بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد الأمين
،،
إن من سنن الله تعالى في خلقه ابتلاءهم وتعريضهم للفتنة ، حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} ( 2- 3 ) سورة العنكبوت


[glow1=6257FF]يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية : [/glow1]

( استفهام إنكار، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان .... ) أ.هـ

فهذه سنة الله تعالى في الحياة الدنيا ، فهو سبحانه وتعالى إنما خلق السموات والأرض ، وخلق الموت والحياة ، وزيّن الأرض بما عليها ، لإبتلاء عباده وامتحانهم ، ليعلم من يريده ويريد ماعنده ممن يريد الدنيا وزينتها .


[glow1=6E72FF]يقول سيد قطب رحمه الله : [/glow1]

( إن الإيمان ليس كلمة تقال ، إنما هو حقيقة ذات تكاليف ؛ وأمانة ذات أعباء ؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس : آمنا . وهم لايُتركون لهذه الدعوة ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم ، خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ـ وهذا هو أصل الكلمة اللغوي ، وله دلالته وظله وإيحاؤه ـ وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية في ميزان الله ـ سبحانه ـ )
في ظلال القرآن 5/ 2720



والناس معادن أمام الفتن ، ويختلفون في الفتنة من ناحية استقبالهم وتصورهم لها .
قال رجل لسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى :
( يا سعيد في الفتنة يتبين لك من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت )

فقليل من قليل من قليل من يثبت عند حلول الكوارث والمحن ، والابتلاء بالمصائب والفتن

وتعالوا معي لنقتطف زهرة من بستان سلف أمتنا لننظر كيف تعامل الأبرار مع الفتن:


( عفان بن مسلم بن عبد الله )
من أئمتنا الكرام الأبرار توفي سنة عشرين ومائتين للهجرة 220هـ إمام ثقة حديثه في الكتب الستة ، هذا العبد الصالح هو أول من امتحن في محنة خلق القرآن ، فاستدعاه إسحاق بن إبراهيم الذي كان أميراً على العراق مدة ثلاثين سنة 30سـ متتالية من قبل حكام بني العباس من المأمون فمن بعده ، وكان هذا العبد إسحاق بن إبراهيم كما يقول عنه الإمام بن كثير في البداية والنهاية كان على حال أسياده وكبرائه وممن قال الله فيه وفي أمثاله

{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} (68) سورة الأحزاب
هذا العبد إسحاق عندما استدعى هذا ( الإمام الصالح عفان بن مسلم ) وهو أول من امتحن في محنة خلق القرآن قبل الإمام أحمد بن حنبل وقبل غيره من الأئمة الكرام فعرض عليه كتاب الخليفة المأمون الذي أرسل به من الجزيرة إلى العراق ليبدأ بمحنة علماء الإسلام وليبدأ بعفان فعرض عليه الكتاب
وقال له هل تقر بأن القرآن مخلوق ؟
فقال عفان : أيها الأمير ، أقرأ قول الله الجليل
( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ) سورة الإخلاص
أمخلوق هذا ؟ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ، أمخلوق هذا ؟
فقال : دع عنك هذا الكلام فهذا كتاب الخليفة فإن قلت إنه مخلوق كتبت إليه بذلك وقد أمرني إذا قلت بذلك وأن أبقيك على أمرك وأن يجري عطاؤك كما كان ،وكان يصرف له في كل شهر خمسمائة درهم ، فإن بقيت أجري عليك العطاء ، فقد أمرني الخليفة بقطع العطاء عنك ،
قال : سبحان الله تقطع عطائي ، وإذا قطعت عطائي فهل قطعت رزقي والله يقول في كتابه
{وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} ( 22 – 23 ) سورة الذاريات

هذا هو (( التوحيد الخالص )) ،
تهددني بقطع رزقي والله يقول

{وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}
فقال له الأمير : قم فقد قطعنا عطاؤك ، فقام عفان بن أسلم ودخل إلى بيته وفيه أزواجه وأولاده وقد بلغوا أربعين نفساً ، فعزلوه ولاموه وقالوا هل لا ينتفي الكلام من أجل هذا الحطام ، من أجل عرض الدنيا فقال: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } (2- 3) سورة الطلاق
فلما حان المغرب قرع الباب فجاء رجل في صورة سمان أو زياد قال : أبا عثمان ثبتك الله على الصراط كما ثبت الإسلام ، وهذه ألف درهم تصل إليك في كل شهر على الدوام ، قطع عنك خمسمائة فهذه ألف درهم ولا يعرفه
{ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ } (31) سورة المدثر
أبا عثمان ثبتك الله على الصراط كما ثبت الإسلام ،
ولما امتحن بعده ( أبو نعيم الفضل بن دكين ) وهو من أكابر شيوخ البخاري ومن أئمتنا الكرام وحديثه في الكتب الستة هُددَ أيضاً بقطع الرزق فقام بقطع زراً من قميصه ورمى به إلى جهة الأمير وقال : ما دنياكم عندي إلا أقل من هذا الزر ، وما قطع رقبتي عندي إلا أقل من هذا الزر . تخوفوننا بشيءٍ لا وزن له ولا اعتبار ....

هذا هو (( التوحيد الخالص )) أيها الأعضاء ،
إعتصام بالقرآن والسنة عند حلول الفتن والمصائب ، لزوم تقوى الله عز وجل ، والتوكل على الله ـ سبحانه وتعالى ـ والاعتماد عليه واللجوء إليه في كل الأمور

هذا الذي كان عليه أئمتنا الأبرار ، وقد تولاهم الله وأعزهم الله وجعل لهم لسان صدق في هذه الأمة .


فهل أنت أيها القارىء على التوحيد الخالص لتخرج من الغرق والخُذلان ، إلى ساحل البرّ والأمان ؟!!





كتبه : حذيفه المسلم