1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2011
    عضو نشيط
    المشاركات: 332
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    " إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين " الأعراف 54

    ألا يستحى حكام اليوم وشعوبهم الذين يطالبون بالديمقراطية من تقديمهم لشرائع صنعتها عقول البشر على شريعة خالق هذه العقول ، " أولا يذكر الإنسان أنّا خلقناه من قبل ولم يك شيئا " مريم : 67
    وكان جديرا بأصحاب العقول إذ أعجبتهم عقولهم أن يزيدهم هذا تعظيما لخالق هذه العقول ، وهم أولى بهذا من غيرهم " إنما يخشى الله من عباده العلماء " فاطر : 35

    ألا يستحيون وهم يرفضون قيام دولة يحكمها الحكيم الخبير ، بزعم ما تعرضت له الشعوب من ظلم بإسم الحكومات الدينية فى عصور سابقة ، ألم يتعرضوا لظلم مثله وأشد بإسم الحكومات الديمقراطية فلماذا لم يرفضوها ويحاربوا وجودها هى أيضا ؟
    أم سيجيبون عن ذلك بأنه كان سوء تطبيق للديمقراطية وأن العيب كان فى الحكام .....
    إذن هم يعلمون سبب الانحراف والفساد الحقيقى ، فلماذا يتعامون عنه فى ما لا يشتهوا وجوده ؟!

    ألا يستحيون وهم يقولون أن شرع الله لم يعد مناسبا لهذه العصور ، فبالله عليكم قولوا لنا ما الذى تغير حتى لم تعد شريعة الله - التى اختارها لتكون آخر رسالة إلى البشر وجعلها للعالمين أى لكل زمان ومكان - تتناسب معه ، أم أن شعائرها التعبدية مازالت تتناسب بخلاف شرائعها ؟!

    تعلمون ما الذى تغير فى الحقيقة : الذى تغير فى الحقيقة : القلوب ،
    تعلمون ما الذى تبدل فى الحقيقة : الذى تبدل فى الحقيقة : الإيمان بالله ،

    ولن يكون هناك سبيل لأن تعود هذه القلوب لله إلا بأن تخلص أولاً لله ، وذلك بأن تعلم أن الحكم و الأمر من خصائص ألوهيته كما أن الخلق من خصائصه التى تفرد بها .

    حتى لا نجد بعدها من يجادل عن جريمة ابتغاء غير الله حكما - التى اشترك فيها الحكام والمحكومين على حد سواء - فى ذات الوقت الذى ينتسب فيه إلى الإسلام ، محاولةً منه لجعلها مجرد معصية لا تخرج من الملة إلا إذا استحلها صاحبها حاكماً كان أو متحاكماً ،
    والله إن القلب ليتقطع ويتمزق عندما يجلس مع أناس ينتسبون إلى الإسلام ليقنعهم أن ابتغاء الله وحده حكماً من الإيمان الذى لا يشترط فى تكفير مخالفه الجحود ، وأن ابتغاء غيره حكماً من الشرك الذى لا يشترط فى تكفير فاعله الاستحلال .
    ثم يجد النقاش ينتقل إلى مرحلة أخرى وهى مرحلة ( الفصال ) ، فبعد أن يقتنع بعضهم بأنه من الإيمان الذى لا يكون المرء مسلماً إلا به نبدأ فى مرحلة ( ولماذا لا نعذر جاهله ؟ )
    فإذا اقتنع منهم أحد بأن جاهل الشئ لا يعتقده واستمر معك فى الحوار ، تجد النقاش قد انتقل إلى مرحلة هل يكفى فيه مجرد الاعتقاد ، أم لابد فيه من القول والعمل .
    ولذلك نقول أنه ليس هناك سبيل إلى تغير القلوب والأحوال إلا هذا السبيل ، والذى عبر عنه سيد قطب أحسن تعبير قائلا : ( والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده .. عقيدة تملأ القلب ، وتفرض سلطانها على الضمير ، عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلا لله ، وألا يتلقوا الشرائع إلا منه دون سواه .. وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم ، ويصبح لهم السلطان الفعلي في مجتمعهم ، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية ، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك .
    هذا ما يريده الله لهذا الدين .. ولن يكون إلا ما يريده الله ، مهما كانت رغبات الناس ! كذلك ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين ، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة - حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين ، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون ! - يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو( أولاً ) إقرار عقيدة ( لا إله إلا الله ) - بمدلولها الحقيقي ، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله ، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم ، إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم ، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم ..
    ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام ، كما كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة .. هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاماً كاملة .. فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل - عصبة من الناس .. فهذه العصبة هي التي يطلق عليها اسم ( المجتمع المسلم ) .. المجتمع الذي يصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياته الاجتماعية ، لأنه قرر بينه وبين نفسه أن تقوم حياته كلها على هذا الأساس ، وألا يحكم في حياته كلها إلا الله .
    وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه ، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سَنّ التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية ، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي ..
    فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد .
    ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين ، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين ، وطبيعة منهجه الرباني القويم ، المؤسس على حكمة العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة .. نقول : لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس ، مما ييسر لهم طريق الدعوة ، ويحبب الناس في هذا الدين !
    وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة ! وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون : أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية ، أو راية اجتماعية ، أو راية أخلاقية ، تيسيراً للطريق !
    إن القلوب يجب أن تخلص أولاً لله ، وتعلن عبوديتها له وحده ، بقبول شرعه وحده ، ورفض كل شرع آخر غيره .. من ناحية المبدأ.. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!
    إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله ، والتحرر من كل سلطان سواه ، لا من أن النظام المعروض عليها في ذاته .. خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل .
    إن نظام الله خير في ذاته ، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة . إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيَّاً كان ، هو ذاته الإسلام ، وليس للإسلام مدلول سواه ، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية ، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان
    !
    انتهى كلامه )
    حقا إن هذا لهو السبيل الحقيقى للخروج من هذه الجاهلية الجهلاء الظلماء ، فهو السبيل الذى اختاره الله لنبيه فلم تنزل التشريعات إلا بعد أن أيقنت النفوس أن لها إلهاً له الخلق والأمر .

