إن من سنن أهل الجاهلية أنهم لا يبنون دينهم على ماجاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وإنما يبنون دينهم على أصول أحدثوها هم من عند أنفسهم ، ولايقبلون التحول عنها ، منها : ( التقليد ، والمحاكاة )
بأن يقلد بعضهم بعضا ً

( حجة العرف وإتباع الآباء والتقاليد )
كما قال تعالى :

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
} (21) سورة لقمان
.

هذا العرف الجاهلى ( اتباع الآباء وتقليدهم ) هو أول طاغوت عودى به رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام، وهو أعظم شىء يرد به هدى الله ويدفع نوره، إن هذا الطاغوت هو العصا الذى كان يلوح بها الجاهليون فى وجوه رسل الحى القيوم عليهم صلوات الله وسلامه، وبها يلوح بها كل جاهل فى كل عصر فى دفع نور الله وهداه......
فإن هذا الطاغوت هو حجة فرعون
( الحجة الفرعونية )
عندما دعاه سيدنا موسى إلى الإيمان احتج فرعون بما عليه الأولون
{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى}


( والحجة القرشية )
أيضا ً هي الإحتجاج بمن سبق من الأمم وعدم قبول إلا ماكان عليه الآباء والأجداد والأعراف والتقاليد

فقالوا :
{مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ}

طاغوت العرف والعادة وإتباع الآباء والأجداد ضل الضالون بسببه،


وقد أخبرنا الله جل وعلا عن ضلال الأمم وضلال المشركين فى كل وقت بتقليدهم لآبائهم واتباعهم لأعراف قومهم، يقول الله جل وعلا
فى سورة البقرة
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}
(170) سورة البقرة

سبحان الله هذا ردهم وحجتهم { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا } !!!

اتبعوا ما أنزل الله ربكم سيدكم مولاكم يعلم ما ينفعكم مما يضركم هداكم للتى هى أقوم، تسعدون فى هذه الحياة وبعد الممات فما رأوا حجة فى دفع هذا نور الله إلا قالوا :
{ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا }

فإن أهل الجاهلية في كل عصر عريقون في الضلالة ، وهم في الوقت ذاته مقلدون لا يفكرون ولا يتدبرون؛ بل يطيرون معجلين يقفون خطى آبائهم الضالين غير ناظرين ولا متعقلين :
{ إنهم ألفوا آباءهم ضالين ، فهم على آثارهم يهرعون } . .
وهم وآباؤهم صورة من صور الضلال التي يمثلها أكثر الأولين :
{ ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين }

إذاً هذه حجة المشركين، ...
{ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا }

وهكذا ذكر الله هذا المعنى فى سورة لقمان ، يقول الله جل وعلا
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (21 ) سورة لقمان

{ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}
، أى يسلكون هذا المسلك ويقلدون الآباء ويسيرون على الأعراف والتقاليد ولو كان ذلك سيجرهم إلى عذاب السعير بوصف سبب وسوسة الشيطان الحقير

{ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}
إذاً آفة شنيعة ضل بها كثير من الضآلين فى العصور المتقدمة، والمتأخرة

ويقرر الله هذا المعنى فى
سورة الزخرف فيقول جل وعلا

( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) )

إذاً حجة العرف والعادة من عكف عليه مقطوع عن كل خير ممنوع،
لذلك لا يوجد حجة فى دفع نور الله وهداه والإعراض عن رسل الله الكرام عليهم صلوات الله وسلامه إلا هذا الأمر إتباع العادات وتقليد الآباء والإلتزام بالعرف الضآل


(أبو طالب عم النبى عليه الصلاة والسلام)
بذل ما فى وسعه فى نصرة ابن أخيه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، عرض نفسه للهلاك وماله للضياع وبذل ما فى وسعه ولم يألوا جهداً فى نصرة النبى عليه الصلاة والسلام فآزره ونصره لكن لم يتبع النور الذى أنزل معه لماذا ؟
تقليداً للآباء والأجداد والأعراف والتقاليد ،،
ولما أحتضر أبو طالب، جاءه نبينا عليه الصلاة والسلام
كما فى المسند والصحيحين ،
جاءه النبى عليه الصلاة والسلام، عندما حضرته الوفاة أى بدايتها، ومرض مرض الوفاة، ولم يصل إلى درجة الغرغرة والإحتضار والصياغ، فعند إذٍ لا يقبل الإيمان ولا تنفع التوبة، عندما جاءته مبادىء الموت وهو فى مرض الموت، جاءه نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال : يا عم قل كلمة أحآج لك بها عند الله،
قل أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله،
فقال أبو طالب لولا أن تعيرنى قريش لأقررت بها عينك
،
وكان أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة حاضرين، فقالا : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب،
فكان آخر شىء قاله عم نبينا عليه الصلاة والسلام أبو طالب : هو على ملة عبد المطلب، ......


أبو طالب ما منعه من اتباع النبى الذى نصره وبذل ما فى وسعه فى نصرته ؟
ما منعه من اتباع من نصره وبذل روحه فى نصرته إلاّ حجة العرف والعادة،
نصر النبى عليه الصلاة والسلام وما اتبعه لما ؟
تقليداً للعرف والعادة وهوعلى ملة عبد المطلب




هذا الداء هو سبب هلاك كثير من الأشقياء، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن أهل النار عندما يدخلونها يدخلونها بسبب هذا الداء وهذا البلاء، انظر قول الله جل وعلا فى سورة الصافات بعد أن حكى نعيم المؤمنين فى الجنة،

( ذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) )

ما سبب هذا ؟
( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) )
أى بهذا الداء وبهذا البلاء بطاغوت العرف والعادة بالتقليد الأعمى
( وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) )
وما تركهم الله،
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) )
إذاً ضل أكثر الأولين باتباع الآباء اتباع الأعراف والتقاليد الضآلة الباطلة والله جل وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب ليحتكم الناس إلى رسل الله وإلى شريعة الله ،

ولذلك كانت الأمم السابقة تستنكر على رسلها وتنكر عليهم أن يأمرهم رسلهم بخلاف ما عليه آباءهم، فانظروا مثلاً قول قوم شعيب لنبى الله شعيب على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، كما حكى الله هذا عنهم
فى سورة هود عندما أمرهم أن يتقوا الله فى مكايلهم وموازينهم وألا يبخسوا الناس أشياءهم
( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) )

أصلاتك تأمرك دينك وصلاتك التى تنهاك عن الفحشاء والمنكر تأمرنا أن نترك ما عليه الآباء صلاتك تأمرك بهذا ؟ دينك يقبل أن نخالف آباءنا وأجدادنا وأعرافنا وتقاليدنا ؟، ما هذا الدين الذى يخرج على الأعراف والتقاليد
( أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ )
هذه حرية شخصية كوننا نتعامل بالغش بالإحتكار بتطفيف الكيل والميزان بالربا بغير ذلك، ما دخل الشريعة فى هذا ؟
وما دخل الديانة بهذا ؟

كما هو حال الأعراف الضالة فى هذه الأيام، عندما تقول لإنسان الربا حرام القمار حرام، التحاكم لغير الله حرام ، دعاء غير الله حرام ، موالاة الكافرين حرام ، الحكم بغير ماأنزل الله حرام ،
، اتباع غير هدي النبي الأمين حرام ، التبرج حرام ، الإختلاط حرام .....


يقول ما دخل الدين بهذا أصلاتك تأمرك أن تتدخل فى شؤوننا الخاصة وفى حرياتنا الشخصية،؟
ما لك ولهذا
.... أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ )
حجة العرف والعادة واتباع الآباء والأجداد وقف أمام هذه المنة التى منّ الله بها على عباده إرسال الرسل وإنزال الكتب،


أيها المكلف – أيتها المكلفة
اعلموا – علمنا الله وإياكم -
أن كل عرف ينبغى أن يطرح إذا خالف ما جاء فى شريعة الله المطهرة، فكل عرف عارض نصاً شرعياً فهو عرف منكر ينبغى أن يلغى وألا يعتبر، وإذا أراد الإنسان أن يسير على عرف قومه وعادة آبائه وأجداده فلا داعى إذاً لا لإرسال رسل ولا إنزال كتب، كل أمة تقول ما قاله الضآلون قبل هذه الأمة
{ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} (23) سورة الزخرف
هذا لا يصلح ولا يصح، فلا بد من تحكيم شريعة النبى عليه الصلاة والسلام فى جميع شئون الحياة {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (65) سورة النساء