بسم الله الرحمن الرحيم
اَلتَّكْفِيرُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَهُوَ التَّكْفِيرُ بِالظَّاهِرِ

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: لقد فرض الله تعالى على عباده أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وهذا لا يتمّ إلا بأن يفرّقوا بين المسلمين والمشركين. ولا يتم التفريق بينهما إلا بالحكم عليهم بالظاهر.


ولا تظنّ أن معنى الحكم بالظاهر هو أن تحكم على من يسلّم عليك اليوم بالإسلام أو أن تحكم على من يصلي اليوم بالإسلام، فليس كذلك، وقد تقدّم بيانُه في موضعه. ولكن الحكم بالظاهرِ اعتبارُ ما يظهره الناس بألسنتهم وأفعالهم وأن تؤمن بأنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده.قال الجصاص في الفصول في الأصول (90/3): فإن العلم على وجهين: أحدهما: على الحقيقة.والآخر: حكم الظاهر وغلبة الظن.والدليل على ذلك - وأنه يسمى علما: قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: 10]ومعلوم أنا لا نحيط علما بما في ضمائرهن، وقد سمى الله تعالى ما ظهر لنا من أمرهن علما، وقال تعالى حاكيا عن إخوة يوسف: {إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين} [يوسف: 81] فسموا ما غلب في ظنونهم من غير إحاطة منهم بغيبه وحقيقته علما، لأنه لم يكن يسرق في الحقيقة


وقال في أحكام القرآن (239/2): فَلَمَّا نَصَّ اللَّهُ عَلَى التَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَأَوْجَبَ عَلَيْنَا قَبُولَ شَهَادَةِ الْعُدُولِ الْمَرْضِيِّينَ وَكَانَ الْفِسْقُ قَدْ يُعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ وَالْعَدَالَةُ لَا تُعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ دُونَ ظَاهِرِ الْحَالِ عَلِمْنَا أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ وَمَا يَظْهَرُ مِنْ صَلَاحِ الشَّاهِدِ وَصِدْقِ لَهْجَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَكْثَرِ الظَّنِّ فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُهَاجِرَاتِ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة: 10]وَهَذَا هُوَ عِلْمُ الظَّاهِرِ دُونَ الْحَقِيقَةِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ طَرِيقُهُ الْعِلْمُ الظَّاهِرُ دُونَ الْمُغَيَّبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى اهـ

وهذا تذكيرٌ بأن الحكم بعلم الظاهر فهو الحكم بغلبة الظن، فغلبةُ الظن هو علم الظاهر وهو ضربٌ من العلم، والضربُ هاهنا هو النوع. فإذا تقرّر ذلك فلتعلم أن من لم يكفّر مَن كان ظاهرُه الكفر فإنما يتجاهل ما قد أظهره الناسُ بألسنتهم وأفعالهم، ومن يتجاهل الكفرَ الذي قد تبيّن له فلا يؤمن بأنه كفرٌ فليس بمسلم لعدم إيمانه بصحة لا إله إلا الله. فكلمةُ الإخلاص هي نفيٌ وإثباتٌ، ومن لم يؤمن ببطلان الكفر فلم ينفِ الإلهية عن غير الله. ومن قال أنه لن يكفّر أحدا بغلبة الظن أبدا فإنما يذهب إلى تعطيل أحكام التوحيد.

فأسأله: هل تكفّر من يقول لك أنه ملحد؟ فإن قلت أنك تكفره فهذا هو التكفير بغلبة الظن وبعلم الظاهر. قال علي القاري في شرح الشفا (427/2): وفي الخلاصة من قال أنا ملحد كفر وفي المحيط والحاوي لأن الملحد كافر ولو قال ما علمت أنه كفر لا يُعذر بهذا أي في القضاء الظاهر والله اعلم بالسرائر اهـ

فنحن لا نعلم علمَ اليقين أن كل فرد من أفراد المجتمع قد بلغه معنى كلمة الملحد، ولكن ظاهرهم أنه قد بلغهم. فإذا كنا لا نعلمه علمَ اليقين فقد صحّ أننا علمناه بغلبة الظن فقط.ونحن لا نقطع بأنه ليس معذورا عند الله تعالى، فإن كان ممن يوحد الله ويؤمن بأن كل من تكلّم بالكفر الصريح فقد كفر ولكنه لم يبلغه معنى هذه الكلمة قطّ فهو معذور عند الله تعالى إن شاء الله.


وأما مَن عرف معنى الكلمة ولكنه ظن أنه لا يكفُر بأن ينطق بها إلا إذا كان يعتقد بصحة الإلحاد فهو كافرٌ أصليّ لأنه لم يتعلم التوحيد.ومن قال أنه يعلم علمَ اليقين أن جميع أفراد المجتمع قد بلغهم معنى كلمة الإلحاد فإن أصرّ على ما يقوله من بعد ما تبيّن له ما يقوله فقد رجم بالغيب. وبيانُه أن الله هو عالم الغيب والشهادة وحده لا شريك له. فإذا كان لا يعلم الغيب أحد إلا الله فإن هناك احتمالا بعيدا جدا أن معنى كلمة الإلحاد أو غيرها لم يبلغ بعض الناس مع اعتقادهم بأن كل من تكلم بالكفر الصريح شرعا فهو كافر بالله.وهذا أصلٌ عظيم من أصول التوحيد الذي من لم يحققه فليس بمسلم. ومن لم يفهم كله فإني أنصحه بأن يعيد القراءة مرةً أو مرتين فسيتّضح له إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.