1. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    عضو
    المشاركات: 59
    لا يمكن النشر في هذا القسم

    الحمد لله الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوعن السيئات ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنو وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب ُ شديد ..ثم أما بعد . هذه أكثر من خمسين دليل على بطلان الاستغاثة ودعاء غير الله
    **الوجه الأول : إن الغاية التي من أجلها خلق الله الجن والإنس هي أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، والعبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .
    فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين ، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكـين وابن السبيل والمملوك ، والإحسان إلى البهائم ، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة .
    وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمته ، والرضا بقضائه ، والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته ، والخوف من عذابه ، وأمثال ذلك ؛ هي من العبادة لله .
    وضد العبادة الشرك في عبادة الله ، بأن يجعل الإنسان لله شريكا يعبده كما يعبد الله ، ويخافه كما يخاف الله ، ويتقـرب إليه بشيء من العبادات كما يتقرب لله ، من دعاء وصلاة أو ذبح أو نذر أو غير ذلك .
    والكلام في هذا البحث المختصر منصب على مسألة صرف عبادة الدعاء لغير الله ، وبيان وجوه بطلان دعاء غير الله العقلية والنقلية ، وقبل البدء في مناقشة هذه المسألة أقول إن الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة ، إلا أنه من أكثر العبادات التي شرّك الناس فيها بين الله وبين خلقه ، فإنك تجد - مع الأسف الشديد - كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام قد وقعوا في دعاء غير الله والاستغاثة بهم ، سواءً كانوا من الأنبـياء أو الصالحين ، كمن يقول يا نبـي الله ، أو يا عبد القادر الجيلاني ، أو يا بدوي ، أشكو إليك ذنوبـي ، أو نقص رزقي ، أو تسلط العدو علي ، أو أشكو إليك فلانا الذي ظلمني ، أو يقول أنا نـزيلك ، أنا ضيفك ، أنا جارك ، أو أنت تجير من يستجير ، أو أنت خير معاذ يستعاذ به ، أو ارزقني الولد ، أو قول القائل إذا عثر : يا جاه محمد ، يا ست نفيسة ، أو يا سيدي الشيخ فلان ، ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تعلق وتوجه ودعاء لغير الله ، وبعضهم يكتب على أوراق ويعلقها عند القبور ، أو يكتب محضرا أنه استجار بفلان ثم يذهب إلى أحد المقبورين بذلك المحضر ليغيثه ، وما يدري المسكين أنه قد خلع بفعله هذا ربقة الإسلام من عنقه ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    ***الوجه الثانى : الدعاء عبادة
    ** الدعاء عبادة جليلة ، قد خصها الله بالذكر في كثير من الآيات ، وبـين النبـي صلى الله عليه وسلم شرفها في كثير من الأحاديث الصحيحة .
    وقد جاءت الأدلة في بيان عِظم شأن الدعاء فمنها :
    **حديث سلمان الفارسي عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله حيـي كريم يستحيـي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين .[1]
    ** وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يرد القضاء إلا الدعاء .[2]
    ** وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء .[3]
    ** وقد جاء تصريح النبـي صلى الله عليه وسلم في أن الدعاء عبادة في قوله : الدعاء هو العبادة ، وقرأ {وقال ربكم ادعوني استجب لكم} (إلى قوله ) {داخرين} .[4]
    وحصْر العبادة في الدعاء - وإن كان حصْراً ادعائيا - فإنه يدل على عظـم الدعاء وشرف مكانته ، وأنه لب العبادة وخالصها ، وركنها الأعظم ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : الحج عرفة .[5]
    كما سمى الله الدعاء عبادة في قوله {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البـينات من ربـي} ، وقال تعالى {وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ، فعبر الله عن الدعاء بالعبـادة في الآيتين ، فدل ذلك على عِظم شأنه .
    وقد سمى الله الدعاء ديناً كما في قوله تعالى {وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}.
    فجعل الله سبحانه الدين بدلا من الدعاء ، وعرفه بالألف واللام التي تفيد العهد ، فدل ذلك على أن الدعاء دينا ، وما كان دينا فهو عبادة .
    وقد أمر الله بدعائه ، وكل ما أمر الله بفعله فهو عبادة واجبة أو مستحبة ، قال تعالى {وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ، وقال تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} .
    وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالدعاء كما في قوله : فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى ، وأما السجود فأكثروا من الدعاء ، فقمـِِنٌ[6] أن يستجاب لكم .[7]
    ** قال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله :
    وكل ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة عند جميع العلماء ، فمن قال إن دعاء العبد ربه ليس بعبادة له فهو ضال ، بل كافر .[8]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
    ***الوجه الثالث : فصل في الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره
    ** القرآن والسنة يأمران بإفراد الله بالدعاء ، وينهيان عن دعاء غيره ، ومن ذلك قوله تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية}[9] ، وقوله تعالى {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض}[10] ، وقوله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}[11] ، وقوله تعالى {واسألوا الله من فضله}[12].
    *** قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:
    وأما إفراد الله بالدعاء فجاء ذكره في نحو ثلاث مائة موضع منوعاً ، **تارة على صيغة الأمر به ، كقوله {أدعوني استجب لكم}[13] ، {وادعوه مخلصين له الدين} [14].
    ***وتارة يذكره الله بصيغة النهي كقوله {فلا تدعوا مع الله أحداً} [15].
    ** وتارة يقرنه بالوعيد كقوله {فلا تدع مع الله إلـٰهاً آخر فتكون من المعذبين}[16].
    ** وتارة بتقرير أنه هو المستحق للألوهية والتعبد كقوله {ولا تدع مع الله إلـٰهاً آخر لا إلـٰه إلا هو}[17].
    ** وتارة في الخطاب بمعنى الإنكار على الداعي كقوله {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك}[18].
    ** وتارة بمعنى الإخبار والاستخبار {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات}[19].
    ** وتارة بالأمر الذي هو بصيغة النهي والإنكار لآقل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض}[20].
    ** وتارة أن الدعاء هو العبادة ، وأن صرفَه لغير الله شرك {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة} إلى قوله {وكانوا بعبادتهم كافرين}[21] ، {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} إلى قوله {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله}[22].
    ** وفي الحديث : (الدعاء هو العبادة)[23] ، صححه الترمذي وغيره ، وقد أتى فيه بضمير الفصل ، والخبر المعرَّف باللام ليدل على الحصر ، وأن العبادة ليست غير الدعاء ، وأنه مُعظم كل عبادة[24] ، ونهى ألا يشرك معه أحد فيه ، حتى قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم {قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحداً} [25] ، وأخبر أنه لا يَغفر أن يشرك به .[26] انتهى .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    ***الوجه الرابع : الأدلة على وجوب إفراد الله بالدعاء ؛ حديث ابن عباس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله .[27]
    فلو جاز سؤال غير الله لقال : واسألني واستعن بـي ، بل أتى صلى الله عليه وسلم بمقام الإرشاد والإبلاغ والنصح لابن عمه بتجريد إخلاص السؤال والاستعانة على الله تعالى .
    ** وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ .[28]
    وقال رسول الله : إذا تمنى أحدكم فليستكثر ، فإنما يسأل ربه عز وجل .[29]
    ** وقال تعالى {يسأله من في السماوات والأرض}سورة الرحمن ، الآية 29 . ، قال ابن سعدي في تفسير الآية الكريمة:
    أي هو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته ، وهو واسع الجود والكرم ، فكل الخلق مفتقرون إليه ، يسألونه جميع حوائجهم بحالهم ومقالهم ، ولا يستغنون عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك ، وهو تعالى {كل يوم هو في شأن} ، يغني فقيرا ويجبر كسيرا ، ويعطي قوما ويمنع آخرين ، ويميت ويحيي ، ويخفض ويرفع ، لا يشغله شأن عن شأن ، ولا تغلُطه المسائل ، ولا يبرمه إلحاح الملحين ، ولا طول مسألة السائلين ، فسبحان الكريم الوهاب الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات ، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات ، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين ولا استغناء الفقراء الجاهلين به وبكرمه . انتهى .
    ** وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن المسلمين قد أجمعوا على تكفير من ارتكب الشرك الأكبر وكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها ، كمن عبد الصالحين ودعاهم مع الله ، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلـٰهية ، وذكر أن هذا مجمع عليه بين أهل العلم والإيمان ، وأن كل طائفة من أهل المذاهب المقلَّدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها ، وينصون على الشرك ، وأن ابن حجر قد أفرد هذه المسألة بكتاب سماه : « الإعلام بقواطع الإسلام » .[66]
    *** وقال الشوكاني في كتابه « الدر النضيد » : إعلم أن الرزية كل الرزية ، والبلية كل البلية ؛ أمر غير ما ذكرنا - من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة - ، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور ومن المعروفين بالصلاح من الأحياء ، من أنهم يقدِرون على ما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم ، فصاروا يدعونهم تارة مع الله ، وتارة استقلالا ، ويصرخون بأسمائهم ، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع ، ويخضعون لهم خضوعا زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بـين يدي ربهم في الصلاة والدعاء ، وهذا إذا لم يكن شركا فلا ندري[67] ما هو الشرك ، وإذا لم يكن كفرا فليس في الدنيا كفر . انتهى .[68]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الخامس : أن عبادة غير الله انحراف عن الفطرة التي خلق الله الناس عليها وهي عبادة الله وحده ، والدعاء نوع من أنواع العبادة ، بل هو لبها وخاصها وروحها ، فإن الله خلق الناس حنفاء كلهم ، والحنيف هو المائل ، أي المائل عن الشرك إلى التوحيد ، ثم أتــتهم شياطين الإنس والجن فاجتالتهم[69] عن التوحيد إلى الشرك ، كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم : ألا إن ربـي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ، كل مال نحلته[70] عبداً حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم[71] ، وإنهم أتــتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم ، وأمرَتهم أن يشركوا بـي ما لم أنـزل به سلطانا .[72]
    ** وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تـنتج البهيمة بهيمة جمعاء[73] هل تحسون فيها من جدعاء[74] ؟ ، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه {فطرة الله التي فطر الناس عليها} الآية .[75]
    فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المولود الذي يولد على فطرة التوحيد ثم يحرفه أهله إلى الشرك بالبهيمة التي جدع أهلها أذنها – أي قطعوها – بعد أن ولدت لا جدَع فيها ، وإذا كان اليهود والنصارى والمجوس يدعون غير الله ، فالفطرة عكس ذلك ، وهي دعاء الله وحده ، وهو المطلوب .
    ومما يدل على أن دعاء الله وحده هو مقتضى الفطرة ؛ أن الداعين لغير الله ينسون من يدعونهم وقت الشدائد تماما ، ويتجهون لدعاء الله وحده ، فالفطرة تدعوهم لدعاء الله وحده اضطرارا ، فدل هذا على بطلان ضده وهو دعاء غير الله ، قال تعالى عن المشركين الأولين {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم قد أحيط بهم دعوا لله مخلصين له الدين لئن أنجيتـنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} .
    وقال أيضاً سبحانه في سورة الأنعام {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} .
    ولما أقبل أبرهة على مكة وهرب أهلها منها خوفاً منه ؛ قام عبد المطلب – جد النبي صلى الله عليه وسلم - ونفرٌ من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة ، فأخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة وهو يقول :
    يا رب لا أرجو لهم سواك يا رب فامنع منهم حماك
    إن عدو البيت من عاداك فامنعهم أن يخربوا قُـراك[76]
    **** تنبيه :
    كان المشركون الأولون إذا أصابتهم شدة دعوا الله وحده ، وإذا كانوا في رخاء دعوا غير الله ، أما مشركو زماننا فإنهم أسوء حالا من المشركين الأولين ، فإنهم يدعون غير الله في الرخاء والشدة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    وقد ذكر الشيخ صديق حسن خان ، وهو من علماء القرن الثالث عشر ، في كتابه « رحلة الصديق إلى البـيت العتيق » قصة تتعلق بهذا الموضوع حصلت له لما ذهب للحج عن طريق البحر وفيها :
    ومن العجائب التي لا ينبغي إخفاؤها أن الملاحين إذا ترددوا في أمر المركب من جمود الريح ، أو هبوبها مخالفة[77] أو شيئا من الخوف على السفينة وأهلها ، كانوا يهتفون باسم الشيخ عيدروس وغيره من المخلوقين مستغيثين ومستعينين به ، ولم يكونوا يذكرون الله عز وجل أبدا ، أو يدعونه بأسمائه الحسنى ، وكنت إذا سمعتهم ينادون غير الله ويستعينون بالأولياء خفت على المركب خوفا عظيما من الهلاك … وصدق الله {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} .[78]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه السادس: ومن وجوه بطلان دعاء غير الله أن هذا الفعل هو فِعْلَ المشركين الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بسواء ، فقد كان المشركون يدعون الأنبياء ويدعون الملائكة ويدعون الصالحين وغيرهم ، ويقولون : هؤلاء يقربوننا ويشفعون لنا عند الله ، قال الله تعالى عنهم {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} .
    وقال تعالى عنهم في سورة الزمر {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم يوم القيامة إن الله لا يهدي من هو ظالم كفار} ، فانظر كيف حكم عليهم بالشرك في الآية الأولى ، وبالكفر في الآية الثانية .
    بل إن دعاء غير الله تعالى هو فعل جميع أصناف المشركين قاطبة في الماضي والحاضر ، من لدن نوح إلى يومنا هذا ، مرورا بقوم إبراهيم الذين كانوا يدعون الأصنام ، والنصارى الذين يدعون عيسى وأمه ، وكذلك البوذيين والهنادكة وغيرهم من الوثنيين .
    وقد وقع في هذا اللون من الانحراف فئام ممن ينتسبون لدين الإسلام ، وأشهرهم ثلاث طوائف ، **الأولى هي الرافضة ، الذين غلو في تعظيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى آل بهم الأمر إلى دعائهم وطلب الحاجات منهم ، وهم الآن يحجون إلى قبر علي في كربلاء ، ويسألونه الحاجات من رزق وولد كما يسألون الله تعالى ، قبحهم الله .
    ** والطائفة الثانية هم غلاة الصوفية ، الذين غلوا في تعظيم من وصفوهم بالأولياء والأقطاب ، ويدعونهم لكشف الكربات وإغاثة اللهفات .
    ** والطائفة الثالثة هم القبورية ، الذين يأتون إلى قبور بعض الصالحين ، وربما إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعونهم كما يدعون الله ، ويأتون أيضا إلى بعض القبور المنسوبة لبعض آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا شرك في العبادة ، وخروج من دين الإسلام ، عياذا بالله .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    *** الوجه السابع: أن دعاء غير الله من الأنبـياء والصالحين لو كان صواباً لأمر به الله ولفعله النبـي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ، لأنهم أحرص الناس على الخير وأعلمهم بالحق ، وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وفيهم الخلفاء الأربعة ، وفيهم أهل بيته ، وفيهم المشهود لهم بالجنة ، وفيهم الذين غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر ، ومع هذا فلم يحصل منهم بتاتا أن دعوه وطلبوا الحاجات منه ، بل لم يرد عن الصحابة أو أحد من القرون الثلاثة المفضلة أثر صحيح حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة قصدوا القبور .
    ** قال ابن تيمية رحمـه الله : والمؤمن يرجو ربه ويخافه ويدعوه مخلصاً له الدين ، وحق شيخه عليه أن يدعو له ويترحم عليه ، فإن أعظم الخلق قدراً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره وأطوع الناس له ، ولم يكن يأمر أحداً منهم عند الفزع والخوف أن يقول : يا سيدي يا رسول الله ، ولم يكونوا يفعلون ذلك لا في حياته ولا بعد مماته ، بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} .[79]
    ** وقال أيضا : سؤال الميت والغائب - نبياً كان أو غيره - من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ، لم يأمر الله به ولا رسوله ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين ، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين ، فإن أحداً منهم ما كان يقول إذا نـزلت به تـِرة[80] أو عرضت له حاجة لميت : يا سيدي فلان أنا في حسبك ، أو اقض حاجتي ، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين ، ولا أحداً من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها ، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ، ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ، بل ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلاً ، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ، ولا الصلاة عندها . [81]
    ** وقال ابن القيم رحمه الله :
    فهذه سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى ، وهذه سنة خلفائه الراشدين ، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها ، فضلا أن يصلوا عندها ، أو يسألوا الله بأصحابها ، أو يسألوهم حوائجهم ؟
    فليوقفونا على أثر واحد ، أو حرف واحد في ذلك .[82]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    **** الوجه الثامن : أن الذي يتوجه إلى غير الله بالعبادة والدعاء قد ساوى هذا المعبود بالله عز وجل في الحب والتعظيم ، وشبهه به ، لكونه توجه له كما توجه لله ، وهذه المساواة والتشبيه هي حقيقة الشرك ومعناه ، وقلبه وقالبه ، قال تعالى مبـينا حقيقة الكفار {ثم الذين كفروا بربهم يعدِلون} ، أي يجعلون له معادلاً ومساوياً .
    ومساواة الله بخلقه باطلة ، لأن الله ليس له كفؤ ولا ند ، ولا مثيل ولا نظير ، قال تعالى {ولم يكن له كفوا أحدؤ ، وقال {فلا تجعلوا لله أندادا} أي أمثالا ونظراء .
    ولما كانت مساواة الله بخلقه هي الكفر بعينه ؛ لام الكفار أنفسهم على ذلك وهم في النار {تالله إن كنا لفي ضلال مبـين * إذ نسويكم برب العالمين} .
    ** قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
    وأما الشرك فهو نوعان : أكبر وأصغر .
    ** فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ، وهو أن يتخذ من دون الله نداً ، يحبه كما يحب الله ، وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} ، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء ، وربه ومليكه ، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت ، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم ، بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله ، وكثير منهم – بل أكثرهم – يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذُكر الله وحده ، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحدهم رب العالمين ، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرَد[83] ، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها ، بل إذا قام المنتهِك لها بإطعامهم شيئاً رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم ، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة .
    ** وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلـٰهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد ، وإن عثر وإن مرض ، وان استوحش ، فذِكر إلـٰهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه ، وهو لا ينكر ذلك ، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله ، وشفيعه عنده ، ووسيلته إليه ، وهكذا كان عُباد الأصنام سواء .
    وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم ، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم ، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر ، وغيرهم اتخذوها من البشر ، قال الله تعالى حاكياً عن أسلاف هؤلاء المشركين {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} .
    ثم شهد عليهم بالكفر والكذب ، وأخبر أنه لا يهديهم فقال { إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} .
    فهذه حال من اتخذ من دون الله ولياً يزعم أنه يقربه إلى الله ، وما أعز[84] من يخلُص من هذا ، بل ما أعزُ من لا يعادي من أنكره .[85]
    ** وقال الشيخ الشريف محمد بن ناصر الحازمي :
    وقد علم كلُّ عالِم أن عبادة الكفار للأصنام لم يكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع ، والاستغاثة بها عند الحاجة ، والتقرب إليها في بعض الحالات بجزء من أموالهم ، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور ، إنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى ، بل ربما يترك العاصي منه فعل المعصية إذا كان في مشهدِ من يعتقده أو قريباً منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت ، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله تعالى ، أو في مسجد من المساجد أو قريباً من ذلك .[86]
    قال الشيخ عبد الله أبا بطين:
    فمن سوَّى بين الحي والميت بقوله : يُطلب من الميت ما يطلب من الحي ، فقد سوَّى بين ما فرَّق الله والناس بينهما ، حتى المجانين يفرقون بين الحي والميت ، فلو قصد مجنون بيت إنسان ليطعمه فوجده ميتا وأهله عنده ، لعدل إلى الطلب من أهله الأحياء الحاضرين عنده ولم يلتفت إلى الميت .[87]
    وقال أيضا : ويقال لهذا المُساوي بين الأحياء والأموات : من المعلوم أن أهل الدنيا يستقضون حوائجهم بعضهم من بعض ؛ برهم وفاجرهم ، مسلمهم وكافرهم ، وقد استعار النبي صلى الله عليه وسلم أدراعاً من صفوان بن أمية وهو مشرك ، واستعان في بعض غزواته بأناس من المشركين ، وما زال المسلمون يستقضون حوائجهم من المسلم والذمي والبر والفاجر ، فيلزم المساوي بين الأحياء والأموات أن يساوي بين أموات المذكورين كما كانوا في الدنيا كذلك .[88]
    وقال أيضا : ويقال أيضاً لهذا المـُساوي بين الحي والميت : لو أَعطى إنسان آخر مالاً وقال : أودِعه عند ثقة ، فذهب به الوكيل وأودعه عند قبر رجل صالح كالشيخ عبد القادر وقال : هذا وديعة عندك لفلان ، واستحفَظه إياه فضاع ؛ لعده الناس مجنوناً جنوناً لا يرفع التكليف ، وألزموه بالضمان ، ويلزم هذا الذي ساوى بين الحي والميت أن يقول : هو مصيب فيما فعله ولا ضمان عليه ، وربما أنه لا يلتزم هذا خوفاً من الفضيحة عند الناس ، وحينئذ يقول له الوكيل في الإيداع : أنا ما فرطت على مذهبك في التسوية بين الحي والميت ، لأنك تقول : ما جاز طلبه من الحي جاز طلبه من الميت ، وأنا طلبت من الشيخ عبد القادر حفظ هذه الوديعة وهي حاجتي عنده ، وأنت تُجوز طلب الحاجات من الأموات فكيف تخطئني ؟![89]
    *** فصل في بيان أن دعاء غير الله يستلزم تشبيه الخالق بالمخلوق
    ** قال ابن القيم رحمه الله :
    فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلـٰهية ، فإن من خصائص الإلـٰهية التفرد بملك الضر والنفع ، والعطاء والمنع ، وذلك يوجب تعليـق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده ، فمن علَّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق ، وجعل ما لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، فضلاً عن غيره ، شبيهاً لمن له الأمر كله له ، فأزِمَّـة الأمور كلها بيديه ، ومرجعها إليه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، بل إذا فَتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد ، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد ، فمِن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات .
    ومن خصائص الإلـٰهية الكمال المطلق من جميع الوجوه ، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده ، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة ، وغاية الذل مع غاية الحب ، كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون له وحده ، ويمتنع عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون لغيره ، فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبّه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا ند له ، وذلك أقبح التشبيه وأبطله ، ولشدة قبحه وتضمُّنه غاية الظلم ؛ أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة .
    ومن خصائص الإلـٰهية ؛ العبودية التي قامت على ساقين لا قِوام لها بدونهما ؛ غاية الحب مع غاية الذل ، هذا تمام العبودية ، وتفاوُت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين ، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغيره فقد شبهه به في خالص حقه ، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع ، وقبحُه مستقِـرٌ في كل فطرة وعقل ، ولكن غَيّرت الشياطين فِطَر أكثر الخلق وعقولهم ، وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها ، ومضى على الفطرة الأولى من سَبقت له من الله الحسنى ، فأرسل إليهم رسله ، وأنـزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم ، فازدادوا بذلك نوراً على نور ، {يهدي الله لنوره من يشاء} .
    إذا عُـرف هذا ؛ فمن خصائص الإلـٰهية السجود ، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به .
    ومنها التوكل ، فمن توكل على غيره فقد شبهه به .
    ومنها التوبة ، فمن تاب لغيره فقد شبهه به .
    ومنها الحلِف باسمه تعظيماً وإجلالاً له ، فمن حلف بغيره فقد شبهه به ، هذا في جانب التشبيه .[90]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه التاسع : أن الله عز وجل لا يقبل عملاً دخله الرياء ، لأنه سبحانه وتعالى غني عن أن يكون له شريك ، فيكون الشرك في الدعاء مردود أيضا ، لأن بابهما واحد ، وهو التقرب للمخلوقين ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم :
    قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ .1
    وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرياء شرك أصغر ، يحبط العمل الذي خالطه ، فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :
    إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ .
    قَالُوا : وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
    قَالَ : الرِّيَاءُ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ :
    اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا ، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً .[91]
    فإذا كان الرياء شركاً يحبط العمل ؛ فكيف بالدعاء الخالص لغير الله ؟
    لا شك أنه أشد خطراً وضرراً .
    وإذا كان المرائي يقال له يوم القيامة : (اطلب ثواب عملك ممن عملت لهم) ، فالذي يدعو غير الله يقال له ذلك يوم القيامة ، بل يتبرؤون منه .
    نسأل الله العافية من الشرك ، دقيقه وجلي
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
    *** الوجه العاشر : أن الله قد صرح في كتابه بأنه لا يستجيب الدعاء إلا الله وحده ، فوجب الإيمان بذلك ، وترك دعاء من لا يستجيب الدعاء ، وإلا كان الراد لهذه الآيات كافرا بها ، قال تعالى {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} ، وقال (قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون) ، وقوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبسط فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} .
    فمن قال إن أهل القبور يجيبون دعاء من دعاهم فهو على خطر عظيم ، وهو الكفر بآيات الله ، لأنه لم يصدق بخبر القرآن الناص على أنه لا يجيب الدعاء إلا الله وحده .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    *** الوجه الحادي عشر : ومن أعظم وجوه بطلان دعاء المخلوقين هو تصريح الله بأن دعاء غيره باطل ، وفي هذا كفاية وشفاء لمن أراد الحق ، وذلك في قولـه تعالى في سورة الحج {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل}[92]، وقوله تعالى في سورة لقمان {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل}[93].
    ** أما دعاء الله فقد وصفه الله بأنه حق كما في قوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الثاني عشر : أن الله قد حكم على من دعا غيره أنه لا أضل منه فقال {ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون} .
    قال البيضاوي : هذا إَنكار أن يكون أحدٌ أضل من المشركين ، حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم ، فضلاً أن يعلم سرائرهم ، ويراعي مصالحهم .
    {وهم عن دعائهم غافلون} : لأنهم إما جمادات ، وإما عِبادٌ مسخرون مشتغلون بأحوالهم .[94]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *** الوجه الثالث عشر : أن ترك دعاء الله من أسباب غضب الله ، هذا إذا كان الداعي لا يدعو غير الله إذا دعا ، فكيف بمن يدعو غير الله إذا دعا؟
    فعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يسأل الله يغضب عليه .[95]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
    *** الوجه الرابع عشر : أن الله توعد من دعا غيره بالنار ، فعن عبد الله بن مسعود قال : قال النبـي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى ، قال النبـي صلى الله عليه وسلم : من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار ، وقلت أنا : من مات وهو لا يدعو لله نداً دخل الجنة .[96]
    وعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تخرج عنق من النار يوم القيامة ، لها عينان تبصران ، وأذنان تسمعان ، ولسان ينطق ، يقول : إني وُكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلـٰها آخر ، وبالمصورين .[97]
    قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم :
    لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله ، من النهي والتحذير عن فعله ، وكُفر فاعله ، والوعيد عليه بالخلود في النار ، وقد أُفردت هذه المسألة بالتصنيف ، وحكى الإجماع عليها غير واحد من أهل العلم ، وذكروا أنها من ضروريات الإسلام ؟[98]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الخامس عشر : أن هؤلاء الذين يدعون الأنبـياء والصالحين يقرون بأن الله تعالى وحده هو الرب الخالق الذي بـيده ملكوت كل شئ ، وهذا يستلزم أن يوحِّدوه بالعبادة كما وحَّدوه بالربوبـية ، والدعاء من أعظم أفراد العبادة .
    قال تعالى {يا أيها الناسُ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تــتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنـزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} ، فكما أن الله لا شريك له في ربوبـيته فكذلك لا شريك له في أحقيته وحده بالعبادة ، لأن توحيد الربوبـية يقتضي توحيد الألوهية ويدل عليه .
    قال ابن سعدي : وكثيرا ما يقرن تعالى توحيد الإلـٰهية بتوحيد الربوبـية لأنه دال عليه ، وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة .[99]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    يتبع فى الصفحة التالية إن شاء الله

  2. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    عضو
    المشاركات: 59
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    [SIZE="5"][COLOR="Red"][COLOR="Blue"]تابع موضوع خمسون دليل على بطلان دعاء غير الله
    *** الوجه السادس عشر : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة العلم ، وبيان ذلك أن الموتى لا يعلمون شيئا من حاجات الناس ولا أحوالهم ، وقد قرر الله ذلك في مواطن كثيرة من القرآن كقوله تعالى {وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور }.
    ** قال ابن القيم رحمه الله :
    العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يُـعَرِّفه الله تعالى إياها ، ولا يَقدر على تحصيلها لك حتى يُقـَدِّره الله تعالى عليها ، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة ، فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه ، وهو الذي بيده الخير كله ، وإليه يرجع الأمر كله ، فتعلُّـق القلب بغيره رجاءً وخوفاً وتوكلاً وعبوديةً ضررٌ محض لا منفعة فيه ، وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذي قدّرها ويسّرها وأوصلها إليك .[100]
    وقد أتى التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم شيئا مما سيحصل بعد مماته في حديث الحوض ، فكيف بمن دونه صلى الله عليه وسلم من الموتى ، قال صلى الله عليه وسلم : إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} ، ثم إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ثم يجاء برجال فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} .[101]
    ** قال الشيخ أحمد بن يحيى النجمي :
    ففي هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم بعد موته شيئاً من أعمالهم ولا أحوالهم ، بل قد كان في حياته شهيداً عليهم بأعمالهم الظاهرة ، والتزامهم العلني بمتابعته أو عدمها ، فلما توفاه الله كان هو وحده الرقيب عليهم والعليم بأحوالهم وأعمالهم .
    وبالتأمل يظهر الفرق بين الكلمتين ، أي : كلمة ( الرقيب ) وكلمة ( شهيد ) ، فالمعبّـر بها في حق النبي صلى الله عليه وسلم كلمة (شهيد) وهي مأخوذة من المشاهدة ، وهي الرؤية البصرية ، فقوله : {وكنت عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم} أي : حال حياتي في حال مشاهدتي لهم ، علِمتُ من أحوالهم ما يجعلني أشهد عليهم بما رأيت وسمعت وعلِمت من أحوالهم وسلوكهم ، من إيمان ومتابعة ، أو كفر ومنابذة .
    أمّا بعد وفاتي فقد فات ذلك بغيابي عنهم ، ولم يبق إلا علمك بهم ورقابتك عليهم ومشاهدتك لأحوالهم وضمائرهم ونياتهم ، ذلك لأنك على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط ، فهم خلق من خلقك ، ينفذ فيهم أمرك وتحيط بهم قدرتك ورقابتك ، وتحصي أعمالهم بعلمك الذي لا يفوته شيء ، فكلمة ( رقيب ) تفيد السيطرة التامة والهيمنة الكاملة والعلم الشامل الذي يحصي دقائق الأمور فضلاً عن جلائلها ، وصغار الأعمال فضلاً عن كبارها .[102]
    فإذا كان هذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يعلم من أحوال الناس شيئا ؛ فكيف بغيره من الأموات ؟
    أفيجوز أن يقال أنهم يعلمون أحوال الناس؟! حاشا وكلا .
    ومما يدل أيضا على أن الأصل في الأموات عدم السماع والإدراك لما يدور خارج الحياة البرزخية ؛ قوله تعالى عن عزير عليه السلام - وكان نبـياً من أنبـياء بني إسرائيل – {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيـي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام} .
    فهذا نبـي كريم ، لبث مائة عام ميتاً ، فلم يدر بما يدور حوله البتة ، ولا كم لبث في قبـره ، فكيف يصح أن يقال أن الأموات يسمعون نداء من ناداهم ؟
    وقال الشيخ محمد سلطان المعصومي الحنفي في كتابه «المشاهد المعصومية عند قبر خير البرية» :
    ومن عرف ما وقع له صلى الله عليه وسلم من أن جرو الكلب الميت كان تحت سريره وهو لا يدري ، فلما تأخر جبريل عليه السلام وبين أن سبب تأخره أن تحت سريره جثة كلب ميت ؛ علم بذلك فأخرجه[103] ، وكذا واقعة خلع نعله في الصلاة[104] ، وكذا واقعة فقد عائشة في السفر عن هودجها[105] ، فهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما غاب عن بصره في حياته إلا إذا أعلمه الله تعالى بالوحي ، فكيف يعلم ما غاب عنه بعد موته وهو في عالم البرزخ ؟
    أما يعلم هؤلاء الغلاة أنه حينما ترد طائفة من أمته عن حوضه الكوثر وتطرد فيقول صلى الله عليه وسلم : يا رب ، إن هؤلاء من أمتي ! فيقول الله تعالى : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .
    فقد صرح الله تعالى بأنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما يقع في عالم الدنيا .
    فمن يزعم أنه صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب بعد موته ، أو يُعين من استعان به ، أو يغيث من استغاث به ؛ فقد خالف الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم ، فلا شك أن هذا وأمثاله صار محروما من هداية الله وتوفيقه ورحمته وجنته ، ولكن من كمال جهله ونهاية غلوه لا يشعر بذلك ، فقد أعماه التقليد ، فلعنة الله على من احدث هذه البدع الشركيات ، والخرافات والضلالات ، أعاذنا الله منها بفضله ومنِّه وإحسانه . انتهى باختصار .
    ** وقال أيضا : فالميت أيّا كان قد انقطع عمله في هذه الحياة الدنيا ، وهو لا يعلم ما يقع ويجري في الدنيا من الأعمال والأقوال ولو عند قبره ، لأن روح الميت إما في عليين إن كان من السعداء ، كالأنبياء والمؤمنين المفلحين ، أو في سجين وأسفل السافلين إن كان من المشركين والكفرة والملحدين ، وقد تحولوا عن هذه الدار الدنيا ، ودخلوا في عالم البرزخ ، وحال وحُـكم عالم البرزخ غير حال عالم الدنيا البتة .
    ولو فرضنا أنه يعلم بالواقع ، فإنه لا يقدر على الجواب والرد كما تفيده الآيات الصريحة ، فتنبه .
    ولا شك أن الميت - أيّاً كان - محتاج إلى رحمة الله تعالى ، ودعاء الأحياء لهم بالرحمة والمغفرة ينفعهم ، وكذا صدقة الأحياء لهم ، فالنتيجة من زيارة القبر حصول العبرة والاعتبار ، وتذكر الموت والآخرة للزائر ، وحصول ثواب الدعاء والصدقة للميت ، وهذا سر الترغيب في زيارة القبور لا غير ، فمن فعل غير ذلك أو اعتقد غير ما قلنا فقد خالف الله ورسوله ، وعكس الأمر كما لا يخفى . انتهى كلامه بتصرف يسير .
    وقال الشيخ حافظ الدين محمد بن محمد شهاب المعروف بابن البزاز الكردري الحنفي في « الفتاوى البزّازية» : من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم ؛ يكفر .[106]
    والحاصل ، أن من تتبع الكتاب والسنة سيجد من الأدلة ما لا يحصى على أنه لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الأموات يعلمون شيئا ، بل إن كل ما آتى الله البشر من قدرات وحواس تعينهم على المعرفة والادراك كالأذن والعين فإنها تتلاشى وتضمحل ، ولا يبقى إلا عجب الذنب - وهو الفقرة الأخيرة في ظهر الإنسان - ، فهل يقال بعد هذا أن الأموات يعلمون أحوال الأحياء ؟ الجواب لا بالطبع ، ومن قال خلاف هذا فقد قال على الله بغير علم .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
    *** الوجه السابع عشر : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة القدرة ، فإن المعبودات التي تعبد من دون الله ليست قادرة على نفع عابديها ، لأن تلك المعبودات إن كانت من الأحياء فإنها لا تقدر إلا على فعل ما كان في طاقة البشر ، وهذا يتحصل بدون دعاء ، وإن كانت من الأموات فإنها لا تقدر على شيء البتة ، قال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} ، فإذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن دونه لا يملك شيئا من النفع والضر من باب أولى .
    وقال تعالى {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد أن هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} .
    وقال تعالى {يدعوا من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره ذلك هو الضلال البعيد * يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} .
    وقال تعالى {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} .
    وقال تعالى {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تـنظرون} ، أي اجتمعوا أنتم ومن تدعونهم من دون الله على إيقاع السوء بـي من غير إمهال ولا إنظار ، فإنكم لن تستطيعوا شيئا ، لأن ذلك ليس بأيديكم ، بل بـيد الله وحده لا شريك له ، القادر على كل شيء .
    فتأمل ما في الآية الأخيرة من التحدي لمن تعلق بغير الله.
    ** وقال ابن جريرفي تفسير قوله تعالى {والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء} :
    والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء ، لأنها لا تعلم شيئا ، ولا تقدر على شيء ، يقول جل ثناؤه لهم : فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، فيجزي محسنكم بالإحسان ، والمسيء بالإساءة ، لا ما لا يقدر على شيء ، ولا يعلم شيئا .[107]
    ** وقال الشيخ عبد الله أبا بطين : في تفسير قوله تعالى {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} :
    والذم إنما توجه إلى من دعا مَن هذه صفته ، سواء كان بشراً أو ملَكاً أو صنماً ، وهو من لا ينفع من دعاه ، ولا يضر من لم يدعه .[108]
    ** وقال البيضاوي في تفسير قوله تعالى {ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} :
    أي لا تنفعني شفاعتهم ، (ولا ينقذون) بالنصر والمظاهرة ، {إني إذا لفي ضلال مبين} ، فإن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بين لا يخفى على عاقل . انتهى .
    ** وقال ابن القيم رحمه الله في معناها : إن العابد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه ، وإنما إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضرٍّ لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ، ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه لأتخلص من ذلك الضر ، فبأي وجه يستحق العبادة ؟ وإني إذاً لفي ضلال مبين إن عبدت من دون الله مما هذا شأنه .[109]
    *** ومن الأدلة أيضا على عجز المخلوقين ؛ أن النبـي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يدفع الضر عن نفسه في حياته ، فكيف بمن ليس بنبي من الأموات ؟!
    ففي غزوة أحد جُرِح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكُسرت رَبَاعيته[110] ، فكانت فاطمة تغسل الدم وعلي يسكب عليها ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها ، ثم ألصقتها بالجرح فاستمسك الدم.[111]
    وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشُج في رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: {كيف يفلح قوم شجوا بنبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله} ، فأنـزل الله {ليس لك من الأمر شيء} .[112]
    وفي تلك الغزوة جُحِشت ركبته ، أي تقشر جلدها ، وكُسرت البـيضة - أي خوذة الرأس - على رأسه .[113]
    فإذا حصل هذا البلاء للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يستطع دفعه وهو حي ، فمن باب أولى لا يصح أن يُقال أنه يستطيع دفع الضر عن غيره وهو في قبره ، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الأموات .
    بل هناك ما هو أعظم من ذلك ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر ، سحره لبيد بن الأعصم ، حتى أنه يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله[114] ، ولم يستطع دفع البلاء عن نفسه .
    وقد وردت أخبار كثيرة في ربط النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه من الجوع ، فهل يصح بعد هذا أن يطلب الحاجات منه أو ممن هو دونه بعد الموت ؟
    بل أعظم من ذلك بكثير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة فكانت سبب وفاته ، فأي ضر دفع عن نفسه قبل أن يأكل ، وأي ضر رفع عن نفسه بعد أن أكل ؟!
    فعن جابر بن عبد الله أن يهودية من أهل خيبر سمَّـت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها ، وأكل رهط من أصحابه معه ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفعوا أيديكم ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها فقال لها : أسممت هذه الشاة ؟
    قالت اليهودية : من أخبرك ؟
    قال أخبرتني هذه في يدي ، للذراع .
    قالت : نعم .
    قال : فما أردت إلى ذلك ؟
    قالت : قلت إن كان نبيا فلن يضره ، وإن لم يكن استرحنا منه .
    فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة .[115]
    وقد بـين لنا النبـي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة - حقيقة فقر المخلوقين – بيانا عمليا ، ليزيل من قلوب الناس عقيدة التعلق بالمخلوقات ويخلصوا التعلق بالله عز وجل ، فقد قام صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا حين أنـزل الله عليه {وأنذر عشيرتك الأقربـين} فقال : يا معشر قريش – أو كلمة نحوها – ، اشتروا أنفسكم ، لا أغني عنكم من الله شيئا .
    يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئا .
    يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أغني عنك من الله شيئا .
    ويا فاطمة بنت محمد ، سليني من مالي ما شئت ، لا أغني عنك من الله شيئا .[116]
    فإذا كان سيد المرسلين لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين ، والتي هي أقرب الخلق إليه ، فكيف بمن هو أبعد منها ؟ بل كيف يظن ذلك بمن هو دون النبـي صلى الله عليه وسلم في المنـزلة ؟!
    ولما حضرت عمه أبا طالب الوفاة ؛ جاء إليه النبـي صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبـي أمية وأبو جهل فقال صلى الله عليه وسلم لعمه : يا عم : قل لا إلـٰه إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ، فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبـي صلى الله عليه وسلم فأعادا ، فكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إلـٰه إلا الله .[117]
    ففي هذين الحديثين رد قوي على من يعتقد أن النبـي صلى الله عليه وسلم يقدر على شيئ من المنافع الأخروية ، حيث أن النبـي صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل الخلق على الإطلاق وأعظمهم عند الله منـزلة وأقربهم إليه وسيلة – لم يقدر على نفع أقرب الناس إليه من قرابة وعشيرة ، فكيف يظن ذلك بمن هو دون النبـي صلى الله عليه وسلم كالصالحين ونحوهم ؟
    قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين ومن عُبد مع الله ، فإن جميع ما يُعبد من مَلَك وبشر ، ومن شجر وحجر وغيرها ، كلهم فقراء إلى الله ، عاجزون ، ليس بـيدهم من النفع مثقال ذرة ، ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ، والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق ، وهو الرازق لكل مرزوق ، المدبر للأمور كلها ، الضار النافع ، المعطي المانع ، الذي بـيده ملكوت كل شيء ، وإليه يَرجع كل شيء ، وله يَقصِد ويَصمِد[118] ويخضع كل شيء ، فأي برهان أعظم من هذا البرهان الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه وعلى لسان رسوله ؟ فهو دليل عقلي فطري كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله وأنه الحق ، وعلى بطلان الشرك .
    وإذا كان أشرف الخلق على الإطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحمة فكيف بغيره ؟ فتبا لمن أشرك بالله وساوى به أحداً من المخلوقين ، لقد سلب عقله بعدما سلب دينه .[119]
    ومما يستدل به أيضا في هذا المقام – مقام إثبات عجز المخلوقين - قوله تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} .[120]
    ** قال ابن جرير : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خَـلقِه : ادعو أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضر يـنـزل بكم ، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم ، أو تحويله عنكم إلى غيركم ، فتدعوهم آلهة ؟ فإنهم لا يقدرون على ذلك ، ولا يملكونه ، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم . انتهى .
    ** قال ابن سعدي في تفسير هذه الآية :
    يقول تعالى : قل للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله ، ويدعونهم كما يدعونه ، ملزِما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين : ادعوا الذين زعمتم آلهة من دون الله ، فانظروا هل ينفعونكم أو يدفعون عنكم الضر ، فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم من مرض أو فقر أو شدة ونحو ذلك ، فلا يدفعونه بالكلية ، ولا يملكون أيضا تحويله من شخص إلى آخر ، ومن شدة إلى ما دونها ، فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون الله ؟ فإنهم لا كمال لهم ، ولا فعال نافعة ، فاتخاذهم نقص في الدين والعقل ، وسفه في الرأي .
    ومن العجب أن السفه عند الاعتياد والممارسة وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول يراه صاحبه هو الرأي السديد والعقل المفيد ، ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد الكامل المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة هو السفه والأمر المتعجب منه ، كما قال المشركون {أجعل الآلهة إلـٰها واحدا إن هذا لشيء عجاب} .[121]
    ** وقال الشوكاني في « فتح القدير » :
    {فلا يملكون كشف الضر عنكم} ، أي لا يستطيعون ذلك ، والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضر ، وعلى تحويله من حال إلى حال ، ومن مكان إلى مكان ، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة ، ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار فقال {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} .
    وقد أوضح الله لنا أتم إيضاح وبين أحسن بيان هذه الحقيقة – أي حقيقة عجز المخلوقين - في قوله تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تـنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} ، فكل ما يعبد من دون لا يستقل بملك شيء ، ولا يشاركه فيه ، ولا يعين الله في تدبـير شيء من شئون الكون ، ولا يشفع لأحد يوم القيامة إلا بإذن الله ، ومن كانت هذه حاله فإن دعاؤه وطلب الحاجات منه من أسفه السفه وأبطل الباطل .
    ** قال ابن القيم رحمه الله :
    المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ، ولا عطاء ولا منع ، ولا هدى ولا ضلال ، ولا نـصر ولا خذلان ، ولا خفض ولا رفع ، ولا عز ولا ذل ، بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله ، قال تعالى {الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا}[122] ، وقال تعالى {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم}[123] ، وقال تعالى {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده}[124] الآية ، وقال تعالى عن صاحب يــس {ءأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون}[125] ، وقال تعالى {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إلـٰه إلا هو فأنى تؤفكون}126][ ، وقال تعالى {أمّن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور . أمّن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجو في عتو ونفور}[127] ، فجمع سبحانه بين النصر والرزق ، فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه وينصره ، ويجلب له منافعه ويرزقه ، فلا بد له من ناصر ورازق ، والله وحده هو الذي ينصر ويرزق ، فهو الرزاق ذو القوة المتين ، ومن كمال فطنة العبد ومعرفته أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يدفعه عنه غيره ، وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه .
    ويُـذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : {أدرك لي لطيف الفطنة وخفِي اللطف ، فإني أحب ذلك .
    قال : يا رب ، وما لطيف الفطنة ؟
    قال : إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أنا أوقعتها ، فسلني أرفعها .
    قال : وما خفي اللطف ؟
    قال : إذا أتتك حبة فاعلم أني ذكرتك بها) .
    وقد قال تـعالى عن السحرة {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}[128] ، فهـو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلَـؤه[129] .
    ** قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبـرنا معمر قال : سمعت وهباً يقول : قال الله تعالى في بعض كتبه : بعزتي ، إنه من اعتصم بي ، فإن كادته السماوات بمن فيهن ، والأرضون بمن فيهن ؛ فإني أجعل له من ذلك مخرجا ، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء ، وأخسف به من تحت قدميه الأرض ، فأجعله في الهواء ، ثم أكِـله إلى نفسه ، كفي لعبدي ملآى ، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني ، وأستجيب له قبل أن يدعوني ، فأنا أعلم بحاجته التي تَـرفق به منه .
    ** قال أحمد : وحدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا أبو سعيد المؤدِّب ، حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال : لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت له : حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجِـز .
    قال : نعم ، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام : يا داود ، أما وعزتي وعظمتي ، لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته ، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن ، والأرضون السبع ومن فيهن ؛ إلا جعلت له من بينهن مخرجا ، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته ؛ إلا قطعت أسباب السماء من يده ، وأسخت[130] الأرض من تحت قدميه ، ثم لا أبالي بأي واد هلك .[131]
    ** فصل:ــ
    ومن طريف ما يُمثل به في باب عجز المخلوقين ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن قاسم حيث قال:
    لو أن ملِكاً أتاه مظلوم فسأله وسأل عبده أيضا - المملوك له العاجز - ليردَّا له مظلمته ، هل يُـجوِّزه العقل ؟
    أو لو أن غنياً كريماً ينفق من أصناف المال ، وله مملوك لا يقدر على شيء ، فجاء محتاج فطلب المملوك العاجز وترك الغني ، هل يجوِّزه العقل ؟
    وهل يرضى أحد أن يساوي مملوكه معه في حقه ؟
    أو لو أن ملكاً قاهراً له عبيد لا يقدرون على شيء ، ثم يلوذ أحد العبيد بعبد مثله عاجز ، ويدع الملك القادر ، هل يجوزه العقل ؟
    ولو أن شخصاً مر على مقبرة ومعه دابة فوقعت في حفرة ، فنادى أهل القبور : يا فلان ، يا فلان ، أعينوني على دابتي ، وعنده رجل حي قوي تركه ولم يدْعُه ، هل يجوزه العقل ؟ ونحو ذلك من الأمثلة المعروفة في حق العاجز المملوك مع القادر ، بل كل عاقل يضحك منه ويقبحه ويوبخه ، وإذا كان هذا يُستقبح من مخلوق يترك مخلوقاً أقدر ، فكيف بمن ترك الحي القيوم القادر الذي بيده ملكوت كل شيء ، ودعا في كشف الكربات وإغاثة اللهفات من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ؟[132]
    ** وقال أيضا مناصحا أحد من قرروا دعاء غير الله :
    فإن قلت : هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب إذا دعوته أنا ؛ فهذا إن كان حياً حاضراً وسألته أن يدعو الله لك ، وأما الميت - نبياً كان أو غيره - فسَفهٌ وتيهٌ أن تدعوهم وقد ذهبت حواسهم وخرجوا من الدنيا ، وارتفعت أرواحهم إلى الجنان ، أو ما شاء الله ، وفارقت أبدانهم ، وتدَع الحي القيوم .[133]
    ** وقال الشيخ عبد الله أبا بطين :
    ومن العجيب أنه لو جاء إنسان إلى ميت على وجه الأرض شهيداً أو غيره يطلب منه أن يدعو له فضلاً أن يطلب منه أن ينصره على عدوه أو يكسوه لقال الناس : هذا مجنون ، فإذا صار رميماً في بطن الأرض زين لهم الشيطان ودعاة الضلال من الإنس الإستغاثة به وطلب الحاجات منه .
    والعامي السليم الفطرة يعلم بطلان هذا بفطرته ، كما حُكي لنا أن رجلاً من أهل مكة يُنسب إلى علم قال لرجل عامي من أهل نجد : أنتم ما للأولياء عندكم قدْر ، والله يقول في الشهداء إنهم أحياء عند ربهم يرزقون .
    قال له العامي : هل قال يَرزقُون - يعني بفتح الياء - أو قال : يُرزَقون - يعني بالضم - ؟ فإن كان يعني بالفتح فأنا أطلب منهم ، فإن كان يعني بالضم فأنا أطلب من الذي يرزقهم .
    فقال المكي : حِجاجكم كثيرة ، وسكت .[134]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الثامن عشر : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة الملك ، وبيان ذلك أن المعبودات التي تُعبد من دون الله لا تستقل بملك شيء ولو كان حقيراً ، فكيف يصح طلب الأشياء منها ؟ قال تعالى {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} ، والقطمير هو الغشاء الرقيق الذي يحيط بنواة التمر ، أما الله تعالى فيملك الكون ملكا مطلقا ، كما قال تعالى {ولله ملك السماوات والأرض} ، وقال تعالى {تبارك الذي بيده الملك} .
    ** ومن الأدلة على نفي الملك عما سوى الله قوله تعالى في سورة سبأ {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما له فيهما من شرك} ، أي لا يملك أحد مع الله شيء استقلالا ولا مشاركة ، بل كل شيء لله تعالى ، أما المخلوقين فملكهم قاصر ومؤقت ومحدود ، أي محدود على تملكوه فقط من بيت وسيارة ونحوه ، ومؤقت لكون ما يملكه الإنسان ينتقل بعد وفاته للورثة ، ثم لا ينسب له شيء بعد ذلك البتة ، وقاصر لأنه لا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بحدود ما ورد في الشرع ، فلو أراد الإنسان أن يحرق بيته مثلا لكان هذا حراما عليه ، ولو أراد أن يضرب عبده بدون سبب لكان هذا حراما عليه ، أما الله فيتصرف في ملكه كما يشاء ، ولا يكون هذا نقصا في حقه ، من إحداث زلازل وفيضانات ، وإغناء فقير وإفقار غني ، {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ، وكل هذا لحكمة يعلمها الله عز وجل .
    فالله له الأولى والآخرة ، وله ميراث السماوات والأرض ، سبحانه وتعالى .
    ** ومما يُستدل به على فقر المخلوقين ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغنِ أحدا ممن جاءه يطلبه مع شديد حاجتهم ، وهو النبي المؤيد من ربه ، الشفيق على أمته ، فطلب الأشياء ممن هم دون النبي صلى الله عليه وسلم في المنزلة باطل من باب أولى .
    فقد أتاه بعض الصحابة في غزوة تبوك ليحملهم ، فلم يجد ما يحملهم عليه من الدواب ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع ألا يجدوا ما ينفقون من مالٍ لشراء دابة تحملهم للغزو ، قال تعالى في حقهم ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون﴾ .[135]
    ** وعن أبي موسى الأشعري قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله[136] ، فقال : والله لا أحملكم ، وما عندي ما أحملكم عليه ، قال : فلبثنا ما شاء الله ، ثم أُتي بإبـل ، فأمر لنا بثلاث ذودٍ غرِّ الذَرى[137] ، فلما انطلقنا قلنا – أو قال بعضنا لبعض - : لا يبارك الله لنا ، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا ، فأتوه فأخبروه فقال : ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم .[138]
    وقال تعالى {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق}[139] ، فنكَّر الرزق أولا ، ثم عرَّفه ثانيا ، فدلت الأولى على نفي أن يكون شيء من تلك المعبودات يملك شيئا من الرزق ولو حقيرا ، لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، وعرف الرزق في الثانية ، أي ابتغوا عند الله الرزق كله ، فالله هو الرازق وحده دون ما سواه .
    ** وقال ابن القيم رحمه الله :
    الله سبحانه غني كريم ، عزيز رحيم ، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه ، يريد به الخير ، ويكشف عنه الضر ، لا لجلب منفعة إليه من العبد ، ولا لدفع مضرة ، بل رحمة مـنه وإحسانا ، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا يتعزز بهم من ذلة ، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه ، كما قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}[140] ، وقال تعالى {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبـره تكبيرا}[141] .
    فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من الذل كما يوالي المخلوق المخلوق ، وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم ، وأما العباد فإنهم كما قال الله تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء}[142] ، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانتفاعه به عاجلا أو آجلا ، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه ، فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه ، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه ، فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل ، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء ومُعاوض بإحسانه ، أو لتوقع حمده وشكره ، فهو أيضا إنما أحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح ، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير ، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة ، فهو أيضا محسن إلى نفسـه بذلك ، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته ، فهو غير ملوم في هذا القصد ، فإنه فقير محتاج ، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته ، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه[143] ، وقال تعالى {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}[144] ، وقال تعالى {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}[145] .
    وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم :
    [يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] .[146]
    فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول ، بل إنما يقصد انتفاعه بك ، والرب تعالى إنما يريد نفعك لا لانتفاعه به ، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة ، بخلاف إرادة المخلوق نفعك ؛ فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته .
    فتدبـر هذا ، فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل ، أو تطلب منه نفعا أو دفعا أو تُعلق قلبك به ، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك ، وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض ، وهو حال الولد مع والده ، والزوج مع زوجه ، والمملوك مع سيده ، والشريك مع شريكه ، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم ، وأحسن إليهم لله تعالى ، وخاف الله تعالى فيهم ولم يخفهم مع الله تعالى ، ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم ولم يرجهم مع الله ، وأحبهم لحب الله ولم يحبهم مع الله تعالى ، كما قال أولياء الله عز وجل {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا}[147].[148]
    فإذا تقرر لدينا فقر المخلوقين ، فكيف يصح أن تطلب منهم الحاجات ، ويترك دعاء الغني الذي بيده ملكوت السماوات والأرض ؟
    وقد وصف الله نفسه بأنه الغني الرزاق الوهاب المنعم الباسط الجواد المحسن الكريم المعطي النافع المقيت[149] الصمد[150] المنان المرجو المرغوب القادر المدبر القيوم – أي الذي يقوم به أمر السماوات والأرض – فمن توجه لمخلوق مثله ، لم يتصف بواحدة من هذه الصفات ، وطلب منه حاجاته ، وترك من له الأسماء الحسنى والصفات العلى ؛ فهذا قد باع نفسه وعبد هواه .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *** الوجه التاسع عشر : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة الخلق ؛ فإن الله تعالى خالق كل شيء ، وهو الذي أوجد خلقه وأبرزهم من العدم ، أما المعبودات التي تعبد من دون الله فلا تستطيع أن تخلق شيئا ولو حقيراً ، فدعاؤهم والتعلق بهم باطل إذن ، قال تعالى {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم * والله يعلم ما تسرون وما تعلنون * والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون}[151].
    وضرب الله تعالى مثلا في آخر سورة الحج فقال }يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} .
    وقد احتج إلياس عليه السلام على قومه بهذا الدليل العقلي ، أي دليل عدم القدرة على الخلق ، على بطلان دعاء غير الله ، قال تعالى حكاية عنه {أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائـكم الأولين} ، و « بعل » هو اسم صنم كانوا يعبدونه .
    وهذا الدليل ظاهر بحمد الله .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه العشرون : ومن أعظم الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن تلك المعبودات التي تدعى من دون الله عاجزة من جهة التدبير ، فإن جميع ما يعبد من دون الله لا يدبر شيئا في السماوات أو الأرض ، بل المدبر والمؤثر هو الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى {لله الأمر من قبل ومن بعد} ، وقد نفى الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون له من تدبير الأمر شيء ، فقال {ليس لك من الأمر شيء} ، فكيف بمن دون النبي صلى الله عليه وسلم ؟!
    وقد ثبت في سبب نـزول قوله تعالى {قل إن الأمر كله لله} أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت على بعض الأحياء من العرب ودعا عليهم باللعنة ، فأرشده الله إلى أن الأمر كله بيد الله سبحانه ، فقد يستجيب الله دعاءه فيلعنهم ، وقد يتوب عليهم ، ففي صحيح البخاري عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول : اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا ، فأنـزل الله {ليس لك من الأمر شيء} إلى قوله {فإنهم ظالمون} .[152]
    وفي رواية لأحمد أنه كان يلعن الحارث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وصفوان بن أمية ، فتاب الله عليهم كلهم .[153]
    ولفظ ابن جرير : وهداهم الله للإسلام .[154]
    ** قال ابن كثير : اعترضَ بجملةٍ دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له ، فقال تعالى {ليس لك من الأمر شيء} ، أي : بل الأمر كله إلـي . انتهى .
    ثم قال الله بعدها {ولله ما في السماوات وما في الأرض} ، قال ابن كثير رحمه الله :
    أي : الجميع ملك له ، وأهلها عبيد بين يديه ، }يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ، أي : هو المتصرف فلا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . انتهى .
    ** وقال الشيخ صنع الله بن صنع الله الحنفي في رده على من يدَّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم ، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات ، وبهم تكشف المهمات ، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات ،
    ** قال :
    فأما قولهم : إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم فيرده قوله تعالى {أءله مع الله} ، {ألا له الخلق والأمر} ، {له ملك السماوات والأرض} ، ونحوه من الآيات الدالات على أنه المنفرد بالخلق والتدبـير والتصرف والتقدير ، ولا شيء لغيره في شيء بوجه من الوجوه ، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفا وملكا وإحياء وإماتة وخلقا .
    وقد تمدح الرب بانفراده بملكه في آيات كثيرة من كتابه ، كقوله تعالى {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} .
    ** وأما قول من قال بأن للأولياء التصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة ، قال جل ذكره {إنك ميت وإنهم ميتون} وقوله {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وقال في الحديث : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث . . . الحديث " .
    وجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت ، وأن أرواحهم ممسكة ، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان ، فدل على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره بحركة ، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره ؟ فإنه سبحانه يخبر أن الأرواح عنده ، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة !{قل أءنتم أعلم أم الله} .
    وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات من الكرامات فهو أعظم من المغالطة ، لأن الكرامات شيء من الله تعالى يكرم به أولياءه وأهل طاعته ، لا قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم ، كما في قصة مريم ابنة عمران وأسيد بن حضير وأبـي مسلم الخولاني .
    وأما قولهم (فيستغاث بهم في الشدائد) ؛ فهذا أقبح مما قبله وأبدع ، لمصادرة قوله {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله مع الله} ، {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر}، فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره ، وأنه المنفرد بإجابة المضطر ، وأنه المستغاث به لذلك كله ، وأنه القادر على دفع الضر ، القادر على إيصال الخير ، فهو المتفرد بذلك ، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبـي وولي .
    والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه ، كقولهم : يا آل زيد ، يا للمسلمين ، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل .
    وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير ، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه ؛ فمن خصائص الله لا يطلب فيها غيره .
    وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات ، فمن اعتقد أن لغير الله من نبـي وولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيرا ؛ فقد وقع في وادي جهل خطر ، فهو على شفا جرف من السعير .
    وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات ؛ فحاشا لله أن تكون أولياء الله تعالى بهذه المثابة ، فهذا ظن أهل الأوثان كما أخبر الرحمن {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} ، {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ، {أءتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر} ، فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبـي أو ولي وغيره على وجه الإمداد منهم ؛ شرك مع الله تعالى ، إذ لا قادر على الدفع غيره ، ولا خير إلا خيره .[155] انتهى .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    يتبع ان شاء الله
  3. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    عضو
    المشاركات: 59
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    تابع موضوع خمسون دليل على بطلان دعاء غير الله*** الوجه الحادي والثلاثون : ومن أدلة بطلان دعاء المخلوقين هو أن الأنبـياء ومن تبعهم على الحق من الصالحين[187] لا يرضون بأن يصرف لهم الناس شيئا من العبادات ، لا في حياتهم ولا بعد مماتهم ، لا دعاء ولا استغاثة ولا ذبح ولا نذر ولا سجود ولا غير ذلك ، ومن أمثلة ذلك أنه لما قدم معاذ من الشام سجد للنبـي صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا يا معاذ ؟
    فقال : أتيت الشام ، فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك .
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تفعلوا ، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها .[188]
    وقد تكرر هذا الفعل عدة مرات أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكره في كل مرة أشد الإنكار .[189]
    ومن إنكار الأنبياء على من عبدهم ما قصه الله عن عيسى عليه السلام ]وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلـٰهين من دون الله قال سبحانك ما كان لي أن أقول ما ليس بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتـني به أن اعبدوا الله ربـي وربكم[ .
    وهذا علي رضي الله عنه لما أُتِي بالزنادقة الذين غلوا في حبه وتعظيمه حتى عبدوه ؛ أمر بتحريقهم بالنار .[190]
    قال ابن تيمية رحمـه الله معلقا على فعل علي رضي الله عنه بالزنادقة الذين عبدوه وعلى بعض الأحاديث الواردة في إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على بعض من غلا فيه :
    فهذا شأن أنبـياء الله وأوليائه ، وإنما يُقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علواً في الأرض وفساداً كفرعون ونحوه ، ومشائخ الضلالة الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد ، والفتـنة بالأنبـياء والصالحين واتخاذهم أرباباً والإشراك بهم .[191]
    وروى البيهقي في « دلائل النبوة » عن ابن عباس قال : قال أبو رافع القرظي حين اجتمع عنده النصارى والأحبار فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام :
    أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟
    فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الربيس : (وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو) ، أو كما قال .
    فقال رسول الله : معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ، ما بذلك بعثني ولا أمرني ، فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهما )ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون(.[192]
    بل إن عبادة المخلوقين فيها استخفاف بهم ، لأنهم أنزلوا في غير منزلتهم ، أرأيت رجلا قال لصاحبه : أنت ملِك !
    حتما ذلك الصاحب سيشعر أنه يسخر منه ويقلل من شأنه ، فالذي يفعل بالصالحين كذلك فإنه في الحقيقة يتنقصهم ويحتقرهم ، وإنما يوقرهم الذي يقتدي بهم في فعل الخير ويدعو لهم ، لا الذي يدعوهم وينزلهم منزلة الرب ، تعالى الله عن ذلك .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
    *** الوجه الثاني والثلاثون : ومن أدلة بطلان دعاء المخلوقين أن أولئك المدعوين من الأنبـياء والصالحين والملائكة هم أنفسهم عبـيد لله يتقربون إلى الله بالأعمال الصالحة ، ومن كان عبدا فإنه لا يستحق أن يعبد أو يتقرب الناس إليه ، قال تعالى {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا}[193]، أي تلك المعبودات التي تدعونها من دون الله من الملائكة والمسيح ونحوهم ؛ هم أنفسهم يرغبون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم ، ويتقربون إليه بالعمل الصالح ويتـنافسون ليعلموا أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة ، ]ويرجون رحمته[ كما يرجوها غيرهم ، {ويخافون عذابه} كما يخافه غيرهم ، {إن عذاب ربك كان محذورا} فهو إذن حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبـياء وغيرهم .[194]
    وقد كان النبـي صلى الله عليه وسلم يؤكد دائما على هذه العقيدة – عقيدة أنه عبد لله - حتى لا تقع أمته في عبادته ، فقد كان يستفتح خطبه بقوله : وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
    ووصفه الله بأن عبد لله في غير ما آية من كتاب الله ، كما في قوله تعالى }سبحان الذي أسرى بعبده ليلا{ ، وقوله }فأوحى إلى عبده ما أوحى{ ، وقوله }وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا{ ، وغير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، فالعبد لا يُعبد ، كما أن الرسول لا يكذب ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ؛ فمن باب أولى لا يجوز أن يعبد من هو دون الرسول صلى الله عليه وسلم كالأولياء والصالحين من المقبورين وغيرهم ، والله أعلم .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الثالث والثلاثون : أن أولئك المدعوين من الأنبـياء والصالحين هم أنفسهم محتاجون للأحياء ، بدعائهم والاستغفار لهم ، لأن الميت قد انقطع عمله ، كما قال عليه الصلاة والسلام : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له .[195]
    فهذا محمد صلى الله عليه وسلم - أفضل البشر وأقربهم عند الله منـزلة - طلب منا أن نصلي عليه ، حيا وميتا ، والصلاة عليه هي الدعاء له بالرحمة ، قال صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منـزلة في الجنة لا تـنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة .[196]
    وكذلك علمنا النبـي صلى الله عليه وسلم بأن ندعو له ولكل عبد صالح في السماء والأرض ، كما في دعاء التشهد في التحيات : السلام عليك أيها النبـي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين … الحديث.
    ثم قوله في التشهد الأخير : " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد … الحديث .
    ومن ذلك أيضا أن النبـي صلى الله عليه وسلم علم أمته أن يدعوا للميت بالرحمة والمغفرة في عموم الأحوال ، وفي صلاة الجنازة ، وبعد الدفن خصوصا ، فعن أبـي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على جنازة يقول : اللهم اغفر لحينا وميتـنا ، وشاهدنا وغائبنا ، وصغيرنا وكبـيرنا ، وذكرنا وأنثانا ، اللهم من أحيـيته منا فأحيه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تضلنا بعده .[197]
    وعن عثمان رضي الله عنه : كان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم ، وسلوا له التثبـيت ، فإنه الآن يسأل .[198]
    فإذا تقرر أن الميت بحاجة للحي ؛ فلا يصح إذن أن نطلب من الموتى شيئا من المصالح الدينية أو الدنيوية .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
    *** الوجه الرابع والثلاثون : أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينهى الناس عن مجرد المبالغة في مدحه وتعظيمه ، فكيف بمن أشركه مع الله في عبادة الدعاء ، أو أشرك غير النبي صلى الله عليه وسلم ؟
    فعن ابن عباس رضي الله عنه أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر : سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد الله ورسوله . [199]
    بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عما هو أقل من ذلك مما فيه نوع غلو فيه ، فإنه لما صلى جالسا ، صلى خلفه الصحابة قياما ، فنهاهم عن ذلك وقال : إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم ، يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا .[200]
    ففي هذا الحديث نرى أمر النبي صلى الله عليه وسلم للمأمومين بالجلوس إذا جلس الإمام ، مع أن في هذا إخلال بالركن ، ولكن لأجل المشابهة لما يفعله الكفار لكبرائهم في تعظيمهم لهم نهى عن ذلك ، فكيف بمن توجه لميت بالعبادة نفسها ؟![201]
    وقال أنس رضي الله عنه : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك .[202]
    فإذا كان النبـي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الوقوف خلفه تعظيماً له ، فكيف لو رأى من يدعوه كما يدعو رب العالمين ؟
    وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : أنت سيدنا .
    فقال : السيد الله تبارك وتعالى .
    قلنا : وأفضلنا فضلا ، وأعظمنا طَولا[203].
    فقال : قولوا بقولكم أو بعض قولكم ، ولا يستجرينكم الشيطان .[204]
    ففي هذه الأحاديث وغيرها نرى حماية النبـي صلى الله عليه وسلم لحمى التوحيد وسده لطرق الشرك بأن نهى صحابته عن مدحهم إياه بما فيه من الخصال التي هي حق في شخصه صلى الله عليه وسلم ، فهو سيد ولد آدم ، وخير الناس وأفضلهم ، ولكن لما كان ذلك المدح مفضيا إلى الغلو فيه وعبادته من دون الله ؛ نهاهم عن ذلك ، وعدَّ هذا من استجراء الشيطان لابن آدم .
    والشاهد هو أنه لما كانت المبالغة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة شرعية ؛ فمن باب أولى دعاءه أو دعاء غيره ، لأن دعاء المخلوق أعظم غلوا من الافراط في مدحه ، بل هو أعظم مظاهر الغلو .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الخامس والثلاثون : ومن وجوه بطلان دعاء الموتى أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح من لم يسأله شيئا من الأمور الدنيوية ، وفضَّله على من سأله ، بل ذم كثيراً ممن سأله السؤال الجائز مما يقدر عليه ، وعلمهم ترك سؤال الناس ليربيهم على تمام التعلق بالله وحده ، فماذا يقال لمن توجه له أو لغيره بطلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين ؟
    فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب « القناعة والتعفف » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يستعفف يعفه الله ، ومن يستغنِ يغنه الله ، ومن سألنا شيئا فوجدناه ؛ أعطيناه وواسيناه ، ومن استعف عنا واستغنى ؛ فهو أحب إلينا ممن سألَنا .
    قال محمد بن طاهر الهندي في كتابه « تذكرة الموضوعات » : إسناده جيد .[205]
    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نـزلت به فاقة فأنـزلها بالناس لم تُسد فاقته ، ومن نـزلت به فاقة فأنـزلها بالله ، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل .[206]
    وعن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله ؟ وكنا حديث عهد ببـيعة .
    فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله .
    ثم قال : ألا تبايعون رسول الله ؟
    فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله .
    ثم قال : ألا تبايعون رسول الله ؟
    قال : فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فعلام نبايعك ؟
    قال : على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، والصلوات الخمس ، وتطيعوا ، - وأسرّ كلمة خفية - ، ولا تسألوا الناس شيئا .
    فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه .[207]
    ولما سقط خطام ناقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ؛ أناخ ناقته وأخذه ، فقالوا له : أفلا أمرتنا نناولَكه؟
    فقال : إن حببي[208] رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أسأل الناس شيئا .[209]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    يتبع ان شاء الله
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو رقية المدنى ; 2010-06-17 الساعة 18:50 سبب آخر: تعديل
  4. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    عضو
    المشاركات: 59
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    *** تابع موضوع خمسون دليل على بطلان دعاء غير الله *** الوجه السادس والثلاثون : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله اعتزال الأنبياء لمن وقعوا في دعاء غير الله ولو كان الفاعل ذلك أقرب قريب للدلالة على بغض هذ الفعل ونكارته ، فهذا إبراهيم قال لقومه ]وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً[ ، في هذا تنبيه إلى أنه بادئهم بذكر اعتزالهم أولاً ، ثم عطف عليه باعتزال معبوداتهم .
    قال عماد الدين بن كثير ، له ، في معنى قوله ]ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه[ :
    يقول تبارك وتعالى ردا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله ، المخالف لملة إبراهيم الخليل ، إمام الحنفاء ، فإنه جرد توحيد ربه تبارك وتعالى ، فلم يدع معه غيره ، ولا أشرك به طرفة عين ، وتبرأ من كل معبود سواه ، وخالف في ذلك قومه ، حتى تبرأ من أبيه ، فقال ]يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين{ ، وقال تعالى}وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون . إلا الذي فطرني فإنه سيهدين{ ، وقال تعالى }وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم[ ، وقال تعالى {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا وما كان من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم . وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ، ولهذا وأمثاله قال تعالى {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} ، عن طريقته ومنهجه ، فيخالفها ويرغب عنها ، {إلا من سفه نفسه}، أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره ، بتركه الحق إلى الضلال ، حيث خالف طريق من اصطُفي في الدنيا للهداية والرشاد ، من حداثة سنة إلى أن اتخذه الله خليلا ، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء ، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته ، واتبع طريقة الضلالة والغي فأي سفه أعظم من هذا ؟ أم أي ظلم أكبر من هذا ؟ كما قال تعالى {إن الشرك لظلم عظيم} . انتهى .[210]
    وقد قرن الله بين اعتزال المشركين ومعبوداتهم في موضع آخر من القرآن في سورة الكهف فقال عن أصحاب الكهف {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا} ، وهذا هو حقيقة التوحيد وعلامة الإيمان الصادق.
    وهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة حطم جميع الأصنام التي كانت تعبد وتدعا من دون الله ، من التي كانت في جوف الكعبة والمحيطة بها وغيرها ، وتبعه على هذا أئمة الهدى .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه السابع والثلاثون ؛ أن من حق المنعم شكره على نعمه ، وشكر الله لا يكون إلا بعيادته عبادة خالصة ، ليس له فيها شريك ، كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً .[211]
    فمن عبد غير الله فقد شكر غير الله ، وجحد نعمة الله ، وقد ضرب نبـي الله يحيى بن زكريا صلى الله عليه وسلم مثلا للمشرك الذي يصرف العبادة إلى غير الله بالعبد الذي يعمل ويؤدي الغلة إلى غير سيده ، فعن الحارث الأشعري ؛ أن النبـي صلى الله عليه وسلم ذكر عن يحيى بن زكريا أنه مثّل من عبد غير الله بمثالٍ فقال : إن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورِق[212] أو ذهب ، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده ، فأيكم يسُـره أن يكون عبده كذلك ؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً .[213]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الثامن والثلاثون : ومما يدل على بطلان دعاء غير الله وأن فعلها كفر ؛ أنه لما جحدت بعض أحياء العرب فريضة الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه قتال ردة ، فكيف لو رأى من يقول بجواز صرف لب العبادة وخالصها – وهو الدعاء – لغير الله ؟
    فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو بكر رضي الله عنه[214] ، وكفر من كفر من العرب ، فقال عمر : فكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا « لا إلـٰه إلا الله » ، فمن قالها فقـد عَصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ؟
    فقال : والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها .
    قال عمر رضي الله عنه : فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه ، فعرفت أنه الحق .[215]
    ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :
    فإذا كان منع الزكاة مِن منعِ حق « لا إلـٰه إلا الله » ؛ فكيف بعبادة القبور ، والذبح للجن ، ودعاء الأولياء وغيرهم مما هو دين المشركين ؟![216]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه التاسع والثلاثون : أن دعاء الميت والتوجه إليه أشد من مجرد اتخاذ قبور الأنبياء مساجداً ، وقد ثبت بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد ، أي يصلون عندها ويدعون الله تعالى ، فإذا كان من اتخذها مسجدا يصلى فيها لله تعالى ويدعو الله ملعونا ؛ فالذي يقصدها ليدعو فيها غير الله ، ويتضرع فيها لغير الله ، ويخضع ويخشع فيها لغير الله ؛ أحق باللعنة .[217]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الأربعون : أن العبد لا يستقيم له أن يكون له أكثر من سيد يملكه ، لأن ستختلف أوامر ونواهي السادة عليه ، فعلى هذا فإنه لا يستقيم له أن يكون له أكثر من إلـٰه يعبده ، قال تعالى {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا} ، أي هل يستوي العبد الذي له سيد واحد بالعبد الذي له أكثر من سيد ؟
    فكذلك لا يستوي المشرك الذي آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ، فأين هذا من هذا ؟
    ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا قال {الحمد لله} أي الحمد لله على إقامة الحجة على كل من أشرك ، )بل أكثرهم لا يعلمون( ، أي فلهذا وقعوا في الشرك .[1]
    -------
    [1] بتصرف من تفسير ابن كثير لسورة الزمر ، الآية 29 .
    الوجه الحادي والأربعون : أن الإنسان لا يرضى على نفسه أن يشاركه أحد من عبيده فيما يملكه ، فكيف يرضى على الله أن يشاركه أحد من عبـيده فيما يستحقه من خالص حقه ، وهو عبادته وحده لا شريك له؟ قال تعالى )ألا لله الدين الخالص( ، وقال تعالى {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون{ ، وقال تعالى }هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء[ .
    قال ابن القيم رحمه الله :
    فمن أقبح الظلم أن يعطي العبد حق الرب لغيره ، أو يُشرِِّك بينه وبينه فيه ، ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه ، كما قال تعالى {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} ، أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكه في رزقه ، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به ، وهو الإلـٰهية التي لا تنبغي لغيري ، ولا تصلح لسواي ؟
    فمن زعم ذلك ؛ فما قدَرني حق قدري ، ولا عظّمني حق تعظيمي ، ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقي .
    فما قَـدر الله حق قدره مَن عبَد معه غيره ، كما قال تعالى {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} .[218]
    ثم قال :
    فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله ، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه ، وأنه يوجب الخلود في العذاب ، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه ، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده عبادة إلـٰه غيره ، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله ، وكيف يُظن بالمنفرد بالربوبية والإلـٰهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك ، أو يرضى به ، تعالى الله عن ذلك علوا كيرا .[219]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الثاني والأربعون : أن القلوب لا تصلح إلا بإفراد الله بجميع العبادات ، لاسيما الدعاء ، وإذا تعلق بغير الله وأحبه فوق الحد الشرعي ضره ذلك ، قال ابن رجب : في « جامع العلوم والحكم »[220] حيث قال :
    لا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ، وتمتلئ من ذلك ، وهذا هو حقيقة التوحيد ، وهو معنى قول « لا إلـٰه إلا الله » ، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلـٰهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له ، ولو كان في السماوات والأرض إلـٰه يؤلَّـه سوى الله لفسدت بذلك السماوات والأرض ، كما قال تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ، فعُـلِم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معاً حتى تكون حركات أهلها كلها لله ، وحركات الجسد تابعة لحركات القلب وإرادته ، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده ؛ فقد صلح وصلَحت حركات الجسد كلها ، وإن كانت حركة القلب وإراداته لغير الله تعالى ؛ فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب .
    وقال ابن القيم رحمه الله : تعلُّـق العبد بما سوى الله تعالى مضرةٌ عليه إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته ، غير مستعين به على طاعة الله ، فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك ، ولو أحب ما سوى الله ما أحب فلا بد أن يُسلَـبَـه ويفارقه ، فإن أحبه لغير الله فلابد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه إما في الدنيا وإما في الآخرة ، والغالب أنه يعذب به في الدارين ، قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنـزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنـزون}[221] ، وقال تعالى {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [222].[223]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    يتبع ان شاء الله
  5. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    عضو
    المشاركات: 59
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    *** الوجه الثالث والأربعون : ومن الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن العبد كلما كان أكثر توحيدا وذلاً لله وافتقاراً إليه كان أعز له وأعظم لقدره ، قال ابن تيمية رحمـه الله تعالى : العبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له ؛ كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره ، فأعظم الخلق أعظمهم عبودية لله ، وأما المخلوق فكما قيل : احتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره .
    فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يـَحتج إليهم بوجه من الوجوه ، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم ، ومتى احتجت إليهم – ولو في شربة ماء – نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم ، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ، ولا يُـشرك به .[224]
    وقال أيضا : وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه ؛ خضع قلبه لهم ، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك ، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لهم متصرفاً بهم ، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر ، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له ؛ يبقى قلبه أسيراً لها ، تتحكَّم فيه وتــتصرف بما تريد ، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها ، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها ، لاسيما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها ، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ، فإنها حينئذ تَحكَّم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه ، بل أعظم ، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن ، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن ، فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً ، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص ، وأما إذا كان القلب - الذي هو الملِك – رقيقاً مستعبداً مُـتيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض ، والعبودية لما استعبد القلب .[225]
    وقال ابن تيمية رحمـه الله أيضا: ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه ، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ، ولا يوالي إلا من والاه الله ، ولا يعادي إلا من عاداه الله ، ولا يحب إلا الله ، ولا يبغض شيئا إلا لله ، ولا يعطي إلا لله ، ولا يمنع إلا لله ، فكلما قوي إخلاص دينه لله كمُلت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات ، وبكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر والشرك .[226]
    فالحاصل أن العبد إذا أخلص العبادة لله استغنى عن المعبودات الأخرى ، وكفاه الله ووقاه من الشرور والآفات ، كما قال تعالى {أليس الله بكاف عبده} ، فكلما زادت العبودية زادت الكفاية والوقاية ، أما الذي ينـزل حاجته بمخلوق مثله فإنه لا يزال محتاجاً فقيراً معذباً لا يحصل له مطلوبه ، والعرب كانوا إذا نـزلوا وادياً أو مكاناً موحشاً استعاذوا بعظيم ذلك الوادي من الجن من أن تصيبهم الشرور ، فلما رأت الجن ذلك زادوهم خوفاً ورعباً كما قال تعالى {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهق} ، وهذا من براهين التوحيد ليكون الدين كله لله ، ولا يشرك معه أحد .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الرابع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين هو أن فاعلي ذلك ليسوا واثقين بما يفعلونه ولا ثابتين عليه ، فتراهم يتنقلون بين معبوداتهم ، فتارةً يدعون ميتاً ، وتارةً يدعون ميتاً آخر ، وآخرون يدعون غير الله في الرخاء وإذا أتــت الشدة أخلصوا الدعاء لله وحده ونسوا ساداتهم ومن كانوا يعبدونهم ، كحال المشركين الأولين الذين قال الله فيهم {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}.
    ومع شعور هؤلاء بهذه المخادعة النفسية إلا أنهم ماضون في دعاء غير الله ، بسبب التقليد وشدة الحاجة وضعف التعلق بالله العظيم ، ثم إن المضطر إذا كان ضعيف الإيمان أو عديمه ؛ فإنه لا يفكر إلا في قضاء حاجته بأي وسيلة ، شرعية كانت أو شركية!
    وهذا التنقل بين المعبودات ، والاضطراب في العبادة من براهين التوحيد ، فإن الذي يفرد الله بالعبادة والدعاء دائما لا يقع في شيء من ذلك ، بل هو مطمئن لما يفعل ، إن أجاب الله دعاءه فالحمد لله أن حصل له ما أراده ، وإن لم يحصل عوّضه الله في الآخرة ، أو دفع عنه من السوء في الدنيا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تُعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها . قالوا : إذا نكثر ، قال : الله أكثر .[227]
    فالحمد لله على نعمة الهداية .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    *** الوجه الخامس والأربعون : أن محبة العابد لمعبوده الذي يعبده من دون الله ليست إلا محبة مؤقتة ، سرعان ما تـنقطع إذا انتقل إلى معبودات أخرى ، أو تعرضت تلك الآلهة إلى الفناء والإندثار ، أما العابد لله وحده فيحب الله دائما ، بل ربما تقوى محبته وتعلقه بالله عند الكروب وبعدها ، وهذا من براهين التوحيد ، لتكون العبادة خالصة لله دوما .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    *** الوجه السادس والأربعون: أن الأمور العظيمة كإنـزال الغيث وكشف العذاب لا تحصل إلا بدعاء الله وحده ، قال الله تعالى {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتــتكم الساعة بغتة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتـنسون ما تشركون} ، وقال تعالى {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} ، وقال تعالى {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض} .
    بخلاف دعاء غير الله من أصحاب القبور وغيرهم ؛ فإنه لا تحصل به إلا الأمور الحقيرة التي تقوم بها الجن والشياطين ، التي تستمع لدعاء ذلك الداعي عند القبر فتجيبه وتخاطبه لتغويه ، ليظن ذلك الداعي أن صاحب القبر نفسه هو الذي أجاب دعاءه ، أو أنه توسط له عند الله ليجيب دعاءه .
    بل ربما خرق الله العادات بسبب دعاء لله وحده قام به مضطر ، كما حصل لزكريا عليه السلام لما دعا الله أن يرزقه الولد ، وكان زكريا كبـيراً وامرأته عاقراً لا تلد ، فاستجاب الله دعاءه .
    وروى البيهقي في « دلائل النبوة »[228] عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب جهز جيشا واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ، فلما كانوا ببعض الطريق أصابهم حر شديد ، فجهدوا وجهدت دوابهم ، فدعا الله بالسقيا ، فثارت سحابة وسقوا حتى امتلأت الغدر والشعاب ، فلما أتوا عدوهم - وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة - وقف على الخليج وقال : (يا علي ، يا عظيم ، يا حليم ، يا كريم) ، ثم قال : (أجيزوا باسم الله) ، قال أنس : فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ، فأصبنا العدو غِيلة[229] ، فقتلنا وأسرنا وسبينا ، ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته ، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا .
    والحاصل أن من البراهين الدالة على استحقاق الله وحده للدعاء ؛ كون الأمور العظيمة والخوارق والكرامات لا تحصل إلا بدعاء الله وحده .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه السابع والأربعون : أن الذين يدعون أصحاب القبور إنما يُستجاب لهم في النادر ، والغالب تخلف الإجابة ، مع الوضع في الإعتبار أن الذي أجاب دعاءهم هو الله وحده ، وإنما استجاب لهم نادرا مكرا بهم ليتمادوا في الضلال ، جزاء لهم على إعراضهم عن دعاءه أول مرة ، والله خير الماكرين .
    وأما الموحدون الذين يدعون الله وحده فإنه يستجاب للواحد بعد الواحد ، ولا تكاد تسقط دعوة لواحد منهم إلا لمانع ، وهذا من براهين التوحيد أيضا ، لتكون عبادة الدعاء خالصة لله .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الثامن والأربعون : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله ؛ إنكار واستغراب بعض الكفار لما يفعله عباد القبور عندها من دعاءها والتقرب لها ، قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:
    وقد كان كثير من اليهود والنصارى يعيبون على من يدّعي الإسلام ما يُفعل عند تلك المشاهد ، ويقولون : إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي ، وإن كان نهاكم عنه فقد عصيتموه ، والعامة والخاصة - بل اليهود والنصارى والمشركون - يعلمون أن محمد صلى الله عليه وسلم إنما بُعث بالأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة ما سواه ، وتكفيره[230] .[231]
    وقال الكاتب الأمريكي لو ثروب ستودارد وهو من المؤرخين المستشرقين الذين وصفوا انتشار قصد القبور والسفر إليها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الإسلامي ، قال وهو يصف العالم الإسلامي من الناحية السياسية والاجتماعية :
    وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء ، فأُلبست الوحدانية التي علَّمها صاحب الرسالة سِجنا من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من روادها ، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين ، يخرجون من مكان إلى مكان ، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ، ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء ، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور ، وغابت عن الناس فضائل القرآن ، فصار يُشرب الخمر والأفيون في كل مكان ، وعلى الجملة فقد بُدل المسلمون غير المسلمين ، وهبطوا مهبطا بعيد القرار ، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام ؛ لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين ، كما يُلعن المرتدون وعبدة الأوثان .[232]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه التاسع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء غير الله ما نراه من الأثر السيء الذي خلفه تعظيم القبور والأضرحة على الأمة في الناحية الدنيوية في أمور مهمة تتعلق بقوامة الأمة وعمارة الأرض التي أمر الله بها في قوله {هو الذي خلقكم في الأرض واستعمركم فيها لينظر كيف تعملون} ، وقوله {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} .
    وبيان ذلك أنه قلت رغبة الناس في بعض المجتمعات التي ينتشر فيها التعلق بغير الله في تعلم العلوم الطبية ، ورغِبوا عن التحصيل العلمي والدراسات الجامعية العليا ، لأنهم صاروا يرَون الطب الحقيقي هو الاستشفاء على يد الموتى بالتقرب لهم بما هو من خصائص الله تعالى ، ليس هذا فحسب ، بل أُهملت الخدمات الاجتماعية للأَحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات ، وليس هذا هو المنهج الذي ابتغاه الله للناس.
    وفي هذا يقول الباحث علي الزهراني
    وهكذا انصرف الناس إلى خدمة الأموات بإعمار أضرحتهم وبناء القباب عليها ، وصرفوا جهودهم وأموالهم ، وكان ذلك على حساب الاهتمام بخدمة الأحياء بالتربية والتعليم ، وتوفير وسائل العيش الكريم لهم ، وتقوية الأمة التي كان أعداؤها في الخارج يتربصون بها الدوائر .[233]
    بل قد هيأ هذا الانحراف العقدي الخطير الناس في القرن الهجري الماضي لقبول الغزو الفكري متمثلا في نشر العلمانية والشيوعية وغيرها ، كما سهل للأعداء التسلط عليهم واحتلالهم ، لأن أهل البلد اعتمدوا على موتى ، فوكَلهم الله إليهم .

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *** الوجه الخمسون : أن عمدة من يدعون غير الله إما شبهات حديثية ، كأحاديث ضعيفة أو مكذوبة ، أو شبهات عقلية ، أو تجارب وضعية ، أو قصص أو حكايات أو منامات ، وكل هذا لا يُعتمد عليه في فروع الدين فضلا عن أصوله ، قال ابن تيمية رحمه الله :
    وأما أولئك الضلال ، أشباه المشركين النصارى ، فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، أو منقولات عمن لا يـُحتج بقوله ، إما أن يكون كذباً عليه ، وإما أن يكون غلطاً منه ، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم ، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ؛ حرفوا الكلم عن مواضعه ، وتمسكوا بمتشابهه ، وتركوا محكمه ، كما يفعل النصارى .[234]
    وربما احتجوا بأمثلة جزئية خاصة لإثبات قضايا كلية عامة ، فيحتجون مثلا لإثبات جواز مطلق الاستغاثة - فيما يقدر عليه المخلوق وما لا يقدر عليه – بسؤال بعض الناس النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ، ومعلوم أن الذي ثبتت به السنة حق لا ريب فيه ، لكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع الدعاوى العامة ، وإبطال نقيضها ، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال جزئي ، لا سيما مع الاختلاف والتباين ، وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع الملاهي لكل أحد والتقرب بها إلى الله ؛ بكون الجاريتين غنتا عند عائشة رضي الله عنها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد ، مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليها .
    أو يحتج على استماع كل قول بقوله ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ ، ولا يدري أن القول هنا هو القرآن ، كما في قوله ﴿أفلم يدبروا القول[235] أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ ، وإلا فمسَـلّم أنه لا يسوغ استماع كل قول .[236]

    قال مقيده: ومن الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حديث : (إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور) ، وحديث : (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) ، وأشباهها .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الحادي والخمسون: ومن وجوه بطلان اتخاذ الواسطة أن فاعل ذلك قد حرم نفسه من فرح الله بإقباله إليه ، وانطراحه بـين يديه ، واستعاض عن هذا بالانطراح بين يدي ميت ، ليس له من الأمر شيء ، ولا يقربه من ربه بشيء ، ومن المعلوم أن الله أشد فرحا من عبده بإقباله إليه ولو بلغت ذنوب عبده عنان السماء ، قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبـي صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بـي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .[237]


    والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا .

    (منقــول)أسأل الله أن ينفع به المسلمين


  6. شكراً : 0
     
    تاريخ التسجيل : Apr 2010
    عضو
    المشاركات: 59
    لا يمكن النشر في هذا القسم
    *** الوجه الثالث والأربعون : ومن الأدلة على بطلان دعاء غير الله أن العبد كلما كان أكثر توحيدا وذلاً لله وافتقاراً إليه كان أعز له وأعظم لقدره ، قال ابن تيمية رحمـه الله تعالى : العبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له ؛ كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره ، فأعظم الخلق أعظمهم عبودية لله ، وأما المخلوق فكما قيل : احتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره .
    فأعظم ما يكون العبد قدرا وحرمة عند الخلق إذا لم يـَحتج إليهم بوجه من الوجوه ، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم ، ومتى احتجت إليهم – ولو في شربة ماء – نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم ، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ، ولا يُـشرك به .[224]
    وقال أيضا : وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه ؛ خضع قلبه لهم ، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك ، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لهم متصرفاً بهم ، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر ، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له ؛ يبقى قلبه أسيراً لها ، تتحكَّم فيه وتــتصرف بما تريد ، وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها ، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها ، لاسيما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها ، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ، فإنها حينئذ تَحكَّم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه ، بل أعظم ، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن ، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن ، فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً ، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص ، وأما إذا كان القلب - الذي هو الملِك – رقيقاً مستعبداً مُـتيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض ، والعبودية لما استعبد القلب .[225]
    وقال ابن تيمية رحمـه الله أيضا: ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه ، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ، ولا يوالي إلا من والاه الله ، ولا يعادي إلا من عاداه الله ، ولا يحب إلا الله ، ولا يبغض شيئا إلا لله ، ولا يعطي إلا لله ، ولا يمنع إلا لله ، فكلما قوي إخلاص دينه لله كمُلت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات ، وبكمال عبوديته لله يبرئه من الكبر والشرك .[226]
    فالحاصل أن العبد إذا أخلص العبادة لله استغنى عن المعبودات الأخرى ، وكفاه الله ووقاه من الشرور والآفات ، كما قال تعالى {أليس الله بكاف عبده} ، فكلما زادت العبودية زادت الكفاية والوقاية ، أما الذي ينـزل حاجته بمخلوق مثله فإنه لا يزال محتاجاً فقيراً معذباً لا يحصل له مطلوبه ، والعرب كانوا إذا نـزلوا وادياً أو مكاناً موحشاً استعاذوا بعظيم ذلك الوادي من الجن من أن تصيبهم الشرور ، فلما رأت الجن ذلك زادوهم خوفاً ورعباً كما قال تعالى {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهق} ، وهذا من براهين التوحيد ليكون الدين كله لله ، ولا يشرك معه أحد .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الرابع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء المخلوقين هو أن فاعلي ذلك ليسوا واثقين بما يفعلونه ولا ثابتين عليه ، فتراهم يتنقلون بين معبوداتهم ، فتارةً يدعون ميتاً ، وتارةً يدعون ميتاً آخر ، وآخرون يدعون غير الله في الرخاء وإذا أتــت الشدة أخلصوا الدعاء لله وحده ونسوا ساداتهم ومن كانوا يعبدونهم ، كحال المشركين الأولين الذين قال الله فيهم {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}.
    ومع شعور هؤلاء بهذه المخادعة النفسية إلا أنهم ماضون في دعاء غير الله ، بسبب التقليد وشدة الحاجة وضعف التعلق بالله العظيم ، ثم إن المضطر إذا كان ضعيف الإيمان أو عديمه ؛ فإنه لا يفكر إلا في قضاء حاجته بأي وسيلة ، شرعية كانت أو شركية!
    وهذا التنقل بين المعبودات ، والاضطراب في العبادة من براهين التوحيد ، فإن الذي يفرد الله بالعبادة والدعاء دائما لا يقع في شيء من ذلك ، بل هو مطمئن لما يفعل ، إن أجاب الله دعاءه فالحمد لله أن حصل له ما أراده ، وإن لم يحصل عوّضه الله في الآخرة ، أو دفع عنه من السوء في الدنيا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن تُعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها . قالوا : إذا نكثر ، قال : الله أكثر .[227]
    فالحمد لله على نعمة الهداية .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    *** الوجه الخامس والأربعون : أن محبة العابد لمعبوده الذي يعبده من دون الله ليست إلا محبة مؤقتة ، سرعان ما تـنقطع إذا انتقل إلى معبودات أخرى ، أو تعرضت تلك الآلهة إلى الفناء والإندثار ، أما العابد لله وحده فيحب الله دائما ، بل ربما تقوى محبته وتعلقه بالله عند الكروب وبعدها ، وهذا من براهين التوحيد ، لتكون العبادة خالصة لله دوما .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
    *** الوجه السادس والأربعون: أن الأمور العظيمة كإنـزال الغيث وكشف العذاب لا تحصل إلا بدعاء الله وحده ، قال الله تعالى {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتــتكم الساعة بغتة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتـنسون ما تشركون} ، وقال تعالى {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} ، وقال تعالى {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض} .
    بخلاف دعاء غير الله من أصحاب القبور وغيرهم ؛ فإنه لا تحصل به إلا الأمور الحقيرة التي تقوم بها الجن والشياطين ، التي تستمع لدعاء ذلك الداعي عند القبر فتجيبه وتخاطبه لتغويه ، ليظن ذلك الداعي أن صاحب القبر نفسه هو الذي أجاب دعاءه ، أو أنه توسط له عند الله ليجيب دعاءه .
    بل ربما خرق الله العادات بسبب دعاء لله وحده قام به مضطر ، كما حصل لزكريا عليه السلام لما دعا الله أن يرزقه الولد ، وكان زكريا كبـيراً وامرأته عاقراً لا تلد ، فاستجاب الله دعاءه .
    وروى البيهقي في « دلائل النبوة »[228] عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب جهز جيشا واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ، فلما كانوا ببعض الطريق أصابهم حر شديد ، فجهدوا وجهدت دوابهم ، فدعا الله بالسقيا ، فثارت سحابة وسقوا حتى امتلأت الغدر والشعاب ، فلما أتوا عدوهم - وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة - وقف على الخليج وقال : (يا علي ، يا عظيم ، يا حليم ، يا كريم) ، ثم قال : (أجيزوا باسم الله) ، قال أنس : فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ، فأصبنا العدو غِيلة[229] ، فقتلنا وأسرنا وسبينا ، ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته ، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا .
    والحاصل أن من البراهين الدالة على استحقاق الله وحده للدعاء ؛ كون الأمور العظيمة والخوارق والكرامات لا تحصل إلا بدعاء الله وحده .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه السابع والأربعون : أن الذين يدعون أصحاب القبور إنما يُستجاب لهم في النادر ، والغالب تخلف الإجابة ، مع الوضع في الإعتبار أن الذي أجاب دعاءهم هو الله وحده ، وإنما استجاب لهم نادرا مكرا بهم ليتمادوا في الضلال ، جزاء لهم على إعراضهم عن دعاءه أول مرة ، والله خير الماكرين .
    وأما الموحدون الذين يدعون الله وحده فإنه يستجاب للواحد بعد الواحد ، ولا تكاد تسقط دعوة لواحد منهم إلا لمانع ، وهذا من براهين التوحيد أيضا ، لتكون عبادة الدعاء خالصة لله .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الثامن والأربعون : ومن أدلة بطلان دعاء غير الله ؛ إنكار واستغراب بعض الكفار لما يفعله عباد القبور عندها من دعاءها والتقرب لها ، قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:
    وقد كان كثير من اليهود والنصارى يعيبون على من يدّعي الإسلام ما يُفعل عند تلك المشاهد ، ويقولون : إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي ، وإن كان نهاكم عنه فقد عصيتموه ، والعامة والخاصة - بل اليهود والنصارى والمشركون - يعلمون أن محمد صلى الله عليه وسلم إنما بُعث بالأمر بعبادة الله وحده ، والنهي عن عبادة ما سواه ، وتكفيره[230] .[231]
    وقال الكاتب الأمريكي لو ثروب ستودارد وهو من المؤرخين المستشرقين الذين وصفوا انتشار قصد القبور والسفر إليها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الإسلامي ، قال وهو يصف العالم الإسلامي من الناحية السياسية والاجتماعية :
    وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء ، فأُلبست الوحدانية التي علَّمها صاحب الرسالة سِجنا من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من روادها ، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين ، يخرجون من مكان إلى مكان ، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ، ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء ، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور ، وغابت عن الناس فضائل القرآن ، فصار يُشرب الخمر والأفيون في كل مكان ، وعلى الجملة فقد بُدل المسلمون غير المسلمين ، وهبطوا مهبطا بعيد القرار ، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام ؛ لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين ، كما يُلعن المرتدون وعبدة الأوثان .[232]
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه التاسع والأربعون : ومن وجوه بطلان دعاء غير الله ما نراه من الأثر السيء الذي خلفه تعظيم القبور والأضرحة على الأمة في الناحية الدنيوية في أمور مهمة تتعلق بقوامة الأمة وعمارة الأرض التي أمر الله بها في قوله {هو الذي خلقكم في الأرض واستعمركم فيها لينظر كيف تعملون} ، وقوله {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} .
    وبيان ذلك أنه قلت رغبة الناس في بعض المجتمعات التي ينتشر فيها التعلق بغير الله في تعلم العلوم الطبية ، ورغِبوا عن التحصيل العلمي والدراسات الجامعية العليا ، لأنهم صاروا يرَون الطب الحقيقي هو الاستشفاء على يد الموتى بالتقرب لهم بما هو من خصائص الله تعالى ، ليس هذا فحسب ، بل أُهملت الخدمات الاجتماعية للأَحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات ، وليس هذا هو المنهج الذي ابتغاه الله للناس.
    وفي هذا يقول الباحث علي الزهراني
    وهكذا انصرف الناس إلى خدمة الأموات بإعمار أضرحتهم وبناء القباب عليها ، وصرفوا جهودهم وأموالهم ، وكان ذلك على حساب الاهتمام بخدمة الأحياء بالتربية والتعليم ، وتوفير وسائل العيش الكريم لهم ، وتقوية الأمة التي كان أعداؤها في الخارج يتربصون بها الدوائر .[233]
    بل قد هيأ هذا الانحراف العقدي الخطير الناس في القرن الهجري الماضي لقبول الغزو الفكري متمثلا في نشر العلمانية والشيوعية وغيرها ، كما سهل للأعداء التسلط عليهم واحتلالهم ، لأن أهل البلد اعتمدوا على موتى ، فوكَلهم الله إليهم .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *** الوجه الخمسون : أن عمدة من يدعون غير الله إما شبهات حديثية ، كأحاديث ضعيفة أو مكذوبة ، أو شبهات عقلية ، أو تجارب وضعية ، أو قصص أو حكايات أو منامات ، وكل هذا لا يُعتمد عليه في فروع الدين فضلا عن أصوله ، قال ابن تيمية رحمه الله :
    وأما أولئك الضلال ، أشباه المشركين النصارى ، فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، أو منقولات عمن لا يـُحتج بقوله ، إما أن يكون كذباً عليه ، وإما أن يكون غلطاً منه ، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم ، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ؛ حرفوا الكلم عن مواضعه ، وتمسكوا بمتشابهه ، وتركوا محكمه ، كما يفعل النصارى .[234]
    وربما احتجوا بأمثلة جزئية خاصة لإثبات قضايا كلية عامة ، فيحتجون مثلا لإثبات جواز مطلق الاستغاثة - فيما يقدر عليه المخلوق وما لا يقدر عليه – بسؤال بعض الناس النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ، ومعلوم أن الذي ثبتت به السنة حق لا ريب فيه ، لكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع الدعاوى العامة ، وإبطال نقيضها ، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بمثال جزئي ، لا سيما مع الاختلاف والتباين ، وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع الملاهي لكل أحد والتقرب بها إلى الله ؛ بكون الجاريتين غنتا عند عائشة رضي الله عنها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد ، مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليها .
    أو يحتج على استماع كل قول بقوله ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ ، ولا يدري أن القول هنا هو القرآن ، كما في قوله ﴿أفلم يدبروا القول[235] أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ ، وإلا فمسَـلّم أنه لا يسوغ استماع كل قول .[236]
    قال مقيده: ومن الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حديث : (إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور) ، وحديث : (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به) ، وأشباهها .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
    *** الوجه الحادي والخمسون: ومن وجوه بطلان اتخاذ الواسطة أن فاعل ذلك قد حرم نفسه من فرح الله بإقباله إليه ، وانطراحه بـين يديه ، واستعاض عن هذا بالانطراح بين يدي ميت ، ليس له من الأمر شيء ، ولا يقربه من ربه بشيء ، ومن المعلوم أن الله أشد فرحا من عبده بإقباله إليه ولو بلغت ذنوب عبده عنان السماء ، قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبـي صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بـي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .[237]
    والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسلميا كثيرا .
    (منقــول)أسأل الله أن ينفع به المسلمين
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع