1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 22
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    قاعدة تكفير من لم يكفر الكافر نثبتها لاسباب منها ان من لم يكفر الكافر يلزمه الرد والتكذيب لحكم الله ومنها ايضا ان عدم تكفيره الكافر يلزم منه انه يتولاه ولكن هذين السببين كما نرى من اللوازم ولازم المذهب ليس بلازم على الصحيح كما قرر ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية فمن اى وجه يكون اكفاره بهذين السببين
    ارجو الافادة

  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    عضو
    المشاركات: 55
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    شرح قاعدة من لم يكفر الكافرين أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم، كفر
    ونحن إذ نتناول هذا الناقض بالبيان والتفصيل ، ولكن يجدر بنا أن نُذَكِّر القارئ الكريم أن جميع نواقض الإسلام هذه مما لا يرد عليه الاجتهاد، بل إنها جميعاً مما صرحت به النصوص على النحو الذي يمتنع معه الاجتهاد أو الاختلاف الناشئ عن هذا الاجتهاد. ولذا فمن الهام جداً أن يعلم القارئ الكريم أن هذا الناقض الهام قد تكاثرت بالنص عليه الأدلة، وأنه يستند إلى النصوص والأصول الصريحة الصادقة، والتي لا يعارضها إلا أهواء النفوس وغربة هذا الدين، حتى بين من يدَّعون أنهم أهله.
    وحديثنا عن هذا الناقض يحتاج منا إلى مزيد من البيان والتفصيل بحسب ما يحمله من أهمية الأحكام التي تعلقت به، ولذا سيكون حديثنا المتناول لتفاصيل هذا الناقض من خلال محاور ثلاثة:
    المحور الأول:
    ونتناول فيه الأصول والأسس التي ارتبط بها وقام عليها أو دلت عليه.
    وتتعدد في هذا النصوص والأدلة وتتكاثر.
    المحور الثاني:
    ونتناول فيه نطاق تطبيق هذا الناقض الهام والضوابط الحاكمة عند هذا التطبيق.
    المحور الثالث:
    ونتناول فيه مناقشة بعض الشبهات التي يوردها بعض الناس للتشكيك في هذا الناقض للتفلت من تطبيقه أو الالتزام بأحكامه.
    والله تعالى المسئول أن يهدنا إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
    المحور الأول:
    عن أصل هذا الناقض والدليل عليه:
    فهذا الناقض الهام [من لم يكفر الكافر فهو كافر] يتعلق بالأساس بمبدأ المفاصلة كأحد الأركان الأساسية في توحيد الإلهية وشهادة لا إله إلا الله هذا التعلق الذي نستطيع أن نجده بوضوح من خلال زوايا وأصول صحيحة متعددة منها:
    أولاً:
    أن تعلق هذه المفاصلة بشق النفي من شهادة التوحيد.
    ثانياً:
    أن هذه المفاصلة هي مضمون سورة الإخلاص وما دلت عليه من توحيد الطلب والقصد.
    ثالثاً:
    أن المفاصلة تتعلق بعلاقة العبد بأعداء ربه.
    رابعاً:
    أن المفاصلة والبراءة من المشركين هي ملة إبراهيم.
    خامساً:
    أن مفاصلة المشركين هي دين جميع المرسلين.
    سادساً:
    علاقة المفاصلة بالولاء والبراء.
    سابعاً:
    علاقة المفاصلة بمذهب أهل السنة والجماعة.
    ثامناً:
    أن الرضى بالكفر كفر.
    وهذا ما نتناوله بالتفصيل بالنسبة لكل زاوية من هذه الزوايا


    أولاً: المفاصلة تتعلق بشق النفي من شهادة التوحيد:

    قال أهل العلم في شهادة التوحيد [لا إله إله الله]:
    فاعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات؛ نفي الآلهية عما سوى الله تعالى من المخلوقات، وإثباتها لله وحده أ.هـ.
    قال صاحب قرة العيون:
    وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة نفياً وإثباتاً، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله بقولك: [لا إله]، وأثبتت الإلهية لله بقولك: [إلا الله] قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
    [آل عمران:18].
    قال صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد عن هذه الشهادة العظيمة:
    فدلالتها على نفي الآلهة وعبادتها / وإفراد الله تعالى بالعبادة: دلالة مطابقة أ.هـ
    وقد ذكر ذلك بصدد تناوله لقوله تعالى: [الصافات:35/36].
    ﴿إِنّهُمْ كَانُوَاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتَارِكُوَ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مّجْنُونٍ﴾
    فقال: فعرفوا أنها تدل على ترك عبادة معبوداتهم.قال: ودلالتها على هذا [دلالة تضمن] وأن ذلك يقتضي إخلاص العبادة لله وحده فدلالتها على نفي الآلهة وعبادتها وإفراد الله تعالى بالعبادة [دلالة مطابقة].
    [[1]]
    فدلت لا إله إلا الله على نفي العبادة عن كل ما سوى الله، كائناً من كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون ما سواه. وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره؛ كما قال تعالى عن الجن:
    ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيّ أَنّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ الْجِنّ فَقَالُوَاْ إِنّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ` يَهْدِيَ إِلَى الرّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَن نّشرِكَ بِرَبّنَآ أَحَداً﴾[الجن:1 /2].
    فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً واعتقد ذلك وقبله وعمل به. وأما من قالها عن غير علم واعتقاد وعمل، فقد تقدم كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهو حجة عليه بلا ريب أ.هـ [[2]].
    وبهذا يتبين أن شق النفي في شهادة التوحيد يتضمن نفي الآلهة المزعومة /وعابديها /وعبادتها، فجميع ذلك من الباطل الذي تنفيه هذه الشهادة العظيمة.فهي من جوامع الكلم حقا وصدقا .
    وما أجملته في هذه الكلمات الجامعة فصلته النصوص الشريفة قرآناً وسنة في المواضع المتعددة.
    أ‌- فأما ما يتعلق بنفي بالآلهة المزعومة وكل معبود من دون الله بغير حق:

    فقد تكاثرت النصوص المثبتة لهذا الفرض الكبير المقترن دائماً بالإيمان بالله وحده. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:256].
    قال ابن كثير رحمه الله: أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله وشهد أن لا إله إلا هو
    ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى الصراط المستقيم. قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام. وقال سعيد جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله أ.هـ.
    وقال تعالى في ذلك أيضاً:
    ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ﴾ [النحل:36].
    قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية:
    أن الله [بعث في كل أمة] أي في كل قرن وطائفة من الناس رسولاً، وكلهم يدعون إلى عبادة الله، وينهون عن عبادة ما سواه﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ﴾ فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد [r] الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ إِلاّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ أ.هـ والآيات في هذا كثيرة جداً.
    ب‌- وأما ما يتعلق بنفي عابديها وهم أهل الشرك :

    فقد تكاثرت في ذلك أيضاً النصوص، وعلى رأسها سورة الإخلاص والمسماة بسورة [الكافرون] وهي من أوائل ما نزل من سور القرآن وآيات الذكر الحكيم وفيها يقول المولى تبارك وتعالى:

    ﴿قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾.
    قال صاحب رسالة [نجاة السول من السيف المسلول]:
    فلما بعث بها محمد[r] ودعا إليها أمره الله أن يبين هذين الركنين، كما ذكر الله ذلك في سورة الإخلاص أمره أن يقول: ﴿قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون].
    وعرف المشركون ذلك حين دعاهم إلى قول: لا إله إلا الله.
    قالوا: ﴿أَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَـَهاً وَاحِداً إِنّ هَـَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾[ص:5].
    وكذلك ما جرى له [r] مع عمِّه عند وفاته، لما قال له ياعم قل لا إله إلا الله وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
    عرفوا معناها أن فيها التولي والتبري. وكذلك [r] أمره الله أن يدعوا أهل الكتاب إليها وهم يقولونها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ﴾ [آل عمران:64].
    وفي صحيح مسلم عنه [صلى الله عليه وسلم ] أنه قال
    [من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل].
    فتبين بذلك خطأ المغرورين وبطلان حجة المبطلين، فإن لا إله إلا الله ومعناها كما تقدم النفي والإثبات، وحقيقتها الموالاة والمعاداة، ثم لابد مع ذلك من البغض والاعتزال للداعي والمدعو، والعابد والمعبود، مع الكفر بهم، كما ذكر الله ذلك في قوله تعالى:
    ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4].
    وكذلك ما جرى للنبي [صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه مع قومهم من الاعتزال العداوة العظيمة.
    وكما ذكر الله ذلك أيضاً عن الخليل عليه السلام مخبراً. قال تعالى:


    ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾[مريم:48].
    وقال تعالى مخبراً عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ﴾ [الكهف:16].
    فذكر الله في هذه الآيات المحكمات أنهم بدأوا بالمشركين فاعتزلوهم قبل المعبودين.
    فأين هذا من الواقع من أهل هذا الزمان، إذا كان علماؤهم لا يعرفون معناها كما عرف جهال الكفار؟ ولا يعلمون بمقتضاها ولا حقيقتها، بل عندهم (لا إله إلا الله) وحده لا شريك له في ملكه. وهى كلمة عليها أسست الملة، ونصبت القبلة، ونبه الله على فضلها وعظم شأنها أنبياؤه ورسله أ.هـ[[3]].
    وقال الشيخ حمد بن عتيق :
    وها هنا نكته بديعة في قوله ﴿إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾ الآية. وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله، لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتياً بالواجب عليه.
    وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وهذا كقوله تعالى:
    ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَأَدْعُو رَبّي عَسَىَ أَلاّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبّي شَقِيّاً﴾[مريم:48]، فقدم اعتزالهم أي المشركين على اعتزال معبوداتهم أ.هـ [[4]].


    ج- وأما أن شهادة التوحيد تنفي [الشرك] وأن الشرك يناقضها،:

    فقد قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:31].
    فهذا مما بيناه بتفصيل في مواضع أخرى من هذا البحث، وأقربها ما سبق أن ذكرناه من أن الشرك هو الناقض الأول من نواقض التوحيد وشهادة [أن لا إله إلا الله] مع ما سقناه من بيان يتعلق بذلك في موضعه، فليرجع إليه، والحمد لله رب العالمين.

    يتـــــــــــــــــــــــــــــــــبع
    [ نقلاً من كتاب شرح نواقض الإسلام لعبدالرحمن شاكر ]

    ([1]) دلالة المطابقة:هي دلالة اللفظ على كل معناه.
    ودلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على بعض أو جزء من معناه.
    ودلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على معنى خارج عنه لكنه لازم له.
    ([2]) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. باب (فضل التوحيد – معنى لا إله إلا الله) صـ49ـ.
    ([3]) مجموعة التوحيد: رسالة السول من السيف المسلول ص160 وما بعدها.
    ([4]) المصدر السابق: رسالة النجاة والفكاك من موالاة المرتدون وأهل الإشراك.ص305.
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    عضو
    المشاركات: 55
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    ثانياً: أن [مفاصلة] المشركين هو [توحيد الطلب والقصد]

    والذي دلت عليه سورة الإخلاص :
    ونقصد بسورة الإخلاص [سورة الكافرون] وفيها يقول تعالى:

    ﴿قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ ` لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ` وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ `

    وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ ` وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ` لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
    فقد حملت هذه السورة العظيمة شق النفي الذي تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله،
    كما اشتملت سورة الإخلاص الأخرى على شق الإثبات؛ أي في قوله تعالى:
    ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصّمَدُ﴾ السورة.

    قال صاحب كتاب الولاء والبراء في الإسلام:


    يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:
    (( إن هذه السورة [سورة الكافرون] تشتمل على النفي المحض، وهذه خاصية هذه السورة، فإنها براءة من الشرك كما جاء في وصفها.قال: ومقصودها الأعظم البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقاً للبراءة المطلوبة، مع تضمنها للإثبات بأن له معبوداً يعبده وأنتم بريئون من عبادته، وهذا يطابق قول إمام الحنفاء: ﴿إِنّنِي بَرَآءٌ مّمّا تَعْبُدُونَ * إِلاّ الّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف].فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله.ولهذا كان النبي [r] يقرنها بسورة الإخلاص في سنة الفجر وسنة المغرب )) أ.هـ
    [[1]].
    وأما عما حملته هذه السورة العظيمة من النفي المقصود في حق أهل الشرك، فقد تعلق النفي الأول بالفعل [لا أعبد ما تعبدون] وقد جاء بصيغة المستقبل [أعبد] الدال على الحدوث والتجدد بمعنى: لم أفعله ولن أفعله في حاضر ولا مستقبل.
    ثم تعلق النفي الثاني بالفاعل [ولا أنا عابد ما عبدتم] فقد نفى اسم الفاعل المشتق من الفعل حقيقة نفياً عن ذاته الشريفة ذات كل مؤمن تابعة على ذلك، وهى صيغة تفيد نفي الوصف ونفي ثبوته في حق أهل الإيمان.

    قال الشيخ العالم عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بأبي بطين في ذلك:


    (( وقد نبه ابن القيم رحمه الله تعالى على هذا المعنى اللطيف في [بدائع الفوائد] فقال لما أنجر كلامه على سورة [قل يا أيها الكافرون]: وأما المسألة الرابعة:وهو أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة، وباسم الفاعل أخرى. وذلك والله اعلم لحكمة بديعة: وهى أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت.
    فأتى أولاً بصيغة الفعل ـ المضارع ـ الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل الدالة على الوصف والثبوت.
    فأفاد في النفي الأول أن هذا لا يقع مني، وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني، فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلاً لي ولا وصفاً. فأتى بنفيين مقصودين بالنفي.
    وأما في حقهم – الكافرون – فإنما أتى بالاسم (الدال على الوصف والثبوت) دون الفعل أي الوصف الثابت اللازم للعابد لله منتف عنكم. فليس هذا الوصف ثابتاً لكم، وإنما يثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحداً. وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان، فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره؛ كما قال أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاّ اللّهَ﴾ [الكهف:16]. أي اعتزلتم معبوديهم إلا الله، فإنكم لم تعتزلوه.
    وكذا قول المشركين عن معبويهم:﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرّبُونَآ إِلَى اللّهِ زُلْفَىَ﴾ [الزمر:3]
    فهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره، لم ينف عنهم الفعل لوقوعه منهم،ونفى الوصف أي اسم الفاعل [ولا أنتم عابدون] لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتاً على عبادة الله موصوفاً بها.
    فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد لله، وإن عبده ولا المستقيم على عبادته، إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلاً، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحداً في عبادته، وأنه إن عبده وأشرك به غيره فليس عابداً لله ولا عبداً له، وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة التي هى أحد سورتي الإخلاص التي تعدل ربع القرآن كما جاء في بعض السنة. وهذا لا يفهمه كل أحد ولا يدركه إلا من منحه الله فهماً من عنده، فله الحمد والمنة، انتهى كلامه رحمه الله تعالى)) أ.هـ
    [[2]]

    قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله:

    (( وبالجملة فلا يكون مظهراً لدينه إلا من صرح لمن ساكنه من كل كافر، ببراءته منه، وأظهر له عداوته لهذا الشيء الذي صار به كافراً وبراءته منه، ولهذا قال المشركون للنبي [r]: عاب ديننا وسفَّه أحلامنا وشتم آلهتنا.
    وقال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ ` لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ` وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ` وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ ` وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ` لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
    فأمر الله رسوله [r] أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه، وديني الذي أنا عليه أنتم براء منه. والمراد التصريح لهم بأنهم على الكفر، وأنه بريء منهم ومن دينهم )) أ.هـ[[3]].
    ولما كان هذا النفي الذي جاءت به سورة الكافرون هو نفسه المتعلق بشق النفي الوارد بشهادة التوحيد [لا إله إلا الله] لهذا كان البراءة من المشركين أي تكفيرهم ومعاداتهم هو شطر التوحيد ضمن ما اشتمل عليه هذا النفي [أي نفي الشرك وأهله العابدين والمعبودين بغير حق].

    · قال شارح العقيدة الطحاوية:


    ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان:
    ـ توحيد في الإثبات والمعرفة
    ـ وتوحيد في الطلب والقصد.
    فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله [r] وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح كما في سورة الحديد، وطه، وآخر الحشر، وأول السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها؛ أي قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصّمَدُ﴾ السورة ، وغير ذلك
    والثاني: وهو توحيد [الطلب والقصد] مثل ما تضمنته سورة [الكافرون]، و[قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم]، وأول سورة [تنزيل الكتاب] وآخرها، وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام.
    وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد. بل كل سورة في القرآن.
    ـ فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، فهو التوحيد العلمي الخبري.
    ـ وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
    ـ وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.
    ـ وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة،
    فهو جزاء توحيده.
    ـ وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب،
    فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
    فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزاؤهم )) أ.هـ[[4]].
    فانظر كيف ذكر أن سورة [الكافرون] قد تضمنت معاني توحيد [الطلب والقصد] كما تضمنت سورة [قل هو الله أحد] معاني توحيد [الإثبات والمعرفة] فهكذا كان تكفير المشركين بالبراءة منهم وعداوتهم هو أحد معاني ومعالم شهادة التوحيد [لا إله إلا الله] تضمناً.

    · وفي هذا أيضاً قال صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: التوحيد نوعان:

    أ‌. توحيد في المعرفة والإثبات؛ وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
    ب‌. توحيد في الطلب والقصد؛ وهو توحيد الإلهية والعبادة.
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب
    فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات / وتوحيد في الطلب والقصد.
    فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرَّب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها وغير ذلك.
    والثاني: ما تضمنته سورة [الكافرون] …)) أ.هـ [[5]].
    فمن لم يأت بالبراءة من المشركين وتكفيرهم وعداوتهم، شانه كشأن من لم يبرأ من الشرك سواء بسواء، لأن كلا الأمرين البراءة من الشرك وأهله وتكفيرهم هما معاً شق النفي من شهادة التوحيد كما تعلق إثبات العبادة لله وحده بشق الإثبات من هذه الشهادة العظيمة، وقد كان هذا المعنى العظيم هو الأساس الذي من خلاله قال شيخ الإسلام محمد بن الوهاب رحمه الله: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:

    الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك، والموالاة فيه وتكفير من تركه.
    الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك، والمعادة فيه وتكفير من فعله.
    فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا وهو دين الرسل أنذروا قومهم من الشرك كما قال تعالى:
    ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ﴾ [النحل:36]. أ.هـ [[6]]

    قال شيخ الاسلام ابن تيمة رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مجانبة أصحاب الجحيم ):



    فـ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) فيها ثلث التوحيد، الذي هو خبر عن الخالق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [ )قل هو الله أحد( تعدل ثلث القرآن ] ، وعدل الشيء -بالفتح- يكون: ما سواه، من غير جنسه ، كما قال تعالى: ( أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ) وذلك يقتضي: أن له من الثواب ما يساوي الثلث في القدر، ولا يكون مثله في الصفة، كمن معه ألف دينار وآخر معه ما يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما .
    ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن، ولا تغني عنه هذه السورة مطلقا، كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع، إذ كان العبد محتاجا إلى الأمر والنهي والقصص .
    وسورة ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( فيها التوحيد القولي العملي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات،
    ولهذا قال تعالى : ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ` اللَّهُ الصَّمَدُ ( .وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع ،
    وسورة: ) قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ( فيها التوحيد القصدي العملي، كما قال تعالى ): قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ` لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ( وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره وإن كان كلاهما يقر بأن الله رب كل شيء ، ويتميز عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه، ممن عبد غيره وأشرك به، أو نظر إلى القدر الشامل لكل شيء، فسوى بين المؤمنين والكفار، كما كان يفعل المشركون من العرب .
    ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: [ إنها براءة من الشرك ] .
    وسورة ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( فيها إثبات الذات، وما لها من الأسماء والصفات التي يتميز بها مثبتو الرب الخالق، الأحد الصمد، عن المعطلين له بالحقيقة، نفاة الأسماء والصفات، المضاهين لفرعون وأمثاله ممن أظهر التعطيل والجحود للإله المعبود، وإن كان في الباطن يقر به، كما قال تعالى ) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ( وقال موسى ) لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ( .أ.هـ

    ثالثاً: المفاصلة تتعلق بعلاقة العبد بأعداء ربه تبارك وتعالى:

    فهذه المفاصلة الواجبة والتي هى أحد أركان توحيد الإلهية هي في الحقيقة تمثل علاقة العبد بأعداء ربه ومليكه. فإن هذه العداوة الثابتة بين الله تعالى وبين كل من أشرك به شيئاً ساعة من نهار، لا تدعو أولياء الله إلى الوقوف موقف المحايدة، ولا تسمح بادعاءه، بل إن هذا العداء الثابت بين الله تعالى وكل من أشرك به شيئاً هو المعبر عنه في شهادة التوحيد بما أوجبه شق النفي فيها من البراء من الشرك وأهله، من عابد ومعبود بغير حق، الموجبة لتكفيرهم ومعاداتهم. وإذا كان ذلك صريح مدلول شهادة التوحيد وما أوجبته، فقد صرحت بذلك نصوص القرآن والسنة في المواطن العديدة نذكر منها قوله تعالى:

    ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مّنَ الْحَقّ﴾ [الممتحنة:1].


    قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية المباركة:

    يعني المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عدواتهم ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء أ.هـ
    وهكذا نهت النصوص صراحة عن موالاة كل عدو لله محارب ومحاد، ولو كان من أقرب الناس إليه، وقد قال في هذا:﴿لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ
    وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:22].
    واعلم أن أعداء الله المحاربين له ليسوا فقط كل من أنكر وجود الله تعالى وجحد ربوبيته أو ألوهيته وبارزه بالعداء الصريح وجهرة، بل إن لمعاداة الله ومحاربته صوراً كثيرة
    وكما قال شارح العقيدة الطحاوية رحمه الله:
    فدين الإسلام هو ما شرعه الله تعالى لعباده على ألسنة رسله وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور يمكن كل مميز من صغير وكبير وفصيح وأعجمي وذكي وبليد أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك من إنكار كلمة أو تكذيب أو معارضة أو كذب على الله أو ارتياب في قول الله تعالى أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه أ.هـ [[7]]


    وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:

    واعلم أن جميع المعاصي محاربة لله عز وجل. قال الحسن:ابن آدم هل لك بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه، لكن كلما كان الذنب أقبح كان أشد محاربة لله، ولهذا سمى الله تعالى أكلة الربا وقطاع الطريق محاربين لله تعالى ورسوله، لعظيم ظلمهم لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده، وكذلك معاداة أوليائه، فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه، ويحبهم ويؤيدهم، فمن عاداهم فقد عادى الله وحاربه أ.هـ [[8]].

    فإذا كانت المعاصي جميعها محاربة لله تعالى، وكلما كان الذنب أقبح كان أشد محاربة لله، فإن الشرك هو أعظم الذنب، وكما هو ثابت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود t قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال:
    [أن تجعل لله نداً وهو خلقك] الحديث.
    ولذا كان صاحب الشرك من أكبر أعداء الله تعالى المحاربين له، وهو من الذين حادُّوا الله ورسوله، وإذا كان الله عز وجل قد نفى الإيمان عمن تولى من حادَّ الله ورسوله في قوله تعالى:
    ﴿ لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. فكيف بمن كان هو المحاد لله ولرسوله.


    قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في تفسير قوله :

    [من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب] قال: فأولياء الله تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم، كما أن أعداؤه تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم، قال تعالى:

    ﴿لاَ تَتّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة:1] أ.هـ[[9]].
    وبهذا يتأكد القول بأن حالة المعاداة لله ولرسوله، أو حالة المحاربة لله ولرسوله القائمة بين كل من أشرك بالله شيئاً [ممن ذبح لغير الله أو نذر لغير الله أو حكم بغير ما أنزل الله أو تحاكم إلى غير شرع الله أو ما هو على شاكلة ذلك مما يناقض التوحيد وأركانه وشروطه] جميع ذلك لا يسمح لأولياء الله الموحدين أن يكونوا في موقف يدّعوا فيه الحياد!! فإن هذه العداوة وهذه المحاربة والمشاقة والمحاداة تفرض على المسلم أن يكون ولياً لله تعالى، عدواً لأعداءه، ولياً لرسول الله [r]، عدواً لأعداءه، ولياً لدين الله تبارك وتعالى، عدواً لأعداء دينه، وهكذا. وقد قال تعالى في ذلك:
    ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:98].
    وقد كان اليهود يقولون إن جبريل عليه السلام ملك الفظاظة والغلظة والتشديد والعذاب، وأنه عدوهم، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا، وأنه وليهم، فسألهم عمر بن الخطاب t: وما منزلتهما من ربهما U ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فقال: فو الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما أي الله U لعدوا لمن عاداهما، وسلماً لمن سالمهما، وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبرائيل؛ فأنزل الله تعالى:

    ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾.

    قال ابن كثير رحمه الله:

    من عادى رسولاً فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾فحكم عليهم بالكفر المحقق إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدواً لله لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه؛ كما قال ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ الآية.
    وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله [r]:
    [من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب] ولهذا غضب الله لجبرائيل على من عاداه.
    ثم قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ﴾
    يقول تعالى من عاداني وملائكتي ورسلي وجبريل وميكال، وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة وفي عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبرائيل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن ميكائيل في اللفظ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله تعالى أن من عادي واحداً منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضاً.
    وقال: ﴿فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المظهر مكان المضمر؛ حيث لم يقل [فإن الله عدو لهم] بل قال: ﴿فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ﴾ وإنما أظهر هذا الاسم ـ الكافرين ـ هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، و إعلامهم أن من عادى ولياً لله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة كما تقدم الحديث: [من عادى لي ولياً فقد آذنته بالمحاربة] وفي الحديث الآخر:[إني لأثـأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب]وفي الحديث الصحيح:[من كنت خصمه خصمته] أ.هـ.
    وقد قال السيوطي رحمه الله
    عن هذا النوع من بديع البيان والذي هو [وضع الظاهر موضع المضمر]
    كأحد أقسام الأطناب نحو قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ﴾ الآية.فلم يقل "عدو لهم" إعلاماً بأن من عادى هؤلاء فهو كافر، وأن الله إنما عاداه لكفره أ.هـ[[10]] .

    فأعداء الله تعالى وأعداء رسله وأعداء دينه يجب معاداتهم. وأخبث هؤلاء من أحدث شركاً أو تلبس بكفراً، فيجب البراءة منهم بتكفيرهم ومعاداتهم، وكما قال تعالى:
    ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4].
    وقد كان التخلف عن هذا المعنى الخطير عن أمة من أمم أهل الكتاب – أدعياء الدين والإيمان – سبباً في غضب الله عليهم ولعنهم؛ وذلك حيث يقول عز من قائل: [المائدة:80/81].
    ﴿تَرَىَ كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلّوْنَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ` وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنّبِيّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـَكِنّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    ([1]) كتاب الولاء والبراء في الإسلام. ص145/146.
    ([2]) مجموعة التوحيد: الرسالة السابقة (في تعريف العبادة) أي بطين ص150.
    ([3]) المصدر السابق: الرسالة الثانية عشر لحمد بن عتيق صــ388/339ـــ
    ([4]) شرح العقيدة الطحاوية صـ36/37.
    ([5]) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: ص25( شرح قول المنصف وكتاب التوحيد) في المقدمة).
    ([6]) مجموعة التوحيد ص42/43.
    ([7]) شرح العقيدة الطحاوية ص448 عند (ودين الله في الأرض والسماء واحد).
    ([8]) جامع العلوم والحكم: ابن رجب الحنبلي شرح الحديث الثامن والثلاثون.
    ([9]) المصدر السابق. نفس الموضع.
    ([10]) الإتقان في علوم القرآن السيوطي.ط (الأطناب – النوع الثالث عشر
  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Sep 2009
    عضو
    المشاركات: 55
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    رابعاً: البراءة من المشركين هى ملة إبراهيم :





    مما لا شك فيه أن ملة إبراهيم هى البراء من الشرك وأهله بتكفيرهم ومعاداتهم. وقد قطعت بذلك الكثرة الكثيرة من النصوص.
    أ ـ فالبراءة من الشرك قد صرح به في المواطن المتعددة؛ كقوله تعالى:
    ﴿قُلْ إِنّمَا هُوَ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ وَإِنّنِي بَرِيءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:19].
    وغير ذلك كثير جداً قرآناً وسنة.
    ب ـ وأما البراءة من المشركين بتكفيرهم ومعاداتهم وهو المقصود بركن [المفاصلة]، فقد تكاثرت الأدلة عليه بنفس الكيفية بما لا يخفى، ولكن ما نقصد الاهتمام به في هذا المقام ولفت الأنظار إليه أن هذه البراءة والمفاصلة مع أهل الشرك [عابد ومعبود بغير حق] هي [ملة إبراهيم ] عليه السلام الذي أمر الله تعالى نبيه الخاتم محمد [r] ، وأمر عباد الله المؤمنين المسلمين متابعته في ذلك. وقد قص علينا القرآن من نبإ ذلك ما جاء في سورة الأنعام وغيرها من أمر هذه الملة الحنيفية وأمر صاحبها عليه السلام؛ حيث يقولY:
    ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنّيَ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ [الأنعام:74].
    فانظر إلى قوله عليه السلام لأبيه عابد الأصنام ﴿إِنّيَ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ تعلم وبوضوح ما كان عليه من مفاصلة المشركين، حتى أقرب الناس إليه بلا تردد، ولم يعذرهم بجهل ولا غيره.

    قال ابن كثير في تفسير ذلك:



    أي تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بيِّن واضح لكل ذي عقل سليم أ.هـ
    وتستمر الآيات في بيان هذه الملة الحنيفية على صاحبها وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ حيث يقول المولى تبارك وتعالى:
    ﴿وَكَذَلِكَ نُرِيَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:75].

    قال ابن كثير رحمه الله:



    أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله U في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أ.هـ.
    وفي هذا بيان لوجه من الإلزام لجميع عباد الله عز وجل، أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض نظر التأمل والتفكر في عظمة هذا الملكوت، فيعلم من ثم عظمة خالقه ومدبره، وكما قال وعز من قائل: ﴿إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران:190].
    وتستمر الآيات الشارحة المبينة لملة إبراهيم عليه السلام:
    ﴿فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ الْلّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـَذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ ` فَلَمّآ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـَذَا رَبّي فَلَمّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لّمْ يَهْدِنِي رَبّي لأكُونَنّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالّينَ ` فَلَماّ رَأَى الشّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـَذَا رَبّي هَـَذَآ أَكْبَرُ فَلَمّآ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ `إِنّي وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:76/79].

    قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات المباركات:



    والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه، مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام:
    فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هى على صور الملائكة السماوية، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكتة ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه [راجع الناقض الثاني من هذا البحث].
    وبين في هذا المقام – الثاني – خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهى الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر ثم الزهرة. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هى أنور ما تقع عليه الأبصار ـ بأفولهم ـ وتحقق ذلك بالدليل القاطع قال:" يا قوم إني برئ مما تشركون" أي بريء من عبادتهن وموالاتهن..﴿إِنّي وَجّهْتُ وَجْهِيَ لِلّذِي فَطَرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أ.هـ.
    وقد فسر الحنيفية رحمه الله من قوله: "حنيفاً " أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد.
    فانظر إلى قوله تعالى" إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ " تجد صراحة البراءة من الشرك.
    وانظر إلى قوله تعالى:" وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " تجد صراحة البراءة من المشركين.


    قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه الآية المباركة: فيها مسائل:



    الثالثة عشر ـ تصريحه بالبراءة منهم بقوله " وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " أ.هـ [[1]].
    وقد جاءت هذه العبارة بذاتها في المواضع المتعددة من الذكر الحكيم منها سورة يوسف عليه السلام وحيث يقول المولى U:[يوسف:108].
    ﴿قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
    وقد نقل صاحب فتح المجيد عن ابن جرير الطبري في تفسيرها قوله:
    ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يقول أنا برئ من أهل الشرك أ.هـ [[2]]
    وقال أيضاً رحمه الله: فهذا هو تحقيق التوحيد:
    وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم. أ.هـ [[3]].
    وقد كشفت الآيات عن مناظرة ومحاجة قد وقعت على إثر هذا الإعلان للحنيفية، وقد جادل القوم بكل ما أوتوا من قوة وحجج متهافتة في الدفاع عن أصنامهم وشركهم، ولكن الحق أبلج وحجته أعلى ونوره ساطع ولو كره الكافرون أو جحده الجاحدون؛ قال تعالى:
    ﴿وَحَآجّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجّوَنّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَن يَشَآءَ رَبّي شَيْئاً وَسِعَ رَبّي كُلّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكّرُونَ` وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالأمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:80/81].


    قال ابن كثير رحمه الله في تفسير ذلك:



    قوله ﴿قَالَ أَتُحَاجّوَنّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ أي أتجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو وقد بصَّرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه. فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة.
    قال: وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي الله هود عليه السلام على قومه [عاد] فيما قصَّ عنهم في كتابه؛ حيث يقول:
    ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيَ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نّقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنّيَ أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُوَاْ أَنّي بَرِيَءٌ مّمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود:53/54] أ.هـ.
    ثم يجئ من الله فصل القضاء بين الفريقين:
    ﴿الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82].


    قال صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد في هذه الآية العظيمة:



    قال ابن زيد وابن إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه. أ.هـ [[4]]
    وقال ابن كثير رحمه الله في ذلك أيضاً: أي هؤلاء أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئاً هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.
    قال البخاري بسنده عن عبد الله قال:
    لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية. قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾.


    وقال الإمام أحمد بسنده عن عبد الله قال:



    لما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك على الناس فقالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: [إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ إنما هو الشرك] أ.هـ.
    · فملة إبراهيم [الحنيفية] هى البراءة من الشرك وأهله:
    1ـ والشرك في قليلة أو كثيرة هو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، ولو كان ذلك ساعة من نهار، ولو كان بكلمة أو فعل لا يلقي له المرء بالاً أو لا يدرك ما به، وكما صحت بذلك الأدلة النصِّية الصريحة.
    2ـ وأما البراءة من المشركين بتكفيرهم ومعاداتهم، وهم كل من فعل الشرك، فإن الصحابة لما أشفقوا على أنفسهم من الآية ﴿الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ خشوا أن يكون ذلك من فعل الذنوب والمعاصي المجردة، فطمأنهم النبي [r] أن ذلك المستحق للخوف هو الشرك، وهو المقصود، ولم يقل لهم أن ذلك في الكفار الأصليين فقط دون من يقول لا إله إلا الله، بل ظاهر نص الآية الكريمة والحديث الصريح أن ذلك في كل من فعل الشرك، الشرك الأكبر وهو الظلم العظيم مطلقاً، قليله أو كثيره ثم لم يتوب منه.

    وهذه البراءة من الشرك والمشركين، والتي هى ملة إبراهيم حنيفاً، جمع بيانها أيضاً في الموضع الآخر : :


    ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَأَدْعُو رَبّي عَسَىَ أَلاّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبّي شَقِيّاً إلى قوله `


    فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾ [مريم:48/49].


    فهذه هى ملة إبراهيم حنيفاً؛ البراءة من الشرك والمشركين قاطبة،


    وهى الملة التي أمر الله تعالى خاتم رسله بها وأوجب على أمته اتباعها، وذلك من قوله تعالى:


    ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين﴾ إلى قوله:


    ﴿ثُمّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتّبِعْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[النحل:120/123].

    فانظر إلى قوله تعالى في الآية الأولى ﴿ولم يك من المشركين﴾.
    وانظر إلى قوله في الآية التي بعدها: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
    تعلم كيف تكررت وتقررت لبيان أهمية ذلك وأصالة معناه في أصل كيان هذه الملة الحنيفية، والتي صار بها [أمة] وحده بين شعوب أهل زمانه، الذين اجتمعوا على الإشراك بالله عز وجل.
    وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآيات:
    يمدح الله تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية؛ فقال:

    ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين﴾.

    ثم قوله :

    ﴿ثُمّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتّبِعْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

    أي من كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنا أوحينا إليك يا خاتم المرسلين وسيد الأنبياء:
    ﴿أَنِ اتّبِعْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أ.هـ.
    هذا الأمر باتباع ملة إبراهيم في هذا الموضع من سورة النحل قد تكرر إيجابه على أهل الإيمان والتوحيد في المواضع الأخرى؛ ومنها قوله تعالى:
    ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتّىَ تُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4].

    قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية العظيمة:



    يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيَ إِبْرَاهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ " أي وأتباعه الذين آمنوا معه " إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَءآؤاْ مّنْكُمْ " أي بدينكم وطريقكم " وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَداً " يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على [كفركم] فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ أي توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد أ.هـ.
    فهذه هى الملة الحنيفية العظيمة وما اشتملت عليه وأوجبته من البراءة من المشركين كافة بتكفيرهم وعداوتهم.

    قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله


    في تفسيره لقوله تعالى: [البقرة:135]

    ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

    قال فيها مسائل:
    الأولى: من دعى إلى أية [مِلّةَ] كانت وهى من الملل الممدوحة السالم أهلها قيل له ﴿بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن هذه الملل الأخرى إن كانت باطلة فواضح، وإن كانت صحيحة فملة إبراهيم أفضل، كما قال [r]: [أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة].
    الثانية: وهى مما ينبغي أن يتفطن إليه: أنه سبحانه وصفها بأنها ملة إبراهيم حنيفاً بريئاً من المشركين. ذلك أن كلاً يدعيها، فمن صدق قوله بالفعل وإلا فهو كاذب.
    الثالثة: أن الحنيف معناه المائل عن كل دين سوى الإسلام لله.
    الرابعة: أن من الناس من يدعي أنه لا يشرك وأنه مخلص، ولكن لا يتبرأ من المشركين، وملة إبراهيم الجمع بين النوعين. أ.هـ[[5]].


    ________________________________


    ([1]) تاريخ نجد ص517 تفسير الأنعام. دار الشروق.
    ([2]) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (باب الدعاء إلى شهادة لا إله إلا الله) ص78.
    ([3]) المصدر السابق (باب من حقق التوحيد دخل الجنة).
    ([4]) المصدر السابق (باب فضل التوحيد) صـ33.
    ([5]) تاريخ نجد ص505 دار الشروق

    يتبع
  5. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 22
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    جزاكى الله خيرا على هذا النقل الطيب
    ولكن عذرا اختاه فان سؤالى كان (فمن اى وجه يكون اكفاره بهذين السببين)وليس من اى الاوجه يكفر من لم يكفر الكافر لاننا لو تتبعنا تلك الاوجه لوجدنا الكثير عقلا ونقلا ولكنى خصصت السؤال عن الاكفار بهذين السببين وما فى معناهما مما يكون التكفير به بلازم القول خاصة وفد اختصر البعض الاسباب التى يكفر من اجلها من لم يكفر الكافر فى مثل هذه الاسباب
    ارجو ان يكون السؤال الان بات واضحا
    وارجو البيان ممن عنده بيان والسلام ختام
  6. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 22
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    قلت لازم المذهب ليس بلازم سهوا والادق لازم المذهب لايلزم صاحبه لانه لا يصح ان اقول ان لازم الشئ ليس بلازم فاثبت وجود اللازم ثم انفى وجوده او كما يعبر العلماء لازم المذهب ليس بمذهب على الصحيح
  7. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Feb 2011
    عضو جديد
    المشاركات: 11
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    .[تم إدماج هذا الموضوع مع سابقه لتعلقه بالمسألة المطروحة أعلاه] الإدارة

    الرد على من يقول أن تكفير الذي لا يكفر المشركين هو تكفير له بلازم مذهبه وليس تكفير له بمذهبه

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين
    السلام عليكم و بعد..

    بعون الله تعالى وحده، سأبين هنا أن تكفير الذي لا يكفر المشركين، هو تكفير له بعين مذهبه وحقيقة مذهبِه نفسِه، وليس تكفير له بلازم مذهبه، بل بعين مذهبه، وحقيقة حاله، وسأوضح ذلك بإذن الله وحده


    وقبل ذلك لابد من هذا التمهيد البسيط (وهو مهم لمن يريد الحق ويبحث عنه بصدق)

    حال العباد في هذا الزمان

    مما لا يخفى على كل ذي لب، حال العباد في هذا الزمان، فهم في عبادة العباد -و هذا حصل منذ أجيال كثيرة- لا يفردون الله بالعبادة ويتخذون غيره وليا، ويصرفون خالص حقه تعالى لغيره –سبحانه- أي يشهدون بلسان حالهم أن مع الله آلهة أخرى، تعالى الله علوا كبيرا، فتراهم لا يفردون الله لا بالولاء ولا بالحكم ولا بالتشريع ، فقط في الشعائر التعبدية هذا في أحسن الأحوال، لأننا أيضا نجد بعضهم يصرف حتى الشعائر التعبدية لغيره سبحانه، ولو تأملنا في حال الناس في هذا الزمان نجد هذه الآية متحققة فيهم: (فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) نعم والله، لقد قالوه بلسان حالهم، ودليل الحال أقوى من دليل اللسان، وانظر إلى الذي صرفوه لغير الله-سبحانه- تجده ثلاثة أضعاف ما صرفوه لله سبحانه، لله الشعائر التعبدية(هذا في أحسن الأحوال) ولغير الله –معه أو دونه سبحانه- الحكم و التشريع والولاء!! سبحان الله الواحد القهار، فهل خلقهم الله لعبادة غيره معه سبحانه!! لا إله إلا الله ، ولو كره الكافرون، فالأصل في الناس في هذا الزمان هو الكفر، فهم كفار لم يدخلوا في دين الله تعالى خارجين من دين الشرك والكفران شاهدين على أنفسهم أنهم كانوا قبل ذلك كافرين، وشاهدين على كل من لم يخرج مثلهم من دين الجاهلية إلى دين الله تعالى بأنهم كافرين، وبكتاب ربهم وبما أرسل الله به رسله مكذبين، ولو كانوا الآباء والأمهات و أقرب قريب.. والحمد لله الذي برحمته أخرج من شاء من عباده، من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، برحمته وبعفوه وبلطفه و كرمه وإحسانه وحده،وما كانوا ليهتدوا لولا أن هداهم الله برحمته لدين نبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وملة نبيه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء الذين دخلوا في دين الله تعالى قلة قليلة، فالغالبية العظمى لايزالون في دين الشرك والكفران، لم يدخلوا في دين الله تعالى..


    لماذا من لا يكفر هؤلاء المشركين الذين لم يخرجوا من الكفر ويدخلوا في دين الله تعالى،أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم، هو كافر؟؟

    لأن من هذا حاله فهو لم يُسلم بعد، لا يزال في دين قومه المشركين، لم يخرج من دين قومه المشركين إلى دين الله تعالى، لأنه لو خرج من دين الشرك والجاهلية إلى دين الله تعالى ، لاستحال عليه أن يصف الذين لم يخرجوا مثله من دين الشرك إلى دين الله تعالى ، بأنهم أيضا في دين الله!!!، فهل كان هو قبل إسلامه مسلما؟؟!! هل كان هو قبل دخوله في دين الله تعالى أيضا في دين الله تعالى؟!!

    وهذا مثال بسيط جدا واضح وضوح الشمس، أذكره لمزيد من البيان والتوضيح، لمن كان له قلب أو كان للحق مريد:

    في مكة و رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو العباد للخروج من عبادة العباد إلى دين الله تعالى، فاستجاب له أبو بكر و بلال وخديجة و علي و غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم جميع وأرضاهم أجمعين
    هل ممكن لأي واحد منهم - رضي الله عنهم وأرضاهم- أن يصفوا من لم يدخل مثلهم في دين الله ، بأنه أيضا في دين الله!!
    هذا لا يفعله إلا من لم يدخل في دين الله ، كأبي جهل وأبي لهب و غيرهم من كفار قريش،الذين يظنون أنهم على ملة إبراهيم، وماهم عليها،
    إذن الذي يصف الذين لم يخرجوا من الكفر إلى الاسلام بأنهم في دين الله تعالى ، مشكلته تتلخص في أنه لم يخرج من الكفر ويدخل في الإسلام ، أي أنه لم يُسلُم بعد، لا يزال في دين قومه الذين يراهم مسلمين مثله،
    أما الذي أخرجه الله برحمته من الكفر إلى الإسلام، فلا يمكن أن يصف الذين لم يخرجوا من الكفر إلى الإسلام ، بأنهم مسلمين، لأن الذي يخرج من الكفر إلى الإسلام يكون شهد على نفسه بأنه كان كافرا، فكيف يشهد على غيره الذين على نفس حاله قبل الإسلام بأنهم مسلمين، فهل كان هو قبل إسلامه مسلما؟
    !!
    عودة إلى المثال أعلاه، في مكة و رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو العباد إلى دين الله تعالى، فاستجاب له أبو بكر و بلال وخديجة و علي و غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم جميع وأرضاهم أجمعين
    ثم اسألوا أنفسكم هذه الأسئلة: نأخذ على سبيل المثال بلال رضي الله عنه وأرضاه
    -هل أسلم بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه؟
    نعم طبعا بحمد الله

    -بماذا كان يصف بلال رضي الله عنه ،بني زمانه ، بعد دخوله -رضي الله عنه- في الإسلام؟
    كفار ومشاقين لله و رسوله ومكذبين بالكتاب و بما أرسل الله به رسوله عليه الصلاة والسلام

    -هل وصف بلالٌ كفارَ قريش بعد دخوله في دين الله بأنهم أيضا في دين الله؟!!
    لا طبعا

    -لماذا؟
    لأنه انتقل من دين إلى دين آخر ، وقومه على الدين الذي انتقل عنه(دين الكفر)،
    ولا يمكن ان يصفهم بأنهم أيضا في دين الله إلا الذي لم ينتقل من دينهم إلى دين الله تعالى، ويحسب أنه وأنهم مهتدون

    -من الذي كان يقول عن قومه الكافرين بأنهم في دين الله (على ملة إبراهيم)؟
    أبو جهل وقومه الكفار

    -من هو الذي يمكن أن يقول عن الكفار بأنهم في دين الله؟
    الذي يمكن أن يقول هذا هو واحد منهم (لا يزال على نفس ملتهم) لم يخرج من ملة الشرك إلى ملة التوحيد، شاهدا -بدخوله في دين الله- على نفسه أنه كان قبل ذلك كافرا، وشاهدا على كل من لم يخرج مثله من دين الشرك إلى دين الله تعالى، بأنهم كافرون و بكتاب ربهم و بما أرسل الله به رسله مكذبون، ولو كانوا الآباء و الأمهات وأقرب قريب..



    الذي يصف قومه الذين هم "في عبادة العباد" يصفهم بأنهم "في دين الله" ، لأنهم يرددون بألسنتهم لا إله إلا الله، ويصومون ويصلون و يزكون ويحجون...و غيرها من الشعائر، ماذا يكون؟

    إن الذي يعطي صفة الإسلام "لعبيد العباد" أو يشك في كفرهم أو يصحح مذهبهم، ويعتبرهم مسلمين جهال او متأولين هو كافر بلا ريب، لم يُسلِم بعد، لا يزال على دين قومه المشركين، لم يخرج من دين قومه المشركين إلى دين الله تعالى، لأنه لو خرج من دين قومه المشركين إلى دين الله تعالى ، لشهد على نفسه أنه كان قبل ذلك كافرا، و لشهد على قومه بأنهم كافرين وأنهم مكذبين بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، وهو أيضا جاحدٌ لوجوب الكفر بالطاغوت، جاحدٌ لوجوب الكفر بما يُعبد من دون الله تعالى ، جاحد لوجوب إفراد الله تعالى بالعبادة،جاحد لوجوب ما أرسل الله به رسله، وعُذره للناس في عبادتهم غير الله مع الله و اتخاذهم غير الله وليا، يشهد على جحوده لوجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، و تكذيبه بالكتاب وبما أرسل الله به رسله ، لأن الله أرسل رسله يدعون الناس إلى إفراده بالعبادة،(ألاّ تعبدوا إلا الله ) (ما لكم من إله غيره) (أمر ألا تعبدوا إلا إياه) (ألا لله الدين الخالص)
    وإعطاؤه صفة الإسلام للذين لا يفردون الله بالعبادة، هو أيضا اتخاذٌ لآيات الله ورسله هزوا، لأن إعطاء صفة الاسلام للذين يعبدون غير الله معه سبحانه، يعني أنه لا داعي لما بعث الله به الرسل من إفراد الله بالعبادة، لأن الناس به وبدونه هم في دين الله ماداموا يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون وو..، وهذا تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، و اتخاذ لآيات الله ورسله هزوا،


    وكل ما سبق هو تكفير بمذهبه و بحقيقة حاله، وليس تكفير بلازم مذهبه، وسأسوق مثالا على لازم مذهبه ليتضح الأمر بعون الله أكثر:

    مذهبه: أن الذين لا يفردون الله بالعبادة و متخذين غيره وليا ، هم مسلمون معذورون في عدم إفرادهم لله بالعبادة، وفي عبادتهم غير الله مع الله سبحانه(بالجهل او التأويل أو التقليد او حسن القصد أو التقليد..أو )ماداموا يقولون لا إله إلا الله و يصلون ويصومون ويزكون ويحجون ووو

    لازم مذهبه: أن الذين لا يفردون الله بالعبادة ولا يقولون لا إله إلا الله ولايصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون هم أيضا مسلمون معذورون
    قد يقول قائل: كيف؟؟
    قلنا له: إذا كانوا يعذرون بالجهل أو بالتأويل أو..أو بغيرها من الأعذار، تركَ الناسِ لأوجب واجب الذي هو إفراد الله بالعبادة (أساس الدين و أُسّه) وهو الذي أرسل الله به جميع رسله ، فيلزم من هذا أن يعذروا بالجهل وبالتأويل أو بغيرها من الأعذار ، من ترك –جهلا أو تأولا أو بغيرها من الأعذار- التلفظ بالشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج، لأن عذرهم للناس بترك الأوجب يستلزم عذرهم لهم بترك الواجب من باب أولى، وبهذا يكون تارك كل أركان الإسلام عندهم :هو مسلم معذور
    وبهذا يكون النصارى والملحدون وكل أصناف الكافرين- ماداموا غير معاندين- فهم في دين الله مسلمون معذورون في تركهم كل أركان الإسلام!!! وهذا من لازم مذهبهم



    وفي هذا رد بسيط -بحمد الله تعالى- على كل من يريد أن يطعن في دين أتباع المرسلين، بزعمه أن تكفير من لا يكفر المشركين هو تكفير له بلازم مذهبه ، وليس بنفس مذهبه، والحمد لله دائما وأبدا..

    كتبته: أخت مسلمة
    والحمد لله رب العالمين
  8. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 22
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    جزاكى الله خيرا على هذا النقل الطيب
    ولكن عذرا اختاه فان سؤالى كان (فمن اى وجه يكون اكفاره بهذين السببين)وليس من اى الاوجه يكفر من لم يكفر الكافر لاننا لو تتبعنا تلك الاوجه لوجدنا الكثير عقلا ونقلا ولكنى خصصت السؤال عن الاكفار بهذين السببين وما فى معناهما مما يكون التكفير به بلازم القول خاصة وفد اختصر البعض الاسباب التى يكفر من اجلها من لم يكفر الكافر فى مثل هذه الاسباب
    ارجو ان يكون السؤال الان بات واضحا
    وارجو البيان ممن عنده بيان والسلام ختام
    فتكفير من لم يكفر الكافر بمذهبه واضح بادلة كثيرة كما قلت وقد جمعت واضفت من ذلك الكثير ولكن مكمن السؤال وبيت القصيد ما وجه اكفاره بلازم مذهبه مع ان لازم المذهب ليس بمذهب كما تقرر ذلك فارجو من المشايخ التى كفرت بلازم القول ان تبين لنا وجه ذلك كالشيخ حلمى مثلا وقد اختصر اسباب تكفير من لم يكفر الكافر فى سببين وفى كلاهما يكون التكفير بلازم القول
    ارجو فهم السؤال واستيعابه قبل الرد لنصل الى وجه دقيق واضح فى ذلك
  9. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    عضو
    المشاركات: 74
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالنور المبين , وأظهر طريق الحق بأوضح البراهين , والصلاة والسلام على من أفصح الخلق وحبيب الحق المبعوث رحمةً للعالمين بلسانٍ عربيٍّ مبين , صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين , أما بعد :

    فإن الواجب على العباد أن يُشغلوا انفسهم بما أوجبه الله عليهم من معرفة دينه وحدود ما أنزله على رسوله (صلى الله عليه وسلم) والاستقامة على ما أمر به واجتناب ما نهى عنه سبحانه وتعالى ,
    أما أن يُشغل العبد نفسه بأمور لم يرد فيها نص صريح أو نقل صحيح قد يفضي الخوض فيها إلى إضلال الكثير من الخلق عن دين الله فتزل قدمٌ بعد ثبوتها والعياذ بالله .

    فالعلم الواجب علينا , أن نعلم أن من حقق التوحيد مؤمن وأن من لم يحققه كافر , وأن من تولى الكافرين فهو كافر مثلهم .
    أما أن نشتغل بالتنقيب عن تكفير المشركين ( هل هو من أصل الدين ؟ أم من لوازم أصل الدين ؟ ) فهو أمرٌ لم يكلفنا الله به .

    ورحم الله الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهّاب رحمهم الله تعالى , عندما سُئل :

    "
    المسألة السادسة: في الموالاة والمعاداة، هل هي من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها؟
    الجواب: أن يقال: الله أعلم، لكن بحسب المسلم أن يعلم: أن الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفى الإيمان عمن يواد من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم، أو إخوانهم أو عشيرتهم. وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، إنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه، ومن عرف أن ذلك من معناها، أو من لازمها فهو حسن، وزيادة خير، ومن لم يعرفه فلم يكلف بمعرفته، لا سيما إذا كان الجدال والمنازعة فيه، مما يفضي إلى شر واختلاف، ووقوع فرقة بين المؤمنين، الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله، وعادوا المشركين، ووالوا المسلمين، فالسكوت عن ذلك متعين، وهذا ما ظهر لي، على أن الاختلاف قريب من جهة المعنى، والله تعالى أعلم.
    ولله الحمد المنّة , وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً ." انتهى كلامه رحمه الله تعالى , من مجموعة التوحيد .
    فلا ينبغي أن نشدّد في على أنفسنا كما شدّد بنوا إسرائيل على أنفسهم في معرفة أمور ليس من ورائها كبير طائل ولا يوصل البحث في أكثرها إلا إلى التنفير عن دين الله وتشميت أعدائه فيه وفي أهله .
    والحمد لله رب العالمين .
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع