1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 22
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    نقول بعدم العذر بالجهل او التاويل فى اصل الدين فاما الادلة على عدم العذر بالجهل فقد شربناها والفت فيها المؤلفات التى تخرص الابواق ولكن عدم العذر بالتاويل لم اجد فيه مصنف خاص يبحث هذه القضية الخطيرة بالادلة والبراهين القاطعة المتنوعة والتى لا تقل خطورتها عن قضية العذر بالجهل بل تتخطاها بمراحل اذ انها فى العادة تتناول من يسمون انفسهم بعلماء الدين بل وشيوخ الجهاد فهل يستطيع احد الاخزة الافاضل ان يفصل لنا فى الادلة على عدم العذر بالتاويل فى اصل الدين او يرفع لنا مصنفا فى ذلك واكرر اريد تفصيل لا اجمال اذ انه يدور فى ذهنى مجملا اشياء نقلية وعقلية فى ذلك ولكن ارجو التفصيل
    ممن عنده تفصيل لان القضية خطيرة بالفعل وخطورتها تتمثل فى تناولها لاكثر شيوخ الارض الذين قد يكون لهم باع ليس بالهين فى الدعوة الى التوحيد الذى يجمع الناس !

  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Feb 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 11
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبه نستعين

    الأخ السائل، بما أنك علقت المسألة بعقيدة من يسمون أنفسهم مشايخ الجهاد، فالسؤال المطروح يصبح كالآتي:

    هل يوجد أدلة تفصيلية على أن الذين "يعبدون غير الله مع الله سبحانه " ، هم ليسوا في دين الله تعالى؟؟


    والجواب هو:

    هل يوجد دليلٌ واحدٌ على أن الذين "يعبدون غير الله مع الله سبحانه" ، هم في دين الله تعالى في شيء، ولو بأي حال من الأحوال ولو بأي عذر من الأعذار ؟؟


    لو فنيت أعمار الخلائق أجمعين، ماستطاعوا أن يأتوا بدليل واحدٍ على أن الذين يعبدون غير الله معه سبحانه هم في دين الله تعالى في شيء

    ولتوفير الوقت والجهد علينا وعليك ، نقول بعون الله تعالى:
    من هذا حالهم إن لم يكونوا كافرين معاندين فهم كافرين ضالين،
    والذي يعطيهم صفة الإسلام عاذرا إياهم في عبادتهم غير الله مع الله سبحانه ، ولو بأي عذر من الأعذار، يكون جاحدا لوجوب ما أرسل الله به رسله، وجاحد وجوب ما أرسل الله به رسله، كافرٌ بلا ريب، فإن كان يعلم الحق وتركه مع علمه به فهو كافر معاند، وإلاّ فهو كافرٌ ضال. والكفر ملة واحدة.

    والحمد لله تعالى الذي هدانا لدينه، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 22
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    لا ادرى لماذا منذ ان بدأت المشاركة الفعلية فى هذا المنتدى ولا احد يجيب على اسئلتى وان اجاب احد مشكورا ابعد النجعة واجاب على غير سؤال مع ان هذه الاسئلة تمس عقيدة واصل دين واساس دعوة كل موحد وبوجود غبش فيها او عدم وضوحها غاية الوضوح يورث الهلاك الذى لا عصمة منه لاحد الا باتياع الدليل وتحرى وجه الدلالة بدقة بالغة وفهم راسخ معتمد على الطرق الصحيحة للاستدلال كما تقرر ذلك فى كتب الاصول خاصة فى قضايا التوحيد والكفر والاسلام ومسائل التكفير التى نعلم جيدا مدى خطورتها ومدى اهميتها فهى سلاح ذو حدين اذ قد يكون بالخوض فيها تحقيق التوحيد الذى لا اسلام بدونه للعبيد او الوقوع فى مزالق قد تؤدى الى الكفر وقد يكون بالحتراز والاحجام عن الخوض فيها الوقوع فى الشرك المخرج من الملة او الاحتياط للنفس والسلامة -كل بحسب ما يتعلق به -ولا اريد ان اذكر الاخوة الافاضل بالخوارج وما ورد فيهم من ادلة تكاد تكون قطعية الدلالة فى تكفيرهم ومع ذلك فان الجمهور على عدم تكفيرهم حتى الامام القرطبى الذى ذهب فى المفهم الى قوله (والقول بتكفيرهم اظهر فى الحديث) كان يرى ان ترك تكفيرهم اسلم لقوله(وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا) وروى الخلال قال (واخبرنى محمد بن ابى هارون ان اسحاق حدثهم ان ابا عبد الله-الامام احمد-سئل عن الحرورية والمارقة يكفرون.قال:اعفنى من هذا وقل كما جاء فى الحديث) وقد توقف فى مسألة تككفيرهم الباقلانى والغزالى .قال الحافظ فى الفتح نقلا عن القاضى عياض (وقد توقف قبله القاضى أبو بكر الباقلانى وقال:لم يصرح القوم بالكفر وانما قالوا اقوالا تؤدى الى الكفر .وقال الغزالى فى كتاب التفرقة بين الايمان والزندقة : والذى ينبغى الاحتراز عن التكفير ما وجد اليه سبيلا فان استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ فى ترك ألف كافر فى الحياة أهون من الخطأ فى سفك دم لمسلم واحد).ولمثل هذا ذهب ابو المعالى رحمه الله فى اجوبته لابى محمد عبد الحق وكان سأله عن المسألة واعتذر له بأن الغلط فيها صعب لان ادخال كافر فى الملة او اخراج مسلم عنها عظيم فى الدين ......
    وهذا شئ يسير مما جاء فى حق الخوارج والاحتراز عن تكفيرهم اما الاحتراز عن التكفير الذى هو بدون بينة واضحة وبرهان من الله كالشمس فى كبد السماء -على حد تعبير بعض العلماء-ففيه الكثير وليس هذا موضعه ويكفى انه سبب ذم الخوارج وتضليلهم وتكفيرهم من بعض العلماء
    وفى الجانب الاخر فان تكفير المشرك هو معنى لا اله التى هى لا اسلام بدونها للعبد وان صلى وصام وزعم انه مسلم وفى هذا من الادلة ما يضيق بها المقام والمقام مقام اختصار خاصة وهى فى جملتها معروفة بحمد الله لمن يتصفح هذا المنتدى
    وسؤالى هنا يتضمن عالما لا يعذر بالجهل ويكفر الطواغيت وعبادهم وان ادعو الجهل ولكنه يعذر غيره من العلماء -ممن ذهبو الى عدم تكفيربعضهم ممن يجهل او باى زعم اخر-بالتاويل . فما حكم من هذا حاله. واذا اردنا ان نعرف ذلك لابد وان نعرف هل التاويل يعذر به فى اصل الدين ام لا وبالطبع فان مرادى ان نعرف ذلك بدليل النقل والذى يؤيده دليل العقل لا العكس -وانبه على تلك النقطة-فهل اجرمت فى ذلك هل اجرمت حين قلت لكم (تعالو الى ما انزل الله والى الرسول)فانا اقول لكل من فى المنتدى انا عندى شئ من ذلك بعضه يوصل من لا يكفر المتأول الى الشرك بمذهبه وليس بلازمه ولكن من طريق بعيد لم ارى احد قال به فقلت لنفسى لماذا لا نطرح ذلك على هذا المنتدى والذى ظننت ان سؤال هذا وغيره لن يبرح حتى يجاب عليه فى وقت قصير جدا لكون هذا الكلام مصدق به فى هذا المنتدى ومن المسلمات ولكن هذا ما لم يحدث الى الان فارجو من الاخوة ان تتكاتف للاجابة على هذه الاسئلة فهى فى جملتها ليست من باب الترف الفقهى او الخلاف السطحى بل هى قضية كفر واسلام .
    وحتى لا يسول الشيطان للبعض سوءا عن معتقدى-واراه من لهجة الكلام قد حدث بالفعل-فانا اكفر من وقع فى الشرك الاكبر واكفر من لا يكفره ولا اعذر لا بجهل ولا تأويل
    واعتذر عن امكان عدم تواجدى فى الفترة القادمة للمتابعة للانشغال التام ولكن فور فراغى ولو لوقت قصير سأحاول ان اتابع جميع الاجابات لعل الله ينفعنا بها

    واستحلف بالله كل من يقرأ هذه الابيات ان يدعوا لقائلها بما يحب ان يدعو به لنفسه
    لا دينكم دينى ولست بعابد ذاك الذى للشرك عندكم غفر
    لا اعبد الرب الذى تصفونه وانا برئ منكم طول العمر
    دين يأسلم كل كفر ظاهر وكأنه الدين الذى يرضى البشر
  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : May 2010
    عضو
    المشاركات: 49
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه


    التأويل الفاسد شقيق الجهل ، إذ لم يصل صاحبيهما إلى الحق وقصروا عنه ، وإن كان المتأول قد وصل إلى جزء من الحقيقة ، ولكن لمّا كانت مشكوكاً فيها عنده ولم يستيقن بها كان هو والجاهل سواء

    وذلك أن العلـم : هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً
    فخرج بقول : إدراك الشيء ؛ عدم الإدراك بالكلية ويسمّى ( الجهل البسيط )
    وخرج بقول : على ما هو عليه ؛ إدراكه على وجه يخالف ما هو عليه ، ويسمّى ( الجهل المركب )
    وخرج بقول : إدراكاً جازماً ؛ إدراك الشيء إدراكاً غير جازم ، بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه ، فلا يسمى ذلك علماً
    [ أنظر رسالة الأصول من علم الأصول لابن عثيمين ]

    ثم إن الناس أصناف ثلاثة لا رابع لها ( لزيادة بيان أن المتأول من جنس الجاهل )
    منعم عليهم ومغضوب عليهم وضالون كما تضمنته سورة الفاتحة

    ١- فالمنعم عليهم : هم الذين عرفوا الحق وعملوا به
    ٢ - المغضوب عليهم : و هم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به
    ٣- الضالون : وهم الذين حادوا عن الحق حيرةً وجهلاً

    والمشركون اليوم لمّا تأولوا في أصل الدين بإعمالهم الشبهات

    ـ كما في مسألة الحكم بإسلام جاهل التوحيد بإعمالهم شبهات كذات أنواط أو غيرها أورثهم هذا الإعمال التشكيك في حقيقة لا إله إلا اللـه

    فإن المرء لا يكون مسلماً حتى يعلم ويتيقن أن الإسلام لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان باللـه ، فإن شك لدخول شبهة عليه وقال إنه قد يتحقق الإسلام حتى مع عبادة غير اللـه ، أي عبادة الطاغوت ـ سواء أكان هذا الطاغوت حجراً أو شجراً أو بشراً ـ فإن هذا الشك ينفي عنه كونه من أهل الإسلام ومن أهل لا إله إلا اللـه إذ من شروطها : اليقين المنافي للشك وهو بشكه هدم اليقين بها

    ـ وكما في مسألة الحاكمية ، فإن كل مسلم يعلم أن التشريع حق خالص للـه سبحانه ، من نازعه فيه فقد أشرك نفسه به ، و لايقره على هذا مسلم و لا يختلف في حكمه مسلمان وهذه من بديهيات العقيدة الإسلامية و مٌسلَّمة لا نزاع فيها

    ومن أقر أن حق التشريع يجوز الإشراك فيه مع اللـه ولا يكون هذا الإشراك كفراً ، فلم يفهم الإسلام بعد ولم يفهم قاعدة العبودية التي يقوم عليها

    والمشركون اليوم حادوا عن هذا الفهم ، وصارت هذه المُسلّمة البديهية من أعضل المعضلات عندهم

    وهذه الحيدة قد يكون سببها إضلال من يثقون في دينهم وصلاحهم أو فهمهم لنصوص أو أقوال قيلت في واقع مغاير لواقع طواغيت اليوم المستمدين لشرائعهم من غير المصدر الإلهي والذين يتخدون دستوراَ غير الدستور الإلهي

    هذه الشبهات وهذا التأويل الخاطئ جعلهم يشككون في الحقيقة البديهية و ينقضونها ، فصاروا بإتباعهم للشبهات من الضالين غير المهتدين

    فإن أصل الضلال هو إتباع الشبهات
    يقول الإمام الشاطبي رحمه اللـه في أمثال هؤلاء الذين اتبعوا المتشابه :
    " وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين ، لأنه اتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع المحكمات "
    [ الموافقات ج ٣ باب العموم والخصوص ]

    فطبيعة الشبهة أنها تورث الشك بإتباعها
    يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد في الكلام عن أصول الخطايا وأبواب النار " باب شبهة اورثت شكا في دين الله "

    والمخلص من فتنة الشبهات هو والتمسك بأصل الدين والتيقين به

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : فبالصبر تُترك الشهوات ، وباليقين تٌدفع الشبهات [ كتاب إقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٨]
    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : " ففتنة الشبهات تدفع باليقين ، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر
    وجمع بينهما أيضا في قوله تعالى : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات ، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات
    جاء في حديث مرسل : " إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات " فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة ، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة والله المستعان " [ كتاب اغاثة اللهفان ج ٢ ص ١٦٧]


    وآخر دعوانا أن الحمد للـه رب العـالمين

  5. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Feb 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 11
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلمان الفارسي مشاهدة المشاركة
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد للـه والصلاة والسلام على رسول اللـه


    التأويل الفاسد شقيق الجهل ، إذ لم يصل صاحبيهما إلى الحق وقصروا عنه ، وإن كان المتأول قد وصل إلى جزء من الحقيقة ، ولكن لمّا كانت مشكوكاً فيها عنده ولم يستيقن بها كان هو والجاهل سواء

    وذلك أن العلـم : هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً
    فخرج بقول : إدراك الشيء ؛ عدم الإدراك بالكلية ويسمّى ( الجهل البسيط )
    وخرج بقول : على ما هو عليه ؛ إدراكه على وجه يخالف ما هو عليه ، ويسمّى ( الجهل المركب )
    وخرج بقول : إدراكاً جازماً ؛ إدراك الشيء إدراكاً غير جازم ، بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه ، فلا يسمى ذلك علماً
    [ أنظر رسالة الأصول من علم الأصول لابن عثيمين ]

    ثم إن الناس أصناف ثلاثة لا رابع لها ( لزيادة بيان أن المتأول من جنس الجاهل )
    منعم عليهم ومغضوب عليهم وضالون كما تضمنته سورة الفاتحة

    1- فالمنعم عليهم : هم الذين عرفوا الحق وعملوا به
    2 - المغضوب عليهم : و هم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به
    3- الضالون : وهم الذين حادوا عن الحق حيرةً وجهلاً

    والمشركون اليوم لمّا تأولوا في أصل الدين بإعمالهم الشبهات

    ـ كما في مسألة الحكم بإسلام جاهل التوحيد بإعمالهم شبهات كذات أنواط أو غيرها أورثهم هذا الإعمال التشكيك في حقيقة لا إله إلا اللـه

    فإن المرء لا يكون مسلماً حتى يعلم ويتيقن أن الإسلام لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان باللـه ، فإن شك لدخول شبهة عليه وقال إنه قد يتحقق الإسلام حتى مع عبادة غير اللـه ، أي عبادة الطاغوت ـ سواء أكان هذا الطاغوت حجراً أو شجراً أو بشراً ـ فإن هذا الشك ينفي عنه كونه من أهل الإسلام ومن أهل لا إله إلا اللـه إذ من شروطها : اليقين المنافي للشك وهو بشكه هدم اليقين بها

    ـ وكما في مسألة الحاكمية ، فإن كل مسلم يعلم أن التشريع حق خالص للـه سبحانه ، من نازعه فيه فقد أشرك نفسه به ، و لايقره على هذا مسلم و لا يختلف في حكمه مسلمان وهذه من بديهيات العقيدة الإسلامية و مٌسلَّمة لا نزاع فيها

    ومن أقر أن حق التشريع يجوز الإشراك فيه مع اللـه ولا يكون هذا الإشراك كفراً ، فلم يفهم الإسلام بعد ولم يفهم قاعدة العبودية التي يقوم عليها

    والمشركون اليوم حادوا عن هذا الفهم ، وصارت هذه المُسلّمة البديهية من أعضل المعضلات عندهم

    وهذه الحيدة قد يكون سببها إضلال من يثقون في دينهم وصلاحهم أو فهمهم لنصوص أو أقوال قيلت في واقع مغاير لواقع طواغيت اليوم المستمدين لشرائعهم من غير المصدر الإلهي والذين يتخدون دستوراَ غير الدستور الإلهي

    هذه الشبهات وهذا التأويل الخاطئ جعلهم يشككون في الحقيقة البديهية و ينقضونها ، فصاروا بإتباعهم للشبهات من الضالين غير المهتدين

    فإن أصل الضلال هو إتباع الشبهات
    يقول الإمام الشاطبي رحمه اللـه في أمثال هؤلاء الذين اتبعوا المتشابه :
    " وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين ، لأنه اتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع المحكمات "
    [ الموافقات ج 3 باب العموم والخصوص ]

    فطبيعة الشبهة أنها تورث الشك بإتباعها
    يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد في الكلام عن أصول الخطايا وأبواب النار " باب شبهة اورثت شكا في دين الله "

    والمخلص من فتنة الشبهات هو والتمسك بأصل الدين والتيقين به

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : فبالصبر تُترك الشهوات ، وباليقين تٌدفع الشبهات [ كتاب إقتضاء الصراط المستقيم ص 28]
    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : " ففتنة الشبهات تدفع باليقين ، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر
    وجمع بينهما أيضا في قوله تعالى : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات ، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات
    جاء في حديث مرسل : " إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات " فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة ، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة والله المستعان " [ كتاب اغاثة اللهفان ج 2 ص 167]


    وآخر دعوانا أن الحمد للـه رب العـالمين




    بسم الله الرحمن الرحيم
    والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين



    جزاك الله خيرا على ما تفضلت به، وهذا رد آخر لأخت مسلمة ، وهو يدور حول نفس المعنى الذي قدمتموه، أسوقه هنا، لتأكيد المعنى وزيادة الفائدة بإذن الله تعالى، لأن الهدف هو إحقاق الحق، بإذن الله تعالى وعونه وحده.

    بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين..

    "ثم ضرب الله تعالى ،مثل العباد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيء وهم أصحاب الجهل المركب في قوله تعالى ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) الآية ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط وهم الذين قال تعالى فيهم ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) فقسم الكفار ههنا إلى قسمين داعية ومقلد كما ذكرهما في أول سورة الحج ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ) وقال ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) انتهى كلام ابن كثير(من تفسير ابن كثير / 1/57، نسخة الكترونية)"

    والله ورسوله أعلم، إنّ التأويل الفاسد هو وادٍ من أودية الجهل السحيقة، وهو داخل في تعريف الجهل المركب، وأصحابه أشد ضلالا من الجهل البسيط، لأن صاحب الجهل البسيط لا يعتقد أنه عالمٌ بما ضل فيه، أما صاحب الجهل المركب فإنه يعتقد أنه يعلم الحق وأنه موافقٌ له، وأنه وُفّق في الوصول إليه، وهو في الحقيقة ضال لم يوافق الحق ولم يعلم به،

    فالذي لم يعلم الحق بل ضل عنه لأي سبب من الأسباب، مع اعتقاده أنه يعلمه، هو جاهل جهلا مركبا
    وأصحاب التأويل الفاسد، هم من هذا الصنف.


    وإليكم هذا التعريف، من كتاب،عمدة القاري:
    (الجهل البسيط وهو عدم العلم بالشيء لا مع اعتقاد العلم به
    أما الجهل المركب وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به)
    (من كتاب: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، ج2/ص 132 نسخة الكترونية)

    فالذي يعبد غير الله مع الله سبحانه، مُتأولا، فهو كافرٌ ضالٌ جاهلٌ جهلا مركبا، ومن لم يُكفره فهو أيضا كافرٌ بلا ريب، جاحدٌ لوجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، وعذره لهؤلاء في عبادتهم غير الله مع الله تعالى، شاهدٌ على جحوده بوجوب إفراد الله تعالى بالعبادة.

    فإن علم الحق ثم تركه، أو أعلم بالحق و تركه وبقي على حاله، يصبح كافرا معاندا ، والكفر ملة واحدة.

    فالتأويل الفاسد لا يجعل الذي يعبد غير الله مع الله ، عابدا لله وحده، فالذي يعبد غير الله مع الله، هو عابد لغير الله مع الله ، ولا يصبح بتأويله الفاسد، عابدا لله وحده،

    وأضرب لك مثالا على ذلك:
    لنفرض أننا في المدينة المنورة، وأن هناك طريقا واحدا موصلا إلى مكة المكرمة، ولا يوجد أي طريق آخر موصل إليها، ولنفرض أن شخصا يريد الوصول إلى مكة، لكنه سلك طريقا غير الطريق الوحيد الموصل إلى مكة، بل سلك طريقا يوصل إلى الرياض، فهل يقال عنه بأنه يسير في الطريق الصحيح الموصل نحو مكة ، لمجرد انه قصد السير نحو مكة، او لمجرد انه اعتقد انه يسير في الطريق الصحيح الموصل إلى مكة؟؟ هل مجرد اعتقاده أنه يسير نحو مكة يجعله سائرا نحو مكة؟؟ أليس في حقيقة الأمر هو يسير نحو الرياض؟؟؟ كيف يقال عنه بأنه أيضا يسير نحو مكة، لأنه معذور ؟؟ هل عذره يجعله سائرا في طريق مكة؟؟ هل عذره يجعل طريق الرياض تصبح هي نفس طريق مكة؟؟ هل عذره يجعل الرياض تصبح هي نفسها مكة؟؟ هذا لا يكون صحيحا إلا إذا كانت مكة هي الرياض والرياض هي نفسها مكة، ولا فرق بينهما؟؟!! حينها سيكون الذي يسير نحو الرياض هو أيضا سائر نحو مكة،
    بل يقال عنه أنه ضال، قصد شيئا لكنه سلك غير الطريق الموصل إليه ، فأصبح في حقيقة أمره قاصدا شيئا آخر

    الذي يعبد غير الله مع الله ، متأولا أو جاهلا، أو مخطئا أو مقلدا أو بحسن قصد أو بغيرها من الأعذار، لا فرق بينهم، فجميع هؤلاء حقيقة أمرهم واحدة وهي: أنهم مشركون كافرون يعبدون غير الله مع الله سبحانه، ليسوا في دين الله في شيء، وأن هذه الأعذار لا تجعل الذي يعبد غير الله مع الله، لا تجعله عابدا لله وحده بلا شريك، فالذي يعبد غير الله تعالى مع الله تعالى، هو يعبد غير الله تعالى، ولا يكون عابدا لله وحده،

    الدين الذي بعث الله به رسله أجمعين ، هو دين إفراد الله تعالى بالعبادة (ألا تعبدوا إلا الله) ، والله تعالى أخبرنا أن العباد إما مؤمن وإما كافر(فمنكم كافر ومنكم مؤمن)
    فالذي يعبد غير الله مع الله هو كافر ، ومن لم يكفره عاذرا إياه بالتأويل أو الجهل أو غيرها، فهو كافر لأنه جاحد لوجوب إفراد الله بالعبادة
    والذي يريد أن يجعل "الذي يعبد غير الله مع الله تعالى" في دين الله تعالى ، تحت أي عذر من الأعذار ، هو الذي يلزمه أن يأتي بالدليل الذي يريد به أن يخرق به هذا الأصل العظيم الذي بعث الله به رسله أجمعين،

    وهيهات له ذلك ، لأن الله تعالى بعث رسله وأنزل كتبه من أجل إفراده سبحانه بالعبادة ، فكيف يجعلون الذين يعبدون غير الله مع الله في دين الله تعالى، بعذر التأويل أو بغيره، هذا اتخاذ لآيات الله ورسله هزوا، وجحود لوجوب ما أرسل الله به رسله سبحانه قال تعالى (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا) فمن لم يكفر "الذين يعبدون غير الله مع الله سبحانه" سواء عبدوا غيره معه سبحانه جهلا أو تأولا أو خطأ أو تقليدا، فهو كافر بلا ريب ، مكذبٌ بالكتاب وبما أرسل الله به جميع رسله، جاحدٌ بوجوب إفراد الله بالعبادة، ومن هذا حاله إن لم يكن كافر معاند فهو كافر ضال، والكفر ملة واحدة.


    والله أعلم
    والحمد لله رب العالمين
    كتبته بعون الله: ام عبد الله
  6. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Feb 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 9
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    أردت أن أعلم مقصدك من قولك ( فانا اقول لكل من فى المنتدى انا عندى شئ من ذلك بعضه يوصل من لا يكفر المتأول الى الشرك بمذهبه وليس بلازمه ولكن من طريق بعيد لم ارى احد قال به فقلت لنفسى لماذا لا نطرح ذلك على هذا المنتدى والذى ظننت ان سؤال هذا وغيره لن يبرح حتى يجاب عليه فى وقت قصير جدا لكون هذا الكلام مصدق به فى هذا المنتدى ومن المسلمات ) فما هو هذا الشئ؟
  7. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 1
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    عمر الفاروق ... سياتيك الرد من أهل العلم عما قريب
  8. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 7
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    الاخوة الكرام لقد تابعت هذا الموضوع بشغف منذ ان كتب وكنت اود ان ارى الجواب الذى اراده صاحب هذا الموضوع بما اراده لاننى قرات للمقدسى وللشاذلى بما نبه عليه الاخ عمر الفاروق فهما ممن يطالهم الاستفسار بل ويمثل السبب الاعظم فى تكفيرهم وهو عدم تكفيرهم لمن لا يكفر الكافر بدعوى انهم متاولون حينا وبدعوى ان تكفيرهم من قبيل التكفير بالمال حينا اخر –وهما لا يعذران بالجهل- فاقرا مثلا للمقدسى قوله فى الثلاثينية (ومن الأخطاء الشائعة في التكفير إطلاق قاعدة ( من لم يكفر الكافر فهو كافر ) دون تفصيل .
    وسوء استعمال هذه القاعدة عمّ بلاؤه وطمّ بين كثير من الشباب ، حتى جعلها بعض غلاة المكفرة أصل الدين وشرط صحة الإسلام ، يدور معها الإسلام عندهم وجودا وعدما ، وعقدوا عليها الولاء والبراء ؛ فمن أطلقها وأعملها فهو المسلم الموحد الذي يتولّونه ،ومن خالفهم في بعض جزئياتها عادوه وبرئوا منه وكفّروه ؛ حتى بلغ بهم الأمر أن كفر بعضهم بعضا.. لأنه لا يخلو أن يخالف بعضهم في تكفير بعض الناس ، فيكفر بعضهم بعضا بسبب هذا الخلاف.
    ونحن نسأل هؤلاء هنا سؤالا مفاده: إذا كان إطلاق هذه القاعدة على طريقتكم دون تفصيل شرطا لصحة الإسلام ؛ أفيولد الإنسان يعرفه أم يجب عليه تعلمه ؟
    فإن قالوا: يولد يعرفه.
    فقد عارضوا قوله تعالى: (( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا)).
    وإن قالوا: يجب تعلمه.
    قلنا: متى يجب عليه ذلك ؛ أقبل البلوغ أم بعده ؟ ولا بد من أحد الجوابين.
    فإن قالوا: قبله.
    خالفوا صريح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاث.. منهم ؛ الصغير حتى يحتلم ).
    وإن قالوا: بعد البلوغ.
    قلنا لهم: ضعوا لنا حدا ؛ أيجب عليه مباشرة بعد البلوغ ، أم على التراخي ؟
    فإن قالوا: على التراخي.
    تناقضوا وأجازوا بقاء الغلام بعد احتلامه على الكفر مدة لا يعرفون حدها ، فلو مات مات على الكفر عندهم.
    فإن قالوا: مباشرة.
    قلنا: فإنها من المسائل التي تحتاج إلى نظر وبحث وتعلم ودراسة خصوصا في ظل شبهات وتلبيسات مشايخ السوء ، وهذا بحد ذاته يحتاج برهة من الوقت ولو سويعات ؛هذا على أقل تقدير إذ أنتم لم تنتحلوه إلا بعد مدة من الدهر وطويل من البحث ، ولا يجادل في هذا إلا جاهل معاند ، فيلزمهم التسليم به.
    وإذا جوّزتم الكفر ولو للحظات لأجل تعلم ذلك ، ولا بد لكم من هذا بعد أن جعلتموه شرطا للإسلام ؛ فقد جوّزتم الكفر بالله تعالى ؛ وقرّرتم أنه لا يصح إسلام أحد بعد بلوغه حتى يكفر بالله ، وصرتم كفارا بذلك ، وإلا فخلوا عنكم المغالاة بهذه القاعدة ، وتعالوا إلى تفصيل أهل العلم فيها.
    أما نحن فنقول: أننا ولله الحمد لا نحتكم في ديننا إلا إلى الشرع ، والتكفير كما تقدم حكم شرعي لا يصح إلا بالأدلة الشرعية القطعية الدلالة.
    وكما يقول أبو محمد ابن حزم ؛ أن من ظن أنه قد وقع من الدين على ما لم يقع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كاذب بل كافر بلا خلاف.
    ومن المحال الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون قد غفل عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس شيئا من أصل دينهم أو مما لا يصح لأحد الإسلام إلا به ، ثم يتفق على إغفال ذلك أو يتعمد عدم ذكره جميع أصحابه من بعده ؛ حتى يتنبه إليه ويدلنا عليه هؤلاء الأشقياء !!!
    ولذلك فإننا نقول أن كل شرط ليس في كتاب الله أو سنة نبيه عليه الصلاة والسلام فهو باطل ، وكل قاعدة أو أصل أو قول لم يستند إلى دليل من الشرع فهو رد على صاحبه..
    ولذلك لزم النظر في أصل هذه القاعدة ، وعلى أي دليل من الشرع تستند حتى نضبطها ونعرف حدودها..
    وقد كنت جمعت قديما في هذه القاعدة ، لما عم بلاؤها بين بعض الشباب المتهورين الضعفاء في العلم الشرعي ، وتتبعتها في عبارات العلماء ، لأعرف مَن أقدم من استعملها ؟ وكيف تعامل أهل العلم معها وعلى أي شيء ينزلونها.. ؟
    فخرجت بهذه النتائج..
    أولا: وجدت استعمالها كان قديما ، وليس كما زعم البعض أنها من كيس شيخ الإسلام ابن تيمية ، تابعه عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب !!
    نعم اشتهر عن شيخ الإسلام استعمالها وإليه وإلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعزوها أكثر من يستعملها ، لكن قد سبقهما فيها أئمة مشهورون غيرهم ؛بعضهم من القرون الأولى المفضلة.. ومنهم:
    - سفيان بن عيينة ،أمير المؤمنين في الحديث (198هـ) قال رحمه الله تعالى: ( القرآن كلام الله عز وجل من قال مخلوق فهو كافر ، ومن شك في كفره فهو كافر )أهـ. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة رقم(25) بسند صحيح.
    - وكذا نقل مثل هذا القول عن أبي خيثمة مصعب بن سعيد المصيفي كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ( 2/256) رقم (430) للإمام الحافظ أبي القاسم هبة الله اللالكائي (418هـ).
    - وأيضا عن أبي بكر بن عياش المقريء ( 194هـ ) الثقة العابد ، فقد سئل كما في السنة للالكائي أيضا ( 2/250) رقم (412) عمن يقول القرآن مخلوق ؟ فقال: ( كافر ومن لم يقل إنه كافر فهو كافر ) وإسناده صحيح .
    - وكذا سلمة بن شبيب النيسابوري ( 247هـ) محدث أهل مكة،قال ابن حجر في التهذيب (2/303): قال داود بن الحسين البيهقي ؛بلغني أن الحلواني (1) قال: لا أكفر من وقف في القرآن ، قال داود: فسألت سلمة بن شبيب عن الحلواني ،فقال: ( يرمى في الحُش ،من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر ). وذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( 7/365).
    - وكذا أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي ( 264هـ) قال: ( من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة ، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر )
    - وقال مثله تماما أيضا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (277هـ) وروى ذلك كله اللالكائي في السنة ( 2/176).
    * وتأمل قولهما: ( ممن يفهم ) ؛ فإنه مهم سأذكرك به فيما يأتي..
    فهذه الأقاويل هي أقدم ما وجدته في عبارات الأئمة والعلماء حول هذه القاعدة ، فهي من القرون الثلاثة المفضلة ، وليس الأمر كما وصفه بعض المتأخرين من أنها من عنديّات شيخ الإسلام ابن تيمية ،نعم شيخ الإسلام والشيخ محمد بن الوهاب وأولاده وأئمة الدعوة النجدية قد استخدموها وبعضهم أكثر من استخدامها وإليهم ينسبها من يسيء استخدامها من الغلاة ، لكنها ليست من تأصيلهم أو اختراعهم ، فليعلم هذا.
    ثانيا: قد ظهر لي بعد التتبع والاستقراء لأقاويل أهل العلم أنهم إنما يذكرونها ويستعملونها لتأكيد مناقضة أنواع من الكفر للدين تطاير شرر فتنتها في أزمنتهم ، للعمل على استئصالها بترهيب الناس منها وتنفيرهم عنها وعن أهلها، فيكون ذلك من جنس نصوص الوعيد التي يجوز إطلاقها ؛ مع وجوب مراعاة النظر في الشروط والموانع عند تنزيلها على الأعيان ؛ كما في فتنة خلق القرآن والأمثلة السابفة من جنس هذا.
    أو للتغليظ والتحذير من بعض أنواع الكفر الظاهرة التي يكون الامتناع من تكفير أصحابها فيه نوع تكذيب أو عناد صريح للشرع ، مثله مثل التوقف والامتناع من تكفير اليهود والنصارى الذين كفرهم الله تعالى بالنصوص المتواترة والمعروفة في دين المسلمين ضرورة ، ومن هذا ما سيأتي التمثيل به من كلام شيخ الإسلام في الإتحادية..
    ثالثا: ومن ثم فإن أصل هذه القاعدة ودليلها الذي ترتكز وتقوم عليه ، هو قوله تعالى: (( وما يجحد بأياتنا إلا الكافرون )) وقوله سبحانه: (( فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين ))..
    ونحوها من الأدلة الشرعية الدالة على كفر من كذّب بشيء ثابت من أخبار الشرع وأحكامه..
    ولذلك فإن القاضي عياض بعد أن نقل في الشفا (2/280-281) عن الجاحظ وثمامة زعمهم ؛ أن كثيرا من العامة والنساء والبله ومقلّدة اليهود والنصارى وغيرهم ؛ لا حجة لله عليهم ، إذ لم يكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال ، قال: ( وقد نحا الغزّالي قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة ،وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى و اليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك ، قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن توقف في ذلك فقد كذّب النص والتوقيف أو شك فيه ، والتكذيب أو الشك فيه ، لا يقع إلا من كافر ) أهـ.
    ومثل ذلك قوله (2/286): ( ولهذا نُكفّر من لا يُكفّر من دان بغير ملّة المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحّح مذهبهم(2)، وإن أظهر بعد ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه ، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك ) أهـ.
    وإشارته بقوله: ( ولهذا ) كانت إلى قوله قبل ذلك: ( وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب ) أهـ.
    - ولما كان ( التكذيب والجحد لا يكون إلا بعد المعرفة أو الاعتراف) دل على ذلك أدلة تكفير المكذبين نفسها كقوله تعالى: (( وما يجحد بأياتنا إلا الكافرون )) فإن الجحد إنما يذكر بعد مجيء الآيات وبلوغها ،وكذا قوله سبحانه: (( فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين )).. وانظر في مثل هذا بدائع الفوائد لابن القيم (4/118).
    فعلم بذلك أن حقيقة هذه القاعدة وتفسيرها على النحو التالي: ( من لم يكفر كافرا بلغه نص الله تعالى القطعي الدلالة على تكفيره في الكتاب ، أو ثبت لديه نص الرسول صلى الله عليه وسلم على تكفيره بخبر قطعي الدلالة ؛ رغم توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه عنده ؛ فقد كذّب بنص الكتاب أو السنة الثابتة ومن كذب بذلك فقد كفر بالإجماع ).
    هذه هي حقيقة هذه القاعدة وهذا هو تفسيرها ، بعد النظر في أدلتها واستقراء استعمال العلماء لها.. (3)
    وما لم يصرح ويعترف المرء بمعرفته للنص المكفر ورده له ، فلا يصح إلزامه بذلك ، ومن ثم تكفيره وفقا لهذه القاعدة ؛ فإن المسألة ساعتئذ تتحول إلى التكفير بالإلزام أو بالمآل وسيأتي في خطأ التكفير بالمآل أن لازم المذهب ليس بمذهب، إلا أن يكون صاحب المذهب عارفاً عالماً بلزومه لمذهبه فيصرّح بالتزامه… ومادام جاهلا بذلك اللازم أو غافلاً عنه لا يشعر به ولا يقصده ، فلا يلزمه، ولا يجوز إلزامه به بلا برهان.
    - اللهم إلا أن يكون ذلك في الكفر الواضح الصريح الذي ثبت بالنص القاطع الصحيح ، وعلم ضرورة من دين المسلمين ككفر اليهود والنصارى ونحوهم أو ممن هم على ملة غير ملة الإسلام أو من هم شر من ذلك وهو يعرف حالهم.. بحيث يكون الممتنع عن تكفيرهم غالبا إما مكذب أو شاك بالنص الذي كفرهم الشرع به غير منقاد ولا مستسلم له ، لأن مثل ذلك النص لا يخفى حتى على اليهود والنصارى أنفسهم ؛ فضلا عن أن يخفى على أهل الإسلام..
    ومن كان كذلك فقد كفر بالإجماع..
    - أما من كان كفرهم كفر تأويل ، فامتنع من تكفيرهم لإشكال بعض أدلة الشرع عنده ، أو كان ذلك من الأبواب التي يعذر الجاهل فيها ، لأنها لا تعرف إلا من طريق الحجة الرسالية ، أو أنه رد نصا من نصوص الشرع لعدم علمه به ، أو عدم ثبوته عنده ، ونحوهم ممن لا يكفرون إلا بعد إقامة الحجة عليهم والتعريف والبيان ؛ فلا يجوز إطلاق هذه القاعدة فيمن أشكل عليه تكفيرهم ، أو توقّف فيه أو امتنع عنه ما داموا ممن عندهم أصل التوحيد..
    * ولذلك كان من فقه الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (224هـ) في هذا الباب أنه قال في الجهمية: ( ما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم ، وإني لأستجهل من لا يكفرهم ، إلا من لا يعرف كفرهم ) أهـ. من فتاوى شيخ الإسلام ( 12/272).