    ويبدو أن حقيقة ( ألا له الخلق والأمر ) لم تعد متمكنة فى النفوس التمكن اللائق بها ، وإن كانت موجودة فى صورة ادعاء قولى بلا استشعار لها ناتج عن التفكر فى آيات الله الكونية والشرعية ، قال تعالى : " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون " الزمر 67
    والله إن الناس اليوم فى حاجة إلى أن تتعرف على الله بأسمائه وصفاته العلا ، وعلى خلقه وأمره الدالين على عظيم قدرته وكمال حكمته ، والتفكر والتذكر لذلك إذ بالنسيان ينسى الإنسان نفسه ،
    قال تعالى : " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون " الحشر : 19


    ولذلك أحببت أن أقدم لكم ما يعين على عبادة التفكر فى خلقه وأمره ، كما ادعوكم إلى تجديد التأمل والتفكر فى ذلك تجديداً دائماً كما أمرنا الله تبارك وتعالى بذلك فى غير موضع من كتابه ؛ لتقوى حقيقة ( ألا له الخلق والأمر ) فى النفوس وتستقر وترسخ .
    فاخترت لإثبات الحقيقة الأولى وهى ( ألا له الخلق ) كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ، وتنقيت منه ما رأيته يفى بالمقصود ،
    واخترت لإثبات الحقيقة الثانية وهى ( ألا له الأمر ) كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين ، وكذلك تنقيت منه جزءاً خاصاً .

    يقول ابن قيم الجوزية و كما سنقرأ فى كتابه مفتاح دار السعادة : ( وهذا كثير في القرآن يدعو العبد إلى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره ، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه ، وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه ، وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره ، قال الله تعالى : " قتل الإنسان ما أكفره . من أي شيء خلقه . من نطفة خلقه فقدره . ثم السبيل يسره . ثم أماته فأقبره . ثم إذا شاء أنشره " فلم يكرر سبحانه على أسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب ولا لنتكلم بها فقط ، ولا لمجرد تعريفنا بذلك ، بل لأمر وراء ذلك كله هو المقصود بالخطاب ، وإليه جرى ذلك الحديث ، فانظر الآن إلى النطفة بعين البصيرة ..........)

    ويقول أيضا : ( وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها ولا يدرك الوصف حسنها ، ولا تقترح عقول العقلاء ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم فوقها وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن ادركت حسنها وشهدت بفضلها ، و أنه ما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها فهي نفسها الشاهد والمشهود له والحجة والمحتج له والدعوى والبرهان ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على أنها من عند الله وكلها شاهدة له بكمال العلم وكمال الحكمة وسعة الرحمة والبر والإحسان والإحاطة بالغيب والشهادة والعلم بالمباديء والعواقب وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده ، فما أنعم عليهم بنعمة أجل من أن هداهم لها وجعلهم من أهلها وممن ارتضاهم لها ، فلهذا امتن على عباده بأن هداهم لها ، قال تعالى : " لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " ، وقال معرفاً لعباده ومذكراً لهم عظيم نعمته عليهم مستدعيا منهم شكره على أن جعلهم من أهلها : " اليوم أكملت لكم دينكم " الآية ، وتأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال والنعمة التي أسبغها عليهم بالتمام إيذانا في الدين بأنه لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل ولا شيء خارجا عن الحكمة بوجه ، بل هو الكامل في حسنه وجلالته ، ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها وأنه لا يسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها ، بل يتمها لهم بالدوام في هذه الدار وفي دار القرار ، وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين وإضافة الدين إليهم ؛...................)
    والمقصود التنبيه على أقل القليل من وجوه الحكمة فى خلقه وأمره ، والأمر أجل من ذلك بكثير ، وإنما ما قدمناه مجرد تنبيه .

    رابط الكتاب الأول ( مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة )

    رابط الكتاب الثانى ( إعلام الموقعين عن رب العالمين )


  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2011
    عضو نشيط
    المشاركات: 332
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    واستكمالا لما نحن بصدد التفكر فيه وتذكره وهو أحق الحقائق وأجل المعارف ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) ؛ وذلك باعتباره هو السبيل الحقيقى للخروج من الظلمات إلى النور فى كل زمان ومكان بصفة عامة ، وللخروج من جاهلية اليوم بصفة خاصة ،
    وقد سبق وأن قلنا : ( إن الناس اليوم فى حاجة إلى أن تتعرف على الله بأسمائه وصفاته العلا ، وعلى خلقه وأمره الدالين على عظيم قدرته وكمال حكمته ، والتفكر والتذكر لذلك إذ بالنسيان ينسى الإنسان نفسه ، قال تعالى : " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون " الحشر : 19 )
    وقد أوردنا هناك كتابين يفيان بالمقصود لإثبات حقيقتى ( ألا له الخلق والأمر )
    و بقى لدينا ما يجب أن يكون نصب أعيننا فى كل وقت وحين ؛ إذ أن الغفلة عنه لحظة واحدة هى سبب الوقوع فى الكفر و المعاصى والزلل ؛ ولذلك أحببت أن أخصه بحديث خاص وهو : ضرورة التعرف على الله بأسمائه وصفاته العلا ( تبارك الله رب العالمين )
    يقول ابن قيم الجوزية فى الفوائد 93 /1 : فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله بهم نظرا منه لهم وإحسانا إليهم ولطفا بهم ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علما وإرادة وعملا لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته أحبوا أم كرهوا فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره وقدحوا فى حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة فلا لربهم عرفوا ولا لمصالحهم حصلوا والله الموفق ، ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه فيها إلا نعيم الآخرة فإنه لا يزال راضيا عن ربه والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين فإنه طيب النفس بما يجري عليه من المقادير التى هي عين اختيار الله له وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية وهذا هو الرضا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا .

    فالله جل وعلا أرحم بعباده منهم بعضهم ببعض مهما علا قدر الرحمة والتراحم بينهم ، فهى رحمة لا يساويها شئ من رحمة الناس ، فمتى تيقن عباده بهذا الأمر حقيقا لا ادعاءا ، لاطمئنوا إلى أحكامه الدينية ورضوا به وحده ربا خالقا ، آمرا مشرعا ، ولم تجد من يصف حدوده - من قطع يد السارق وجلد أو رجم الزانى وغيرها من الحدود الدالة على كمال علمه وحكمته - بالقسوة ، أو حتى يشعر تجاهها بالشدة حتى ولو كان شعورا غير قادحا فى إيمانه ،

    يقول ابن تيمية فى مجموعة الفتاوى 52: 48/20 : ( أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين ، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ...........
    كتقديم قتل النفس على الكفر ، كما قال تعالى : " والفتنة أكبر من القتل " فتقتل النفوس التى تحصل بها الفتنة عن الإيمان ؛ لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس ، وكتقديم قطع السارق ورجم الزانى وجلد الشارب على مضرة السرقة والزنا والشرب ، وكذلك سائر العقوبات مأمور بها ، فإنها أمر بها مع أنها فى الأصل سيئة وفيها ضرر ، لدفع ما هو أعظم ضررا منها - وهى جرائمها - إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير .
    وكذلك فى ( باب الجهاد ) وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراما ، فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل : الرمى بالمنجنيق والتبييت بالليل ، جاز ذلك ، كما جاءت فيها السنة فى حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق ، وفى أهل الدار من المشركين يبيتون ، وهو دفع لفساد الفتنة - أيضا - بقتل من لا يجوز قصد قتله .
    )
    فالله عز وجل يرحمهم بهذه الحدود التى هى رحمة من عذاب الآخرة الذى هو أشد إلاما من جهتين :
    الأولى : أنها رادعة للعبد وزاجرة له عن اقتراف مثل هذه الذنوب ابتداءا ، فالإنسان يخاف فى الغالب من العاجل قبل الآجل .
    والثانية : أنه بها يتطهر من الذنب ؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا طيب تطهر من ذنوبه ، فيكون هذا التطهر له أخف من التطهر بالنار .
    وأيضا فلا يتصور إذا طبقت الحدود أن تجد - مثل ما نجد اليوم بكثرة - من عليه أكثر من سابقة زنا أو سرقة !

    أما عن كونه أعلم العالمين فلأنه أحاط علمه بالظواهر والبواطن والإسرار والإعلان ، وبالعالم العلوى والسفلى ، بالماضى والحاضر والمستقبل ، فلا يخفى عليه شئ من الأشياء ، علم ما سيكون ومالم يكن أن لو كان كيف يكون ، أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شئ عددا ،
    وقد أجمع العلماء على أنه أكبر واعظ وأعظم زاجر نزل من السماء إلى الأرض ، ضاربون لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - أن لو كان أمير بلدا ذو قوة ومنعة وعزة ، قتّال للرجال إذا انتهكت حرماته ، يبيت عالما بكل ما تفعله رعيته لباتوا متأدبين ، وهذا خالق السماوات والأرض الملك الجبار يخبرهم فى آيات كتابه " إن الله سميع عليم " البقرة 181 ،
    فينبغى علينا جميعا أن نعتبر بهذا الزاجر الأكبر ، الواعظ الأعظم ، وأن لا ننساه لئلا نهلك أنفسنا وكثيرا ما يأتى اسم الله العليم فى سياق الأعمال وجزائها ليوقظ القلوب وينبه العباد على أهمية إكمالها وإصلاحها وليرغبهم ويرهبهم ، " وكفى بالله عليما " النساء 70
    وقال تعالى : " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " الأنعام 103 ، وقال : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير "
    فالخبير هو الذى أدرك علمه السرائر واطلع على مكنون الضمائر ، وعلم خفيات البذور ولطائف الأمور ودقائق الذرات فهو اسم يرجع فى مدلوله إلى العلم بالأمور الخفية التى هى فى غاية اللطف والصغر ، وفى غاية الخفاء ، ومن باب أولى وأحرى علمه بالظواهر والجليات .

    وأما اللطيف فله معنيان :
    أحدهما : بمعنى الخبير ، وهو أن علمه دق وبلطف حتى أدرك السرائر والضمائر والخفيات .
    والمعنى الثانى : الذى يوصل إلى عباده وأوليائه مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرق لا يشعرون بها .
    فلطف الله بعبيده هو من الرحمة ، بل هو رحمة خاصة ، فالرحمة التى تصل إلى العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هى اللطف .
    ومن لطفه بعباده المؤمنين أنعه يتولاهم بلطفه فيخرجهم من الظلمات إلى النور ، من ظلمات الجهل والكفر والبدع والمعاصى إلى نور العلم والإيمان والطاعة .

    أما كونه أحكم الحاكمين ، قال تعالى : أليس الله بأحكم الحاكمين " التين 8 ، و قال : " وهو خير الحاكمين " ، فالحكيم دال على ثبوت كمال الحكم لله وكمال الحكمة .
    فكمال الحكم فبثبوت أن الحكم لله وحده يحكم بين عباده بما يشاء ، ويقضى فيهم بما يريد ، لا راد لحكم ، ولا معقب لقضائه ، قال تعالى : " والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب " فحكمه فى خلقه نافذ لا راد له .
    وليس لأحد أن يراجع الله فى حكمه كما يراجع الناس بعضهم بعضا فى أحكامهم ، فكيف بتقديمهم أحكامهم بالاحتكام إليها على أحكامه - حتى وإن زعموا أن الأولى تحكيم شريعته - فيصيرون بذلك مبتغين غيره حكما مشركين به ؛ لأنه تعالى : " لا يشرك فى حكمه أحدا " ؛ لأن الحكم لا يكون إلا له قال تعالى : " إن الحكم إلا لله " ، وقال : " أفغير الله أبتغى حكما " .
    وثبوت الحكم له سبحانه يتضمن ثبوت جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا لأنه لا يكون حكما إلا سميعا بصيرا عليما خبيرا مدبرا .......
    وفى هذا إبطال لجعل الحكم لغير الله ؛ لأن الحكم لا يكون إلا لكامل الصفات " فالحكم لله العلى الكبير " غافر 12
    فمن هذا شأنه هو المستحق وحده أن يفرد بالذل والخضوع ، قال : "
    إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ، وقال : ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون "
    وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل تكنيه بأبي الحكم ، قائلا له : " إن الله تعالى هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم " ، فهذا فى من شاركه فى الاسم فكيف بمن شاركه فى المسمى الذى هو أخص خصائص ألوهيته ؟!


    أما كمال الحكمة فبثبوت الحكمة له سبحانه فى خلقه وأمره وشرعه ، حيث يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها ، وقد سبق وأن أفردنا فى المشاركة الأولى من هذا الموضوع الحديث عن كمال حكمته فى خلقه وأمره فلتراجع هناك مستعينين فى ذلك بما أوردناه من أجزاء من كتابى مفتاح دار السعادة ، وإعلام الموقعين عن رب العالمين .

    ومن حكمه وحكمته وكمال عدله سبحانه أنه لا يسوى بين عباده الذين أخلصوا دينهم له ، وبين عباده الذين أشركوا - سواء كان ذلك منهم بعلم أو بجهل طالما أنهم قد بلغتهم دعوة الأنبياء وإن لم يتعلموها ولم يتحقق فيهم العلم - قال تعالى : " أفنجعل المسلمين كالمجرمين . مالكم كيف تحكمون " القلم ،
    يقول ابن قيم الجوزية فى مفتاح دار السعادة 11/2 : ( وقد أنكر تعالى على من نسب إلى حكمته التسوية بين المختلفين كالتسوية بين الأبرار والفجار فقال تعالى : " أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار " ص : 28 ، وقال : " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون " الجاثية : 26 ، فدل على أن هذا حكم سيء قبيح ينزه الله عنه ولم ينكره سبحانه من جهة أنه أخبر بأنه لا يكون وإنما أنكره من جهة قبحه في نفسه وإنه حكم سيء يتعالى ويتنزه عنه لمنافاته لحكمته وغناه وكماله ووقوع أفعاله كلها على السداد والصواب والحكمة فلا يليق به أن يجعل البر كالفاجر ولا المحسن كالمسيء ولا المؤمن كالمفسد في الأرض فدل على أن هذا قبيح في نفسه تعالى الله عن فعله . )

    ولأن المقصود هنا التنبيه على ضرورة التعرف على الله بأسمائه وصفاته العلا ( تبارك الله رب العالمين )
    فإليكم كتاب فقه الأسماء الحسنى لعبد الرزاق البدر ليكون معينا على ذلك ، وقد استفدنا منه فى كتابة هذا الموضوع وإليكم رابطه اضغط هنا

    وقد نبهنا فى المشاركة الأولى على بعض وجوه الحكمة فى خلقه وأمره – ليكتمل بمجموع ما ذكرنا رؤية وتصور وتلمس السبيل الحقيقى للخروج من ظلمات هذه الجاهلية إلى النور ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) .
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Oct 2012
    عضو
    المشاركات: 184
    لا يمكن النشر في هذا القسم
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع