بحث مختصر..... ((ليلة القدر ))
________________________________________


قال تعالى ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر
(5) ))

ذكر الله سبحانة وتعالى في هذه السورة المكية أن القرآن نزل في هذه الليلة المباركة وفي هذا الشهر المبارك لذلك كانت هذه الليله من أفضل ليالي رمضان بل هي أفضل ليالي السنة على الاطلاق لذلك قال تعالى ((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر)).

قال السعدي في تفسيره ((وسميت ليلة القدر، لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية.))
وذكر بن كثير في تفسيرة ((قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .
وسبب تسميتها باليلة القدرقال النووي: "وسميت ليلة القدر، أي ليلة الحكم والفصل. هذا هو الصحيح المشهور"

والعمل الصالح فيها مضاعف وفيها ساعة يستجاب الدعاء فيها لذلك كان النبي صلى الله علية وسلم يحرص على الاعتكاف ويكثر من التعبد في العشر الاواخر من رمضان قال تعالى ((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)) العباده في هذه الليلة خير من عبادة ألف شهر يعني ثمانين سنة تقريباً فيها يغفر ماتقدم من ذنبك .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " متفق علية
وقال صلى الله عليه وسلم: « من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » رواه البخاري وكذلك تقسم بها أمور العباد من الأعمال والأرزاق والآجال
قال تعالى: { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } قال بن كثير في تفسيره ((أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.))


متى تكون ليلة القدر :

تكون ليلة القدر في العشر الآواخر من رمضان وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأول من رمضان يطلب ليلة القدر، ثم اعتكف في العشر الأوسط، ثم رآها صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان .
قال عليه الصلاة والسلام: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" رواه البخاري وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال (( اعتكفنا مع النبي صلى الله عليه وسلم العَشْر الأوسطَ من رمضان ، فخرج صبيحةَ عشرين فخطَبَنا ، وقال : إني أُريتُ ليلةَ القدر ثم أُنسيْتُها - أو نُسِّيتُها - فالتمسوها في العَشْر الأواخر في الوتر ، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين ، فمن كان اعتكف معي فلْيرجعْ ، فرجعنا وما نرى في السماء قَزَعةً ، فجاءت سحابةٌ فمطرت حتى سال سقف المسجد ، وكان من جريد النخل ، وأقيمت الصلاة ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين ، حتى رأيت أثر الطين في جبهته )) متفق علية .

وكذلك الحديث المتفق علية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشْرِ الأوسطِ من رمضان ، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه - قال : من كان اعتكف معي فلْيعتكف العَشْرَ الأواخرَ ، فقد أُريتُ هذه الليلة ثم أُنْسيتُها ، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتِها ، فالتمسوها في العَشْر الأواخرِ والتمسوها في كل وتر ، فمطرت السماء تلك الليلة ، وكان المسجد على عريش فوَكَفَ المسجد ، فبصرت عينايَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صُبح إحدى وعشرين )).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال (( اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العَشْرَ الأوسطَ من رمضان يلتمس ليلةَ القدر قبل أن تُبان له ، فلما انقضين أمر بالبناء فقُوِّض ثم أُبِينتْ له أنها في العَشْرِ الأواخر ، فأمر بالبناء فأُعيدَ ثم خرج على الناس ، فقال صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس إنها كانت أُبِينتْ لي ليلةُ القدر ، وإني خرجت لأخبركم بها ، فجاء رجلان يحتقَّان معهما الشيطان فنُسِّيتُها ، فالتمسوها في العَشْر الأواخر من رمضان ، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)) رواه مسلم .

وقد فسَّرها أبو سعيد بأن التاسعة هي ليلة الحادي والعشرين ، والسابعة ليلة الثالث والعشرين ، والخامسة ليلة الخامس والعشرين .

وكذلك هناك حديث جعل ليلة القدر في السبع الاواخر من رمضان .
عن ابن عمر قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر ))رواه ابو داود وصححه الالباني وعن ابن عمر قال : إن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر " متفق علية .

قال الطّحطاوي : ذهب الأكثر إلى أنّ ليلة القدر ليلة سبعٍ وعشرين , وهو قول ابن عبّاسٍ وجماعةٍ من الصّحابة رضي الله عنهم . أ هـ

قال النّووي : مذهب الشّافعيّة وجمهور أصحابنا أنّها منحصرة في العشر الأواخر من رمضان مبهمة علينا .أ هـ

قال ابن حجر في فتح الباري (( وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً ، وتحصَّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثرُ من أربعين قولاً ، كما وقع لنا نظيرُ ذلك في ساعة الجمعة ، وقد اشتركتا في إِخفاء كل منهما ليقع الجِدُّ في طلبهما )).

وجمهور العلماء على أن ليلة القدر في العشر الاواخر من رمضان وهم المالكية والشافعية والحنابلة والأوزاعي .
والاظهر عند المالكية في السابع والعشرين وكذلك الحنابلة وعند الشافعية في ليلة إحدى وعشرين .

وكذلك تحري ليلة القدر ليس فقط في ليالي الوتر بل في ليالي الشفع .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذلك بقوله: "إن كان الشهر تاما فكل ليلة من العشر وتر، إما باعتبار الماضي كإحدى وعشرين، وإما باعتبار الباقي كالثانية والعشرين، وإن كان ناقصا فالأوتار باعتبار الباقي موافقة لها باعتبار الماضي"الفتاوى الكبرى ج5ص24


وقيل أنها خاصة في الأمة المحمدية لما روي عن مالك بن أنسٍ : أنّه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أري أعمار النّاس قبله ، أو ما شاء اللّه من ذلك ، فكأنّه تقاصر أعمار أمّته أن لا يبلغوا من العمل مثل الّذي بلغ غيرهم في طول العمر ، فأعطاه اللّه ليلة القدر خير من ألف شهرٍ » وهذا الاثر قال الالباني ضعيف معضل ((االترغيب والترهيب)).
وذهب بعضهم إلى أنّ ليلة القدر كانت في الأمم السّابقة واحتجوا بحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه وفيه : « قلت يا رسول اللّه أخبرني عن ليلة القدر أفي كلّ رمضان هي ؟ قال : نعم ، قلت أفتكون مع الأنبياء فإذارفعوا رفعت أو إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة » السلسله الضعيفة .



أقول إن الاحاديث التي ذكرت في ليلة القدر كثيرة منها الصريح في ذكر موقعها في رمضان ومنها قرائن ودلائل تشير إليها لذلك اكتفيت ببعض الاحاديث المشهورة في ذكر ليلة القدر ، وعلى المسلم الإجتهاد في أيام رمضان دون تفريق حتى يحصل على الاجر والثواب كاملا ومن وفِّق في صيام وقيام رمضان كله وفقهُ الله لليلة القدر .


فضل ليلة القدر :


ذهب جمهور الفقهاء أن ليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق والعمل فيها خير من العمل في باقي الليالي قال تعالى : « إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ » ليلة مباركة يكثر فيها الخيرات واستجابة الدعوات وتتنزل فيها الملائكة قال تعالى : « تَنَزَّلُ الْمَََلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ »
قال صلى الله علية وسلم :« من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه » رواه البخاري.

قال القرطبي : أي تهبط من كلّ سماءٍ ومن سدرة المنتهى فينزلون إلى الأرض ويؤمّنون على دعاء النّاس إلى وقت طلوع الفجر , وتنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بالرّحمة بأمر اللّه تعالى وبكلّ أمرٍ قدّره اللّه وقضاه في تلك السّنة إلى قابلٍ .





الحكمه من إخفائها :


قال الحافظ ابن حجر في الفتح : " قال العلماء : الحكمة في إخفاء ليلة القدر ، ليحصل الاجتهاد في التماسها ، بخلاف ما لو عينت لها لاقتصر عليها "

قال البغوي (( وفي الجملة أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا بالعبادة في ليالي رمضان طمعاً في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، واخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذراً من قيامها.)) تفسير البغوي



علامات ليلة القدر :


أما علامات ليلة القدر فهي كثيرة منها صفاء وهدوء وليست بارة ولا حاره وإنكسار أشعة الشمس عند الشروق جاء في صحيح مسلم عن أبي بن كعب : ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن من أماراتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها ) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر (( ليلةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردةٌ ، تصبح شمسُها صبيحَتَها صفيقةً حمراءَ )) صحيح الجامع الالباني .

وذكر بعض العلماء علامات أخرى :

زيادة النور في تلك الليلة ، طمأنينة القلب وانشراح الصدر من المؤمن .

وهناك علامات لا أصل لها :

قال الحافظ : " وذكر الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كل شيء يسجد فيها " .
ذكر بعضهم أن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة ، وهذا لا يصح .
ذكر بعضهم أن الكلاب لا تنبح فيها ولا ترى نجومها ، وهذا لا يصح .
وروايات غير صحيحه مثل (( لا يُرسَلُ فيها شيطان ولا يُحْدَثُ فيها داء )) .


الدعاء في ليلة القدر:


لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « قلت : يا رسول اللّه أرأيت إن علمت أيّ ليلةٍ ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال : قولي اللّهمّ إنّك عفوٌّ كريم تحب العفو فاعف عنّي »


البدع التي تحصل في ليلة القدر :


صلاة ليلة السابع والعشرين وصفتها :أنهم يصلون بعد التراويح ركعتين في الجماعة ، ثم آخر الليل يصلون تمام مائة ركعة ، وتكون في الليلة التي يظنون ظناً جازماً أنها ليلة القدر .

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن حكمها ، وهل المصيب من فعلها أو تركها ؟ وهل هي مستحبة عن أحد من الأئمة أو مكروهة ، وهل ينبغي فعلها والأمر بها أو تركها والنهي عنها ؟ .
فأجاب -رحمه الله- ( الحمد لله ، بل المصيب هذا الممتنع من فعلها والذي تركها ، فإن هذه الصلاة لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين ، بل هي بدعة مكروهة باتفاق الأئمة ، ولا فعل هذه الصلاة لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، ولا التابعين ، ولا يستحبها أحد من أئمة المسلمين ، والذي ينبغي أن تترك وينهى عنه ) مجموع الفتاوى ص(23/122) .


الأحتفال بليلة السابع والعشرين: من البدع المحدثة التي لم يفعلها الرسول صلى الله علية وسلم وصحابته رضي الله عنهم أجمعين.
وكذلك تخصيص ليلة السابع والعشرين بإلقاء موعظة في المسجد أو أي مكان كان .
قال تعالى : ((وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7))) سورة الحشر .
وقال تعالى : ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32))) سورة آل عمران .

وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق علية .

وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( من رغب عن سنتي فليس مني)) رواه مسلم ، إذاً يجب الأخذ بما آتنا به رسول الله صلى الله علية وسلم وترك ما نهانا عنه صلى الله علية وسلم إن كنا نحب رسول الله صلى الله علية وسلم كما جاء في الاية التي ذكرت في سورة آل عمران والاحاديث.



والله أعلى وأعلم

منقول