    * ويعزى قريب منه للإمام البخاري ( 256هـ) قال في (خلق أفعال العباد ) ص 19 رقم 35: ( نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس ، فما رأيت أضل من كفرهم منهم { يعني الجهمية } وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم).
    تأمّل: ولم يقل: وإني ( لأكفّر من لا يكفرهم ) ، ومع هذا استثنى من التجهيل ؛ من لم يكفرهم لعدم معرفته لكفرهم.
    * أما الإمام أحمد فقد ورد عنه أيضا إطلاق الوعيد بهذه القاعدة في رسالته التي كتبها جوابا على رسالة مسدد بن مسرهد البصري التي سأله فيها عن الاختلاف في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء ؛ فجاء في جوابه عن القرآن قوله: ( فهو كلام الله غير مخلوق ، فمن قال: مخلوق ، فهو كافر بالله العظيم ، ومن لم يكفره فهو كافر. ) أهـ من طبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/315).
    وذكر عنه شيخ الإسلام في الفتاوى حول ذلك روايتان في سياق ذكر مذهبه في تكفير أهل الأهواء من القدرية والجهمية ونحوهم ، صحّح فيه أنه لم يكن يكفر بمثل هذه القاعدة ، فقال: ( وعنه في تكفير من لا يكفر ،روايتان أصحهما لا يكفر. ) أهـ. (12/260) ( ط. دار ابن حزم).
    ولعله يريد بذلك عدم تكفير أعيان من لم يكفروا الجهمية وأمثالهم ، لا مطلق الوعيد بالقاعدة فقد عرفت إطلاق أحمد واستعماله لها كما هو أعلاه.
    ثم قال شيخ الإسلام: ( وربما جعل بعضهم الخلاف في تكفير من لم يكفر مطلقا وهو خطأ محض ) أهـ.
    فكأنه يشير إلى أهمية التفصيل في هذا الباب – وهو مستقرٌ لدينا بعد تتبع هذه القاعدة على ما سترى..
    ولأجل أن أكثر من سمعته يطلق هذه القاعدة ويحتج بها من المبتدئين في طلب العلم أو الغلاة ؛ يعزونها عادة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أو الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومعلوم أن أكثر كتابات محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده واتباعه من أئمة الدعوة النجدية مردّ أكثرها – خصوصا في هذه الأبواب – إلى شيخ الإسلام ابن تيمية.
    لأجل ذلك سأتناول من استعمالاته لهذه القاعدة ؛ مثالا تطبيقيا في توضيحها ، كما سأستعين ببيان بعض توضيحات أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكلام جدهم رحمه الله في هذا الباب.. لعل ذلك يجلّي الأمر ويزيده وضوحا.
    • قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفتاوى ( 2/83) وهو يتكلم على الاتحادية أهل وحدة الوجود: ( من قال ؛ أن عبّاد الأصنام لو تركوهم(4) لجهلوا من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء (5)، فهو أكفر من اليهود والنصارى. ومن لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى ، فإنّ اليهود والنصارى يُكفّرون عباد الأصنام ، فكيف من يجعل تارك عبادة الأصنام جاهلا من الحق بقدر ما ترك منها ؟ ) أهـ.
    وذلك أن أهل الوحدة ، يقولون قبّحهم الله ، أن كل شيء هو الله ؛ فالأصنام عندهم من الله ، فمن ترك عبادتها فقد ترك شيئا من الحق ومن عبادة الله.. !!!.
    ولذلك قال العلامة شرف الدين أبو محمد إسماعيل ابن أبي بكر المقري اليمني الشافعي رحمه الله تعالى في ردّه على أهل الحلول والاتحاد وبيان كفر ابن العربي المبثوث في فصوصه ، وذلك في منظومته الرائية التي سماها " الحجة الدامغة لرجال الفصوص الزائغة ": -
    تجاسر فيها ابن العَرَابيّ واجترى على الله فيما قال كل التجاسر
    فقال: بأنّ الرب والعبد واحد فربي مربوب بغير تغاير
    وأنكر تكليفا إذ العبد عنده إله وعبد فهو إنكار جائر
    وقال يحل الحق في كل صورة تجلّى عليها فهي إحدى المظاهر
    وما خُصّ بالإيمان فرعون وحده لدى موته بل عمّ كل الكوافر
    فكذِّبْه يا هذا تكن خير مؤمن وإلا فصدّقه تكن شرّ كافر
    وأثنى على من لم يُجب نوحَ إذ دعا إلى ترك ودٍّ أو سواعٍ وناسر
    وسمى جهولا من يطاوع أمره على تركها قول الكفور المجاهر
    ويثني على الأصنام خيرا ولا يرى لها عابدا ممن عصى أمر آمر
    وهو ما ذكره شيخ الإسلام من قول الاتحادية ، أن عباد الأصنام لو تركوا عبادتها لكانوا جهالا بذلك.. إلى قوله:
    فإن قلت دين ابن العرابي ديننا وتكفيره تكفيرنا فالتحاذر
    أقل إنك الآن المُكَفَّر نفسه وأنت الذي ألقيتها في التهاتر
    فذلك دين غير دين محمد وكفر لجوج في الضلالة ماهر
    وهي أبيات متفرقة من قصيدته ؛ نقلا عن شرح نونية ابن القيم لأحمد بن عيسى (1/174) فصاعدا ، وقوله ( ابن العرابي ) هو ابن عربي الطائي ؛ صاحب ( فصوص الحكم ) ( 638هـ) وعُرِّف ومُدَّ هنا ، لضرورة الشعر وفي أبياته الثلاث الأخيرة إشارة إلى القاعدة التي نتكلم فيها أو قريب منها ..
    فقد ذكر فيها كفر من استنكر تكفير ابن العربي ودان بدينه..
    وقد صرح بذلك وذكر القاعدة فيه في بعض تصانيفه ؛ كما قال الحافظ السخاوي في ( القول المُنبي عن ترجمة ابن العربي ): (.. وقد قال ابن المقري في الردة من كتاب "الروض" مختصر" الروضة " ؛ من تردد في تكفير اليهود والنصارى وابن عربي وطائفته فهو كافر ) أهـ. نقلا عن شرح نونية ابن القيم (1/166) ، وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ).
    وهذا بناءا على ما بثّه ابن عربي في كتبه من المقالات الشنيعة والكفريات الصريحة ، نسأل الله السلامة والعافية..
    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا تكفير ابن عربي عن غير واحد من أهل العلم.. وقال: ( هذا وهو أقرب إلى الإسلام من ابن سبعين ومن القونوي والتلمساني وأمثاله من أتباعه ، فإذا كان الأقرب بهذا الكفر الذي هو أعظم من كفر اليهود والنصارى ؛ فكيف بالذين هم أبعد عن الإسلام ؟ ولم أصف عشر ما يذكرونه من الكفر ) أهـ مجموع الفتاوى (2/85).
    أما على ماذا مات الرجل فقد توقف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من فتاواه ، فقال (2/284) بعد أن ذكر أقاويل الاتحادية الكفرية. .: ( وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص. والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه ؟؟ ) أهـ. وانظر نحوها أيضا (2/91) ( ط دار ابن حزم ).
    فتأمل قول شيخ الإسلام هذا ، مع كلامه السابق في ابن عربي ، فإنه يعرّفك بورع هؤلاء الأئمة الأعلام في حكم التكفير خصوصا عند الاحتمال أو عدم وضوح الخاتمة والمآل..
    ونرجع إلى نقولاتنا عنه في قاعدة ( من لم يكفر الكافر )..
    • حيث قال بعد أن بيّن أن أهل الوحدة شرٌ في مقالتهم أن كل شيء هو الله ؛ وأخبث من النصارى الذين قالوا أن المسيح وحده هو الله.. !! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
    قال: ( ولهذا يقرّون اليهود والنصارى على ما هم عليه ، ويجعلونهم على حق ، كما يجعلون عبّاد الأصنام على حق ، وكل واحدة من هذه من أعظم الكفر ، ومن كان محسنا للظن بهم ، وادعى أنه لا يعرف حالهم ، عُرّف حالهم ، فإن لم يباينهم ويُظهر لهم الإنكار ، وإلا ألحق بهم ، وجعل منهم. وأما من قال ؛ لكلامهم تأويل يوافق الشريعة ، فإنه من رؤوسهم وأئمتهم ، فإنه إن كان ذكيا فإنه يعرف كذب نفسه فيما قاله ، وإن كان معتقدا لهذا باطنا وظاهرا فهو أكفر من النصارى ، فمن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلا ، كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد والله اعلم ) أهـ. (2/86) ( ط دار ابن حزم ).
    • وقال أيضا: ( وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى ، وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى ، ولهذا يقولون بالحلول تارة وبالاتحاد أخرى ، وبالوحدة تارة ، فإنه مذهب متناقض في نفسه ، ولهذا يلبسون على من لم يفهمه ، فهذا كله كفر باطنا وظاهرا بإجماع كل مسلم ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم: ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين ) أهـ (2/223).
    فيتلخص لدينا من هذا المثال بمواضعه الثلاث ما يلي..
    * أولا: أن شيخ الإسلام أطلق هذه القاعدة بألفاظ متقاربة ، مجملة أحيانا ومفصلة أحيانا أخري:
    - فقال: ( من لم يكفرهم فهو أكفر من اليهود والنصارى ).
    - وقال: ( ومن كان محسنا للظن بهم وادعى أانه لا يعرف حالهم عُرّف حالهم ، فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا ألحق بهم وجعل منهم ، وأما من قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة فإنه من رؤوسهم وأئمتهم. ).
    - وقال: ( ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى )
    فيجب حمل ما أجمل من ذلك وفهمه على ضوء ما فُصّل ، لأن الكلام كما هو ظاهر في موضوع متحد وفئة واحدة.
    * ثانيا: أنّه أطلق هذه القاعدة في كفر وصفه بأنه (ظاهر بإجماع كل مسلم ) ، و ( كل واحد منه من أعظم الكفر ) بل ( هو أكفر من اليهود والنصارى ) و ( شر من أقوال النصارى ) ، فإن النصارى دانوا بعقيدة حلول الله أو اتحاده بشخص المسيح ، أما هؤلاء الحلولية والاتحادية فقد جعلوا الوجود كله بجماداته وحيواناته وقاذوراته وكفاره وفجاره من ذات الله تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا ، ولذلك قال شيخ الإسلام: (فإن من لم يكفر هؤلاء كان عن تكفير اليهود والنصارى بالتثليث والاتحاد أبعد ) و( من شك في كفرهم.. . كمن شك في كفر اليهود والنصارى ).
    * ثالثا: ثم ومع ما ذكره من أن كفر المذكورين وأقوالهم شر وأكفر من كفر اليهود والنصارى ، تراه لا ينفذ هذه القاعدة إلا بقيد مهم يجب على من يتعامل معها وينسبها إليه مراعاته واعتباره وهو أن يكون الممتنع عن تكفيرهم ، ممن يعرف حالهم وتفصيل مقالاتهم الكفرية الشنيعة.
    وأُذكّرك هنا بمقالة أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين المتقدمة في تكفير من قال أن القرآن مخلوق ، حيث اشترطا قبل تكفير الشاك في كفره ؛ أن يكون ممن يفهم كفرهم ويعرفه..
    وكلام شيخ الإسلام على ذلك كما ترى ، فالقوم يصدرون عن مشكاة واحدة.
    قال شيخ الإسلام: وإن ( ادعى إنه لا يعرف حالهم ، عرّف حالهم ) وذلك قبل إنفاذ هذه القاعدة وتكفيره ، فإن أصر بعد ذلك ، ألحق بهم.. وقال: ( من شك في كفرهم بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر ) ، وقد قيّد هاهنا واشترط إضافة إلى المعرفة بقولهم ؛ المعرفة بدين الإسلام ، فخرج بذلك من إطلاقاته لهذه القاعدة من هو حديث عهد بالإسلام أو نحو ذلك ممن يعذر بجهله لعدم تمكنه من العلم.
    وفي هذا بيان كاف ، بأنّه لا يطبّق هذه القاعدة – التي لا يطلقها عادة إلا في أظهر أنواع الكفر – ؛ إلا بعد إقامة الحجة والتعريف وبيان المحجة.
    بحيث لا يكفر من طريق هذه القاعدة إلا المكذّب أو الممتنع عن قبول نص صحيح قطعي الدلالة ، ولذلك قيّد ( بمعرفة دين الإسلام ).
    وفي كفر صريح غير محتمل ولذلك قيد ( بمعرفة قولهم ) الشنيع الذي هو شر من قول النصارى.
    فهو قد عذر غير المكفّر لهم هنا بجهلين ؛جهل الدليل الشرعي ، وجهل الواقع (6).
    فإن المفتي أو الموقّع عن رب العالمين ؛ لا يمكنه ذلك ولا يصيب الحق به إلا بأن يجمع بين كلا المعرفتين أو العلمين ، معرفة الدليل أو حكم الله في ذلك وهو ما أشار إليه بقوله: ( معرفة دين الإسلام ) ، ومعرفة حقيقة الواقعة أو المقالة المسؤول عنها ، وهو ما أشار إليه بقوله: ( بمعرفة قولهم ) وقوله: وإن ( ادعى إنه لا يعرف حالهم ، عرّف حالهم ).
    والجهل بشيء من هذين القسمين يحرم من إصابة الحق ، ويمنع من التوقيع عن رب العالمين ، لأن المتكلم يُوقّع حينها ويتكلم عن الله بلا علم.
    ولذلك قال رحمه الله بين يدي فتواه في التتار وعساكرهم المنتسبين للإسلام: ( الحمد لله رب العالمين ، نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله ، واتفاق أئمة المسلمين ، وهذا مبني على أصلين:
    - أحدهما: المعرفة بحالهم.
    - والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم. ) أهـ
    ويقول تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى موضحا لذلك في اعلام الموقعين(1/87-88):
    ( ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛
    - أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتّى يحيط به علما.
    - والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الواقع.
    ثمّ يطبق أحدهما على الآخر ) أهـ.
    وزيادة في توضيح هذا الأمر وتأكيده أنقل لك بعض أقوال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ؛ الصريحة في عذر الجهال بحقيقة مذهب هؤلاء الاتحادية ، وعدم إنفاذه لما تحويه هذه القاعدة من وعيد بالتكفير ؛ فيمن لم يكفرهم من الجهال ، إلا بعد إقامة الحجة عليهم.. وقد عرفت أنه يعني بإقامة الحجة في هذا المقام:
    - تعريفهم بشناعة أقوال الاتحادية وما تحويه من كفر صراح.
    - وتعريفهم بمصادمتها لدين الإسلام إن كانوا ممن يجهل ذلك ، كحديث العهد بالإسلام.
    * قال رحمه الله في الفتاوى أيضا: ( فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم كفرا وإلحادا من ظاهرها ، فإنه قد يظن أن ظاهرها من جنس كلام الشيوخ العارفين ، أهل التحقيق والتوحيد ، وأما باطنها فإنه أعظم كفرا وكذبا وجهلا من كلام اليهود والنصارى وعباد الأصنام ، فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفرا وإلحادا ، أما الجهال الذي يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونهم ، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ ، العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس ، فهؤلاء تجد فيهم إسلاما وإيمانا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي وتجد فيهم إقرارا لهؤلاء وإحسانا للظن بهم ، وتسليما لهم بحسب جهلهم وضلالهم ، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال ) أهـ. ( 2/222).
  9. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 7
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    وقال أيضا: ( ومن قال أن لقول هؤلاء سرا خفيا وباطن حق ، وأنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق ، فهو أحد رجلين ، إما أن يكون من كبار الزنادقة أهل الإلحاد والمحال ، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال ، فالزنديق يجب قتله والجاهل يعرف حقيقة الأمر فإن أصر على هذا الاعتقاد الباطل بعد قيام الحجة عليه وجب قتله ) أهـ (2/230)
    - وانظر نحوه أيضا (2/85).
    وهكذا إذا تتبعت تطبيق العلماء المحققين لهذه القاعدة وجدته على هذه الجادة غالبا، وهذه أمثلة مما هو تحت يدي الساعة:
    • نقل القاضي عياض عن محمد بن سحنون قوله: ( أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقّص له كافر ، والوعيد جار عليه بعذاب الله له ، وحكمه عند الأمة القتل ، ومن شك بكفره وعذابه كفر ) أهـ. الشفا (2/215-216) وذكره شيخ الإسلام في الصارم ص 4.
    فتأمل هذا الموضع تراه متسقا مع ما قدمناه لا يخرج عنه..
    - فشتم النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر محمد بن سحنون نفسه كفر بإجماع العلماء ، وقد نقل شيخ الإسلام الإجماع على ذلك في الصارم المسلول عن الإمام اسحاق بن راهويه ، وحكاه عن غير واحد من أهل العلم ، أنظر ( المسألة الأولى ) ص 3 فصاعدا.
    - كما قرر شيخ الإسلام في الصارم المسلول أيضا أن ردة شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ردة مغلظة وزائدة ، انظر ص (297)وغيرها.
    وان فيها من الأذى لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين ما ليس في الكفر والمحاربة انظر صفحة (294) وغيرها ، وأنها أشد من كفر وشرك اليهود والنصارى الذين يقرّون عليه في دار الإسلام بالجزية ، ولا يقرون لا هم ولا غيرهم على شتم الرسول صلى الله عليه وسلم بحال. أنظر ص (246)فصاعدا.
    بقي أن تتنبّه إلى أن إيراد القاعدة المذكورة هنا إنما هو في الشتم والتنقّص الصريح ، لا في الإطلاقات المحتملة غير الصريحة ، بدليل ما قدمناه لك في المواضع السابقة من تثبت العلماء ومنهم القاضي عياض صاحب النقل أعلاه وتريثهم وخلافهم في تكفير من صدر منه قولا محتملا في هذا الباب ، واستفصالهم قبل التكفير بالمحتملات ونظرهم بالقصد والقرائن والعرف..
    كل ذلك في تكفير صاحب المقالة المحتملة !! فما بالك في تكفير من لم يكفره.. ؟
    • وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (35/98) وهو يتكلم في طائفة الدروز: ( كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون ، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم ، لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين ، بل هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل طعامهم.. الخ )
    - فتأمل كيف ذكر قبل إطلاقه للقاعدة المذكورة أن كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون..
    - وذكر أنهم ليسوا بمنزلة أهل الكتاب ، يعني انهم شرّ منهم.. فقد كان ذكر في الموضع نفسه أنهم يُألّهون (الحاكم) العبيدي ويسمونه (الباري العلام ) وأنهم
    ( من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب ) أهـ.
    فهذا متسق مع ما قدمناه لك.. فقس عليه تصب إن شاء الله..
    • وقال في الصارم المسلول (586-587 ) في تفصيل القول في من سب الصحابة: ( أما من اقترن بسبّه دعوى أن عليا إله ، أو أنه كان هو النبي ، وإنما غلط جبريل في الرسالة ، فهذا لا شك في كفره ، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره (7).
    وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت ، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ، ونحو ذلك ، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية ، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
    وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم – مثل وصف بعضهم بالبخل ، أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ، ونحو ذلك ، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك ، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.
    وأما من لعن وقبحّ مطلقا فهذا محل الخلاف فيهم ؛ لتردد الأمر بين لعن البغض ولعن الاعتقاد.
    وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشرة نفسا ،أو أنهم فسقوا عامتهم ؛فهذا لا ريب أيضا في كفره لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع ؛ من الرضى عنهم والثناء عليهم،بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين ،فإن مضمون (8)هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق ، وأن هذه الآية التي هي (( كنتم خير أمة أخرجت للناس )) وخيرها هو القرن الأول ؛ كان عامّتهم كفارا أو فساقا ، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم ، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام.. ) إلى أن قال: ( وبالجملة فمن أصناف السابّة من لا ريب في كفره ، ومنهم من لا يحكم بكفره ، ومنهم من تردد فيه.. ) أهـ.
    * واكتفي بهذا لألخص ما سبق فأقول:
    - بأن هذه القاعدة تستعمل في تأكيد الكفر الواضح الجلي الذي هو مثل كفر اليهود والنصارى أو أشد وأوضح بحيث أن الممتنع عن تكفيرهم يكون كالمكذّب بنص شرعي قطعي الدلالة ومثل هذا كافر بالإجماع.
    ومنه تعرف النكتة في ذكر أهل العلم كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره الإجماع عند إطلاقهم لهذه القاعدة.
    - ومع هذا فلا يكفر بها الممتنع عن تكفيرهم من جهال المسلمين ؛ إلا بعد إقامة الحجة عليه ، بمعرفة مقالاتهم الكفرية إن كان ممن يجهل حالهم ، وبمعرفة مناقضتها لدين الإسلام إن كان ممن يجهل ذلك كحديث العهد به.
    - وعلى هذا فيمكن القول أن هذه القاعدة بما حوته من وعيد التكفير لمن لم يكفر الكافر ؛ شأنها شأن سائر نصوص الوعيد في إطلاقات العلماء ؛ فهم يطلقون القول في هذه القاعدة إذا كان الكلام عاما في الطوائف أو النحل والأقوال والمعتقدات المنحرفة عن منهج أهل السنة ، لكن عند تنزيل هذه القاعدة على الأعيان لا بد من النظر في توفّر شروط التكفير وانتفاء موانعه ، شأنهم مع سائر نصوص الوعيد ؛ ولذلك فمن الضروري أن أذكّر هنا بقول شيخ الإسلام الذي قدمته في ضرورة التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين سواء في فهم كلام الشارع ، أو عند تناول كلام الأئمة واستعماله ، لضرورة ربطه بهذه القاعدة.
    قال رحمه الله: ( وحقيقة الأمر: أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع ، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم هذا الكلام بعينه ) أهـ من الفتاوى وقد تقدم.
    - ومن ثم فلا يصح التسلسل الذي يفعله كثير من الغلاة في هذه القاعدة ، فإذا كان القائلون بها لا يكفرون من لا يكفر الاتحادية ونحوهم بأعيانهم إلا بعد إقامة الحجة ؛ فمن باب أولى أن لا يكفروا من لا يكفر من لم يكفرهم.. وهكذا.. وهذا التسلسل البغيض يطلقه بعض جهال الغلاة في مخالفيهم في أبواب التكفير بالمحتملات والتكفير بالمآل والتكفير بالمسائل الخفية ونحوها من الأمور المشكلة ؛ وقد رأيت شروط القائلين بها من أهل العلم في كفر ككفر اليهود والنصارى أو أظهر.. فإذا كان هذا التشديد والاحتياط منهم في أول السلسلة وأصلها ، فلا شك أن احتياطهم وتشديدهم سيكون أعظم وأعظم في تكفير من يأتي بعد ذلك ممن لم يكفر من لم يكفرهم ، ومن لم يكفر من لم يكفر من لم يكفرهم !!!!! إلى آخر ما يسلسل به الغلاة..
    ولا شك أن هذا أعسر وأعسر ، ولكنه مع دافع الهوى يسير.
    • وبعد فإذا كنت قد فهمت ما تقدم فقد صار معلوما لديك ؛ أنه لا يعقل بعد هذا استعمال مثل هذه القاعدة أو تنزيلها على من امتنع من تكفير بعض المنتسبين للإسلام ممن قامت عنده على تكفيرهم بعض الأدلة المعارضة التي ظنها موانع للتكفير أو الشبهات الواردة عليه من فهمه لبعض النصوص..
    - كتارك الصلاة ، فإن من لم يكفره وإن كان مخطئا إلا أنه لا يجحد الأدلة الصحيحة القاضية بكفره ، بل يؤمن بها ويصدق ولكن يؤولها بالكفر الأصغر ،أو يخصصها فيمن جحد الصلاة دون من تركها تكاسلا ، لتعارض ظاهر بعض النصوص الأخرى معها ، كحديث ( خمس صلوات كتبهن الله على العباد.. وفيه قوله: ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ). رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم ، ونحو ذلك من حجج القائلين بذلك ؛ وهم كثير ، ومنهم أئمة جبال كمالك والشافعي وغيرهم ممن لم يكفر من تركها تكاسلا.. فلم نسمع أن أحدا من المخالفين لهم ؛ القائلين بكفره كالإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه ، وعبد الله بن مبارك و اسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا بكفرهم أو طبّقوا قاعدة ( من لم يكفر الكافر فهو كافر ) عليهم ؛ فضلا عن أن يسلسلوا فيكفروا من لم يكفر من لم يكفر من لم يكفرهم !!!!!
    - وكذلك الشأن في خلافهم في سائر المباني..
    - ومثل هذا خلاف الصحابة في ابن صياد هل هو الدجال أم لا ، فإن الدجال لا شك في كفره ، ومع هذا لم يكفر بعضهم بعضا.
    - وألحق البعض في هذا الباب ما ذكره الله تعالى من خلاف الصحابة في طائفة من المنافقين ، فقال سبحانه: (( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ))
    ومع هذا لم تكفر إحدى الفئتين الفئة الأخرى المخالفة لهم في هؤلاء المنافقين.
    - ومن ذلك توقف عمر الفاروق في أمر مانعي الزكاة لما عزم الصديق على قتالهم – وسيأتي – فقد أشكلت المسألة على عمر رضي الله عنه كونهم يقولون لا إله إلا الله ، ومع هذا لم يكفره الصديق بل كشف له الشبهة وأبان له المحجة ، ولا يقال أن هذا لا يصلح إيراده هاهنا لأن عمر إنما أشكل عليه قتالهم لا تكفيرهم ، وذلك لأن كل أحد يعلم أن القتال الذي دعا إليه الصديق وسارت سيرته معهم فيه ؛ كان قتال ردة لا قتال بغاة أو نحوهم وهذا هو الذي أشكل على عمر رضي الله عنه.
    - ومثله خلاف السلف في تكفير بعض الظلمة والطغاة من الولاة أو غيرهم ، كخلافهم في الحجاج فإنه معروف ، وأكثر السلف لم يكونوا يكفرونه ، وكانوا يصلون خلفه ، وصح عن بعضهم أنه كفره ؛ منهم سعيد بن جبير قيل له: خرجت على الحجاج ؟ قال: ( إني والله ما خرجت عليه حتى كفر ؟ ).
    ومنهم مجاهد سأل عنه فقال: ( تسألني عن الشيخ الكافر ).
    وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: ( الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت كافر بالله العظيم ).
    بل بلغ الأمر بإبراهيم النخعي أن قال: ( كفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج )..
    ومع هذا فلم يصف لا هو ولا غيره ممن كفروا الحجاج أحدا بعينه ممن خالفوهم في ذلك بأنه أعمى ، فضلا على أن يعملوا فيه قاعدة ( من لم يكفر الكافر فهو كافر ) ثم يسلسلوا بها..
    بل صح عن طاووس انه قال: ( عجبا لإخواننا من أهل العراق يسمّون الحجاج مؤمنا ؟ ! ) (9).
    فوصفهم بإخوانه ، وهذا هو الحق الذي لا مريّة فيه.. لأن من توقف في تكفيره من أهل العلم إنما توقف لأنه حكم له بأصل التوحيد الذي يدين به ، ولم يبلغه عنه كفر بواح.. فهو مجتهد في ذلك لم يكذّب بنص من نصوص الشرع.
    هذا إذا كان طاووس يقصد تكفيره بهذا ، أما إذا كان يقصد ما ذكره الذهبي في السير (5/44) بعد أن أورد مقالته هذه ،حيث قال: ( يشير إلى المرجئة منهم،الذين يقولون: هو مؤمن كامل الإيمان مع عسفه وسفكه الدماء وسبه الصحابه ) أهـ.
    فإنه يعني بذلك مرجئة الفقهاء الذين لم يكن يكفرهم السلف لمجرد خطئهم في تعريف الإيمان وعدم إدخال الأعمال فيه ، فإنهم وإن كانوا يرون الفاسق الفاجر مؤمنا كامل الإيمان لا تنقص ذنوبه إيمانه ،وهذا قولهم في الحجاج ؛ إلا إنهم لم يكونوا يسوّغون الكفر أويرقّعونه أو يسمونه إيمانا، ولو ثبت عندهم كفر الحجاج لما سمّوه مؤمنا، ولذلك لم يخرجهم هو وغيرهم من السلف من الأخوّة الإيمانية رغم ضلالهم ، هذا بخلاف غلاة المرجئة الذين كفّرهم السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، وغيرهم.
    - وكذلك يقال في نزاع السلف في تكفير كثير من أهل الأهواء كالخوارج والقدرية والجهمية ونحوهم ، وقد تكلم شيخ الإسلام في ذلك في مواضع كثيرة من الفتاوى وذكر (12/260-261) ما وقع فيها من الاضطراب بين العلماء ، وسرد مذهب الإمام أحمد وأصحابه وغيرهم من أهل السنة في الخلاف في تكفير بعض تلك الطوائف ؛ ولم يذكر أن المكفرين منهم كفروا غير المكفرين ، ولا ذكر ذلك غيره عنهم.. بل ذكر وبيّن عذرهم في ذلك الخلاف ، فقال: ( وسبب التنازع تعارض الأدلة ، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق الكفر بهم ؛ ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرا ، فيتعارض عندهم الدليلان ) أهـ. (12/260-261)
    وقال في موضع آخر: ( وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده ، أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها ، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ ، فإن الله يغفر له خطاه – كائنا ما كان – سواء كان في المسائل النظرية ، أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وجماهير أئمة الإسلام ) أهـ. (23/195-196).
    وذكر في موضع آخر نزاع الصحابة في المسائل الخبرية ، ومن ذلك قول عائشة رضي الله عنها: ( من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ) ؛ ثم قال: ( ومع هذا لا نقول لابن عباس ونحوه من المنازعين لها ؛ إنه مفتر على الله ) ثم قال: ( والتكفير هو من الوعيد ، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة ، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً ) أهـ. ( 3/148).
    فتأمل هذه المواضع ، فإنها مهمة ، توسّع مداركك ، وتفقهك في هذه الأبواب ، وتجنبك التعنّت والتهور في التكفير ، أو التطاول على المجتهدين من أهل العلم ، وتعرّفك بأعذار من يتوقّف منهم ومن غيرهم من المؤمنين عن متابعة بعض أخبار الشرع أو أحكامه أو الإقرار بها ، سواء أكانت في أبواب التكفير أم في غير ذلك.. وقد حصرها شيخ الإسلام هنا بخمسة أعذار: (10)
    1- تعارض الأدلة عندهم مما يوجب تأويلهم لبعضها.
    2- عدم بلوغ بعض النصوص إليهم ،سواء لحداثة العهد بالإسلام ، أو للنشوء في بادية بعيدة ، أو نحو ذلك.
    3- عدم ثبوتها عندهم.
    4- عدم التمكن من فهمها لخفائها أو إشكالها ، أو ضعف إدراك أو قلة علم متلقيها.
    5- عروض بعض الشبهات التي يعذر طالب الحق بها.
    فمن أوّل النص أو ردّه ، أو امتنع عن الأخذ به لسبب من هذه الأسباب ، فإنه لا يعتبر مكذّبا أو جاحدا للنص ، ومن ثم فلا يجوز أن تطبّق على مثله قاعدة ( من لم يكفر الكافر.. ) فضلا عن إطلاق التسلسل بها..
    * وتنبّه إلى أن هذا الكلام يشمل كما هو بيّن من لم يكفر الكافر رادا بعض الأدلة للأعذار المذكورة ؛ فمن باب أولى أن يدخل فيه من لم يكفّر من كفره بعض الناس دون إيراد أدلة صحيحة أو صريحة على تكفيرهم ؛ لضعفهم في مفاتيح العلم أو لعدم معرفتهم بطرق الاستدلال أو لخطئهم في ذلك الحكم.. !!
    ولا بد من التنبّه لهذا كله ومرعاته ، فإن الخلاف في باب الأسماء ومسائل التكفير واسع ، ومن رام إقناع مخالفيه بتكفير من يكفرهم هو ، فعليه بأدلة الشرع وليراعِ طرق الاستدلال الصحيحة بها ، قال تعالى: (( قل إنما أنذركم بالوحي )).
    ومن أفلس من ذلك فلا خير ولا فلاح له في غيره قال تعالى: (( فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون )) ؟؟ ولا خير له بأساليب الإرهاب الفكري أو التكفيري ، فإنها لا تضر إلا صاحبها ،ولا خير فيمن تبنّى مذهبه خوفا منها أو تضررا بها.. وما أسرع أن يترك ذلك في أقرب فرصة ولأدنى شبهة ،فالحق الذي يبارك الله فيه هو في المذهب الأسَدّ الموافق لأدلة الشرع؛لا في المذهب الأشَدّ الموافق للنزوات..
    وليعلم أنه إن كان همه أن يبحث عن أقاويل وإطلاقات في غير كلام الله وكلام رسوله تؤيد مذهبه وترقعه ؛ فلن يعدم ذلك..
    فمن أعجب ما مرّ علي في تتبعي لتعامل الناس مع هذه القاعدة ، قول (الصولي) يمدح الخليفة المكتفي بالله (289هـ-295هـ) عندما قتل عسكره يحيى بن زكرويه القرمطي:
    من رأى أن مؤمنا من عصاكم فقد كفر
    أنزل الله ذاكم قبل في محكم السور
    ومعناه ؛ أن من لم يكفّر أو يفسق من عصاكم أو خرج عليكم، فقد كفر ، ويزعم أن هذا الحكم دل عليه القرآن.. !! (11)
    فيقال له: أين قال الله تعالى هذا في محكم السور ؟؟ فتأمل كيف استخدمت القاعدة هنا لإدخال الناس في الطاعة ، وتخويفهم وإرهابهم من الخروج وشق العصا.. ومع أن في نصوص الشارع عن ذلك غنية لأهل العدل.. ولكنه تهور الشعراء ، فحذار من الاغترار بمثله فإنه من مجازفات الشعراء وقد قال تعالى فيهم:
    (( والشعراء يتبّعهم الغاوون * ألم تر أنّهم في كل واد يهيمون )) !!
    وهذه رسالة من رسائل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ يخاطب فيها حول هذا الموضوع بعض المتسرعين في زمانه ممن انتسبوا إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأساءوا استعمال بعض إطلاقاته ،دون أن يتنبهوا إلى الأصل الذي ذكره شيخ الإسلام فيما تقدم وهو قوله: ( وحقيقة الأمر: أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع ، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم هذا الكلام بعينه ) أهـ…
    أوردها زيادة في الفائدة ؛ وإلا فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو وأولاده وأحفاده كما قد ذكرنا من قبل يصدرون في هذا الباب عن مشكاة شيخ الإسلام.
    ( من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ، إلى عبد العزيز الخطيب.
    سلام على عباد الله الصالحين. وبعد فقرأت ، رسالتك وعرفت مضمونها وما قصدته من الاعتذار ، ولكن أسأت في قولك أن ما أنكره شيخنا الوالد من تكفيركم أهل الحق واعتقاد إصابتكم أنه لم يصدر منكم ، وتذكر أن إخوانك من أهل النقيع يجادلونك وينازعونك في شأننا ، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور ، وأنت تعرف انهم يذكرون هذا غالباَ على سبيل القدح في العقيدة ، والطعن في الطريقة ، وإن لم يصرحوا بالتكفير فقد حاموا حول الحمى. فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، ومن الغي عن سبيل الرشد والعمى.
    وقد رأيت سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة ، وكفَّرا من في تلك البلاد من المسلمين ، وحجتهم من جنس حجتكم ،يقولون: أهل الإحساء يجالسون ابن فيروز ، ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ، ولم يصرح بتكفير جده الذي رد دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها. قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام ، حتى تركوا رد السلام. فرفع إلي أمرهم ، فأحضرتهم وهددتهم ، وأغلظت لهم القول. فزعموا أولا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وأن رسائله عندهم ، فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم ، بما حضرني في المجلس ، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب ، فانه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر ، والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها ، بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر ، كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله ، وجعلهم أندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية. وهذا مجمع عليه عند أَهل العلم والإيمان …..
    وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم وزعما أن الحق ظهر لهما ،ثم لحقا بالساحل وعادا إلى تلك المقالة ، وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين ، بمكاتبة الملوك المصريين ، بل كفّروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين ، ونعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ، والحور بعد الكور ، وقد بلغنا عنكم نحوا من هذا ، وخضتم في مسائل من هذا الباب ، كالكلام في الموالاة والمعاداة ، والمصالحة والمكاتبات ، وبذل الأموال والهدايا ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات ، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة ، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ، ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب ، والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيره لمن جهلها ؛ وأعرض عنها وعن تفاصيلها ، فإن الإجمال والإطلاق ، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله ، يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان ، ويشتت الأذهان ، ويحول بينها وبين فهم القرآن ، قال ابن القيم في كافيته رحمه الله تعالى:
    فعليك بالتفصيل والتبيين فالإ طلاق والإجمال دون بيان
    قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأ ذهان والآراء كل زمان
    وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة ، فإنهم أنكروا عليهم تحكيم أبى موسى الأشعري وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام ، فأنكرت الخوارج عليه ذلك وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة وقالوا حكمت الرجال في دين الله ، وواليت معاوية وعمراً وتوليتهما وقد قال تعالى: ( إن الحكم إلا لله ) وضربت المدة بينكم وبينهم وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت براءة ….. ) ص( 4-6) وسرد بعض أخبار الخوارج التي سنأتي عليها في آخر هذا الكتاب.
    ثم قال ص(7): ( ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يراد بها مسمّاها المطلق وحقيقتها المطلقة ، وقد يراد بها مطلق الحقيقة ، والأول هو الأصل عند الأصوليين والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية ؛ وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة قال تعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) الآية …
    إلى أن قال ص(8):
    ( وأما إلحاق الوعيد المرتب على بعض الذنوب والكبائر فقد يمنع منه مانع في حق المعين كحب الله ورسوله والجهاد في سبيله ورجحان الحسنات ومغفرة الله ورحمته وشفاعة المؤمنين والمصائب المكفرة في الدور الثلاثة. وكذلك لا يشهدون لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار ، وإن أطلقوا الوعيد كما أطلقه القرآن والسنة فهم يفرقون بين العام المطلق ، والخاص المقيد ، وكان عبد الله ( حمار ) يشرب الخمر فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله )) مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه.. )
    وقال ص(10):
    ( وأما قوله (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ))
    وقوله (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ))
    وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين )) فقد فسرته السنة وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة. وأصل الموالاة هو الحب والنصرة والصداقة ، ودون ذلك مراتب متعددة ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم ، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وغيره ، وإنما أشكل الأمر ، وخفيت المعاني والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشان ، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن ، ولهذا قال الحسن رضي الله عنه: من العجمة أتوا. وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار واحتج ابن عبيد أن هذا وعد والله لا يخلف وعده يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود فقال له ابن العلاء: من العجمة أتيت ، هذا وعيد لا وعد وانشد قول الشاعر:
    وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
    وقال بعض الأئمة فيما نقل البخاري أو غيره إن من سعادة الأعجمي والأعرابي إذا أسلما أن يوفقا لصاحب سنة ، وإِن من شقاوتهما أن يمتحنا وييسرا لصاحب هوى وبدعة.
    وقال ص( 11-12 ):
    ( وقد بلغني أنكم تأولتم قوله تعالى في سورة محمد ( ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ) على بعض ما يجري من أمراء الوقت من مكاتبة أو مصالحة أو هدنة لبعض رؤساء الضالين ، والملوك المشركين ، ولم تنظروا لأول الآية وهي قوله: ( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ) ولم تفقهوا المراد من هذه الطاعة ، ولا المراد من الأمر المعرّف (14) المذكور في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة وفي قصة صلح الحديبية وما طلبه المشركون واشترطوه وأجابهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكفي في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم.. ) أهـ. باختصار من الجزء الثالث من مجموعة الرسائل والمسائل النجدية.
    وأورد رحمه الله في (منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس) رسالة لجده محمد بن عبد الوهاب ؛ قال فيها:
    ( سألني الشريف عما نقاتل عليه،وعما نكفر الرجل به ؟
    فأخبرت بالصدق،وبينت له أيضاً الكذب الذي يبهتنا به الأعداء… فكان مما قال: ( وأما الكذب والبهتان: أنّا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه،وأنّا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل،ومثل هذا وأضعاف أضعافه. فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصد به ورثة أبي جهل من سدنة الأصنام وأئمة الكفر ؛الناس عن دين الله ورسوله؛ وإنّا لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله،من المشركين عباد الأصنام كالذين يعبدون الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما أما الذين آمنوا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وجاهدوا في الله حق جهاده فهم إخواننا في الدين وإن لم يهاجروا إلينا. فكيف نكفر هؤلاء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. ) أهـ. ص(88 -89 ).
    وأخيرا.. فإننا نقول بناءا على ما قدمناه لك من تفصيل.. أن من خالفنا – من المسلمين – في تكفير طواغيت الحكم أو أنصارهم وعساكرهم وأجنادهم ، فتوقف في ذلك أو امتنع من تكفيرهم ، لنصوص تعارضت عنده (12)، أو شبهات أشكلت عليه ، كاحتجاج كثير ممن لم ترسخ قدمهم في العلم والفهم ، بأنهم يقولون ( لا إله إلا الله ) أو بأنهم يصلون ، أو نحو ذلك من الشبهات التي رددنا عليها وكشفناها في غير هذا الموضع (13)؛ فإننا وإن كنا نراهم أجهل ممن استجهلهم الأئمة لعدم تكفيرهم الجهمية.. وأشد عماية ممن رماهم النخعي بالعمى لتوقفهم في تكفير الحجاج.. إلا أننا مع ذلك لا نُكفّرهم ولا نعمل هذه القاعدة فيهم – لأجل هذه المخالفة وحدها – ما دام عندهم أصل التوحيد ، وما دام توقفهم لباعث الجهل أو لقيام شبهات أو تعارض نصوص في أذهانهم.. إذ ليس في ذلك جحدا أو تكذيبا وردا للنصوص الصحيحة الصريحة القاضية بتكفير الطواغيت وأنصارهم ؛ بشرط أن لا يؤدي ذلك بهم إلى اقتحام سبب من أسباب الكفر ، كالانضمام إلى أجنادهم وعسكرهم والانخراط في نصرتهم أو نصرة تشريعاتهم وقوانينهم الكفرية ، أو المشاركة في تشريعها أو تفعيلها وتحكيمها وحراستها.. كما سنفصله في خاتمة هذا الفصل ، ومقالتنا هذه ليست بدعا من القول بين أهل العلم ، بل لنا بمثلها سلف..
    فقد ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى ( 35/79) أن العبيديين من أكفر الناس ، ومعلوم ما كانوا عليه من الردة وتغيير الشرائع.. ثم ذكر أنه لا يدّعي أن منهم الإمام المعصوم ( إلا جاهل مبسوط الجهل أو زنديق يقول بلا علم ) هذا فيمن ادعى العصمة في بعضهم.. أما من شهد لهم بالإيمان ولم يكفرهم.. فإنه لم يحكم بتكفيره ولا أورد عليه قاعدة ( من لم يكفر الكافر.. ) التي تقدم إطلاقه لها بمواضع شتى.. بل وصفه بأنه ( شهد بما لا يعلم.. ).
    فقال (35/80): ( وهؤلاء القوم {أي العبيديين } يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها ، أنهم كانوا منافقين زنادقة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، فإذا قُدّر أن بعض الناس خالفهم في ذلك صار في إيمانهم خلاف مشهور ، فالشاهد لهم بالإيمان شاهد بما لا يعلم.. ).
    وقال ص(81): ( وإذا كان كذلك فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان ، فأقل ما في شهادته أنه شاهد بلا علم ، قاف ما ليس له به علم ، وذلك حرام باتفاق الأئمة ) أهـ.
    فتأمل قوله هذا – فإنه مهم ، إذ هو فيمن لا يكفر العبيديين الذين لا يقلّون كفرا عن طواغيت هذا الزمان ، وإياك ثم إياك أن تزل بك قدم الإفراط والمغالاة فتصير ممن جعل هذه القاعدة أصل الدين ، يدور الإسلام عنده معها وجودا وعدما ، فيعقد على موافقته على تكفير من يكفرهم عقد الولاء والبراء ، والمؤاخاة والمعاداة ، فمن كفر من يكفرهم فهو له ولي حميم ؛ ولو كان من شر الخلق والخليقة ، ومن خالفه في ذلك عن جهل أو اجتهاد ؛ فهو من أعدائه بل من أعداء الله الكافرين !! أسأل الله تعالى أن يُجنّبني وإياك مواقع الزلل ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
    وأذكرك في ختام هذا الموضع ، وقبل أن أنتقل إلى غيره بقوله رحمه الله تعالى في الفتاوى: ( فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا ، ومن ممادح أهل العلم ؛ يخطّؤون ولا يكفّرون.
    وسبب ذلك أن أحدهم يظن ما ليس بكفر كفرا ، وقد يكون كفرا ، لأنه تبين له أنه تكذيبٌ للرسول وسبٌ للخالق ، والآخر لم يتبين له ذلك.
    فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله ، أن يكفر من لم يعلم بحاله ) أهـ منهاج السنة (3/63).
  10. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Mar 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 7
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضاً ؛ التكفير بالمآل أو بلازم القول وهو أن لا يصرّح المكلف بقول مكفر، وإنما يصرح بأقوال يلزم عنها الكفر، وهو لا يعتقد ذلك اللزوم( )، بل ربما كان لا يعرفه ولا خطر له على بال، فإن لم يعرف صاحب القول لازمه ويلتزمه، فلا يجوز إلزامه به، أو تقويله إياه أو نسبته إليه، ومن ثم تكفيره بذلك اللازم.
    وقد رأيت من الغلاة في زماننا من يتتبع العثرات، ويصطاد في الماء العكر، فيكفّر بلازم الأقوال بل وبلازم اللازم…!!
    يقول ابن حزم رحمه الله: ( وأما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً. بل قد أحسن إذ قد فرّ من الكفر.. ) إلى أن قال: ( فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسّن به قبحه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط ) أهـ. الفصل (3/294).
    فالصواب المقرر عند العلماء أن ( لازم المذهب ليس بمذهب ).
    فقد يتبنى المرء قولاً أو مذهباً معيناً، ولا يلتزم بلوازمه المكفرة أو غير المكفرة… وإن تناقض.
    وهذا كقول المعتزلي في صفات الله: (عالم ولكن لا علم له) و(حي لا حياة له). فإنه يثبت العلم، وأن الله عالم وأن الله حي، ولا يُكّذب بشيء من ذلك حتى يُكَفّر. ولكن قوله "لا علم له ولا حياة له" يوقع الاشتباه بتكفيره، إذ أن نفي العلم والحياة، يلزم منه أن لا يكون الله عالماً ولا حياً… ولكن المعتزلي لا يلتزم بذلك، بل يقر بأن الله تعالى عالم، فلا يكون نفيه للعلم نفياً بأنه عالم… وهذا الإشكال يوجب تخبط المعتزلة، وتناقضهم وضلالهم، ولكن لا يلزم منه وحده تكفيرهم…( ).
    يقول القاضي عياض بعد أن ذكر خلاف العلماء في تكفير من جهل بعض صفات الله تعالى: (فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال: أقول عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كَفّره؛ لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم، فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم.
    ومن لم يأخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم، قال لأنهم إذا وُقفوا على هذا قالوا، لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفرٌ بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه.
    فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.
    والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحكم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم، والصلاة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم، لكنّهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبراً، ولا قطعوا لأحد منهم ميراثاً، لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافاً لمن رأى غير ذلك والله الموفق للصواب) أهـ. (2/293-295) الشفا.
    ومن أمثلة ذلك أيضاً، خلاف العلماء في تكفير الخوارج الذين لم يصرّحوا بالكفر أو يرتكبوا سبباً من أسبابه الصريحة، وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إلى الكفر. كما أشار القاضي آنفاً ونقل عن المازري قوله: (اختلف العلماء في تكفير الخوارج، وقد كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالاً من سائر المسائل، ولقد رأيت أبا المعالي وقد رغب إليه الفقيه عبد الحق رحمهما الله تعالى في الكلام عليها فرهب له من ذلك، واعتذر بأن الغلط فيها يصعب موقعه؛ لأن إدخال كافر في الملّة وإخراج مسلم منها عظيم في الدين، وقد اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر الباقلاني وناهيك به في علم الأصول، وأشار ابن الباقلاني إلى أنها من المعوصات؛ لأن القوم لم يصرّحوا بالكفر. وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إليه…) أهـ. من شرح مسلم للنووي (7/142). وانظر فتح الباري (كتاب استتابة المرتدين…) باب (من ترك قتال الخوارج…) وانظر الشفا (2/276-277).
    وكذلك مرجئة الجهمية فإنه يلزم من تعريفهم للإيمان بأنه المعرفة ؛ إيمان فرعون لقوله تعالى: (( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم )) (14- النمل ). ولقول موسى كما أخبر تعالى: (( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض)) (الإسراء: 102).
    وإيمان اليهود والنصارى. لقوله تعالى: (( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم )) (البقرة: 146).
    وإيمان إبليس لمعرفته الله ومعرفته بوحدانيته، فإنه لم يكذب خبراً ولم يجحد، إذ أن الله أمره بلا رسول، ولكن جمهورهم لا يلتزمون ذلك، ولو التزموه لكفروا به؛ لأن فيه تكذيب صريح لنصوص الكتاب المكفرة للمذكورين.
    فلا يجوز والحال كذلك إلزامهم به وإن تناقضوا ، ما لم يصرحوا بالتزامه، وإن كان من السلف كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل من أطلق كفر من قال أن الإيمان مجرد معرفة القلب ، وقد كفروا غلاتهم لأشياء أخرى، لكن لمن جادلهم وناظرهم أن يستدل على فساد مذهبهم في الإيمان، بإيراد مثل هذه اللوازم الفاسدة عليهم. فإن فساد اللازم يستدل به على فساد الملزوم.
    فمن التزمها منهم كالاتحادية والحلولية من الجهمية كفر بالتزامه لها، وإلا فلا يحل إلزامهم بها ماداموا يدفعونها ويردونها وإن تناقضوا ، أو كفروا من أبواب أخرى.
    ومن أمثلة هذا الباب في واقع اليوم بين بعض الشباب ؛ زعم بعضهم أن عدم تكفير المشركين أو الطواغيت وأنصارهم. يلزم منه موالاتهم،وعدم البراءة منهم ، ومن ثم فكل من لم يكفرهم. فهو كافر، لقوله تعالى: (( ومن يتولّهم منكم فإنه منهم )).. إذ عدم تكفيرهم وعدّهم من المسلمين يجعل لهم نصيباً من الموالاة الإيمانية، ولا يخرجهم من دائرتها، لأن المسلم لا تجوز البراءة الكلية منه، وهذا أحد تخريجاتهم لقاعدة ( من لم يكفر الكافر فهو كافر )..
    وبعضهم يوجه ذلك توجيهاً آخر فيقول: مادام الكفر بالطاغوت شطر التوحيد وشرطه ، فمن لم يُكفّر الطواغيت لم يَكفُر بالطاغوت ومن ثم فهو لم يحقق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، والذي جعله الله تعالى العروة الوثقى وعلق سبحانه النجاة بها. حيث قال: (( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها…)).
    فمن لم يكفر بالطاغوت ويبرأ منه لم يحقق التوحيد ولم يستمسك بعروة النجاة الوثقى ومن ثم فهو من الهالكين ، والتوجيهان في حقيقتهما يرجعان إلى شيء واحد ؛ وهو إلزام المخالف بعدم البراءة من الطاغوت وبموالاته مادام عنده مسلماً.
    وبالطبع فتكفيرهم بهذا اللازم جعلهم يخرجون من الإسلام جماعات وجماهير عوام المسلمين في هذا الزمان ؛ بل وكفّروا خواصهم من المجاهدين والدعاة وطلبة العلم والعلماء، بناء على عدم تكفيرهم لبعض المشايخ الذين لهم اتصال بالحكومات. وذلك تبعاً لتوسيعهم لمصطلح الطاغوت الواجب الكفر به كشرط لتحقيق التوحيد.
    فالشيخ الفلاني أو العلاني المتصل بالحكومة الطاغوتية، ولا يُكفّرها، قد صنّفوه من الأحبار والرهبان فهو إذن طاغوت، ومن ثم فمن لم يكفّره لم يكفر بالطاغوت ولم يحقق التوحيد!!
    وذلك استدلالاً بقوله تعالى: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله…)). والصحيح أن الأحبار والرهبان والعلماء شأنهم شأن النواب المشرعين والأمراء والرؤساء والملوك. لا يعتبرون أرباباً لكل من لم يكفرهم… وإنما يصيرون أرباباً وطواغيت معبودين لمن تابعهم على كفرهم وأطاعهم في تشريعاتهم… وهذا هو (اتخاذهم أرباباً) وعبادتهم كطواغيت كما جاء مفسراً في حديث عدي بن حاتم: ( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرّم الله فتحلونه؟)( )… ولذلك ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد في باب (من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله).
    فلا يكون اتخاذهم أرباباً وطواغيت معبودين بمجرد عدم تكفيرهم، دون اقتراف ذلك أو التزامه. ويتأكد ذلك إذا كان عدم تكفيرهم لشبهة قيام مانع من موانع التكفير أو جهل نص أو عدم بلوغه ، أو خفاء دلالة النصوص أو تعارضها في أذهان العوام الضعفاء في العلم الشرعي.
    ومجرد ضلال العالم أو إضلاله أو تلبيسه أو اتصاله بالحكومات الكافرة وإن صار به رأس ضلالة، أو أدى إلى كفره باقتحام أي سبب من أسباب الكفر، لا يلزم منه كونه طاغوتاً…
    إذ كل طاغوت كافر، وليس كل كافر طاغوتا.
    والخلاصة أنه إنما يصير طاغوتاً إذا انطبق عليه تعريف الطاغوت المستفاد من الشرع: وهو كل من عبد من دون الله بأي نوع من أنواع العبادة التي يكفر من صرفها لغير الله ، وهو راضٍ بذلك.
    كأن يشرّع من دون الله ما لم يأذن به الله ، أو يُتحاكم إليه في غير ما أنزل الله ، أو نحو ذلك مما يندرج تحت هذا التعريف الشرعي – لا التعريفات اللغوية العامة التي قد يدخل تحتها العصاة والظلمة وغيرهم ، ولا اصطلاحات البعض المطاطة التي يدخلون تحتها ما يهوون ويشتهون.
    فمن كان من الناس يتحاكم إلى عالم أو كاهن أو غيره بغير ما أنزل الله أو يتابعه على تشريع ما لم يأذن به الله كتحريم الحلال أو تحليل الحرام أو استبدال أحكام الله التي وضعها للخلق أو تغيير حدوده التي حدها للناس ، فهذا قد اتخذه ربّاً من دون الله وطاغوتاً.. وهذا هو الذي لا يصير مسلماً وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم حتى يبرأ من طاغوته ويكفر به… سواء كان يكفّره أم لم يكن يكفره…
    هذا من جهة…
    ومن جهة أخرى، فإن ما ألزم به أصحاب هذا القول، من لا يكفّر الطواغيت وأنصارهم من لزوم موالاتهم وعدم البراءة منهم… لا يلتزمه أكثر الناس… وما يترتب عليه بعد ذلك مما رتبوه لا يلزم إلا من صرّح بالتزامه بقول أو عمل صريح. أي إذا أتى بمكفرٍ صريح ظاهر من الأقوال أو الأفعال المكفرة… التي هي أسباب الكفر، وما لم يأت بشيء من ذلك فلا يلزمه شيء من تلك اللوازم.
    والأمثلة كثيرة من واقع اليوم على عدم التزام أكثر الناس بتلك اللوازم، وإن تناقضوا كتناقض المعتزلة المتقدم… ولكن التناقض والتخبط والجهل شيء غير التكفير الذي لا يكون إلا بسبب من أسباب الكفر الظاهرة..
    وقد ناظرت في أوقات مختلفة، أفراداً من جماعات إسلامية مختلفة في هذا الباب… وعندما كنت أورد عليهم شيئاً من هذه اللوازم التي تلزم من عدم تكفير الطواغيت، كان أكثرهم لا يلتزموها… وكنت أحاججهم وأحرجهم بإظهار تناقضهم، ولكنهم، غالباً ما كانوا يرضون بهذا التناقض، على أن يلتزموا شيئاً من تلك اللوازم المكفرة… ومنها الإقرار بموالاة الطاغوت أو حكمه وشرعه –الذي يقر أكثرهم بأنه حكم وشرع كفري-.
    وأذكر أني ألزمت بعضهم بأنه لا يجوز له أن يبرأ من الطاغوت براءة كلية لكونه مسلماً عنده. فالتزم ذلك.
    فلما قلت له: إذن أنت تتولاه…؟ لم يلتزم ذلك، مع أن عدم البراءة منه وتوليه هما في الحقيقة شيء واحد، لكن لما نصّ الله على كفر من تولى الكفار، صار ذلك أمراً محذوراً عند القوم لم يصرحوا بالتزامه فلا يصح إلزامهم به ما لم يلتزموه قولاً أو عملاً. كما لا يصح إلزامهم بلازم اللازم، وإن تخبطوا وتناقضوا ، فليس شغلنا الشاغل التنقيب أو التنبيش عن أسباب كفرهم ما لم يظهروها ، وليس همّنا تكفيرهم أو تكفير غيرهم على أي حال ، فالتكفير الذي يلزم له مقارفتهم لسبب من أسباب التكفير الظاهرة شيء ، ومجرد تناقضهم دون مقارفة ذلك شيء آخر.
    ثم تخبطهم ليس بموقوف على هذا الأمر، فترى كثيراً منهم في المقابل يبرؤون من خصومهم من الموحدين، المنابذين للطواغيت براءة أشد من براءتهم من الكفار. بل ويعلن ذلك كثير منهم على صفحات الصحف العلمانية الكافرة… وكم شاهدناه.
    فيعادونهم ويفترون عليهم وينتهكون حرماتهم، ويهدرون حقوقهم الإسلامية، ويعاملونهم معاملة الكفار، وإذا ألزمتهم تكفيرهم أو بغضهم وعداوتهم لما يحملونه أو ينتهجونه من دين وتوحيد وجهاد لم يلتزموا ذلك ، فهذا من تخبطهم وتناقضهم الكثير( ).
    بل إن بعض الناس يرى جواز قتال الحكام والخروج عليهم ومنازعتهم مع كونه لا يكفرهم، فكيف يمكن إلزام أمثال هؤلاء بتولي الحكام كلازم من لوازم عدم تكفيرهم؟
    ومن الأمثلة العملية الصارخة على هذا ؛ (جهيمان) رحمه الله ومن كانوا معه، فقد خالطت جماعته مدة وقرأت كتبهم كلها وعشت معهم وعرفتهم عن قرب، فجهيمان رحمه الله لم يكن يكفر حكام اليوم لقلة بصيرته في واقع قوانينهم وكفرياتهم، وكذلك كان أمر الحكام السعوديين عنده… وقد صرّح بذلك في كتاباته، كما في (كشف الالتباس) و(الإمارة).
    ولكنه كان بالفعل، سخطة عليهم وغصّة في حلوقهم وأشد عليهم من كثير ممن يكفرونهم… فكان يطعن في بيعتهم ويبطلها، ولا يسكت عن شيء من منكراتهم التي يعرفها… حتى خرج في آخر أمره عليهم وقاتلهم هو ومن كانوا معه في فتنة الحرم عام (1400هـ).
    ولا يعنيني هنا ما رافق تلك الفتنة وسبقها من تأويلات حول المهدي وبيعته، وظنهم أنه كان واحداً منهم.
    وإنما الذي أريد قوله هنا، أن الرجل مع أنه لم يكن يكفرهم، فهو لم يكن يواليهم أو يحبهم، بل كان يعاديهم ويبغضهم وينازعهم ويطعن في بيعتهم ، ويعتزل هو وجماعته وظائفهم الحكومية كلها () ، كما اعتزلوا مدارسهم وجامعاتهم، بل وتخلّصوا من وثائقهم وجوازاتهم، ثم قاتلوهم في آخر الأمر، وكان قبل ذلك بمدة مطارداً مطلوباً لهم، يدعو ويتنقل خفية، إلى أن ظفروا به في الحرم وقتلوه بعدها.
    فهذا مثال صريح من الواقع على فساد إطلاق تلك اللوازم المتقدمة على كل من لم يُكفّر الطواغيت.
    وأيضاً فمعلوم أن التولي المكفر هو نصرة الكفار على الموحدين أو نصرة الكفر نفسه سواء باللسان أو السنان. أي بأن يظهره المرء كسبب من أسباب الكفر القولية أو العملية الظاهرة. فهذا هو الذي يمكن التكفير به في أحكام الدنيا. أما ما بطن وخفي من ذلك كدعوى أن من لا يكفرهم لابد وأنه يتولاهم، وإن لم يظهر منه شيء بلسانه أو فعاله، فهذا لا أثر له في أحكام الدنيا، ولا يصلح التكفير به، ولا بأمثاله من المغيبات والظنون والتخرصات، وما لم يلتزم المرء بشيء من تلك اللوازم قولاً أو عملاً، فلا يجوز إلزامه بها، ومن ثم تكفيره… وإن تناقض وتخبط في مذهبه واختياره.
    وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: (هل لازم المذهب مذهب أم لا؟).
    فأجاب: (الصواب أن {لازم} مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبا عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال، غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو أكثر، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها لكن لم يعلم أنها تلزمه، ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي ألا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة.. ) إلى قوله: (لكن نعلم أن كثيراً ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله، بل كثير منهم يتوهم أن الحقيقة ليست إلا محض حقائق المخلوقين( ). وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة والمجاز، وقولهم افتراء على اللغة والشرع…) أهـ. مجموع الفتاوى (20/121) (ط. دار ابن حزم) وما بين المعكوفين زيادة يقتضيها السياق، سقطت من المطبوع.
    وقال فيها أيضاً (29/25-26): ( فلازم قول الإنسان نوعان:
    أحدهما: لازم قوله الحق: فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره.
    والثاني: لازم قوله الذي ليس ( )بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا ( )يلزمه.
    وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله، وإن كان متناقضاً) أهـ.
    وقال تلميذه ابن القيم في قصيدته النونية الموسومة (بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية):
    من عارفٍ بلزومها الحقانِ
    قصد الّوازم وهي ذات بيان
    قد كان يعلمه بلا نكران
    إذ كان ذا سهو وذا نسيان
    العلماء مذهبهم بلا برهان (ولوازم المعنى تراد بذكره
    وسواه ليس بلازم في حقه
    إذ قد يكون لزومها المجهول أو لكن عرته غفلة بلزومها
    ولذاك لم يك لازماً لمذاهب
    نقلاً عن شرح القصيدة لأحمد بن عيسى (2/394).
    وخلاصة كلامه في هذه الأبيات؛ أن لوازم المذهب ليست بمذهب، إلا أن يكون صاحب المذهب عارفاً عالماً بلزومها لمذهبه فيلتزمها… ومادام جاهلا بتلك اللوازم أو غافلاً عنها ناسياً لا يشعر بها، فلا تلزمه، ولا يجوز إلزامه بها بلا برهان.
    وقال الذهبي (748هـ): (لا ريب أن بعض علماء النظر بالغوا في النفي، والرد والتحريف والتنزيه بزعمهم، حتى وقعوا في بدعة، أو نعت الباري بنعوت المعدوم.
    كما أن جماعة من علماء الأثر، بالغوا في الإثبات وقبول الضعيف والمنكر( )، ولهجوا بالسنة والاتباع. فحصل الشغب ووقعت البغضاء، وبدّع هذا هذا، وكفر هذا هذا، ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نكفّر مسلماً موحداً بلازم قوله، وهو يفر من ذلك اللازم، وينزه ويعظم الرب) أهـ. (الرد الوافر لابن ناصر الدين) ص(48).
    وقال أبو إسحاق الشاطبي (790هـ) في الاعتصام (2/229): (الذي كنا نسمعه من الشيوخ أن مذهب المحققين من أهل الأصول؛ "أن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال" كيف والكافر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار، ويرمي مخالفة به [ولو]( ) تبين له وجه لزوم الكفر من مقالته لم يقل بها على حال) أهـ.
    ويقول أيضاً في الكتاب نفسه: (ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول. والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون، ويرون أنه رأي المحققين أيضاً، أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك إذا قرّر عليه، أنكره غاية الإنكار) أهـ.
    وأورد السخاوي في فتح المغيث (1/334) مقالة شيخه ابن حجر حيث قال: (والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعُرض عليه فالتزمه… أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً) أهـ.
    وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (1376هـ): (والتحقيق الذي يدل عليه الدليل أن لازم المذهب الذي لم يصرح به صاحبه ولم يشر إليه، ولم يلتزمه ليس مذهباً؛ لأن القائل غير معصوم، وعلم المخلوق مهما بلغ فإنه قاصر، فبأي برهان نلزم القائل بما لم يلتزمه، ونقوّله ما لم يقله، ولكننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم فإن لوازم الأقوال من جملة الأدلة على صحتها وضعفها وعلى فسادها، فإن الحق لازمه حق، والباطل يكون له لوازم تناسبه، فيستدل بفساد اللازم –خصوصاً اللازم الذي يعترف القائل بفساده- على فساد الملزوم) أهـ ص (113) (توضيح الكافية الشافية).
    والخلاصة؛ أن التكفير باللازم والمآل من المعوصات كما تقدم عن العلماء. وقال الشوكاني: (التكفير بالإلزام، من أعظم مزالق الأقدام، فمن أراد المخاطرة بدينه، فعلى نفسه جنى) أهـ. من السيل الجرار (4/580). )



    وبغض النظر عما ورد فى النقل -وعذرا للاطالة فيه ولكنها محتمة هاهنا ليكون الجميع على دراية بتفصيل قول (من لم يكفر الكافر) ومدى هلهلته وتلبيسه على الناس وعدم ضبطه للمسائل التى يتناولها كدليل على مذهبه فى عدم تكفير من لم يكفر الكافر الذى وقع فى اصل الدين مع انها لا تشمله لا من قريب ولا من بعيد وخلطه بين صور المحكوم عليه بالكفر للتمويه ولا ارى وجها لذلك غير ذلك-

    فاننا نستطيع ان نستخلص بسهولة ان الاخ عمر الفاروق قد اراد الرد على مثل ما قاله المقدسى فطرح هذا السؤال هنا وقصد به على ما ظهر لى ادلة عدم الاعذار بالتاويل والذى يستخدمه المقدسى وغيره كذريعة عظمى وكوسيلة راسية وكمانع اصيل لعدم تكفير من هو مثل ابن باز وابن العثيمين وغيرهما الكثير
    وطرح السؤال الاخر ومفاده هل يصح تكفير المشركين بلازم قولهم مع ان المذهب الصحيح ان لا، واذا كان ذلك كذلك ولا ريب فيه فكيف نرى الشيخ حلمى وغيره يكفرون به ويقصرون اسباب التكفير فى بعض مصنفاتهم فى اسباب الكفر فيها يكون بلازم القول كقول الشيخ حلمى فى كتابه الفوائد عن تطبيق القاعدة (وذلك لسببين الاول انه بذلك رد حكم الكتاب المحكم الثانى انه بذلك تولى المشركين)
    -مع اعتقاد صاحب الموضوع بتكفيرهم بمذهبهم بما لا يدع مجالا للشك كما صرح به -
    وقد صرح هنا ايضا بانه لا يعذر بالجهل ولا التاويل واذا قرا احد كلام الرجل بتجرد لوجد انه لا يخرج عن كونه يريد ان يستوثق لنفسه من اعتقاده بالادلة النقلية من باب ولكن ليطمئن قلبى –ولو دققنا النظر فى ادلة عدم العذر بالجهل لوجدنا منها مايصح ان يكون دليلا على عدم العذر بالتاويل- كما اكد على ذلك وصرح به فلما التحامل عليه ، الم يكن الاحرى ان نجيبه الى طلبه يا اخ وضاح ان المشرك الذى تعلم شركه لو جاءك لتوجب عليك ان تلتزم معه بقوله تعالى (وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثن ابلغه مامنه) فما بالك وقد جاءك يسعى ويصرح ببعده عما يدور حوله كلامك بتصريحه بمعتقده و كلامه الذى ساقه للتحذير من الغلو فى التكفير لا يشوبه شائبة لانه ببساطة لم ياتى بقول من عند نفسه ولم يقل برايه وفى النهاية دعانا الى ما دعا اليه القران (تعالو الى ما انزل الله والى الرسول) فهل بعد هذا الكلام كلام وهل نعيب على غيرنا الا عدم انسياقهم لذلك وتحقق قوله تعالى (واذا قيل لهم تعالو الى ما انزل الله والى الرسول رايت المنافقين يصدون عنك صدودا) فيهم وهل نتعبد الى الله الا بالدليل ام نتعبد اليه بغير ذلك (نبئونى بعلم ان كنتم صادقين)
    المشكلة انى وجدت الغلظة فى الحوار متحققة فى كثير من اعضاء هذا المنتدى بالذات وهذا فيه صد وتنفير للكثيرين فلما هذا واين نحن من اسلوب دعوة الرسول (ص) وانا اذ اقول ذلك فانى لا اقصده فى حقيقة الدعوة بل فى طريقة عرضها
    ...
    وعذرا ان اطلت فى ذلك فقد رايتها كلمة حق لابد ان يصدع بها ولا اخص بها شخصا بعينه بل اخص كل احد ان يعامل ويحاور الاخر بما علمنا اياه النبى (ص) خاصة وان كان يريد التعلم ساعيا اليه
    وفقنا الله واياكم لما يحب ويرضى وفى انتظار الرد الذى سيعده لنا الاخ وضاح



    ولا يقال ان الشيخ حلمى قد ذكر فى موضع اخر اسباب اخرى وفيها التكفير بالمذهب نفسه لا بلازمه لان ذلك يفيد فى ضبط المسألة جيدا حتى لا يتسرب اليها اوهام الموهمين الملبسين
  11. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    عضو
    المشاركات: 74
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين , وأشهد أن لا إله إلا الله ناصر المؤمنين ومذل الكفرة المجرمين , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين , أما بعد :

    * التأويل
    مفهومه - معانيه - أمثلةعليه
    تعريف كلمة التأويل في اللغة: أصل هذه الكلمة مادة (أول).
    وهذه المادةتدور حول معاني الرجوع، والعاقبة، والمصير، والتفسير.
    وهذا يعني أن تأويل الكلامهو الرجوع به إلى مراد المتكلم، وإلى حقيقة ما أخبر به.
    معاني التأويل فيالاصطلاح: صار لفظ التأويل - بتعدد الاصطلاحات - مستعملاً في ثلاثة معانٍ [1]:
    * أحدها: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترنبه.
    وذلك مثل تأويل معنى (يد الله) بـ: النعمة، أو القدرة.
    ومثل تأويل (استواء الله على عرشه) بـ: الاستيلاء، وهكذا...
    وهذا المعنى من معاني التأويلهو اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله، وهو الذي عناه أكثر منتكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات، وترك تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم،وحق أو باطل؟
    قال ابن حزم -ر حمه الله - في هذا المعنى من معاني التأويل: (التأويل نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر؛ فإن كاننقله قد صح ببرهان، وكان ناقِلُه واجبَ الطاعة - فهو حق.
    وإن كان نقله بخلاف ذلكاطُّرح، ولم يلتفت إليه، وحُكم لذلك النقل بأنه باطل) [2].


    * شروط التأويل الصحيح: يشترط لصحة التأويل بمعناه عند المتأخرين شروط هي:
    1-
    أن يكون اللفظ المرادُتأويله يحتمله المعنى المؤول لغة أو شرعا؛ فلا يصح -على هذا- تأويلات الباطنية التيلا مستند لها في اللغة أو الشرع، بل ولا العقل.
    2-
    أن يكون السياق محتملاً، مثللفظ (النظر) فهو يَحْتَمل معانيَ في اللغة، ولكنه إذا عدِّي بـ: (إلى) لا يحتمل إلاالرؤية.
    3-
    أن يقوم الدليل على أن المراد هو المعنى المؤول.
    4-
    أن يسلم دليلالتأويل من معارض أقوى؛ فإذا اختل شرط من الشروط فهو تأويل فاسد.
    - مثال للتأويلالصحيح:
    قال الله - عز وجل -: [نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ] (التوبة: 67).
    فقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النسيان هنا هو الترك.
    وقددل على هذا التأويل تصريحاً قوله - تعالى -: [وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً] (مريم: 64).
    وقوله: [فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى] (طه: 52)[3].


    * حكمالتأويل بمعناه الحادث عند المتأخرين:
    1- قد يكون صحيحاً إذا اجتمعت فيه الشروط - كما مر -.
    2-
    قد يكون خطأ كتأويلات بعض العلماء الذين أخطأوا في تأويل بعضنصوص الصفات.
    3-
    قد يكون بدعة كتأويلات الأشاعرة، والمعتزلة.
    4-
    قد يكونكفراً كتأويلات الباطنية.


    * سبب ظهور مصطلح التأويل:
    يبدو أن ذلك كان إبان ظهورالقول بالمجاز الذي هو قسيم الحقيقة.
    ومن هنا فإن مصطلحي: التأويل والمجازمتلازمان.


    * المعنى الثاني من معاني التأويل: التفسير:
    التفسير في اللغة: أصلهذه الكلمة مادة: (فسر).
    وهذه المادة تدور في لغة العرب حول معنى البيان،والكشف، والوضوح[4].
    التفسير في الاصطلاح: هو بيان المعنى الذي أراده اللهبكلامه [5].
    وعرفه ابن جُزي - ر حمه الله - بقوله: (معنى التفسير: شرح القرآن،وبيان معناه، والإفصاح عما يقتضيه بنصه، أو إشارته) [6].
    وعرفه الزركشي -ر حمهالله - بقوله: (علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه " وبيان معانيه،واستخراج حكمه وأحكامه) [7].
    وهذا المعنى من معاني التأويل معنى صحيح معروف عندالسلف.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ر حمه الله - في معرض حديث له عن أنواعالتأويل: (والثاني: أن التأويل بمعنى التفسير.
    وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسريالقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: (واختلف علماءالتأويل).
    ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاء التفسير عن مجاهد فحسبكبه، وعلى تفسيره يعتمد الشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم؛ فإذا ذكر أنهيعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره)[8].
    والنصوص الواردة عن العلماءفي هذا الصدد كثيرة لا تكاد تحصر، ومنها قول الشافعي في كتابه الأم في أكثر منموضع: (وذلك - والله أعلم - بيِّن في التنزيل مستغنىً به عن التأويل) [9].


    * المعنى الثالث من معاني التأويل:
    الحقيقة التي يؤول إليها الكلام: كماقال - تعالى -: [هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُيَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ] (الأعراف: 53).
    وهو معنى شرعي معروف عند السلف.
    وهذا النوع من التأويل: هوعين ما هو موجود في الخارج، أي أن حقيقة الشيء الموجودة في الخارج - أي الواقع - هيتأويله خبراً كان أم إنشاءاً.
    والكلام ينقسم إلى خبر أو إنشاء، وتأويل كلٍّمنهما يختلف عن الآخر - كما سيأتي في الفقرة التالية -.
    تفصيل معنى التأويلبمعنى الحقيقة إذا كان خبراً أو إنشاءاً:
    قبل الدخول في ذلك يحسن بيان معنىالخبر والإنشاء بإيجاز.
    فالكلام ينقسم باعتبار دلالته - عند المتكلمين،والأصوليين، واللغويين، وأهل المعاني من البلاغيين وغيرهم - إلى خبر وإنشاء، وبعضهميقول: خبر وطلب.
    وذلك إذا تكلموا على دلالات الألفاظ.
    تعريف الخبر: هو مااحتمل الصدق والكذب لذاته بقطع النظر عمن أضيف إليه؛ فإذا أضيف إلى الله ورسوله " قطع بصدقه.
    والخبر يدور بين الإثبات مثل قوله -تعالى-: [الرَّحْمَنُ عَلَىالْعَرْشِ اسْتَوَى] (طه: 5).
    والنفي مثل قوله -تعالى-: [لَيْسَ كَمِثْلِهِشَيْءٌ] (الشورى: 11).
    ومن أمثلة الخبر في الإثبات جاء زيد، وفي النفي ما جاءزيد، وهكذا...
    تعريف الطلب أو الإنشاء: هو ما لا يحتمل الصدق والكذبلذاته.
    وذلك لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يطابقه أو لايطابقه.
    ويدخل تحت الإنشاء أو الطلب أنواع عديدة أشهرها: الأمر، والنهي،والاستفهام، والتمني، والنداء.
    فإذا قلت: قم، أو لا تقم، أو هل أنت قائم، أوليتك تقوم، أو يا قائم - كان كلامك كله داخلاً في باب الإنشاء؛ لأنه لا يحتمل الصدقوالكذب لذاته.
    بخلاف ما إذا قلت: جاء زيد، أو ما جاء؛ فذلك داخل في بابالخبر.
    هذا وإن أشهر أنواع الإنشاء والطلب: الأمر والنهي.
    هذه نبذة ميسرة عنالخبر والإنشاء والطلب.


    * وبعد هذا نأتي إلى التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان خبراًأو طلباً :
    التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان خبراً: تأويل الأخبار: هو حقيقتها،ونفس وجودها.
    فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائقالأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماءوالصفات.
    وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعدوالوعيد.
    وتأويل قيام الساعة، وما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب، والنكاح،هو الحقائق الموجودة أنفسها [10].
    وتأويل رؤيا يوسف -عليه السلام- هو وقوعها فيالخارج، وتحققها، وهكذا...
    إلى غير ذلك من الأمثلة التي يصعب حصرها.
    فهذا هوالتأويل بمعنى الحقيقة إذا كان خبراً.
    التأويل بمعنى الحقيقة إذا كان طلباً: الطلب: إما أن يكون أمراً، وإما أن يكون نهياً؛ فالأمر: طلب الفعل، والنهي: طلبالكف.
    فإذا كان الطلب أمراً فتأويله: هو نفس الفعل المأمور به، أي امتثاله،والعمل به.
    وإذا كان الطلب نهياً فتأويله: هو نفس اجتناب المنهي عنه، أيتركه.
    - أمثلة لتأويل الأمر:
    1- قالت عائشة - رضي الله عنها -: كان النبي - صلىالله عليه وسلم - يقول في ركوعه، وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفرلي) يتأول القرآن [11].
    وتعني بذلك قوله -تعالى-: [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَوَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً] (النصر:3).
    وتريد بذلك أنه يعملبأوامر القرآن، ويفعل ما أمر به فيه؛ حيث أمر في آخر حياته أن يسبح بحمد ربهويستغفره، فكان يتأول القرآن، أي يعمل به، ويطبقه؛ فنفس فعله هذا هو تأويل الأمر،وهو قوله -عز وجل-: [فَسَبِّحْ] و[اسْتَغْفِرْهُ].
    2-
    وعن سعيد بن جبير -ر حمهالله - عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: (أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكرأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: [فَأَيْنَمَاتُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ] (البقرة: 115)) [12].
    ومعنى قوله: (يتأول): أي يطبق ويمتثل.
    3-
    ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن الثوري -ر حمه الله - أنهبلغه أن أم ولد الربيع ابن خثيم قالت: (كان الربيع إذا جاءه السائل يقول لي: يافلانة أعطي السائل سُكَّراً؛ فإن الربيع يحب السُّكَّر).
    قال سفيان: (يتأول قوله - عز وجل -: [لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ] (آلعمران: 92)) [13].
    أي يمتثل أمر الله - عز وجل - في الإنفاق مما يحبهالإنسان.
    والأمثلة على ذلك كثيرة جداً مثل قوله - تعالى -: [وَأَقِيمُواْالصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ] (البقرة: 43).
    فتأويل ذلك إقامة الصلاة وإيتاءالزكاة، وهكذا...
    فهذا - إذاً - هو تأويل الأمر بمعنى حقيقته.


    يتبع إن شاء الله . .
  12. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    عضو
    المشاركات: 74
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    - أمثلة لتأويلالنهي:
    1- قال الله - تعالى -: [وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى] (الإسراء: 32).
    فتأويل ذلك البعد عن قربان الزنا.
    2-
    وقل مثل ذلك في قوله - عز وجل -: [وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَتَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ] (الأنعام: 151).
    وهكذا...
    مثال يجمع بين تأويل الأمر والنهي والخبر: قال الله - تعالى - مخاطباً أم موسى -عليه السلام-:[وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِفَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِيإِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ] (القصص:7).
    فهذهالآية الكريمة اشتملت على أمرين، ونهيين، وخبرين؛ فالأمران في قوله -تعالى-: [أَرْضِعِيهِ]، وقوله: [فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ].
    وتأويل الأمرين إرضاعهالموسى، وإلقاؤه في اليم.
    والنهيان في قوله - تعالى -: [وَلا تَخَافِي وَلاتَحْزَنِي].
    وتأويلهما ترك الخوف، وترك الحزن.
    وقد فعلت ما تستطيع وإن كانفؤادها قد أصبح فارغاً، وكادت أن تبدي به لولا أن ربط الله على قلبها.
    والخبرانفي البشارتين في قوله - تعالى -:[إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْالْمُرْسَلِينَ].
    وتأويل هذين الخبرين وقوعهما في الخارج؛ حيث عاد موسى إلى أمه،وصار من المرسلين.
    - الفرق بين تأويل الخبر، وتأويل الطلب:
    الفرق هو أن الخبرلا يلزم من تأويله -أي وقوعه- العلم به؛ فهو واقع وإن لم يُعْلم به؛ فأشراط الساعةوأحوالها ستقع وإن لم يُعْلم بها.
    وكذلك حقائق أسماء الله وصفاته هي حقيقة وإنلم يُعْلم بها.
    فلا يلزم -إذاً- من تأويل الخبر العلم به.
    أما الطلب فلابد فيتأويله من معرفته والعلم به؛ ليُفعل أو يُجتنب؛ فإن كان الطلب أمراً فلابد فيإيقاعه وفعله وامتثاله من معرفة العلم به سواء كان واجباً كإقامة الصلاة، أومستحباً كالسواك.
    وإن كان الطلب نهياً فلابد من معرفته والعلم به؛ ليجتنب سواءكان النهي للتحريم أو الكراهة.
    توجيه قراءتي آية آل عمرآن:
    قال الله - عز وجل -: [هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّأُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْزَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءتَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِيالْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُإِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ] (آل عمران: 7).
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ر حمهالله -: (وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: [وَمَا يَعْلَمُتَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ].
    وهذا هو المأثور عن أُبَي بن كعب وابن مسعود وابنعباس وغيرهم.
    وروي عن ابن عباس أنه قال: (التفسير على أربعة أوجه:
    تفسيرتعرفه العرب[14]من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته[15]، وتفسير يعلمهالعلماء[16]، وتفسير لا يعلمه إلا الله[17] من ادعى علمه فهو كاذب).
    وقد روي عنمجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف علىابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية فأسأله عن تفسيرها.
    ولا منافاةبين القولين عند التحقيق)[18].
    ويعني بالقولين القراءتين: الوقف على قوله [إِلاَّ اللّهُ] والوصل.
    وقال في موضع آخر موجهاً كلتا القراءتين: (وكلا القولينحق باعتبار كما قد بسطناه في مواضع أُخَر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهماحق)[19].
    وخلاصة القول في توجيه القراءتين: أنه على قراءة الوقف يكون التأويلبمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، وعلى قراءة الوصل يكون التأويل بمعنىالتفسير؛ فمن قال: إنه لا يعلم تأويله إلا الله أراد الحقيقة، ومن قال: إنه يُعلمتأويله أراد التفسير.
    وعلى قراءة الوقف تكون الواو في قوله: [وَالرَّسِخُوْنَ ...] ابتدائية استئنافية.
    وعلى قراءة الوصل تكونعاطفة." منقول من ملتقى أهل الحديث للفائدة بتصرّف يسير.
    ...............................

    * هذا ما يسّر الله نقله مجموعاً في ذكر التأويل وقد جاء مثله متفرقاً في كلام أئمة الإسلام كابن تيمية وابن القيم وغيرهما رحمهم الله .
    فالتأويل منه المقبول ومنه المردود ومنه ما يكون صاحبه مبتدعاً ومنه ما يفضي بصاحبه إلى الكفر .

    * فالقضية لا تدور حول قاعدة خطها ابن عبد الوهّاب في نواقض الإسلام أو أوردها القاضي عياض في الشفا , ولكنها قضية التوحيد الذي لا يُقبل أي عمل من أي عبد إلا إذا كان محققاً له محافظاً عليه سالماً مما ينافيه ويناقضه من الكفر والشرك .
    وينقض هذا التوحيد موالاة أعداء الله وتسمية من أشرك في عبادة الله شيئاً مسلماً لمجرد أنهم قد أتوا بشيء من الشعائر التعبّدية ؛ فإن الصحابة قد كفّروا مانعي الزكاة وهو يصومون ويصلون , وعلماء المسلمين كفّروا الدولة العبيدية وأوجبوا الهجرة من أرضها إلى أرض التوحيد مع أن العبيديين كانوا يصومون ويصلون , وابن تيمية والعلماء في عصره كفّروا التتار رغم انتسابهم للإسلام واستحسانهم له وإقامتهم للصلاة وعمارتهم للمساجد لأن التتار كان لهم دستوراً يتحاكمون إليه من دون شريعة الله .
    فالقضية قضية التوحيد الذي هو حق الله على العبيد , أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتوالي أولياء الله , وأن تكفر بالطاغوت وتترك عبادته وتبغض أهله وتكفّرهم وتعاديهم . ومن شكّ في ذلك فقد اختلّ فيه شرط اليقين المنافي للشك . فهو وإن علمَ شيئاً من التوحيد وانقاد لشيءٍ من شرع الله إلا أنه لم يأتِ بما دلت عليه لا إله إلا الله من النفي والإثبات كاملاً ولكنه اجتزأ من التوحيد جزءاً يوافق هواه ويلامس عواطفه فأداه وأعرض عن باقيه .
    - مثل هذا الرجل كافر يعبد الله كما يريد هو , لا كما يريد الله منه .
    - فالتوحيد له حدود يتميز بها المؤمن من الكافر وتعرف بها سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين .
    فالعلماء الذين يتوقفون فيمن عبد شيئاً مع الله وتحاكم للقوانين من دون شرع الله ويتوقفون فيمن والى أعداء الله من العلمانيين والشيوعيين والصوفيين وغيرهم وعادى أولياء الله ممن ناصبوا الطواغيت العداء وانسلخوا من المجتمع الجاهلي المشرك فتبرأوا منه براءة إبراهيم والذين معه (عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام) من قومهم حتى يؤمنوا بالله وحده .
    أقول : هؤلاء العلماء – إن صحّ أن نسميهم علماءً – كفّار لم يرفعوا رأساً بما دلت عليه لا إله الله , وإعذارهم للمشركين من المجتمعات العربية وطواغيت الحكم فيها بالتأويل ما هو إلا ليٌّ لأعناق النصوص وصرفٌ لها عن ظاهرها بغير قرينة ؛ فهو بالتالي من التأويل الفاسد المردود وإن سموه تأويلاً لينطلي على الدهماء والأغمار فإنه تحريف للكلم عن مواضعه وتلبيساً من جنس تلبيس إبليس .

    يتبع إن شاء الله . .
  13. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    عضو
    المشاركات: 74
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    * ثم إنك قلما تجد قوماً أشركوا بالله ودانوا بغير دين الإسلام أو ببعض الإسلام دون بعض إلا وهم يزعمون فيما ذهبوا إليه تأويلاً لظاهر بعض النصوص أو فهماً سقيماً وتصوراً مريضاً يضربون به في صدر القطعيات التي يختلف فيها مؤمنان .!
    - فعباد الأصنام من كفار قريش وأحفادهم المتصوِّفة , تصوروا أن لهذه المنحوتات وأولئك الأموات مقاماً وقدراً عند الله فعبدوها لكي تقربهم إلى الله زلفى .
    - ويهود اليمن , جاءت الأخبار أنهم كانوا يقولون " نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؛ ولكنه للأميين ونحن أهل كتاب " ويزعمون أنهم متأولين لقول الله تعالى : { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ..} الآية .
    - ومانعوا الزكاة الذين جحدوا وجوب أدائها إلى الخليفة من بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , تأولوا قول الله تعالى : { خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها ..} الآية .
    - والروافض الغلاة تأولوا , والدروز تأولوا , وغلاة الجهمية تأولوا وغير هؤلاء كثيرون ؛ ومع ذلك لم يتردد أحدٌ في الحكم عليهم بالكفر والمروق من دين الإسلام ولم يعتذروا عنهم بأنهم يقولون لا إله إلا الله أو يصومون أو يصلون لأنه قد تقرر عند أهل العلم أن من أشرك فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين , وتقرر عندهم أيضاً أن التوحيد والشرك ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان ؛ إذا حلَّ أحدُهما رحل الآخر والعكس .
    - أما ما نراه من التمييع تحت شعار التأويل فهو من التلاعب في دين الله بعد أن لم يعد للدين سيفٌ يخطب بالحق على منابر رقوب الزنادقة والمتخاذلين .
    وحسبنا الله ونعم الوكيل , والحمد لله العزيز الجبّار المتكبّر والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

    ــــــــــــــــــــــــــــ

    * المراجع :
    [1] انظرالتدمرية لابن تيمية ص91-95.
    [2]
    الإحكام لابن حزم 1/43.
    [3]
    انظر إرشادالفحول للشوكاني ص177، والتوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية للشيخ فخرالدين المحيسي ص185.
    [4]
    انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس 4/504.
    [5]
    انظرمفهوم التفسير والتأويل د. مساعد الطيار ص54.
    [6]
    التسهيل لعلوم التنزيل لابنجزي 1/6.
    [7]
    البرهان للزركشي 1/13.
    [8]
    التدمرية ص92.
    [9]
    الأم للشافعي 7/319، وانظر 2/28 و 4/242.
    [10]
    انظر التدمرية ص96، والفتوى الحموية الكبرىلابن تيمية تحقيق د. عبدالمحسن التويجري ص290.
    [11]
    رواه البخاري (817) ومسلم (484).
    [12]
    تفسير الطبري 2/530.
    [13]
    الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4/133.
    [14]
    هو تفسير مفردات اللغة كمعرفة القرء، والنمارق، والناس، والليل،والنهار، والشمس، والقمر وغيرها.
    [15]-
    هو تفسير الآيات المكلف بها اعتقاداًكمعرفة الله، وتوحيده، واليوم الآخر، والإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وعملاً كمعرفة الطهارة، وكيفية الصلاة، وغيرها.
    [16]
    هو مما يخفى على غيرالعلماء، مما يمكن الوصول إلى معرفته، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ،والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، والمطلق والمقيد.
    [17]
    هو حقائق ما أخبر اللهبه عن نفسه، وعن اليوم الآخر؛ فهذه الأشياء تفهم بمعناها، ولا تدرك حقيقة ما هيعليه في الواقع.
    [18]
    التدمرية ص90-91.
    [19]
    الفتوى الحموية الكبرى ص290.


    * والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات , وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
  14. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 18
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    اللهم ارنا الحق و ارزقنا اتباعه
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع