بسم الله الرحمن الرحيم
لَمْ تَكُنْ هَذَهِ الشَّعَائِرُ مِنْ عَلاَمَاتِ الإِسْلاَمِ فِي الْقُرُونِ الخَالِيَةِ

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: من الشعائر ما لم يكن من علامات الإسلام في القرون الخالية. ولعلك تسأل عن الفائدة في الإعلام بما كان في الماضي. وله فوائد عظيمة، فإنه مِن علْم الدين الذي رضيه الله دينًا للمسلمين، ومن تبصّر به ازداد فهمًا بإذن الله وليِّ المؤمنين، ومن علِمه تبيّن له إن شاء الله لماذا لا تكون الصلاةُ وغيرها مِن الشعائر من علامات المسلمين اليوم.

فأما المسلم عند الله سبحانه وتعالى فهو الذي تتوفّر فيه شروط التوبة من الشرك والكفر فينطق بالشهادتين مع توفّر شروطهما كالعلم واليقين والقبول، والدليل عليه هو حديث (بُنِيَ الإسلام على خمس) برواياته المشهورة. وأما المسلم عند المسلمين في أحكام الدنيا فهو الذي يظهر ما يختصّ به المسلمين، وقد يختلف هذا باختلاف الأزمنة والأماكن.

قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) (العنكبوت)

وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) (الزخرف)

فلم يُحكم على الناس بالإسلام في أحكام الدنيا إذا قالوا أن الله خلقهم، فإن كثيرين من المشركين لا يمتنعون عن الإقرار به.

قال الله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) (العنكبوت)

وقال تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) (الأنعام)

وقال تعالى: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) (فصلت)

فلم يُحكم على إسلامهم إذا دعوا الله وحده لينجيهم.

وقال ابن قدامة في المغني (148/2): وَالصِّيَامُ إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ، وَقَدْ يَفْعَلُهُ مَنْ لَيْسَ بِصَائِمٍ.

وقال فيه أيضا (22/9): وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صِيَامٌ، وَلِأَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ بِفِعْلٍ، إنَّمَا هُوَ إمْسَاكٌ عَنْ أَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَقَدْ يَتَّفِقُ هَذَا مِنْ الْكَافِرِ، كَاتِّفَاقِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ اهـ

فلم يُحكم عليهم بالإسلام إذا صاموا، لأن الصيام ليس بشعيرة مختصّة بالمسلمين فلم تكن علامةً على إسلام الصائم.

وقال الكاساني في بدائع الصنائع (103/7): وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ تَلَقَّنَهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ حَقِيقَةً، إذْ لَا كُلُّ مَنْ يَعْلَمُ شَيْئًا يُؤْمِنُ بِهِ، كَالْمُعَانِدِينَ مِنْ الْكَفَرَةِ اهـ

فلم تكن قراءةُ القرآن علامةً على الإسلام في أحكام الدنيا. فهذا كله من التأصيلات المهمّة التي لا يُستغنى عنها. ومن تبصّر بالقضية فقد تبيّن له بعضُ ما خَفِي على أكثر المشركين الذين يقولون أنهم مسلمون، اللهم اهدنا وإياهم اللهم آمين آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.