذي يبيح التكلم بالكفر , فالجواب أن نقول السبب الذي نزلت فيه الآية هو أظهر ما فسر به الإكراه قال البغوي رحمه الله تعالى : قال ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى :{من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من ا كراه وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل : 106] . في عمار وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً يعذبوهم- فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة فقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام وأما عمار فأعطهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً وغطوه في بئر ميمون قالوا له اكفر بمحمد فتابعه على ذلك كاره فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلام بأن عماراً كفر قال كلا إن عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلام وهو يبكي قال رسول الله صلى الله عليه وسلام ما وراءك؟ قال : شر يا رسول الله نلت منك وذكرت آلهتهم بخير , قال : كيف وجدت قلبك؟ قال : مطمئن بالإيمان فجعل النبي صلى الله عليه وسلام يمسح عينيه وقال له : إن عادوا لك فعد بما قلت
    فنزلت هذه الآية وذكر عن مجاهد أن قوماً خرجوا مهاجرين فلحقتهم قريش في الطريق فكفروا كارهين فنزلت الآية . وعن مقاتل أنها نزلت في مملوك أكرهه سيده على الكفر- انتهى-
    فمن حصل عليه ما حصل على هؤلاء أبيح له ما أبيح لهم فإن عماراً لم يتكلم بالكفر إلا بعد ما قتلوا أباه وأمه وبعد ما ضربوه وغطوه في البئر وكذلك الذين أدركهم المشركين وكذلك المملوك الذي أكراه سيده وغيرهم ممن ذكره السلف عند هذه الآية كلهم لم يتكلموا بالكفر إلا بعد الضرب أو تهديد ولهذا لما اعتذر بعضهم على مسألة المحنة من الإمام أحمد بحديث عمار قال لهم الإمام أحمد رحمه الله : إن عماراً ضربوه وأنتم قيل لكم نريد أن نضربكم ) .
    الوجه الثاني : وهو بتوجيه سؤال ومثال لمن قال بهذا القول , لو أن هناك سلطة تعبد وثناً , تسلطت على إنسان وأخذوا ماله وأبوا أن يرجعوه له وقالوا له لا نرجع لك مالك حتى تقرب وتطوف حول هذا القبر , فالسؤال هنا هل يجوز له في هذا الحالة أن يقرب للوثن أو يطوف حوله أو يسجد له من أجل أنه مضطر لإرجاع المال؟ وهل فعله هذا سوف يرفع عنه حكم الشرك الذي سوف يلحق به؟! سؤال نرجوا له إجابة .
    الوجه الثالث: لو سلمنا وقلنا بأن ضياع المال داخل في مسألة الإكراه. فلا شك أننا عندما نجمع بين النصوص يتضح لنا الحكم الشرعي في المكره متى يعذر ومتى لا يعذر .
    أماالنص الأول فهو قوله تعالى :{من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان . . . } [ النحل: 106].
    وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر- رضي الله عنه- عندما أخذه المشركين فعذبوه حتى قال كلمة الكفر.
    وأما النص الثاني فهو قوله تعالى:{ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ؟ فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} [النساء : 97] .
    وقد نزلت هذه الآية كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أنها في أناس من المسلمين خرجوا مع المشركين في غزوة بدر يكثرون سوادهم وقد قتل منهم من قتل , وأسر منهم من أسر من المسلمين فعاملهم الرسول صلى الله عليه وسلم معاملة الكفار بأن جعل كل من أسر منهم يفدي نفسه .
    أخرج البخاري في صحيحه من حديث محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود قال : (قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله :{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية) .
    وروى ابن أبي حاتم وابن جرير في تفسيره . عن السدي أنه قال : (لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس (( افد نفسك وابن أخيك )) فقال يا رسول الله ألم نصل إلى قبلتك ونشهد شهادتك , قال : (( يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم )) ثم تلا عليه هذه الآية :{ ألم تكن أرض الله واسعة...} ) .
    وروى البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد- باب فداء المشركين- من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال : ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فجاءه العباس فقال : يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلاً , فقال (( خذ )) فأعطاه في ثوبه ) .
    ومن خلال هذه النصوص نعرف أن من علم- أو غلب على ظنه- أنه سوف يكره في يوم ما على فعل الكفر أو قوله ثم فعل ذلك وكان باستطاعته من قبل أن يخرج من هذه البلدة التي أكره فيها مهاجراً أو فاراً إلى غيرها حتى لا يقع في هذه الفتنة ثم لم يفعل ذلك . أنه لا يعذر بالإكراه . بخلاف من تسلط عليه الكفار وهو لا يستطيع التخلص منهم وأكرهوه على قول الكفر . وهذا الأمر يجب التنبه إليه والتفطن له
    يقول الإمام العلامة سليمان بن عبدالله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمهم الله أجمعين- في رسالته الموسومة (( حكم موالاة أهل الإشراك )) :
    (الدليل السادس) : قوله تعالى :{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألأم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} [النساء : 97] , أي في أي فريق كنتم؟ أفي فريق المسلمين , أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين بالاستضعاف , فلم تعذرهم الملائكة , وقالوا لهم {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} .
    فإن قال قائل: هلا كان الإكراه على الخروج عذراً للذين قتلوا يوم بدر؟ قيل : لا يكون عذراً , لأنهم في أول الأمر لم يكونوا معذورين إذ قاموا مع الكفار , فلا يعذرون بعد ذلك بالإكراه , لأنهم السبب في ذلك حيث قاموا معهم وتركوا الهجرة). (81)
    فتأمل أخي هذه الكلمات من هذا العالم الجليل فإنها شافية وكافية في بيان متى يعذر الإنسان بالإكراه ومتى لا يعذر.
    يقول القاضي عياض- رحمه الله- في المدارك ( 2/719 ) : (( وسئل أبو محمد بن الكراني عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال يختار القتل ولا يعذر أحد بهذا إلا من كان أول دخولهم البلد فيسأل إن أمرهم وأما بعد فقد وجب الفرار فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز , وإنما أقام من هذا من العلماء والمتعبدين على المباينة لهم لئلا يخلوا بالمسلمين عدوهم فيفتنوهم عن دينهم )) .
    الوجه الرابع : وهو بتوجيه مثال وسؤال شبيه بالذي قبله . لو أن هناك ألوفاً مألفة من المسلمين يعيشون في بلدة ما تحكم بالكفر , فتسلط عليهم الكفار فسلبوهم أموالهم , فقالت لهم سلطة هذه البلدة : لا نرجع لكم أموالكم حتى تسبوا الله , أو تسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم , أو تسبوا دين الإسلام , أو تذبحوا وتقربوا القرابين لغير الله , أو غير ذلك من هذه الأمور , فقام هؤلاء الناس واستجابوا لما قد دعوهم إليه ومكثوا سنين لا يدخلون محاكم هذه السلطة للمطالبة بإرجاع أموالهم حتى يسبوا الله عز وجل . فهل يعذر هؤلاء بالإكراه؟! فلا شك أن الجواب ( لا ) . فنقول : ما الفرق بين أمة بأسرها من أولها إلى آخره تسب الله سباً صريحاً وتفعل هذا الفعل المكفر المخرج عن ملة الإسلام . وبين أمة بأسرها من أولها إلى آخرها تتحاكم إلى الطاغوت وتفعل هذا الفعل المكفر المخرج عن ملة الإسلام؟!!
    وفي الخاتمة نقول: قد يقول قائل هتا ما المخرج إذاً والنجاة من هذه الفتنة وهذه البلية؟ فنقول بما يلي :
    المخرج الأول : يقول الله تعالى :{إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم} [البقرة : 218] .
    ويقول الله تعالى :{والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولآجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} [النحل : 41] .
    ويقول الله تعالى :{ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل : 110] .
    ويقول الله تعالى :{من يهاجر في سبيل الله يجد في في الأرض مراغماً كثيراً واسعة } [النساء : 100] .
    يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره: ( قوله (( وسعة ?)) يعني الرزق قاله غير واحد. منهم قتادة حيث قال في قوله{يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ?} أي من الضلا لة إلى الهدى , ومن القلة إلى الغنى)
    فهذا أول مخرج من مخارج الوقوع في مثل هذه الفتنة. ألا وهو الهجرة , والهجرة تكون من دار الكفر إلى دار الإسلام , ودار الكفر كما عرفها العلماء هي الدار التي تعلوها أحكام الكفر .
    يقول الإمام ابن قيم- رحمه الله- في أحكام أهل الذمة: (( قال الجمهور : دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام , وإما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام , وإن لاصقها)) (82)
    ويقول علماء الدعوة النجدية رحمهم الله تعالى: ( وأما البلد التي يحكم عليها بأنها بلد كفر, فقال ابن مفلح: وكل دار غلب عليها أحكام المسلمين فدار إسلام, وإن غلب عليها أحكام الكفر فدار كفر ولا دار غيرهما ) (83)
    ويقول الشيخ سليمان بن سحمان النجدي رحمه الله تعالى في بيان ما إذا تغلب الكفار على دار الإسلام وأجروا فيها أحكام الكفر فإنها تصير دار كفر لتحقق المناط فيها قال رحمه الله :
    إذا ما تولى كافر متغلب على دار إسلام وحل بها الوجل
    وأجرى بها أحكام كفر علانيا وأظهرها فيها جهاراً بلا مهل
    وأوهى بها أحكام شرع محمد ولم يظهر الإسلام فيها وينتحل
    فذي دار كفر عند كل محقق كما قاله أهل الدراية بالنحل
    وما كل من فيها يقال بكفره فرب إمرئ فيهم على صالح العمل
    وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ هل تجب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون؟ فأجاب رحمه الله : (البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام , تجب الهجرة منها , وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيرت فتجب الهجرة , فالكفر بفشو الكفر وظهوره , هذه بلد كفر )
    المخرج الثاني : روى البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان- باب من الدين الفرار من الفتن- من حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن )) .
    المخرج الثالث : أن يختار المسلم الموحد ويبحث عن بلدة ما أو قرية ما لا تظهر فيها شعائر الكفر ولا أحكام الكفر , فيذهب إليها لكي يعيش فيها ويحفظ دينه ودنياه .
    المخرج الرابع : وهو للمجموع التي لم تهاجر ولم تعتزل . كأهل القرى والمدن الذين هم في دار الكفر . فإنهم يتفقوا على أن يجعلوا بينهم عالماً أو شيخاً أو قاضياً يقضي بينهم بحكم الشرع , ويتعاهدوا فيما بينهم على أن يحتكموا في جميع قضاياهم وخصوماتهم إليه . ويكون تقليد هذا القاضي من قبل الإمام العام أو من فوض إليه الإمام هذا التقليد .
    يقول الإمام النووي رحمه الله : (يجب على الإمام نصب القاضي في كل بلدة وناحية خالية عن قاض..., ويجوز أن يجعل الإمام نصب القاضي إلى والي الإقليم وأمير البلدة , وإن لم يكن المجعول إليه صالحاً للقضاء , لأنه وكيل محض , وكذا لو فوض إلى واحد من المسلمين اختيار قاض , ليس له أن يختار والده وولده , كما لا يختار نفسه . لو قال لأهل بلد : اختاروا رجلاً منكم وقلدوه القضاء . قال ابن كج : جاز على الأصح )
    ويقول الإمام ابن قدامة في المغني : ( وإن فوض الإمام إلى إنسان تولية القضاء جاز لأنه يجوز أن يتولى ذلك فجاز له التوكيل فيه كالبيع , وإن فوض إليه اختار قاض جاز ولا يجوز له اختيار نفسه ولا والده ولا ولده كما لو وكله في الصدقة بمال لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى هذين , ويحتمل أنه يجوز له اختيارهما إذا كانا صالحين للولاية لأنهما يدخلان في عموم من أذن له في الإختيار منه مع أهليتهما فأشبها الأجانب )
    فهذه أربعة مخارج من هذه الفتنة . نسأل الله عز وجل أن ينجينا ويحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن . إنه على كل شيء قدير .
    ونختم هذه الرسالة بكلام لعلامة أهل زمانه الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله عندما سئل عن التحاكم إلى الطاغوت بحجة الإضطرار فقال رحمه الله :
    (( المقام الثاني )) : أن يقال إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر , فقد ذكر الله في كتابه : أن الكفر أكبر من القتل , قال تعالى :{ والفتنة أكبر من القتل} [البقرة : 217] وقال :{ والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] . والفتنة : هي الكفر , فلو اقتتلت البادية والحاضرة , حتى يذهبوا , لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتاً يحكم بخلاف شريعة الإسلام , التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم .
    (( المقام الثالث )) : أن نقول إذا كان التحاكم كفراً , والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا , فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده والناس أجمعين , فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها , ولو اضطرك مضطر وخيرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت , أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت )) .
    فينبغي على كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ممن أراد منهم أن يحفظ دينه وتوحيده أن يتحاكموا في جميع ما اختصموا فيه وتنازعوا فيه إلى علماء الشرع الذين يحكمونهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم , وأن لا يتحكموا إلى هؤلاء الطواغيت , لأن التحاكم إلى هؤلاء الطواغيت إيمان بهم وصرف عبادة لهم , وليخش امرؤ أن يكون يوم القيامة تابعاً لهؤلاء الطواغيت . قال عليه الصلاة والسلام (( يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه , فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس , ويتبع من كان يعبد القمر القمر , ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت )) رواه البخاري .
    اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين وصل الله على النبي الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    بسم الله الرحمن الرحيم
    جزى الله كل من دافع عن دينه خيرا
    ونعوذ بالله من شياطين الجن وشياطين الانس الذين يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا
    والحمد لله رب العالمين
  5. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    عضو نشيط
    المشاركات: 295
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    سؤال بسيط أبا الحارث أنتظر إجابته ألا وهو

    لو جهلت حكم مسألة ما ورجعت بنفسى لكتاب الله وسنة رسوله للوقوف على حكمها...........هل هذا الفعل منى تحاكم أم لا؟

    وجزاكم الله خيرا
  6. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    عضو
    المشاركات: 144
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    السلام عليكم ورحمة الله

    نعم اخ ابو فاطمة لو رجعت الى كتاب الله وسنة نبيه فقد حكمت دين الاسلام ولو رجعت لغير هذا فقد حكمت الطاغوت سواء ياسق او دستور او مجلة رياضية او هوى خليلك او شرع اهلك وقبيلتك ولو كنت وحدك في المنزل ولو بدون حاكم او قاضي و تقاضي او خصومة او رفع شكوى من خصم وغيره ...
    وبالمقابل لي سؤال :
    هل حكم الله ورسوله رخيص عندك لكي تنأ عنه لاول عارض لك وتحكم غيره ؟
  7. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2010
    عضو نشيط
    المشاركات: 295
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    وعليكم السلام ورحمة الله

    أخى صارم

    هل تستطيع أن تصبر على قليلا حتى يتسنى لى أن أبين ما عندى قدر استطاعتى وأيضا أن أفهم ما عندك بشكل واضح

    وجزاكم الله خيرا
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع