1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو
    المشاركات: 173
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    رسالة

    الياقوت فى بيان أن االحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت





    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له و أشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

    وبعد:

    فهذه رسالة صغيرة فى بيان معنى الطاغوت وأن هذا اللفظ يطلق على من يعبد وهو راض بالعبادة أو من يدعو الغير لعبادته.وبيان أن التحاكم عبادة فمن تحاكم الى شرع الله فقد عبد الله ومن تحاكم الى شرع غير شرع الله فقد عبد الطاغوت.



    معنى الطاغوت:

    يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته ضمن كشف الشبهات في التوحيد الرسالة السابعة " معنى الطاغوت ورؤوس أنواعه "

    ( إعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله . والدليل قوله تعالى : {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} .

    فأما صفة الكفر بالطاغوت فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفّر أهلها وتعاديهم .

    وأما معنى الإيمان بالله بأن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون من سواه وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله وتنفيها عن كل معبود سواه وتحب أهل الإخلاص وتواليهم وتبغض أهل الشرك وتعاديهم . وهذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها وهذه هي الأُسوة التي أخبر الله بها في قوله :

    {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} . الآية

    والطاغوت عام ، فكل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت .

    والطواغيت كثيرة ورؤسهم خمسة :

    ( الأول ) : الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله والدليل قوله تعالى :

    {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} "

    ( الثاني ) : الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى . ثم ذكر آية سورة النساء

    ( الثالث ) : الذي يحكم بغير ما أنزل الله . ثم ذكر آية المائدة

    ( الرابع ) : الذي يدعي علم الغيب من دون الله . والدليل قولع تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} الآية

    ( الخامس ) : الذي يعبد من دون الله وهو راضي بالعبادة والدليل قوله تعالى :{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }

    وأعلم إن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل قوله تعالى :{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

    والرشد دين محمد صلى الله عليه وسلم والغي دين أبي جهل والعروة الوثقى شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة للنفي والإثبات ! تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له . ) انتهى كلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    ويقول القرطبي رحمه الله في تفسير

    قوله تعالى : { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ}

    يقول : ( جزم بالشرط . والطاغوت مؤنثة من طغى يطغى . .

    وقيل : أصل طاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير إشتقاق ..

    وقال : قال الجوهري : والطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال وقد يكون واحداً قال الله تعالى :{يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} النساء 60

    وقد يكون جمعاً قال الله تعالى {أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ}البقرة 257

    والجمع طواغيت .

    ويقول القرطبي في تفسير قوله تعالى :{اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}النحل 26

    ( أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم وكل من دعا إلى الضلال ) أ.هـ

    وفي تفسير قوله تعالى : {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى }الزمر 17

    يقول القرطبي : ( قال الأخفش : الطاغوت جمع ويجوز أن تكون واحدة مؤنثة . وقد تقدم أي تباعدوا من الطاغوت وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها . قال مجاهد وابن زيد : هو الشيطان . وقال الضحاك والسدي : هو الأوثان . وقيل إنه الكاهن . وقيل إنه اسم اعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت . وقيل اسم عربي مشتق من الطغيان

    وأن في موضع نصب بدلاً من الطاغوت وتقديره : والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت {وأنابوا إلى الله} أي رجعوا إلى عبادته وطاعته . ) ا .هـ

    ويقول في تفسير قوله تعالى :{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}النساء 51

    ( اختلف أهل التأويل في تأويل الجبت والطاغوت فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية : الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن . وقال الفاروق عمر رضي الله عنه : الجبت السحر والطاغوت الشيطان . ابن مسعود : الجبت والطاغوت ها هنا كعب بن الأشرف وحيّ بن أخطب .

    عكرمة : الجبت حيّ بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف دليله قوله تعالى : {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ}النساء 60 . قتادة : الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن . وروى ابن وهب عن مالك بن أنس : الطاغوت ما عبد من دون الله . قال : وسمعت من يقول أن الجبت الشيطان . ذكره النحاس .

    وقيل : هما كل معبود من دون الله أو مطاع في معصية الله ، وهذا حسن . ) أنتهى كلام القرطبى رحمه الله.

    وقد حده العلامة بن القيم حداً جامعاً فقال.

    :( الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده : من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم : من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله . فهذه طواغيت العالم . إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها . رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته )انتهى كلام بن القيم.

    وفى تفسير الطبرى(قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في"الطاغوت"، أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء.)



    ويتضح من النقل السابق معنى الطاغوت وأنه عام فى كل ما عبد من دون الله وهو راض أو من دعى الناس الى عبادته وأن له صور كثيرة ورؤوسه خمسة ذكرها الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ومنها الذي يحكم بغير ما أنزل الله.



    معنى التحاكم

    قال تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }

    فى تفسير الطبرى(حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"فردوه إلى الله والرسول"، قال: كتاب، الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم:

    حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال: سأل مسلمةُ ميمونَ بن مهران عن قوله:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، قال:"الله"، كتابه، و"رسوله" سنته، فكأنما ألقمه حجرًا.)وفى الطبرى أيضا(حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، يقول: ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ="إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر".)

    وفى تفسير بن كثير(وهذا أمر من الله، عز وجل، بأن كل شيء تنازع الناس (7) فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى:10] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } أي: ردوا الخصومات والجهالات

    إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }

    فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر.

    وقوله: { ذَلِكَ خَيْرٌ } أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } أي: وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب.)

    وجاء فى لسان العرب([ حكم ] ح ك م : الحُكْمُ القضاء وقد حَكَم بينهم يحكم بالضم حُكْما و حَكَم له وحكم عليه و الحُكْمُ أيضا الحكمة من العلم و الحكِيمُ العالم وصاحب الحكمة والحكيم أيضا المتقن للأمور وقد حَكُم من باب ظرُف أي صار حكيما و أحكَمَهُ فاسْتَحْكَمَ أي صار مُحْكَما و الحَكَمُ بفتحتين الحاكم و حَكَّمه في ماله تحكِيماً إذا جعل إليه الحكم فيه فاحْتَكَمَ عليه في ذلك واحتكموا إلى الحاكم و تَحَاكمُوا بمعنى والمُحاكَمَةُ المخاصمة إلى الحاكم).انتهى وفى المعجم الوسيط"( ( احتكم ) الشيء و الأمر توثق و صار محكما و الخصمان إلى الحاكم رفعا خصومتهما إليه وفي الشيء و الأمر تصرف فيه كما يشاء يقال احتكم في مال فلان و احتكم في أمره

    ( تحاكما ) احتكما"))

    يتضح مما سبق أن تحاكم معناها طلب الحكم فى أمر ما وأن التحاكم عبارة عن تنازع ورد فإذا تنازع طرفين أو أكثر فى أمر من أمور الدين أو الدنيا فمن رد (أى طلب الحكم) إلى الله ورسوله فقد تحاكم إلى الله ورسوله ومن رد إلى غير شريعة الله فقد تحاكم إلى الطاغوت



    الدليل على أن التحاكم عبادة لا يجوز صرفها إلا لله وحده سبحانه وتعالى

    يقول الله تعالى فى سورة يوسف"إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"

    يقول الطبرى (وقوله:(إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميعُ خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصةً دون كل ما سواه من الأشياء)

    ويقول بن كثير فى تفسير هذه الآية (ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كلَّه لله، وقد أمر عباده قاطبة ألا يعبدوا إلا إياه، ثم قال: ذلك الدين القيم أي: هذا الذي أدعوكم إليه من تَوحيد الله، وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } )انتهى

    فالله وحده له الحكم والأمر فله وحده يجب أن نتحاكم كما أن أمره وحده يجب أن يطاع يقول تعالى" أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ " [الأعراف: 54].قال الطبرى فى تفسير هذه الآية( حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن قال، حدثنا بقية بن الوليد قال، حدثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه، قلَّ شكره، وحَبِط عمله. ومَنْ زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه، لقوله:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين". )انتهى.

    ومن الأدلة على أن التحاكم عبادة كالصلاة والدعاء وغيرها

    قوله تعالى"قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله"

    وقوله تعالى: {وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}. دلت هذه الآية الكريمة على أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده، لا إلى غيره.

    وقوله تعالى{وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} [الكهف:26]، وفي قراءة ابن عامر من السبعة: "وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً" بصيغة النهي.

    وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}

    وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}



    وقوله تعالى {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:70]

    · وقوله تعالى" وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[القصص:88]

    وقوله تعالى "ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ "[الأنعام:62] , والآيات بمثل ذلك كثيرة.

    ولا يقولن متجرأ على الله أن المقصود بالحكم هنا الحكم الكونى القدرى (مثل الموت والحياة والمرض والصحة ونزول المطر وغيرها) فقط دون الحكم الشرعى(أى أوامر الله لعباده والتى يدخل التحاكم فى معناها) فالمؤمن يجعل الحكم بمعناه الكونى ومعناه الشرعى لله وحده أما الكافر فالحكم الكونى ماض فيه وإن أبى لكنه يرفض الحكم بمعناه الشرعى.

    وقوله تعالى : " ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ" الجاثية(19)

    يقول الطبرى(يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ثم جعلناك يا محمد من بعد الذي آتينا بني إسرائيل، الذين وصفت لك صفتهم( عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ) يقول: على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا( فاتَّبِعْها ) يقول: فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لك( وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) يقول: ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون بالله، الذين لا يعرفون الحقّ من الباطل، فتعمل به، فتهلك إن عملت به.

    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

    * ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا ) قال: يقول على هدى من الأمر وبيِّنة.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا ) والشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي فاتبعها( وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )).انتهى كلام الطبرى.

    ويقول سيد قطب فى تفسير هذه الآية (ثم كتب الله الخلافة في الأرض لرسالة جديدة ورسول جديد ، يرد إلى شريعة الله استقامتها ، وإلى قيادة السماء نصاعتها؛ ويحكم شريعة الله لا أهواء البشر في هذه القيادة :

    { ثم جعلناك على شريعة من الأمر؛ فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } . .

    وهكذا يتمحض الأمر . فإما شريعة الله . وإما أهواء الذين لا يعلمون . وليس هنالك من فرض ثالث ، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة؛ وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون!

    والله سبحانه يحذر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون ، فهم لا يغنون عنه من الله شيئاً . وهم يتولون بعضهم بعضاً . وهم لا يملكون أن يضروه شيئاً حين يتولى بعضهم بعضاً ، لأن الله هو مولاه :

    { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض . والله ولي المتقين } . .

    وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعين سبيل صاحب الدعوة وتحدده ، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل :

    { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً ، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ، والله ولي المتقين } . .

    إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف ، وما عداها أهواء منبعها الجهل . وعلى صاحب الدعوة أن يتبع الشريعة وحدها ، ويدع الأهواء كلها . وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء . فأصحاب هذه الأهواء أعجز من أن يغنوا عنه من الله صاحب الشريعة . وهم إلب عليه فبعضهم ولي لبعض . وهم يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له أو جنوحاً عن الهوى الذي يربط بينهم برباطه . ولكنهم أضعف من أن يؤذوه . والله ولي المتقين . وأين ولاية من ولاية؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضاً؛ من صاحب شريعة يتولاه الله . ولي المتقين؟

    وتعقيباً على هذا البيان الحاسم الجازم ، يتحدث عن اليقين ، وعما في هذا القول وأمثاله في القرآن من تبصرة وهدى ورحمة لأهل اليقين :

    { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } . .

    ووصف القرآن بأنه بصائر للناس يعمق معنى الهداية فيه والإنارة . فهو بذاته بصائر كاشفة كما أن البصائر تكشف لأصحابها عن الأمور . وهو بذاته هدى . وهو بذاته رحمة . . ولكن هذا كله يتوقف على اليقين . يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك ، ولا يخالطها قلق ، ولا تتسرب إليها ريبة .) انتهى كلام سيد قطب

    ويتضح من النقل السابق أن التحاكم من العبادة وأن المتحاكم إلى شرع غير شرع الله مشرك مثل الذى يعبد الصنم والذى يدعو بوذا أو المسيح أوغيره.



    الأدلة على كفر من تحاكم الى الطاغوت

    من المسلم به عند المسلمون أن من صرف شيئأ من العبادة(التحاكم أوالدعاء مثلا) لغير الله فقد أشرك شركا أكبر يخرجه من دين الاسلام بل لابد لدخول الانسان فى دين الله من الكفر بالطاغوت وخلع الأنداد ثم الإيمان بالله وحده لا شريك له.يقول تعالى(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )(البقرة256)

    فى تفسير الطبرى(فتأويل الكلام إذا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله، فيكفر به="ويؤمن بالله"، يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده (2) ="فقد استمسك بالعروة الوثقى"، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه)وفي تفسير الطبرى أيضا(القول في تأويل قوله : { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى }

    قال أبو جعفر:"والعروة"، في هذا المكان، مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به، بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته.

    وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله، ومن أوثق عرى الأشياء بقوله:"الوثقى"

    و"الوثقى"،"فعلى" من"الوثاقة". يقال في الذكر:"هو الأوثق"، وفي الأنثى:"هي الوثقى"، كما يقال:"فلان الأفضل، وفلانة الفضلى".

    وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

    ذكر من قال ذلك:

    - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"بالعروة الوثقى"، قال: الإيمان.

    - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

    - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال:"العروة الوثقى"، هو الإسلام.

    - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن سعيد بن جبير قوله:"فقد استمسك بالعروة الوثقى"، قال: لا إله إلا الله .)

    وفى تفسير بن كثير(وقوله: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم.)

    وقال تعالى(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ)(الزمر17)

    وقال تعالى(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌوَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50))المائدة يقول بن كثير(نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله، عز وجل { مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا } أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلهم { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } أي: يستجيبون (1) له، منفعلون عنه { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون (2) مجلسك يا محمد. وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، ويُنْهُونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك، من أعدائك { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } (3) أي: يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا }

    وفى تفسير بن كثير ايضا(وقوله: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مِجْلزٍ، وأبو رَجاء العُطارِدي، وعِكْرِمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب -زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة. وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها. رواه ابن جرير.وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كُهَيل، عن عَلْقَمَة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال: من السُّحْت: قال: فقالا وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر! ثم تلا { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }وقال السُّدِّي: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } يقول: ومن لم يحكم بما أنزلتُ فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين [به] )انتهى

    وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال: هذا في المسلمين، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }قال: هذا في اليهود، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } قال: هذا في النصارى.وكذا رواه هُشَيْم والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي.

    وفى الظلال(والله - سبحانه - يقول : إن المسألة - في هذا كله - مسألة إيمان أو كفر؛ أو إسلام أو جاهلية؛ وشرع أو هوى . وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح! فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله - لا يخرمون منه حرفاً ولا يبدلون منه شيئاً - والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله . وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان . وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يإذن به الله ، فهم الكافرون الظالمون الفاسقون . وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون . . وإلا فما هم بالمؤمنين . . ولا وسط بين هذا الطريق وذاك؛ ولا حجة ولا معذرة ، ولا احتجاج بمصلحة . فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس؛ ويضع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية . وليس أحسن من حكمه وشريعته حكم أو شريعة)

    إلى أن قال(والسياق القرآني في هذا الدرس يقرر أولاً : توافي الديانات التي جاءت من عند الله كلها على تحتيم الحكم بما أنزله الله؛ وإقامة الحياة كلها على شريعة الله؛ وجعل هذا الأمر مفرق الطريق بين الإيمان والكفر؛ وبين الإسلام والجاهلية؛ وبين الشرع والهوى . . فالتوراة أنزلها الله فيها هدى ونور : { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } . . { وعندهم التوارة فيها حكم الله } . . { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . الخ } . . والإنجيل آتاه الله عيسى بن مريم { مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين . وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } . . والقرآن أنزله الله على رسوله { بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه } وقال له : { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } . . { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } . . { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } . . { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } . . { أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟ } . . وكذلك تتوافى الديانات كلها على هذا الأمر ، ويتعين حد الإيمان وشرط الإسلام ، سواء للمحكومين أو للحكام . . والمناط هو الحكم بما أنزل الله من الحكام ، وقبول هذا الحكم من المحكومين ، وعدم ابتغاء غيره من الشرائع والأحكام . .

    والمسألة في هذا الوضع خطيرة؛ والتشدد فيها على هذا النحو يستند إلى أسباب لا بد خطيرة كذلك . فما هي يا ترى هذه الأسباب؟ إننا نحاول أن نتلمسها سواء في هذه النصوص أو في السياق القرآني كله ، فنجدها واضحة بارزة . .

    إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر - بلا شريك - أو رفض هذا الإقرار . . ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان ، وجاهلية أو إسلام . .

    . . والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة . .) انتهى

    وقال تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) النساء)فى تفسير الطبرى(قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فلا" فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد = واستأنف القسم جل ذكره فقال:"وربك"، يا محمد ="لا يؤمنون"، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك ="حتى يحكموك فيما شجر بينهم"، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه.)انتهى, وقال بن كثير(هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله)

    وفى تفسير السمرقندى لهذه الآيات(وذلك أنَّ منافقاً يقال له بشر ، كان بينه وبين يهودي خصومة ، فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكانت تلك الخصومة في حكم الإسلام على المنافق ، وفي حكم اليهود على اليهودي . فقال اليهودي : نأتي محمداً صلى الله عليه وسلم يحكم بيننا . وقال المنافق : بل نأتي كعب بن الأشرف حتى يحكم بيننا . فكانا في ذلك إذ سمع عمر بن الخطاب قولهما ، فقال : ما شأنكما؟ فأخبراه بالقصة . فقال عمر : أنا أحكم بينكما . فأجلسهما ، ثم دخل البيت وخرج بالسيف ، وقتل المنافق ، فنزلت هذه الآية { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ })انتهى. ألا ترى فى قتله للمنافق أكبر دليل على كفر هذا المنافق وأن الذى يتحاكم الى الطاغوت فى أى زمان ومكان له نفس الحكم

    شبهة: قد يقول البعض وأين حكم الله حتى أتحاكم إليه ويجيز لنفسه التحاكم الى القوانين الوضعية بحجة عدم وجود حاكم بشرع الله,وأنه إذا لم يتحاكم الى الطاغوت سيضيع عليه حقه.

    الرد:علمنا أن التحاكم عبادة مثله مثل الصلاة والزكاة والحج وغيرها فهل يجوز إذا لم يستطع انسان أن يؤدى عبادة ما لله أن يؤديها لغير الله. يقينا لا يجوز تحت أى ظرف, لأنه سيكون مشركا بالله كما ذكرنا ,وسينطبق عليه كل الكلام السابق .

    انتهى, وما كان من توفيق فمن الله وما كان من تقصير فمن نفسى ومن الشيطان ,

    اللهم اجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم

    والحمد لله رب العالمين

  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Aug 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 3
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    سبحان الله انى لاءعجب ممن يجيز التحاكم للطاغوط لائنه مضطر ونسى قول الله عز وجل : " أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ " أ إله مع الله حاشا لله صدق الله العظيم يا من تجيز التحاكم للطاغوط اهذا الطاغوط هو الذى يجيب المضطر اهو الاهك ومن يتق الله يجعل له مخرج
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Oct 2010
    عضو جديد
    المشاركات: 22
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    سلام عليكم التحاكم او الدفاع هو طلب حكم اى اقرار باثبات الطاغوت وليس الكفربه وكلاهما كفر والتحاكم ولو كان على مصطبه اذا كان بالقوانين الوضعيه او القوانين التى قال الصادق المصدوق اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد وصفها انها جاهليه نتنه وليست من شرع الله المحكم ولا يجوز لااحد البديل عن شرع الله بزعم انه مضطر الدخول فى الكفر لان التحاكم من اصل الدين القويم والحاكميه من اخص خصائص الالوهيه فكيف باؤناس يومنون بالطاغوت بزعم انه مضطر
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع